تأملات في سفر نشيد الأناشيد

تأملات في سفر نشيد الأناشيد [22]
الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون محبة لله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا عن معناه السامي إلى معانٍ عالمية!!
أختي العروس
جنة مغلقة… ينبوع مختوم (نش4: 12)1
أختي العروس
تواضع كبير أن يقول الرب عن الكنيسة، أو عن النفس البشرية أنها أخت له… يقولها كابن للإنسان ـ لأنه أخلى ذاته، وصار في الهيئة كإنسان. وصار بكرًا وسط أخوة كثيرين، وشابه أخوته في كل شيء ما عدا الخطية… تنازل من رب المجد أن يدعو عبيده أخوة!!
ودعاها العروس رمزًا للحب، والحب الروحي الذي يجعل الإثنين واحدًا. كما قال بولس الرسول “خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح”. لذلك قيل “يشبه ملكوت السموات خمس عذارى أخذن مصابيحهن، وخرجن للقاء العريس”. لذلك يدعى المسيح بالختن السماوي، ويتحدث عن هذا الزواج الروحي بين الله والكنيسة في الرسالة إلى أفسس.
جنة مغلقة:
جميل أن الرب يحب النفوس البشرية ويمتدحها:
الإنسان منا يتحدث عن خطاياه، ويرى أن نفسه مدنسة بكل أنواع الخطية. ولكن فيما نحن بالاتضاع نرى أنفسنا في عمق الإثم، يرانا الرب في صورة بهية. يلقي علينا بره الإلهي، فنصير كاملين ببهاء الرب. ببره الذي يلقيه علينا. كما قال بولس الرسول “أما نحن فلنا بر المسيح”.
عجيب أن يمتدح الرب نفوس البشر وهو يعرف مقدار نجاستها.
يعرف أن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله، وأن كل بر الإنسان مثل خرقة الطامث… يعرف الخفيات والظاهرات، ويقرأ الأفكار. ويفحص أعماق القلوب. يعرف الشرور التي نعرفها عن أنفسنا، ويعرف ما لا نعرفه أيضًا من شرورنا…
ومع كل معرفته لخطايانا، يقول “أختي العروس جنة مغلقة”
لقد مدح الرب أيوب الصديق، وقال عنه إنه رجل كامل ومستقيم يفعل الخير ويحيد عن الشر، وليس مثله. ونحن نسأل: أحقًا يا رب ترى إنسانًا كاملًا ومستقيمًا، بينما أن الجميع زاغوا وفسدوا. وليس أحد كاملًا إلاك؟!
ولكن الله يرى الخير الذي صنع فينا، وينسبه إلينا، ويكبره، وينسى خطايانا، ولا يعود يذكرها، تبارك اسمه…
إن مدح الله للنفس البشرية، هو مظهر لتواضعه ولمحبته.
والعجيب هنا أنه يرى العروس جنة. كان قديمًا يدعوها “نرجس شارون” “سوسنة الأودية”. أما الآن فهي جنة كاملة. جنة بكل ما فيها من ثمار وأزهار وظلال.
أمام تواضع الرب في مديح النفس، تنحني النفس في انسحاق لتقول: كل ما فينا من خير هو عمل نعمتك، ليس لنا فضل فيه، لأننا بدونك لا نستطيع أن نعمل شيئًا. ليس لنا يا رب ليس لنا، لكن لاسمك القدوس أعطِ مجدًا.
إن افتخرنا فلنفتخر بالرب، الرب الساكن فينا، العامل فينا، العامل بنا، العامل معنا، بقوته، بروحه القدوس.
أختي العروس جنة مغلقة. ما هي هذه الجنة؟
البعض أشجار مثمرة، تعطي ثلاثين وستين ومائة، وثمارهم حلوة لحلقه. هؤلاء مثمرون في الخدمة، أو مثمرون في الفضيلة.
والبعض أشجار أزهار، هم خمائل الطيب في كنيسة الرب، هم رائحة المسيح الذكية بقدوتهم الصالحة.
البعض أشجار ظلال، يأتي إليهم فيستريحون، وتمتلئ قلوبهم سلامًا. ومن هذه الأنواع الثلاثة تتكون الكنيسة، حسبما وهب الله لكل واحد نصيبًا من الإيمان.
فإن لم تكن مثمرًا في خدمتك، فكن خميلة طيب في جنة الرب. لأن عروس النشيد تقول “حبيبي نزل إلى جنته، إلى خمائل الطيب. ليرعى في الجنات ويجمع السوسن” (نش6: 2). وهو نفسه يقول “قد دخلت جنتي يا أختي العروس، قطفت مري مع طيبي” (نش5: 1). وكلاهما من العطور. فكن رائحة عطرة في بيت الرب. “رائحة سرور للرب يتنسم منك رائحة الرضى”. وكل مَن يراك يحب الدين من أجلك.
أي نوع من الأشجار، تراك في جنة الرب: ثمار أم أزهار أم ظلال، أم تراك كل هذه الأنواع معًا:
يدخل الرب إلى قلبك، فيجد ثمار الروح: “محبة وفرح وسلام، وطول أناة ولطف وصلاح وإيمان ووداعة وتعفف” (غل5: 22) ويجد فيك الرائحة العطرة في البشاشة والمعاملة الطيبة والسماحة والاتضاع والبركة، ويجدك بالنسبة إلى جميع الناس سلامًا وظلًا.
تصوَّر عندما يراك الرب جنة، وليس مجرد شجرة… وهذه الجنة ترويها الأنهار كما في عدن، والأنهار ترمز إلى الروح…
روح الرب الذي يفيض مثل أنهار ماء حي، ينبوع ماء حي. كل شجرة ترتوي منه لا تعود تعطش.
