تأملات في الصعود

تأملات في الصعود1
منذ أيام، كنا نحتفل بعيد الصعود الإلهي المجيد، ونريد اليوم أن نأخذ فكرة عن هذا الموضوع، والتأملات الروحية التي نستفيد بها.
مسألة الصعود الإلهي، مسألة ترينا المجد الذي اتحد به السيد المسيح، في نهاية فترة تجسده على الأرض.
إن السيد المسيح – من الناحية اللاهوتية – يملأ السماء والأرض… لكنه صعد إلى السماء بالجسد.
من كان يظن- في آلام الصلب- أن تحدث أمجاد الصعود…؟
مَن مِن التلاميذ كان- أثناء جلد المسيح وصلبه- يعرف أن هذا المصلوب، المستهزئ به، سيرتفع إلى السماء في مجد عظيم؟
هذا الموضوع يجعلنا ننظر إلى الضيقات نظرة أخرى.. ويجعلنا لا نتحطم في الضيقات ونظن أنه لا خلاص… فمهما كانت آلام الصلب شديدة، ومهما كانت استهزاءات المعيرين فلابد أن تأتي أوقات يتمتع بها “المصلوب” بأمجاد الصعود.
إن هذا الواقع على الأرض- تحت الصليب – سيأتي وقت يرتفع فيه إلى السماء على السحاب… فقط تحتاج المسألة إلى “ثقة” و”إيمان” و”صبر”.
لقد حدث نفس الأمر مع الشهداء… فمن كان يظن أن “مار جرجس” – مثلًا – سيظهر بأمجاد عظيمة، يعمل آيات ومعجزات، وتبنى على اسمه كنائس؟
في المسيحية فضيلة اسمها “الرجاء”… والرجاء يعني عدم اليأس، والإحساس الدائم بأن شيئًا جديدًا سيحدث… فلا تحطمكم الضيقة وإنما… هناك دائمًا أمل بأن “برودة الموت” ستزول… وبعدها أفراح “القيامة” وأمجاد “الصعود”!
هكذا كان “إسحق” الذبيح في الطريق إلى الموت… بل إنه وضع فوق المذبح… وكان هناك الحطب والسكين، والنار… وظهر أن لا أمل… ولكن إسحاق… قام حيًا… ولم يُذبح!!
لا يصح أن “الضيقة” تحطم الإنسان ولكن هناك رجاء…!
هناك أناس- عندما تأتيهم الضيقة – تدخل نفوسهم داخل الضيقة، وتظل حبيستها، فيتطرق إليهم اليأس، ويقولون: لا خلاص!
هؤلاء… أثناء ثقل الصليب، لا يفكرون في فرح القيامة، ولا في أمجاد الصعود…!
لو كانت قصة المسيح قد انتهت بصلبه، لكنا أشقى جميع الناس… لكننا نفرح أن قصة الصليب اعقبتها قصتان جميلتان، هما قصة القيامة، وقصة الصعود…
والقيامة: معناها تحطيم الموت… ولكن المسيح كان على الأرض… أما بالصعود… فإن المسيح قد ترك الأرض إلى السماء!
إذا أردت أن تصعد إلى السماء، وتأخذك سحابة بيضاء، وترفعك إلى فوق، فاحتمل أولًا آلام الصليب… احتملها في ثقة وفي رجاء وصبر وفرح، شاعرًا أن الصليب هو الطريق إلى السماء… إلى الصعود… إلى المجد…!
صعود المسيح، كان دليلًا على لاهوته لأنه تحدى كل قوانين الجاذبية، وصعد إلى فوق… لم تأت مركبة نارية تأخذه – مثل “إيليا” – ولكنه صعد وحده… فهو الذي قال: “من عند الآب خرجت، وأتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم وأرجع إلى الآب”!
– أريد كل واحد منكم – في فترة ضيقه، وتعبه، وصلبه، وآلامه – أن يتذكر الصعود، والمجد والسماء…
– أريد كل واحد منكم وهو في بستان جثسيماني، يجاهد والعرق ينزل منه مثل قطرات الدم – أن يتذكر السحابة البيضاء التي ترفعه إلى السماء…!
