تأملات في سفر نشيد الأناشيد – قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي

الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نكمل تأملاتنا فى قول النشيد “صوت حبيبي. هوذا آت طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال …قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي… لأن الشتاء قد مضى، والمطر مر وزال… الزهور ظهرت في الأرض… وصوت اليمامة سمع في أرضنا” (نش2: 10- 14)
قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي..1
” صوت حبيبي”… انه صوت الله يصل الى النفس. كانت نفس موسى النبي من أكثر النفوس سماعًا لصوت الرب. ما أكثر ما تقرأ هذه العبارة في أسفار موسى الخمسة “وكلم الرب موسى قائلًا…”. إنه صديق للرب وكليمه، أخذه الرب معه على الجبل، فذاق حلاوة العشرة معه أربعين يومًا: يتمتع بجمال الله، يسمع صوته، يضئ وجهه بنور الله، ويفرح قلبه. والله ينادى نفسه المحبوبة بقوله:
” قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي”. تعالي: أكلمك في البرية، وأكلمك على الجبل، وأكلمك في خيمة الاجتماع، واكلمك عند تابوت العهد، وأكلمك من العليقة… أكلمك في كل مكان، وفي كل حين، أفهمك طرقي، وأعرفك سبلي.
لا تظنوا ان الصوت الإلهي هو للكبار الناضجين فقط، وإنما حتى الأطفال أيضًا وصلهم صوت الله… ومثالهم الطفل صموئيل…
نظر الله إلى هذا الصبي الصغير، إلى نفسه الجميلة التي عاشت لله منذ طفولتها، والتي نذرت لله قبل ولادتها، نفسه البارة التي تربت في الهيكل عابدة مصلية، وقال لها “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”…
تعالي، أرسلك في طفولتك إلى عالي الكاهن برسالة خطيرة. تعالي، أرسلك بقنينة الدهن إلى شاول وإلى داود، فتقيمي مسحاء للرب، وتبلغي مشيئته إلى أولاده…
هو نفس الصوت الإلهي، وصل إلى نفس إرميا الصغير. “قومي يا حبيبتي وتعالي” قم أيها الصبي الصغير، فأنا قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب“.
ويرى الطفل إرميا أن هذا الكلام كثير عليه… من أنا حتى أكون نبيًا للشعوب “إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد”. ويجيب الرب هذا الإناء المتضع “ها قد جعلت كلامي في فمك جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود حديد وأسوار نحاس، على كل الأرض”…
إنها دعوة الى النفس أن تأتي، ليعطيها الرب نعمة، يعطيها قوة وجبروتًا، تدوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو، يسقط عن يسارها ألوف، وعن يمينها ربوات. الفخ ينكسر، وهي تنجو…
صوت الله هنا هو “صوت حبيبي” يتكلم في حب “يا حبيبتي وجميلتي” وهو هنا يختلف عن صوت الله نفسه الذي كلم به الخطأة…
الله كلم آدم بعد الخطية “آدم، أين أنت؟”. وخاف آدم من صوت الله، فقال “سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت”.
وصوت الله وصل إلى قايين. فخاف قايين وقال “ذنبي أعظم من أن يحتمل. إنك طردتني اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك أختفي…”.
وصوت الله وصل إلى الغني الغبي “في هذه الليلة تؤخذ روحك منك فهذا الذي أعددته لمن يكون “.
وصوت الله وصل مرعبًا إلى آخاب “في المكان الذي لحست فيه الكلاب دم نابوت، تلحس الكلاب دمك أنت أيضًا”.
هذا كله صوت دينونة وعقاب، أما في النشيد فصوت حب: صوت حبيبي “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي”… إنه صوت بشارة مفرحة يحملها الرب إلى النفس طافرًا على الجبال، يريد أن تصلها الدعوة بسرعة. فهل تستجيب النفس، وهل هي مستعدة للدعوة؟
إنه صوت الله، يصل إلى النفس في شتى الظروف وتنوعها.
قد يصل هذا الصوت إلى النفس، وهي في الهدوء والسكون، كموسى. وقد يصل اليها وهى في عمق المشغولية، أو في ارتباطات العالم الباطل أو وهي في زحام الناس… في تعبها أو في راحتها… المهم أن يصل صوت الله الى النفس، ويفتقدها، في الحين الحسن حسبما ترتب حكمة الله وحسبما تشاء عنايته.
