تأملات في سفر نشيد الأناشيد – قومي يا حبيبتي وجميلتي ، وتعالي

تأملات في سفر نشيد الأناشيد
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
موضوع تأملنا اليوم هو قول الوحي الإلهي، في سفر النشيد:
“صوت حبيبي، هوذا آت طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال”…أجاب حبيبي وقال: “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي. لأن الشتاء قد مضى، والمطر قد مر وزال. الزهور ظهرت في الأرض. بلغ أوان القضب. وصوت اليمامة سمع في أرضنا… قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” (نش2: 10- 14)
قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي …1
” صوت حبيبي، طافرًا على الجبال …”
كثيرًا ما يظهر صوت الله في حياة الإنسان. فيسمع الرب يناديه، ينادي نفسه قائلًا: “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي …”
هذا الصوت وصل إلى كثيرين، كانوا يعيشون في بيئات خاطئة.
وأراد الرب أن يريح نفوسهم من مناظر البيئة الرديئة ومن تأثيرها. فقال لنفس كل منهم: كفاك تعبًا في هذا المكان الرديء… قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي…
هذا الصوت سمعه أبو الآباء إبراهيم. كان موجودًا في بيئة وثنية خاطئة. وسمع صوت الله يقول له: “أخرج من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك إياها. فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك… وتكون بركة”(تك12: 1و 2).
لقد رأى الله نفس عبده إبراهيم في بيئة خطرة عليها، فناداها في محبته “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”… أخرجي من بيت أبيك، لأنه لم يعد بيتًا مقدسًا. وتعالي إلى الجبل المقدس الذي أريك إياه… هناك تقدمين الذبائح، وهناك أباركك، وأعظم اسمك، “وأريك حبي”…
نفس الوضع حدث بالنسبة إلى لوط
كان في أرض سدوم، في مكان فاسد، وكانت نفسه البارة تتعذب كل يوم من مناظر الناس الأشرار هناك. وظل لوط يتعذب كل يوم، وتتعب روحياته من فسق سدوم وزناها. إلى أن وصل صوت الله إلى نفس لوط المتعبة، يقول لها: “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي …”.
قومي من ههنا، اهربي لحياتك. لا تقفي في كل الدائرة، لا تنظري إلى الوراء لئلا تهلكي…
كانت نفس لوط عزيزة علي الله، لذلك أرسل إليها ملاكين، جذبا لوطًا وأسرته إلى الخارج، لإنقاذهم من حريق سدوم… وصوت الله يرن في القلب قائلًا في حنو “إلى متى أيتها النفس المسكينة تظلين عائشة في سدوم؟ إلي متي تجلسين في مجالس المستهزئين، وتقفين في طريق الخطاة. إلى متى تتمسكين بالأرض المعشبة، وتضيعين روحياتك؟! يكفي ماضاع من زمان ومن جهد “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”.
نفس الصوت، في جو الفساد، وصل إلى أبينا نوح.
كان الشر قد ملأ الأرض، وقد عزم الله أن يهلك الأرض كلها ويبيد كل حي. ولكنه نظر إلى نفس نوح البار وقال لها: “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”… تعالي أدخلي إلى الفلك الآمن المقدس، الذي يرمز إلى الكنيسة، الذي يحرسه الله بعنايته، فيعلو فوق أمواج العالم، ولا يستطيع الطوفان أن يغرقه كما أغرق كل حي.
إنها دعوة للخروج من الوسط الرديء، من المعاشرات الرديئة التي ربما تفسد الأخلاق الجيدة. دعوة للخروج من عثرات الحواس التي تتعب النظر والسمع، وتتعب الفكر أيضًا، وتثير في النفس مشاعر وأحاسيس غير لائقة. كفاك أيتها النفس تعبًا “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”…
قومي يا حبيبتي، وجميلتي. إن جمالك الروحي لا يمكن أن يتفق وهذا الفساد الذي يحيط بك. قومي، وتعالي إلى مكان أطهر وأنقى يناسب طبيعتك التي خلقت على صورة الله ومثاله. من الجائز أن يقال هذا الكلام لإنسان يضيع وقته في الفرجة على تمثيلية خاطئة، أو في الاستماع إلى أغنية عابثة أو إلى حديث بطال، أو في أماكن لهو أو عبث… وكل هذا يغرس في عقله الباطن وفي عقله الواعي صورًا تحتاج إلى جهد لكي تنزع.
كثيرًا ما يأتيك صوت من أعماقك: إلى متى تظل في هذا المكان أو في هذا الوضع؟ وتتذكر قول الرب قديمًا “كفاكم قعودًا بهذا الجبل”.
ابعد عن هذا المكان راحة لنفسك ولضميرك ولأفكارك.
وتشعر أن دعوة الله الموجهة إليك، ليست مجرد أمر، وإنما كلمة حب يقولها لك الرب الذي يهمه خلاص نفسك. عبارة فيها حب، وفيها تقدير، وتعني أيضًا دعوة لتكوين علاقة مع الرب “قومي يا حبيبتي، وجميلتي، وتعالي…”.
الله يدعو النفس، ويشعرها بتقديره لها، فيقول لها “يا جميلتي”.
على الرغم من كل ما يحيط بك أنت نفس جميلة في نظر الله، وجمالك له هو وحده، لذلك يقول: “يا جميلتي”.
إن عبارة “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” قد لا تكون دعوة للخروج من وسط رديء” وإنما تعني أيضًا دعوة للخدمة.
