حروب الشياطين

حروب الشياطين (2)1
الشيطان له خبرة طويلة في محاربة البشر
هو عالم نفساني، شيطان مكور، نهاز للفرص،
شيطان لحوح لا يضجر، وذكي، وكثير القدرات:
شيطان فيلسوف، وشاعر، وفنان، وممثل…
هناك شيطان عطوف، يبرر لك أخطاءك، ويشجعك.
تحدثنا في العدد الماضي عن حروب الشياطين. ونود اليوم أن نشرح صفات هؤلاء الشياطين وحيلهم في محاربتهم للإنسان، حتى يمكن الاحتراس في هذه الحروب الروحية.
كما نود أيضًا أن نشرح كيفية الانتصار على هذه الأرواح الشريرة.
أول شيء ندركه أن الشيطان له خبرة طويلة في إسقاط الإنسان.
ينبغي أن تعرف في محاربة الشياطين، أنك تقاتل روحًا له أكثر من سبعة آلاف سنة خبرة مع النفس البشرية، في دراسة ضعفاتها، ومواضع النقص والضعف فيها، وطرق الانتصار عليها.
له خبرة في مقاتلة أنواع لا تحصى من البشر، من كل مراحل العمر والثقافة، ومن مختلف الأجناس والألوان والقامات الروحية، ومن مختلف الطبائع والطباع.
لا شك أن الشيطان عالم نفساني من الدرجة الأولى…
النفس البشرية بالنسبة إليه كتاب مفتوح، يقرأ فيه كل شيء عنها.
إنه يعرف متى يحارب، ومتى يهادن.
متى يكون الإنسان سهل السقوط، ومتى يتركه لينتصر عليه، ثم يضربه بالكبرياء نتيجةً لهذا الانتصار. وهكذا يكسب جولة في هزيمة الإنسان كما في انتصاره!!
إنه شيطان مكور…
أي أنه يمكنه أن يتقلب على أي وجه، يتدرج في كل اتجاه في حربه مع الإنسان. لا يلعب لعبة المكعبات التي تستقر على وجه واحد، إلا مع الضعفاء الذين استقرت بهم الهزيمة في خطية معينة.
أما مع المجاهدين في حياة الروح، فإنه مكور، يتقلب على كل وجه في أساليبه، لا تعرف من أين تأتي حروبه، يرى أن كل وضع يوصله. إنه يحارب بالبر الزائد، كما يحارب بالخطية البشعة، حسب الظروف التي يراها…
في إحدى المرات، ذهب إلى القديس الأنبا أنطونيوس، وأيقظه لكي يصلي!! ورفض القديس أن يسمع له…
وقد يرسل إنسانًا إلى الخدمة!
ويدفع آخر بالغيرة المقدسة لأجل الملكوت!
إنه شيطان ذكي…
بل هو ذكي جدًا، لما دخل في الحيّة، قيل إنها “أحيل حيوانات البريّة” (تك ٣). وفي ذكائه لا تهمه الخطوة الأولى التي يخطوها الإنسان، إنما تهمه الخطوة الأخيرة التي يوصله إليها.
لذلك يمكن أن يبدأ بخطوة تبدو فضيلة، ولكنها فضيلة في غير أوانها، أو متطرفة، أو بغير فهم، أو غير مناسبة، أو هي فضيلة حسنة، ولكنه يدخل فيها كل هذه الصفات ليشوهها.
كأن يدعو إنسانًا إلى الغيرة المقدسة. وفي هذه الغيرة يجعله يشتم ويخاصم ويحارب ويحتد ويدين ويشيع المذمّة، ويضيع كل وقته في السلبيات، ويظن أنه أفضل من الكل وأكثر حكمة…
وهكذا يضيعه باسم الغيرة المقدسة!!
نقطة البدء إذًا لا تهم الشيطان، إنما يهمه ما ينتهي إليه، ولو من نقطة بدء مقدسة!
لذلك قد تبدأ في الخدمة، فلا يمنعك الشيطان، بل يشجعك عليها، ثم يشترك معك فيها، ويقدم لك نصائحه في الخدمة لكي تكون ناجحة!
وبهذه النصائح، ودون أن تشعر إنها منه، يضيعك في الخدمة!
