تأملات في قيامة المسيح

تأملات في قيامة المسيح..1
لقد أتى السيد المسيح ليمحو الخطية ويمحو نتائجها، ومن نتائج الخطية الموت. وقد محا خطية العالم بموته على الصليب، وبقي أن ينتصر على الموت الذي أدخلته الخطية إلى العالم، فانتصر على الموت بالقيامة. وأعطانا بموته رجاء في القيامة من الأموات. على أن قيامة الرب كانت لها أهمية أخرى هي تثبيت الإيمان الذي كان يبدو أنه ضاع وانتهى بصلب المسيح:
كان يبدو أن كل عمل المسيح قد تحطم بصلبه. “ضرب الراعي فتبددت الرعية “. (زك13: 7) التلاميذ هربوا عند القبض عليه، لم يبق منهم إلى جوار الصليب سوى يوحنا الحبيب. ثم اعتكفوا خائفين في العلية لا يجرؤ أحد منهم على الظهور ولا على الكلام. بطرس نفسه الذي قال من قبل بأكثر تشديد “ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك” (مر14: 31) هذا أيضا أنكر وجدف وقال لا أعرف الرجل.
والشعب الذي تبع المسيح، والذي رأى معجزاته، اهتز من أساسه: منهم من صاح “أصلبه، أصلبه” ومنهم من خاف وهرب، ومنهم من بكى واكتفى بالبكاء.
أما الأعداء فتجبروا وملكوا الموقف. خدعوا الشعب، واخضعوا الوالي لمشيئتهم، واستطاعوا أن ينفذوا أحكامهم، ليس في صلب المسيح فقط، بل حتى بعد موته حين ضبطوا قبره بالحراس.
كان كل شيء مظلمًا وكئيبًا وباعثًا على اليأس… ثم قام المسيح، ليغير دفة الأحداث، ويعيد الأمل إلى النفوس، ويرجع الإيمان إلى القلوب..
وكان أول عمل عمله بعد قيامته، هو أنه ذهب ليفتقد أولئك الذين تركوه وأنكروه. لم يتضايق ممن تخلوا عنه في أصعب الأوقات. ولم يرفض ذلك الشعب الذي أنكر جميله. ولم ييأس من أولئك القادة الذين تعب في تنشئتهم وتدريبهم، وقد رآهم أمامه خائفين مختفين لا يجرؤ أحد منهم على النطق باسمه.
لم يقل: أين الصداقة وأين الوفاء؟ أين الشجاعة وأين الشهامة؟ أين الإخلاص وأين المحبة؟ أين تعبي الذي تعبته معكم سنين طويلة؟! لم يجابه الموقف باللوم والعتاب، بل بدأ بافتقاد الذين تركوه، وبرعاية الذين شكوا فيه… نظر إلى ذلك البناء المهدم، وبطول أناة عجيبة، جمع حجارته المبعثرة، ليبني من جديد، بنفس الحجارة.
** ما أكثر المعجزات التي حدثت وقت صلب المسيح: الشمس أظلمت، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وحجاب الهيكل انشق… ولكن هل استفاد الكل من هذه المعجزات؟ كلا، إنما استفادة كل إنسان تكون على قدر استعداد قلبه…
لما تزلزلت الأرض آمن اللص، ولكن لم يؤمن الكهنة ورؤساؤهم. ولما خرج الدم والماء من جنب المسيح، آمن قائد المائة وجنوده، ولم يؤمن قادة الشعب. إن المسألة لا تتعلق بالمعجزة ومدى قوتها، بل تتعلق بالأكثر بمدى استعداد قلب الإنسان من الداخل ورغبته في الاستفادة.
** وهكذا حدث في قصة القيامة، وفي قصة الصلب. المعجزات موجودة: ولكن الناس يختلفون. منهم من استفادوا، ومنهم من لم يستفيدوا
إن رؤساء الكهنة وقادة الشعب اليهودي شاهدوا الشمس قد أظلمت في وقت الظهر صلب المسيح. ومع ذلك لم يستفيدوا. لأن قلوبهم كانت أشد ظلمة من الظلمة التي على وجه الأرض…
بل إنه بعد هذه المعجزات التي آمن بسببها اللص اليمين وقائد المائة، ذهبوا إلى بيلاطس يقولون له عن المسيح ” يا سيد. قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ثلاث أيام أقوم. فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ويسرقوه، ويقولون للشعب إنه قام من الأموات. فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى ” (مت 27: 62- 64).
وهكذا أخذوا معهم جندًا، ومضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا القبر. ولم يبالوا أن يفعلوا كل ذلك في يوم سبت، وهم الذين قالوا إن المسيح خاطئ، لأنه شفى المرضى في يوم سبت. طالما تحمسوا للسبت، وعادوا المسيح بسببه. بل إنهم طلبوا كسر المصلوبين وإنزالهم، فلا تبقى الأجساد على الصليب لئلا تنجس السبت… حماس عجيب من أجل السبت، ومع ذلك يأخذون معهم جنودًا في ليلة السبت، ويختمون القبر في ليلة السبت، ويقيمون الحراس لحراسة القبر في السبت.. ولا يكون في كل ذلك خطية!!
