تأملات في الصوم الكبير

بمناسبة قرب حلول الصوم الكبير، نود أن يدور موضوعنا في هذه الليلة حول تأملاتنا في هذا الصوم…
تأملات في الصوم الكبير1
الصوم الكبير هو أهم صوم في الكنيسة:
بلغ من أهميته أن الكنيسة أضافت إليه أسبوعًا، تعويضًا عن عدم الانقطاع في السبوت، أو تمهيدًا له واستعدادًا للدخول في قدسيته. وكان الرهبان يخرجون في أثنائه إلى البرية، متوحدين في نسك شديد لا مثيل له. وكان أيضًا فترة نسك للمتزوجين…
إنه صوم سيدي، نصومه على مثال صوم الرب نفسه…
هناك أصوام أخرى على اسم العذراء، أو الرسل، أو يونان النبي أو نينوى. أما هذا، فإنه صوم الرب نفسه، صامه عنا، من أجلنا.
فترة الصوم الكبير هي فترة تخزين روحي للعام كله، وفترة روحيات مركزة. إنها أقدس أيام السنة، وأكثرها روحانية.
الذي يتهاون في الصوم الكبير من الصعب أن يكون مدققًا في باقي أيام السنة. نقول هذا لكي نستعد لهذا الصوم المقدس بما يليق به.
قال الكتاب: “قدسوا صومًا، نادوا باعتكاف” (يوئيل2: 15) فيجب أن يرتبط الصوم عمومًا بالوحدة والهدوء والعمل الروحي.
فترة الصوم الكبير بالذات كان السيد المسيح فيها معتكفًا، كان وحده في الجبل، صائمًا، في تأمل، وفي وحدة وصلة دائمة بالآب.
فإن كنت لا تستطيع الاعتكاف بمعناه المطلق، فعلى الأقل اعتكف في حدود إمكانياتك، بتصميم وجدية…
ما تستطيعه من اعتكاف، لا تفرط فيه…وفر الوقت الضائع في مناقشات غير مجدية، والوقت الضائع في تسليات وترفيهات، ولا داعي للزيارات التي لا لزوم لها. أنقذ كل هذا الوقت، واشغله بالروحيات…
للصوم ركيزتان، لا نستطيع أن نهتم بإحداهما، ونهمل الأخرى!
هو إخضاع للجسد من ناحية، لكي – من ناحية أخرى – تنال الروح حريتها. وهو تجويع الجسد، لكي تنال الروح شبعها. العامل الجسداني فيه ليس مقصودًا لذاته وإنما هو وسيلة موصلة إلى العامل الروحي.
وليس نافعًا أن نكتفي في الصوم بإذلال الجسد، ونهمل الهدف الذي هو الاهتمام بالروح وإنعاشها وتغذيتها…!
في هذا الصوم، ينبغي أن نتأمل ولو قليلًا. كيف بدأ بالنسبة إلى السيد المسيح نفسه.
بدأ الرب تجسده بإخلاء ذاته، وكذلك بدأ خدمته.
ذهب إلى يوحنا المعمدان ليعتمد منه معمودية التوبة، وقد أخلى ذاته، حتى احتشم يوحنا من أن يعمده.
ولما حل عليه الروح القدس كحمامة، وشهد له الآب من السماء، ذهب إلى الجبل وحده، بعيدًا عن التمجيد…
كانت عملية إخلاء الذات دائمة طوال تجسده على الأرض.
وأرانا الرب بهذا، أن الخدمة تبدأ بإخلاء الذات.
إن السيد المسيح لم يبدأ خدمته بالمجد، وإنما بالتجرد، بالدخول من الباب الضيق، والسير في طريق الآلام.
+ مقارنة بين الرب وآدم:
† آدم بدأ حياته بالجنة، بالنعيم والرفاهية. أما السيد المسيح فبدأ خدمته بالقفر والجبل، في موضع غير مسلوك، مكان بلا ماء!!
آدم اشتهي أن يأكل، فأكل، حتى من الثمرة المحرمة. أما السيد المسيح فبدأ بالصوم، حتى عن الخبز والماء.
† آدم أخذ من الحرام، والمسيح تعفف حتى عن الحلال.
† آدم – في خطيته – نسى كلمة الله إليه. أما المسيح فوضع أمامه “كل كلمة تخرج من فم الله”.
† آدم، وكذلك حواء، خضع كل منهما لمشورة خارجية خاطئة. أما المسيح فرفض كل مشورات العدو واقتراحاته.
† آدم أراد أن يكبر، ويصير مثل الله. أما المسيح فإذ هو مساو للآب، أخلى ذاته وأخذ شكل العبد.
† آدم سعى وراء العظمة التي ليست له، واشتهاها. أما المسيح فإن عظمته التي له، تخلى عنها.
† الإنسان الأول لما سمع من الحية عبارة “… تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر” تأثر، واشتهى المجد. أما المسيح، فلما سمع من الآب ذاته عبارة “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” ظل على تواضعه…
ولم يستخدم حقوقه كابن، ولم يستخدم سلطانه الخاص
† الإنسان الأول سلك بطريقة جسدية، بحث عما يشبع جسده، أما المسيح فسلك بطريقة روحية، قال فيها للشيطان: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان…”
† آدم أراد أن يزيد، فنقص كل شيء… حتى الذي كان له، فقده. أما المسيح فإنه أخلى ذاته، بينما قال عنه المعمدان: “ينبغي أن ذاك يزيد…”
+ بعض تأملات…
إن إخلاء الذات لم يكن عند المسيح مجرد نقطة البدء، كما ظهر في التجسد، والميلاد في مزود، والهروب إلى مصر، والبعد عن الأضواء 30 سنة، إنما استمر معه هذا الإخلاء طوال الطريق، إلى جثسيماني، والجلجثة، والقبر…
إنه تخلى عن الذاتية تخليًا كاملًا. فإن أردت أن تصوم مثله، عليك أن تتخلى عن الذاتية، مثله…
انكر ذاتك، واحمل صليبك، واتبعه…
إن كان وهو السيد، سيد الكل، قد أخذ شكل العبد، فنحن العبيد: أي شكل نأخذ…؟! نأخذ شكل التراب والرماد، أثناء الصوم، وفي غير فترات الصوم.
