حـــروب الشـــياطـــين

حـــروب الشـــياطـــين1
الشيطان دائم الحرب ولا ييأس أبدًا
الشيطان يحسد القديسين ولا يحتمل محبة الله لهم بسبب حروب الشياطين امتلأت حياة القديسين بالضيقة مع حروب الشياطين يمنح الرب نعمة لمقاتلتهم الأســلحة الــروحــية التــي تغلب الشــيطان.
الشيطان دائم الحرب والمقاومة لملكوت الله منذ البدء منذ أن سقط بكبريائه وأسقط معه طغمات من الملائكة.
ثم أسقط أبوينا الأولين ثم طاف في الأرض يحارب القديسين لا يمل من الجولان في الأرض والتمشي فيها (أى1).
ويقول عنه معلمنا بطرس الرسول إنه “مثل أسد زائر، يجول ملتمسًا من يبتلعه هو”. ولذلك كانت للأبرار حرب مستمرة مع قوى الشر، يقول فيها معلمنا القديس بولس “البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس. فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم… بل مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 10 – 12).
الشيطان يحارب حتى الملائكة وحتى السيد المسيح نفسه!
فالتجربة على الجبل معروفة للكل، تجرأ فيها الشيطان أن يحارب رب المجد.
ومن جهة الملائكة يقول القديس يوحنا الرائي “وحدثت حرب في السماء: ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته” (رؤ12: 7). وقيل عن الشيطان أيضًا إنه “أعطي أن يصنع حربًا مع القديسين” (رؤ13: 7).
الشيطان لا ييأس أبدًا ولا يمل ولا يترك أحدًا.
على الرغم من معرفته أن أيوب الصديق “رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر” (أى1: 8) إلا أنه تقدم في تحد وحاربه”.
حارب داود النبي، وهو يعلم أن روح الله قد حل عليه. وحارب سليمان الحكيم، وهو يعلم أنه أحكم أهل الأرض في زمانه. وحارب شمشون الجبار، وهو يعلم قوته وأنه نذير الرب، وروح الرب عليه. وحارب جميع الأنبياء والرسل…
ويجد لذة في محــــاربة الأقوياء
حتى قيل في الكتاب عن الخطية أنها “طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء”. وهكذا انفرد الشيطان بحيل كثيرة لمحاربة قديسي البرية وساكني الجبال، كما حارب القديس الأنبا أنطونيوس بكافة ألوان الحروب، وحتى قال بولس الرسول “نحن لا نجهل حيله…”
إن الشـــيطان يحســـد القديسين
إنه لا يحتمل محبة القديسين لله، ولا محبة الله لهم. ولا يحتمل النعمة المعطاة لهم من الله. لذلك إن وجدهم بدأوا في عمل روحي، يجند كل طاقاته لمحاربتهم، لعلهم يتعبون منه ويرجعون، أو لعله يسقطهم، أو على الأقل يضعفهم…
لقد حسد آدم وحواء، حينما خلقهما الله على صورته ومثاله، ووضعهما في الجنة، ومنحهما سلطانًا… ووجد فرحًا عظيمًا في إخراجهما من الجنة…
وهكذا يحسد الذين يتفرغون للصلاة، والذين يمتلئ قلبهم بمحبة الخير، والذين يبدأون في التداريب الروحية، ويظل يقاتل كل هؤلاء بمنتهى العنف.
ولذلك نجد الضيقات ملازمة لحياة القديسين وغالبيتها من حسد الشياطين.
وهكذا يقول الكتاب “بضيقات كثيرة ينبغي أن ترثوا ملكوت الله”. ويقول “في العالم يكون لكم ضيق” ويقول أيضًا “ضيق هو الباب، وكرب هو الطريق، الذي يؤدي إلى الملكوت”.
وكل الذين عاشوا بالتقوى تعرضوا لشتى الآلام، حتى اعتبرت الآلام بركة وقال الرسل “إن تألمتم من أجل البر فطوباكم”.
والشيطان يحارب إما مباشرة أو بطريق غير مباشر.
أما محاربته المباشرة، فهي مع كبار القديسين، الذين تصدى لهم وجهًا لوجه، أولئك الذين عرف الرب عنهم أنهم في المستوى الذي يسمح بمحاربة الشيطان المباشرة. ولكن غالبية البشر لا يواجههم الشيطان بنفسه، بشكل مرئي، إنما بطرق أخرى في مستوى قدراتهم.
على أن حرب الشيطان تقابلها نعمة من الرب كيما يستطيع الإنسان البار أن يقاوم…
لذلك كان قديسو الله لا يخافون الشياطين أبدًا، لأن النعمة المعطاة كانت تمنحهم قوة في القلب وقوة في الإرادة، وكانت تقودهم في موكب النصرة، وتمنع عنهم الخوف…
ونحن نقول في صلاة الشكر:
“أعطيتنا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو”. وعبارة “كل قوة العدو” لا تحتمل أي استثناء.
وحينما أرسل السيد المسيح تلاميذه، “أعطاهم سلطانًا على جميع الشياطين” (متى10). وكانت قوة إخراج الشياطين ملازمة للمؤمنين القديسين في كل العصور.
والقديس الأنبا أنطونيوس الذي جرب حروب الشياطين في عنفها وتنوعها: ألقى على تلاميذه عظة طويلة عن ضعف الشياطين، سجلها القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه عن حياة أنطونيوس.
إذًا لا يخف أحد من الشياطين
إنهم ليسوا مطلقي الحرية والقوة. فكل عملهم محدود بسماح الله لهم في الحركة والتجربة. وهم تحت سيطرة الله ضابط الكل، يستطيع أن يفنيهم إن أراد، أو يمنعهم إن أراد.