وكأنهم قالوا في قلوبهم إذ ختموا القبر في السبت “ها قد كسرنا السبت لكي نكسر كاسر السبت “!!أما المسيح فإنه – بينما كانوا يختمون قبره – كان هو أفرج عن المفديين من الجحيم وفك أختام الفردوس المغلق وأدخل فيه الراقدين على رجاء..
ما أسهل على الناس أن يلعبوا بضمائرهم كما يشاؤون. هناك أشخاص ضمائرهم مكورة تتدحرج على أي وجه، أينما انزلقت رست واستقرت!! وقد كان أولئك الناس من ذلك النوع. ولكن هذا الذي فعلوه كان ضدهم لا لهم. فلو لم يختموا القبر بأنفسهم، ويقيموا الحراس من قبلهم، لكان بإمكانهم أن يحتجوا فيما بعد ويقولوا إن التلاميذ قد سرقوا الجسد. أما الآن وقد ضبطوا بالحراس وختموه، فماذا يقولون والقبر فارغ وقد قام المسيح بمجد عظيم، وخرج من القبر المختوم، كما خرج في ولادته من بطن العذراء وبتوليتها مختومة..
** وبعد قيامة المسيح حدثت زلزلة عظيمة “لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات” (مت28: 2 – 4).
فهل استفاد الحراس من هذه المعجزة العظيمة؟ وهل استفاد منها رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب؟ كلا، لقد كانت البذار المقدسة قد وقعت على أرض حجرية… صدق أبونا إبراهيم عندما قال “ولا إن قام واحد من الموتى يصدقون” (لو16: 21)
إن كان يلتمس عذرًا للجند الأمميين الذين لا يعلمون شيئًا عن المسيا ومجده، فماذا عن الكهنة معلمي الناموس، المفروض فيهم أن يكونوا حريصين على وصايا الرب وتنفيذها. إنهم لما سمعوا بالقيامة من الجند، أعطوهم رشوة، ووضعوا كلام كذب في أفواههم، وقالوا لهم “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلًا وسرقوه ونحن نيام. وإذا سمع ذلك عند الوالي فنحن نستعطفه ونجعلكم مطمئنين. فأخذوا الفضة وفعلوا كما علموهم فشاع ذلك القول” (مت28: 11 – 15)
وهكذا لم يستفيدوا من معجزة القيامة، بل زادوا شرًا. كذبوا وعلموا غيرهم الكذب. ولم يكن متقنا. أوعزوا إليهم أن يقولوا إن تلاميذه سرقوه ونحن نيام!! فإن كنتم نيامًا، فكيف عرفتم في نومكم أن تلاميذه أخذوه؟! صحيح إن حبل الكذب قصير..
ولكنهم لم يكتفوا بالكذب، بل ألصقوا تهمة بغيرهم زورًا وبهتانًا، إذ ألصقوا السرقة بالتلاميذ. دفعوا رشوة ليغطوا عملهم. وأساءوا إلى سمعة الجند. وخدعوا الوالي. وأضلوا الشعب كله، الشعب المخدوع فيهم.
وفي كل ذلك الضلال وصفوا المسيح بأنه مضل. وكأنهم يقولون عنه لبيلاطس: أنقذ الناس من هذا المضل، لكيما نضلهم نحن!!
إن بذار معجزة القيامة، إذ وقعت في قلوب أولئك القادة، إنما وقعت على أرض محجرة فلم تؤثر فيهم.
كان تفكيرهم في الحفاظ على مناصبهم يطغي على التفكير في أبديتهم.
** لقد كان قوياً في قيامته
فأول شيء عمله الرب عندما أسلم الروح، هو أنه قبض على الشيطان وقيده ألف سنة. ثم بعد ذلك نزل إلى الجحيم (اف4: 9)، وبشر الراقدين هناك على الرجاء واقتاد هؤلاء جميعًا، ودخل بهم مع اللص اليمين إلى الفردوس.
بعد موت الرب استطاع أن يفتح باب الفردوس الذي ظل مغلقًا من آلاف السنين منذ سقطة آدم وحواء.
هذا الذي ظنوه ميتًا في القبر، وختموا على قبره بالأختام، استطاع أن يفتح باب الفردوس ويدخل فيه كل الراقدين علي رجاء، قائدًا إياهم في موكب نصرته.
** وأرانا الرب في قيامته أنه لا ينبغي أن نيأس مهما بدت خدمتنا فاشلة وعملنا غير مثمر. وإنما بالصبر وطول الأناة ينصلح كل شيء. ما بين صلب المسيح وقيامته، كان الإيمان يبدو منهاراً ضائعًا، وكان المؤمنون مختفين في خوف وحزن ولما قام الرب حول حزنهم إلى فرح، وشكهم إلى إيمان، وغير دفة الأحداث إلى اتجاه عكسي. وعادت بذار الشك إلى الحياة في أفراح قيامة الرب.
++ مبارك هو الرب الذي قهر الموت بموته وبقيامته وأعطانا أيضاً أن نقوم معه ونغنى معه قائلين..
أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 14-4-1974م