ولكن احترس من أن يجد الرب في جنتك شيئًا ضارًا…!
لقد استطاعت الحية أن تدخل إلى الجنة، وتغوي البشرية وهي أيضًا مهددة بالثعالب الصغار المفسدة للكروم.
كيف يمكن أن تحمي جنتك من كل هؤلاء؟ يقول الرب عن هذا “أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة”.
مغلقة مقفلة
لا تستطيع غير الروحيات أن تدخل إليها، لا فكر رديء ولا حواس خاطئة، ولا عواطف شريرة…
هي كما قال داود النبي “سبحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صهيون … لأنه قوى مغاليق أبوابك، وبارك بنيكِ فيكِ”.
ما هي هذه الأبواب التي قوى الرب مغاليقها؟
الحواس مثلًا التي هي أبواب للفكر. من الحواس من النظر والسمع واللمس، تدخل إلى قلبك أفكار وعواطف. باب آخر هو القراءة، باب ثالث هو المعرفة، باب رابع هو القلب.
اسأل نفسك: هل أنت جنة مغلقة، وينبوع مختوم؟
أم أن أبوابك مفتحة، يدخل منها كل ما يريد؟! خذ مثلًا، أحد الأبواب وقد أمر الرب بإغلاقه، كما قال داود النبي “ضع يا رب حافظًا لفمي، بابًا حصينًا لشفتي”. يمكن لهذا الباب إذا انفتح، أن تخرج منه شرور عديدة، وبكلامك تُدان، وما يخرج من الفم ينجس الإنسان.
كانت العذراء جنة مغلقة، أمينة على أسرار الرب، على كل ما رأته من معجزات وآيات لم تتحدث عنها، وإنما كانت تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها.
وبولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة كان جنة مغلقة احتفظ بتلك الأسرار في “سر، إذ لا يسوغ لإنسان أن يتحدث عنها، وهكذا كان كل الآباء الذين عاشوا في عمق النعمة، في سر، لا يتحدثون عما في السموات التي صعدوا إليها، ولا عن الأعماق التي سبروا أغوارها…
حياتنا الروحية هي سر “ادخل مخدعك، واغلق بابك…”
هي سر مع أبينا السماوي الذي يرى في الخفاء. إن تحدثنا عن هذا السر، قد يأتي شيطان المجد الباطل ويختطف ثماره، أو قد تتخلى عنا القوة التي قامت بهذا السر فينا…
لذلك من الخطر أن يقف أناس، ويتحدثون عن اختباراتهم الروحية، أمام الناس، ومن الخطر والخطأ أن يقف أناس ويصلون علانية كاشفين أسرارهم الروحية الخاصة أمام الناس، خارجين من المخدع المغلق…
وهكذا نسمع مَن يقول: من يوم أن دخلت النعمة قلبي، صرتُ إنسانًا جديدًا، ملأ الفرح قلبي، صارت صلواتي حارة، صارت تأملاتي كلها عمق، أصبحت روحي منطلقة. ما أن أتكلم حتى يختطف عقلي!
ليس هذا يا ابني هو اللاهوت الأرثوذكسي!!
إن آبائنا القديسين وصلوا إلى درجات عجيبة في حياة النعمة، وما كانوا يتحدثون عن أنفسهم. ولما اضطر بولس الرسول تحت ضغط قهري جدًا أن يحكي شيئًا، حسب نفسه غبيًا ومختل العقل!
وقد يحتج أحدهم بأن الرب قال للبعض “اذهب وحدِّث بكم صنع الرب بكَ: لقد قال الرب هذا عن المعجزات، ليس عن العمل الروحي الداخلي، والنمو في النعمة…
هذا العمل الروحي، هو جنة مغلقة، ومخدع مقفول، أما الذين يصلون في وقت واحد، معلنين كل واحد أسراره أمام الآخرين، أو يعترفون اعترافات جماعية، فهؤلاء ليست جنات مغلقة، وليست لهم روح الآباء، ولا الطريقة الأرثوذكسية.
الله في الخفاء، يرى دموعك وتأملاتك وخشوعك ومقدار حبك وعمقك في الصلاة، ولكن لا يصح أن يراها الناس.
حياتنا مع الله هي قدس أقداس، هي سر مثل سر الشركة بين العروس والعريس. إنه ينبوع مختوم…
إنها جنة مغلقة بالنسبة إلى الآخرين، ومفتوحة للرب وحده. إن الينبوع المختوم لا يتلوث من الخارج.
احتفظ بالرب داخلك في سر، واحتفظ بخبراتك الروحية. لا تحدِّث عنها أحدًا. هكذا فعل القديسون…
يوحنا الحبيب كان يتكئ على صدر المسيح، ما أعمق أسراره. ولكن لم يقلها لأحد.
قلب الإنسان جنة مغلقة. من الخارج يشتم الناس غيرها، ولكنهم لا يرون ما بالداخل ربما من الثمرة تُعرف الشجرة. ولكن العمليات التي تُجرى داخل الشجرة، وفي جذورها، هي قدس أقداس لا تُرى. عشرات السنوات قضاها آباؤنا السواح في خلوة مع الرب. كيف كانت حياتهم وأسرارهم الروحية؟ كانت قدس أقداس. في سر…
وهكذا قال الشاعر عن واحد من هؤلاء:
كل ما حولك صمت وسكون وهدوء يكشف السر المصون
إن في صمتك سِرًا لن يـَرى قـُدس أقداسـه إلا الصامتـون
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 6-6-1999م