إنما الله يسمح للشيطان أن يحارب أولاده، لكي يأخذ أولاده خبرة في الحرب الروحية، ولكي يتعمقوا في صلواتهم طالبين معونة الله، ولكي يتضعوا إذا اشتدت الحرب عليهم ووجدوا أنفسهم على حافة السقوط، ولكي تكون لدى القديسين عواطف الاشفاق على المجربين، كما قال بولس الرسول “اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضًا مثلهم. واذكروا المذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد” (عب13: 2).
وهكذا لا تخلو حروب الشياطين من فوائد روحية
وذلك بالنسبة إلى القديسين الصامدين الأقوياء في الحروب، الذين يفهمون حيل الشياطين ويتصدون لهم بسلاح الصلاة وبنعمة الله العاملة فيهم، ويرون كيف يعمل الله معهم وكيف يطرد الشيطان أمامهم. كما قال “أبصرت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء”.
والشيطان ينهزم أمام الاتضاع
لقد سقط الشيطان بالكبرياء، لذلك فإنه لا يقوى أبدًا على المتضعين، الذين يجد فيهم صفة عجز هو عن اكتسابها.
مجرد وجود المتضعين يجعل الشيطان يحس بعجزه ونقصه، ويرى فيهم صورة الله المتضع الذي هزمه.
قال القديس الأنبا أنطونيوس: أبصرت فخاخ الشياطين مبسوطة على الأرض كلها، فصرخت وقلت: يا رب، من يفلت منها، فأتاني الصوت: المتضعون يفلتون.
وفي إحدى المرات ظهر الشيطان للقديس أبا مقار الكبير، وقال له: بشيء واحد تغلبنا، فلما سأله عنه، قال له: بتواضعك…
ولهذا كان إخراج الشيطان يحتاج إلى اتضاع قلب
اتضاع مثل اتضاع القديس بولس البسيط تلميذ الأنبا أنطونيوس.
قال أحد القديسين: الاتضاع والمسكنة يخضعان لنا حتى الوحوش.
وإلى جوار الصلاة والاتضاع لجلب معونة الله، يوجد سلاح آخر.
الانتصار على الشيطان يحتاج إلى حكمة وإفراز…
إن الشيطان ماكر جدًا، ويلزم الإنسان في محاربته، أن يكون يقظًا جدًا، صاحيًا، حكيمًا، يستطيع أن يميز أعمال الشياطين وحروبهم، فلا يخدعونه بحيلهم وأكاذيبهم …
إن الشيطان يستطيع أن يظهر في هيئة ملاك من نور، لكي يخدع الإنسان ويستطيع أن يظهر في أحلام وفي رؤى كاذبة، تخدع غير الحكماء، الذين يصدقون كل ما يرونه من أحلام ومن رؤى…! بل قد يكلمهم بأصوات يظنونها من فوق…
وفي سير القديسين نجد أمثلة عديدة لحيل الشياطين وخداعاتهم، التي يحاولون بها أن يضلوا لو أمكن القديسين أيضًا…
والشيطان قد يقدم للإنسان أفكارًا ومقترحات، ويصورها له أنها للخير. وقد يجعل قلبه يتقد بحرارة شديدة تدفعه إلى عمل معين ضار، ظانًا أن هذه الحرارة هي من الروح القدس!
لهذا كله ينبغي لإنسان الله أن يكون ذا بصيرة روحية تستطيع أن تميز عمل الشيطان.
وقد قال الكتاب في ذلك نصيحة عميقة جدًا هي “ميزوا الأرواح”…
وقال “افحصوا كل شيء، وتمسكوا بالحسن”. وما أكثر الذين ضلوا لأن الشياطين لعبت بهم، وقدمت لهم أفكارًا مضللة، وأزاغتهم عن طريق الله…
ذلك لأن الشياطين يمكنهم أن يجعلوا خطايا عديدة تلبس “ثياب الحملان” وتظهر في هيئة فضائل…
فعلى الإنسان أن يحترس جدًا في حروبه الروحية، ولا ينفذ كل فكر يأتي إليه، فربما لا يكون هذا الفكر من الله، وقد يكون من حيل الشياطين.
لهذا فإن الحرب الروحية تحتاج أيضًا إلى مشورة تحتاج أيضًا إلى مشورة صالحة
الذين يندفعون بدون ترو، ما أسهل أن يسقطوا والشيطان باستمرار يريدك أن تتصرف بسرعة، بانفعال، بدون أن يعطيك وقتًا لكي تفكر، أو لكي تصلي، أو لكي تستشير…
إنه يشعلك بالفكرة التي يريدها، ويدفعك دفعًا لتنفيذها، ويقنعك أنها من الروح القدس…
أما أنت يا رجل الله، فتذكر قول أحد الآباء: كل فكر يأتيك ويدفعك لتنفيذه بسرعة ويشعلك، احترس منه، ربما يكون من الشيطان…
أما أعمال الله فإنها هادئة والأفكار التي تأتي من الله، كلها تتصف بالسلام القلبي …
وحتى إن لم تستطع أن تميز بنفسك استشر الروحيين العارفين. فالمشورة تكشف أعمال الشيطان.
وقد قال الحكيم “الذين بلا مرشد، يسقطون مثل أوراق الشجر”.
وقد كتب القديس مار أوغريس كتابًا جميلاً في حروب الشياطين.
لعلني أجد وقتًا في العدد المقبل، إن أحيانا الرب وعشنا، أن أحدثك في إسهاب أكثر عن حروب الشياطين…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 8-2-1981م