قد يتوجه الله بهذا النداء إلى النفس: تعالي لتشتركي معي في بناء الملكوت، تعالي لكي أرسلك بعيدًا إلى الأمم كما أرسلت بولس من قبل. تعالي نعمل معًا، أرسلك للكرازة والرسالة لأنهم “كيف يسمعون بلا كارز”.
لماذا تظلين أيتها النفس بعيدة عن بركة الخدمة؟ قومي وتعالي. اعملي معي كما قال بولس عن نفسه وعن أبولس: “نحن عاملان مع الله”. تعالي أيتها النفس الحبيبة اشتركي مع الروح القدس في عمل الملكوت، أدخلي في شركة الروح القدس، وخلصي على كل حال قومًا…
وصل هذا الصوت في يوم ما إلى موسى النبي، وكان يعمل في الرعي وقتذاك. كان يعيش في الهدوء والسكون، يرعى غنيمات يثرون في البرية، ويحيا حياة هادئة بعيدًا عن اضطرابات وصخب القصر الملكي في بيت فرعون.
ونظر الله إلى نفس موسى الهادئة الوديعة وقال لها: “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”. تعالي، أرسلك إلى فرعون، تحملين إليه رسالتي، وتنفذين فيه مشيئتي..
موسى الذي يحب السكون والهدوء، والذي ذاق جمال هذه الحياة أربعين سنة في البرية، أراد أن يعتذر، فقال للرب: “لست صاحب كلام. أنا إنسان ثقيل الفم واللسان” أرسل غيرى إلى فرعون “أرسل بيد من ترسل”. ولكن الله أصر على دعوة الخدمة التي وجهها إلى موسي. وقال لهذه النفس المتواضعة المعتذرة عن الخدمة بسبب قلة مواهبها.
“قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” إن كانت تنقصك المواهب، سأعطيك هارون يكون لك لسانًا. روحي القدوس سيتكلم على فمك، أليس هو “الناطق في الأنبياء”
كفاك أربعين سنة في البرية تعلمت فيها الحلم والوداعة، وتعلمت الرعاية أيضًا. وبقي أن تظهر ثمار هذه البرية في حياة الآخرين. لقد تدربت كثيرًا، وتعلمت كثيرًا وأعددت زمانًا طويلًا، فأخرجي إلي ميدان القيادة. وإن أتعبك فرعون أو إسرائيل، فأنا أكون معك “لا أهملك ولا أتركك”. ستكون عصاي في يدك يا موسى، وستعمل بها عجبًا. إن الخدمة لا تتوقف على مواهب الخادم، وإنما على المواهب التي يمنحها الروح القدس لكل من يرسله الله. “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي” …
نفس أخرى، وجهت إليها نفس الدعوة، فاعتذرت أيضا بقلة المواهب، تلك هي نفس أرميا النبي، قال لها الرب: “قومي يا حبيبتي وجميلتي، وتعالي”. فرد أرميا قائلا ” إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد”. فقال الرب له “لا تقل إني ولد، لأني إلى كل من أرسلك إليه تذهب… ها قد جعلت كلامي في فمك. أنظر. قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك، لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس”.
هذه الدعوة التي يدعونا بها الله هي دعوة سريعة: لذلك قيل عن الرب إنه آت طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال.
إن الرب يقفز على الجبال، يجري بسرعة، لكي ينقذ نفسًا عزيزة عليه، لا يقبل قلبه الحنون أن تبقى هذه النفس بعيدة عنه يومًا واحدًا، ولا حتى ساعة واحدة، ولا لحظة. إنه يسرع إليها طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال… حتى أن هذه النفس قالت: “حبيبي شبيه بالظبي أو بغفر الأيائل“.
الأيل نوع من الغزلان والظباء، قوي، يجري بسرعة..، يقفز على الجبال، يلحق هذه النفس “كشعلة منتشله من النار” (زك3: 2)، ينتشلها بسرعة من النار، قبل أن تأتي النار عليها فتحترق كلها.
إنها دعوة سريعة: “إنها الآن ساعة لنستيقظ “.
” ينبغي اليوم أن أكون في بيتك”. “أقوم الآن وأذهب إلى أبي”.
دعوة سريعة موجهة من الله القافز على الجبال، الطافر على التلال، يجري بسرعة وهو يقول: “قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي”.
يكفيك السبع سنوات العجاف، تكفي الثلاث سنوات ونصف التي أمر إيليا أن لا يكون فيها مطر ولا طل على الأرض. تكفي المرارة التي فاض بها كأسك. كل هذا يكفي. إلى متى هروبك؟ قومي وتعالي.
تعالي، فان الحقول قد ابيضت للحصاد
فصل الشتاء قد انتهى، والمطر مر وزال، ودخلنا في الربيع والحقول ابيضت للحصاد. أنا أرسلتكم لتحصدوا مالم تزرعوا، مالم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا، وأنتم دخلتم على تعبهم. قوموا إذن فإن الحصاد كثير والفعلة قليلون. تعالوا فإن الخدمة تحتاج إلى كثيرين.
تعالي أيتها النفس التي ستعمل مع المسيح.
فإن الشتاء قد مضى، فصل البرودة الروحية، ودخلت الحرارة إلى القلب. وليس هناك ما يعوقك عن المجيء، لأن المطر مر وزال.
تعالي، فإن الزهور قد ظهرت في الأرض.
وصوت اليمامة سمع في أرضنا …
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الثاني عشر 21-12-1974م



