تأملات في مثل الزارع
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن مثل الزارع الذي ورد في الأناجيل الثلاثة: متى ومرقس ولوقا، موضحًا أن المثل لا يتحدث فقط عن الزرع، بل عن تجاوب الإنسان مع كلمة الله. فالكلمة واحدة، والزارع واحد، ولكن الثمر يختلف بحسب نوع الأرض أي بحسب استعداد القلب والعقل والإرادة لقبول عمل الله.
١. معنى المثل ومغزاه
الزارع هو السيد المسيح نفسه أو أحد خدامه الذين ينقلون كلمة الله إلى الناس، والبذار هي كلمة الرب.
لكن ثمار الكلمة لا تعتمد على الزارع أو على البذرة، بل على نوع الأرض التي تستقبلها، أي على قلب الإنسان واستجابته الداخلية.
٢. تنوع الأراضي رمز لتنوع القلوب
-
الطريق: يرمز إلى القلب المغلق الذي لا يقبل الكلمة، حيث يخطفها العدو سريعًا قبل أن تدخل. هؤلاء يسمعون ولا يفهمون، وتبقى الكلمة خارج قلوبهم.
-
الأرض المحجرة: تمثل القلب السطحي الذي يقبل الكلمة بفرح مؤقت، لكن دون عمق. ما إن تأتي التجربة أو الضيق حتى يسقط.
-
الأرض المليئة بالشوك: تشير إلى القلوب التي تخنقها هموم العالم وشهواته — المال، المجد، الشهوة — فتُفسد نمو الكلمة.
-
الأرض الجيدة: هي القلب المستعد المتضع الذي يقبل الكلمة بعمق، فيثمر ثلاثين وستين ومئة ضعف، بحسب درجة النمو الروحي والنعمة المعطاة له.
٣. الله يزرع في كل مكان برحمته
قداسة البابا يوضح أن الله لا يستثني أحدًا من كلمته، فهو يلقي البذار حتى على الطريق وعلى الأرض المحجرة والمليئة بالشوك.
لأن الله “يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون”، ولا يشاء موت الخاطئ بل رجوعه وحياته.
٤. الكلمة تصل إلى الجميع بطرق متنوعة
كلمة الله تأتي عن طريق الكتاب المقدس، أو العظات، أو الأحداث اليومية التي يستخدمها الله لتذكير الإنسان.
فالمهم ليس وصول الكلمة بل مفعولها في القلب. كما استجاب القديس أنطونيوس لكلمة سمعها فترك كل شيء، بينما الشاب الغني سمعها ورفض.
٥. الاستجابة والعمق الروحي
المشكلة ليست في الكلمة، بل في القلب: هل يقبلها بعمق؟ هل يسمح لها بأن تمتد جذورها وتثبت؟
الإيمان السطحي سرعان ما ينهار أمام الصعوبات، أما الإيمان العميق فهو الذي يصمد أمام التجارب مثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه.
٦. خطر الشوك الروحي
الشوك يرمز إلى هموم العالم وشهواته، التي قد تبدو صغيرة لكنها تخنق الكلمة.
قداسة البابا يوضح أن الشهوة ليست فقط جسدية، بل قد تكون شهوة المال، أو الشهرة، أو السلطة — كلها تخنق العمل الإلهي في النفس.
٧. أسرار ملكوت الله
يشرح البابا أن المثل يحتوي على “أسرار ملكوت السماوات”، التي تُعلن للمؤمنين أصحاب العيون الباصرة والآذان السامعة.
أما القساة القلوب، فلا يفهمون لأنهم لا يريدون أن يسمعوا أو يتوبوا.
٨. الثمار المختلفة ومعناها الروحي
الذين يثمرون ثلاثين، أو ستين، أو مئة ضعف يمثلون درجات النمو الروحي:
المبتدئون، السائرون في الطريق، والذين وصلوا إلى الكمال.
وكل ثمر هو عطية من الله الذي ينمي، كما قال بولس الرسول: “أنا غرست وأبلوس سقى، لكن الله كان ينمي.”
الرسالة الروحية:
المثل يدعونا أن نكون أرضًا جيدة، قلوبًا مفتوحة تقبل كلمة الله وتثمر بعمل النعمة فيها.
الكلمة الإلهية تملك حياة في ذاتها، لكنها تحتاج إلى قلب مستعد، متواضع، خالٍ من الشوك، عميق في الإيمان، حتى تنمو وتأتي بثمر سماوي يليق بملكوت الله.