إن الابن الكلمة، في تجرده، وفي إخلائه لذاته، كان سعيدًا مع الآب، وكان راضيًا بهذا التجرد…
† كان يحب أن ينفرد بالآب قبل أن يبدأ خدمته الجهارية. أيها الآب: “أريد أن أجلس معك، قبل أن اختلط بالناس وأن أعمل معك، قبل أن أعمل مع الناس.
إنه درس لك أنت أيضًا أن تجلس مع الآب، قبل أن تختلط بالناس، وقبل أن تخدم…
إنها حكمة الأربعين يومًا التي يعتكف فيها الكاهن الجديد في الدير، بعد سيامته، في صلاة وصوم، قبل أن يبدأ عمله في خدمة الكنيسة… تمامًا كما فعل المسيح…
وأنت أيضًا، قبل أن تعمل مع الناس، اجلس مع الله، قبل كل كلمة، قبل كل تصرف، انفرد بالرب، ولو لحظة.
إن كنت لا تستطيع أن تعتكف أربعين يومًا، بسبب مسئولياتك العالمية، فاعتكف ولو أربعين دقيقة… إن كل لحظة تختلي فيها بالرب لها قيمتها وفاعليتها…
+ فترة حروب وتجارب:
إن فترة الأربعين يوما التي قضاها الرب على الجبل، كانت فترة حروب وتجارب من عدو الخير.
ونحن نعلم أن كل عمل روحي، لابد أن يحاربه الشيطان. لذلك ليس غريبًا علينا إن يصب حروبه وحسده في فترة الصوم، ويحاول إزعاجنا حتى لا نستفيد.
فإن بدأت الصوم، وبدأت الحروب، فلا تتعجب، ولا تتذمر ولا تقل له: “أهذا جزائي يا رب عن روحياتي؟! هل أتصرف كأهل العالم حتى أستريح؟! كلا، بل كما قال بولس الرسول: “نحن لا نجهل حيله”…
قف صامدًا أمام التجارب، كجبل راسخ لا يتزعزع، مؤمنًا أن قوة الرب معك، وعارفًا أن هذه المتاعب دليل على تعب الشيطان وعلى غيرته منك..
إن التجارب لا تضايقنا… إنها محاولة يائسة من الشيطان أن يثنينا عن العمل الروحي… إنها محاولة من فرعون عند البحر لكي يبقينا في أرض العبودية.
في الأربعين يومًا كانت هناك تجارب، وأيضًا كان انتصار.
حارب إذًا حروب الرب في شجاعة، وستنتصر كما انتصر هو، وهو نفسه “سيقودنا في موكب نصرته”.
قد تأتيك الحروب من داخل، وقد تأتيك من الخارج. وفي كليهما تشدد وتشجع. وتذكر أمام إغراءات الشيطان:
إن فترة الصوم هي فترة مقدسة، يجب أن تسلك فيها بكل قداسة، والخطية أثناءها أصعب وأبشع، لأنها تحمل معنى الاستهانة بالصوم المقدس وطابعه الروحي.
حاول أن يكون الصوم بالنسبة لك فترة امتلاء بالروح، وفترة تخزين روحي، وخبرة روحية، وعشرة مع الله…
من الآن، قل لنفسك: ما هي الفائدة التي سأخرج بها من هذا الصوم؟ لابد أن أخرج بشيء…
أشعر أنك داخل على كنز من الروحيات، وعلى مخزن من الخبرات، وستغرف من كل هؤلاء وأولئك…
كلما يقترب منك الشيطان، انتهره كما انتهره الرب… ولا تسمح له أن يدنس صومك. كن حريصًا، وكن مدققًا. وثق أن التدقيق الذي تمارسه خلال 55 يومًا، ستصحبك آثاره ونتائجه بعد الصوم أيضًا.
وتكون خلال الصوم قد تعودت الحرص والتدقيق، وقد تدربت على التعفف، وعلى الصلاة والوحدة والتأمل.
حاول كل يوم أن تنال من الرب بركة خاصة.
وصل إلى الرب أن يمنحك معونة خاصة خلال الصوم.
قل له أعطني يا رب أيامًا مقدسة أبدأ بها… أعطني صومًا طاهرًا كعطية مجانية من عندك. لا تخزني، ولا أرجع من عندك فارغًا. لن أتركك حتى تباركني…
وحذار أن تظن إن الصوم هو مجرد نسك جسدي، أو مجرد تغيير طعام. كلا، بل هو مناسبة روحية مقدسة. تستطيع فيها الروح أن تنطلق من ضغط الجسد ومعطلاته، وذلك بإخضاع الجسد وشهواته.
اسلكوا إذًا بالروح، ومعكم معونة من روح الله القدوس.
أرجو لكم نعمة خاصة، وصومًا روحيًا، ونموًا في محبة الرب.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد العاشر) 5-3-1976م