ويمكن أن يشجعك على مزيد من الخدمة، باسم الأمانة فيها، ومحاولة الوصول إلى الكمال، وحاجة الآخرين، حتى لا تجد أخيرًا وقتًا لنفسك ولروحياتك فتجف حياتك وتفتر، كما لا تجد وقتًا لكل خدماتك، فتفقد التحضير لها، وتصبح خدمة بلا عمق، وتصبح حياتك بلا صلاة، بلا تأمل، بلا حرارة.
وتحتد في الخدمة وتغضب وتسيء إلى غيرك دفاعًا عن الخدمة.
ويكون الشيطان قد وصل إلى ما يريد من نقطة بدء مقدسة.
والشيطان أيضًا نهاز للفرص…
لا يدع فرصة تمر عليه دون أن يستفيد منها، أو يحاول الاستفادة منها…
رأى السيد المسيح قد جاع بعد صوم طويل، فأقبل إليه يقول “إن كنت ابن الله، قل أن تصير الحجارة خبزًا” “مت ٤”.
إنه ينتهز الفقر أو المرض لكي يشكك الناس في محبة الله!
وينتهز رسوب طالب في امتحان، لكي يقنعه بأن رسوبه هو نتيجة لتخلي الله عنه، وعدم مساعدة الله عنه، فيجب أن يرد على الله بالمثل ويترك الكنيسة والاجتماعات، ويترك الصلاة مادام الله لم يستجب لصلواته.
ينتهز فترات التعب والإرهاق وضعف الأعصاب، ليحارب بخطية الغضب…
وينتهز فترات الاسترخاء ليحارب بالشهوة. وينتهز أخطاء الآخرين ليحارب بالإدانة. ينتهز عدم فهم إنسان لآية معينة، لكي يحاربه بالشك، أو لكي يقدم له تفسيرًا خاطئًا يقوده إلى الانحراف عن العقيدة!
يعوزنا الوقت إن تحدثنا عن كيفية انتهاز الشيطان للفرص.
حتى مع القديسين…
انتهز شعور أبينا إبراهيم في تأخر الله عليه من جهة الوعد بالنسل، فدفعه إلى طرق بشرية.
وانتهز خوف بطرس الرسول، فدفعه إلى إنكار المسيح، وإلى أن يسب ويلعن ويقول: لا أعرف الرجل!
وانتهز محبة أبينا يعقوب للبكورية وللبركة، فقاده إلى أن يخدع أباه إسحق…
الشيطان أيضًا لحوح…
إنه لا يضجر أبدًا من محاربته للإنسان. إن فشل في اسقاطه ألف مرة، يبدأ في المرة الواحدة بعد الألف، وبصبر طويل، وبكل نشاط، وبدون خجل من الفشل…
لقد حارب أحد الرهبان في خطية واحدة مدى خمسين عامًا، حتى أسقطه أخيرًا. وفرح بسقوطه بعد هذه المدة الطويلة، أكثر من إسقاطه للعينات السهلة التي تستجيب له بسرعة!
إنه جريء في إلحاحه. حارب المسيح مدى أربعين يومًا، في فشل مستمر. وبعد هزيمته الأخيرة من المسيح، يقول الكتاب “فتركه إلى حين”. ولم يضجر، بل استمر حتى إلى الصليب، وقال على فم البعض “لو كنت ابن الله، انزل من على الصليب”.
والشيطان كثير القدرات، يمكن أن يتقدم مثلًا كفيلسوف…
بل إنه هو نفسه الذي اخترع الفلسفات الكثيرة الإلحادية، التي تنكر وجود الله، أو تحاربه، أو تجدف عليه أو تثير الشكوك في كل ما هو مقدس!
وهو في ذلك يلح على الفكر إلحاحًا مرهقًا، ويقدم له أفكارًا متتابعة معقدة تحاول أن تحطم إيمانه.
وقد حاول أن يحول المسيحية إلى فلسفة فلم يستطع…
ومازال الشيطان كثير الجدل يثير المناقشة في اللاهوتيات…
وهو الذي آثار كل البدع والهرطقات، وقدم أفكار الشك، التي يحول بها بساطة الإيمان إلى متاهات العقل.
وقد صدق القديس أثناسيوس، حينما قال في محاربته لهرطقة أريوس، إنما عدونا الأول ليس هو أريوس، إنما هو الشيطان…
بل كثيرًا ما يحاول الشيطان أن يحول الروحيات أيضًا إلى فلسفة، بالمنهج العقلي، لكي يشغل الناس بالجدل في هذه الروحيات بدلاً من انشغالهم بممارستها.