– لا تجعلوا “الضيقة” تقف بكم عند حد “الألم” وإنما اخطوا خطوات إلى “أمجاد الآلام”… والأمجاد التي تعقب الآلام…
قصة الصعود: هي أن هناك فرحًا ومجدًا ورجاء بعد كل ضيق، وحياة بعد كل موت.. وأن الأبواب مفتوحة في السماء، إذا هي أغلقت على الأرض… فإذا أغلق الناس الأبواب في وجوهكم على الأرض… فاعرفوا أن هناك أبوابًا مفتوحة في السماء…!
والسيد المسيح عندما صعد إلى السماء، أعطانا فكرة بأننا نحن أيضًا سنصعد إلى هناك… وسيأتي هو على سحاب في اليوم الأخير، ويخطف الكنيسة معه… ونكون معه في السماء في كل حين…
إن صعود المسيح إلى السماء هو “النهاية السعيدة” التي سنصل إليها… أو هو “البداية السعيدة” للأبدية التي سنعيش فيها…!
يقول الكتاب: “أخذته سحابة عن أعينهم، وصعد إلى السماء… وفيما هم شاخصون إلى السماء…”
لقد تعلقت أبصار الرسل بالسماء التي صعد إليها السيد… وهنا نذكر قول الكتاب: “حيثما يكون كنزك، فهناك يكون قلبك أيضًا”… والمسيح هو كنز التلاميذ، فأصبحت قلوبهم معلقة بالسماء… حيث المسيح!
كل معيشتهم على الأرض أصبحت تتعلق بالسماء، وكل آمالهم ورغباتهم وأهدافهم، لم تعد معلقة بالأرض، وإنما بالسماء… حيث المسيح… لم يكن لهم على الأرض مستقر ولا وطن، ولذلك يقول بولس: إن نقض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السماء… هناك بيت غير مصنوع بأيدي.
ونحن نريد أن نتكلم في هذا أيضًا… كيف نشخص بأبصارنا دائمًا إلى السماء! وكيف تتعلق رغباتنا وآمالنا بالسماء!… كيف- ونحن على الأرض – نعيش في السماء!
مشكلتنا الكبرى أننا باستمرار ننظر إلى الأرض، فنتعب… لأن في الأرض تعب وضيق وظلم ومشاكل… ولو كانت أفكارنا معلقة بالسماء، فلا نتعب… لأن في الأرض – كما يقول سليمان – “نظرت فإذا موضع العدل هناك ظلم”!
إن الإنسان يستريح عندما يتطلع إلى السماء… وآباؤنا القديسون – عندما خرجوا إلى البراري – كانت أفكارهم معلقة بالسماء، ولذلك كانوا مستريحين…
وبولس يقول: “كأن لا شيء لنا، ونحن نملك كل شيء. كحزانى ونحن فرحون”…
فعلى الأرض لا شيء لنا… ولكن في السماء كل شيء… على الأرض أحزان ولكن في السماء أفراح…
إن المسيح عندما صعد إلى السماء، أصعد أفكارنا ورغباتنا معه إلى السماء. فأصبحنا بصعوده “بشرًا سمائيين”… لنا من طبيعة السماء، ولم نعد بعد نعيش حسب الجسد، في رغباته وشهواته…
ليتكم تضعون أمامكم هذه العبارة: “شاخصين إلى السماء”… اجعلوا هذا شعاركم، فتستريحون وتتذكرون الوضع الباقي لكم، وترتفعون عن المستوى الأرضي…
أثناء عبور موسى والشعب، البحر الأحمر… الذين نظروا إلى الأرض خافوا وقالوا: ألا توجد لنا قبور في مصر… أما موسى فكان يشعر أن الله قادر أن يشق طريقًا في البحر…
ولو نظرنا إلى السماء فسنشعر أن الله يفجر من الصخر ماء، ويشق في البحر طريقًا فنستريح…
ولو أن المسيح نظر إلى الخمس خبزات وسمكتين لما كان ينظر التلاميذ… لبقيت مشكلة إطعام الألوف بغير حل…
أما هو، فنظر إلى فوق ووجد أن الخمس خبزات يمكن أن تكفي خمسة آلاف، بل ويفيض عنها 12 قفة…!!