كلم الله شاول الطرسوسي، وهو في وسط الضجيج، في وسط الجنود والخطابات والضرب والقبض والاعتقالات وجر الرجال والنساء إلى السجن، وسط كل هذا الصخب نادى الله نفس شاول قائلًا “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي، هل أنتِ مستريحة لكل لهذا العنف والاضطهاد؟ هل تستطيعين أن ترفسي مناخس وأنتِ هادئة؟
“قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي”. تعالي، أريك كم ينبغي أن تتألمي من أجل اسمي ” تعالي، لتشتركي في آلامي وفي عذابات القديسين. وثقي أنك وسط الألم ستكونين أكثر جمالًا وأعمق روحًا.
إنسان آخر أتاه صوت الله وسط انشغالات العالم، وهو في مكان الجباية، ذلك هو لاوي، متى العشار. طول وقته وسط المال والحسابات والدفاتر وأعمال الدفاتر وأعمال الضرائب وظلم الناس. هكذا ظلت، نفسه غارقة في بحر المال والظلم إلى أن انتشلها الرب بقوله “قومي يا حبيبتي”
تعالي، ليس هذا هو مكانك. تعالي يا نفس لاوي العشار لكي أصيرك نفس الإنجيلي البشير، متى الرسول.
وسط الانشغالات أيضًا نادى الرب نفس بطرس ونفس أندراوس أخيه. كانا مشغولين بالشباك والأسماك والسفن والمياه، بعيدين عن العمل الروحي، وحتى العمل الروحي، وحتى في عملهما المادي لخصا جهدهما الضائع في عبارة “سهرنا الليل كله ولم نصطد شيئًا”. فناداهما الرب “هلما ورائي فأجعلكما صيادي الناس“. تعالي أيتها النفس التي سهرت طويلًا ولم تصطد شيئًا. كفاكِ تعبًا في الماديات. قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي أجعلكِ صيادة للناس. نفس أخرى ناداها المسيح من وسط الزحام، هي نفس زكا. الناس حول المسيح بالآلاف. وربما ظن زكا أن نفسه قد نسيت وسط الزحام. ولكن الرب نظر إلى هذه النفس الخاطئة المشتاقة إليه. وقال لها “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” سأتعشى اليوم في بيتك” اليوم حدث خلاص لهذا البيت”.
نفس النداء سمعته نفوس تائهة في القفر، لم تدخل بعد إلى أرض كنعان التي تفيض لبنًا وعسلًا. وإنما قفر يلقيها إلى قفر، ومتاهة تلقيها إلى متاهة أخرى، دون وصول إلى الهدف الأسمى، مدى أربعين عامًا. تلاقى الله مع هذه النفوس وقال لها أخيرًا “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” كفى تمردًا وعصيانًا، كفى متاهة بعيدة ًعن الهدف “كفاكم قعودًا بهذا الجبل”…
“أيتها النفس التائهة عن المسيح، قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” هلم نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز، تبيض كالثلج. إن كانت حمراء كالدودي، تصير كالصوف. إن شئتم وسمعتم، تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمردتم، تؤكلون بالسيف (إش1: 18- 20).
من منا ما وصله هذا الصوت الإلهي، فقام يعمل عمل الرب؟
إن العالم في شروره وملاذه، وفي نداءاته واغراءاته، وفي مشاغله ومشاكله، يقول للنفس نفس العبارات “قومي يا حبيبتي، وتعالي”. والله في صلاحه وفي صليبه، ينادي النفس هكذا أيضًا “قومي يا حبيبتي، وتعالي” فإلى أي الصوتين تستجيب نفسك؟
فحذارى أن تسمع لصوت العالم لأن الله ينادي نفسك لكي يطهرها ويبررها. يخلق لها قلبًا جديدًا، وروحًا مستقيمًا يجدد أحشائها. يخلصها من آثامها، “ويغسلها فتبيض أكثر من الثلج… يعطيها صورته الإلهية، ويجعلها إناءًا مختارًا له، وروحه القدوس يسكن فيها… إن نفسك حبيبة إلى قلب الله جدًا، يناديها بقوله “قومي يا حبيبتي “.