إنه يقدم معارف ضارة، ويحرض الناس على هذه المعرفة…
وكما فعل في القديم، مازال حتى الآن يفعل: يقدم للناس في كل يوم ثمارًا جديدةً من شجرة معرفة الخير والشر.
وفي معارفه، يفقد الإنسان بساطته وبراءته ونقاوته، ويفتح عينيه ليتعرف على ما يضره، إن لم يكن من الشهوات، فمن جهة أسرار الناس وخبايا حياتهم.
وفي كل هذه المعارف يشغل الناس عن المعرفة الأساسية النافعة لهم، أعني معرفة الله، ومعرفتهم لأنفسهم…
لعبة الشيطان الأولى هي أن يضيع وقت الإنسان…
شغله بأية الطرق، حتى لا يهتم بروحياته. المهم إنه لا يجلس مع الله، ولا يجلس مع نفسه. وفي سبيل ذلك يقدم له الشيطان اهتمامات لا حصر لها، ومسليات، وهوايات، وملاذ من كل نوع.
يريد أن يحول مجرى تفكيره إلى اتجاه آخر غير الله. فإن وقف يصلي، يشوش عليه صلواته وتأملاته، ويقدم له أفكارًا أخرى ليطيش بها عقله…
وكما أن الشيطان فيلسوف ومفكر
هو أيضًا شاعر وفنان…
يستطيع أن ينظم الشعر، بل كثير من كبار الأدباء، كانوا يتحدثون عن “شيطان الشعر”. ولذلك ليس عجيبًا أن روحًا من الأرواح تقدم شعرًا، ولا مانع من أن تنسبه إلى أحد الشعراء…
والشيطان فنان، يمكن أن يقدم ألوانًا من الصور التي تخدم أهدافًا يريدها، أو تماثيل تخدم أغراضه أيضًا. ويمكنه أن يقدم موسيقى تثير مشاعر خاصة يريدها الشيطان…
إن الفن جميل في ذاته، سواء كان شعرًا، أو رسمًا أو موسيقى أو نحتًا، ولكن إذا دخل فيه الشيطان، حوله من غرضه السامي إلى أغراضه هو، بالأسلوب الشيطاني الذي يضيع الروحيات، ويحول الفكر والشعور والحس، إلى نواح جسدية أو مادية…
والشيطان يقدم ضمن فنونه، ألوانًا من الرقص، ومن الهزل، ومن الفولكلور. هو يدخل كل شيء كخبير!
والشيطان إذا اشتغل بالتمثيل يمكنه أن ينتحل أي شخصية…
يمكنه أن يظهر في هيئة “ملاك من نور” ليخدع الإنسان. ولا مانع من أن يقول مثلاً “أنا الملاك جبرائيل، جئت لأبشرك بشيء”!
وأحيانًا كان يدعي أنه المسيح. وفي الأيام الأخيرة سيرسل مسحاء كذبة كثيرين ليضلوا المؤمنين.
وقد يظهر الشيطان في رؤى كاذبة أو أحلام كاذبة، وينتحل أية شخصية روحية! إنه ممثل ماهر ومضلل…
وفي الشغوفين بتحضير الأرواح، يمكن للشيطان أن يحضر باسم أي شخص، ويقلد صوته، وشكله، ويحكي أسراره. إنه كذّاب…
وللأسف كثيرون يصدقونه وينخدعون به وبتمثيله ويظنون ما يقوله حقًا. لقد ظهر للأنبا غاليون السائح في هيئة ثلاثة من السواح القديسين… وظهر للأنبا موسى السائح في هيئة شيخ وقور سابح في التأملات!
وهناك شيطان “عطوف”!
يبرر لك أخطاءك، أو يقدم لك أعذارًا، أو يشفق على صحتك من كثرة الخدمة، أو ينصحك بالإقلال من العمل الروحي حتى لا تقع في التطرّف، ويمنعك من الحزن على خطاياك إشفاقًا على نفسيتك…
لعلني أستطيع في العدد المقبل أن أحدثك عن كيف تحارب الشياطين وتغلبهم.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 15-2-1981م