إنها عبارة تصلح أيضًا أن تكون دعوة إلى الأبدية السعيدة. “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي”. تعالي إلى المُلك المعد لك قبل إنشاء العالم. تعالي إلى ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر. تعالي فإن في بيت أبي منازل كثيرة. وأنا قد أعددت لك مكانًا، وقد أتيت الآن آخذك إليَّ، حتى حيث أكون أنا، تكونين أنتِ أيضًا… كل شيء قد أُعد. “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي “…
نلاحظ أن الله يصف هذه النفس بالجمال ويقول لها “يا حبيبتي وجميلتي”، وقد تكون نفسًا خاطئة. فماذا تعني هذه العبارة؟
إن قوله “يا حبيبتي” هو تعبير سهل الفهم، لأنه “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد…” وهو “قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهى”. هذا واضح. ولكن ما هو معنى “يا جميلتي”؟ إن أنفسنا جميلة في عيني الله، حتى لو كانت ضعيفة وساقطة!
الله يراها في ضوء المستقبل الذي ستصير إليه، بنعمته، وليس في ضوء الحاضر الذي ستخرج منه…
الله في شاول المضطهد للكنيسة، يرى بولس المبشر بالإيمان. وفي موسى الأسود القاتل، يرى الراهب الوديع العابد… الله ينظر إلينا في ضوء نعمته، فيرى مستقبلنا جميلًا في عينيه، فينادينا بقوله “قومي يا جميلتي وتعالي”… وتندهش النفس وتقول:
كيف أكون جميلة يا رب، “والشمس قد لوحتني”؟ ّ!. ضربتني الشمس بالنهار، فاسود جسمي. ” أنا سوداء” … نعم ” سوداء وجميلة” (نش1: 6).
أنت جميلة يا حبيبتي، لأني “بسطت بهائي عليك” (حز16: 14) ليس الجمال طبيعة فيك، لأنك خاطئة، ولكن الجمال هو هبتي وعطيتي لكِ
حالة هذه النفس وقصتها بالتفصيل، شرحها حزقيال النبي، في قول الرب لها: (طرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم ولدت. فمررت بك، ورأيتك مدوسة بدمك… وقد كنت عريانة وعارية… ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب. فبسطت ذيلي عليك، وسترت عورتك.. ودخلت معك في عهد – يقول السيد الرب – فصرتِ لي. فحممتك بالماء، وغسلت عنك دماءك، ومسحتك بالزيت.. وكسوتك بزًا.. ووضعت تاج جمال على رأسك… وجملت جدًا، فصلحت لمملكة. وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملًا ببهائي الذي جعلته عليك…، (حز16: 5-14).
انها نفس مدوسة بدمها، مكروهة، عريانة، عارية، ومطروحة.. ومع ذلك يقول لها الرب “مررت بك، وإذا زمنك زمن الحب”.
عجيب أنت يا رب، ليس لك شبيه بين الآلهة… ماذا فعلت في حنوك على هذه النفس العريانة المدوسة بدمها: “بسطت ذيلي عليك، وسترت عورتك”.. هنا الكفارة والفداء. “حممتك بالماء “… هنا المعمودية …”ومسحتك بالزيت” … هنا الميرون. “وكسوتك بزًا”… هنا التوبة، وحياة البر في المسيح يسوع. “ودخلت معك في عهد … فصرت لي”… هنا سر الزواج بمعناه الإلهي في أن الكنيسة عروس للمسيح. “خطبتكم لأقدم عذراء عفيفة للمسيح”.
“ووضعت تاج جمال على رأسك”… هنا الكهنوت
” وخرج لك اسم في الأمم، لجمالك لأنه كان كاملًا ببهائي الذي خلعته عليك” “ها أنت جميلة يا حبيبتي”. قومي إذن وتعالي… تعالي، لأن الشتاء قد مضى، والمطر مر وزال…
دخلنا في بهجة الربيع، والزهور ظهرت في الأرض وصوت اليمامة سُمع في أرضنا
تعالي ” لنبكرن إلى الحقول، ونبيت في القرى…” رأ
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الثالث عشر 28-12-1974م