هكذا، الذي ينظر إلى السماء، يرى السمو، والبركة والمعونة، فيستريح… فكونوا شاخصين إلى السماء – مثل التلاميذ ولا تنظروا إلى الأرض فهي خالية، ومتعبة، وباطلة وليست المستقر الدائم لنا…!
انظروا إلى السماء… فتتذكروا أن المسيح سيأتي مرة أخرى على سحاب، في ملائكة وربوات كثيرين، ويأخذنا معه!
هذا هو جمال الصعود… ليس فقط في أن المسيح صعد إلى السماء، وإنما أيضًا في أننا سنصعد معه إلى السماء… يومًا ما…
لذلك… في كل أعمالكم… انظروا إلى الأعمال الباقية التي ستتبعكم إلى فوق، واكنزوا الأشياء التي تبقى في السماء… وكونوا شاخصين إلى السماء.
فتتذكرون أن السماء هي كرسي الله وتتذكرون قطرها وعلوها، وأنها مكان الملائكة، وجند السماء، والقوات السمائية… والشارابيم والسارافيم والأرباب والسلاطين والكراسي والقوات.
وتتذكرون أيضًا الأطهار الذين صعدوا إلى فوق… وتتذكرون أصدقاءكم وأحبابكم وأحضان إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والأربعة والعشرين قسيسًا الجلوس على كراسيهم بأربعة وعشرين تاجًا من ذهب على رؤوسهم… وتتذكرون الأربعة حيوانات غير المتجسدين… وأورشليم السمائية، والأفراح السمائية…
عندئذ… عندما تنظرون إلى السماء وتتذكرون هذا كله… ستبدو الأرض في أعيننا تافهة وحقيرة، وضئيلة!
هذا هو المطلوب في الصعود، أن تصعد أفكارنا إلى فوق، وأن يصعد مستوانا الروحي والقلبي… وأن تصعد أهدافنا، ولا نصير متمسكين بالأرض، ولا بالتراب … ولا بالمادة ولا بالجسد!
يقول الكتاب أن التلاميذ كانوا شاخصين إلى السماء فظهر لهم رجلان بلباس أبيض
وهنا نلاحظ أن الرؤى الإلهية تأتي للإنسان وهو في حالة روحية معينة، فعندما كان التلاميذ شاخصين إلى السماء استحقوا أن يروا الملائكة، ويأخذوا منها بركة ورجاء ووعدًا بالنسبة للمستقبل.
كثيرون يشتهون رؤية الملائكة… وهؤلاء نسألهم: هل أنتم شاخصون إلى السماء حتى يمكنكم أن تروا هذه الرؤى؟
إن يوحنا الإنجيلي – عندما رأى الرؤية – قال: “كنت في الروح في يوم الرب”… ولذلك استطاع أن يرى!
وبولس الرسول – عندما رأى الرؤية السمائية وصعد إلى الفردوس – يقول: “في الجسد أم خارج الجسد، لست أعلم”… فقد كان في حالة روحية لم يشعر بها بالجسد تمامًا، فاستطاع أن يرى!
إذا أردنا أن نتمتع بالسمائيات، فلابد أن نمهد قلوبنا لها، ونكون مشغولين بالإلهيات و “شاخصين إلى فوق”!
لقد استطاع بولس أن يرى المسيح، ويسمع صوته… ولكن الذين كانوا معه لم يروا، ولم يسمعوا، لأنهم لم يكونوا مؤهلين لذلك، لم يكونوا شاخصين إلى السماء…
الذين يشخصون إلى السماء، يستحقون أن يروا الملائكة… أو على الأقل يشعرون بالجو الروحي… ولولا هذا الشعور، ما كان آباؤنا في البرية قد استطاعوا أن يتحملوا هذا الزمان. ليتنا نكون نحن أيضًا شاخصين إلى السماء، لأن أيام غربتنا على الأرض قليلة وردية!
نحن – أيها الأخوة – لسنا من الأرض حتى ننشغل بها… نحن من أب سماوي هو الله، ولدنا من الماء والروح، وأخذنا خاتم السماء وسمة الروح القدس وأصبحنا ملكًا للسماء، رعية وأهل بيت الله… كما قال بولس الرسول!
الذي – وهو على الأرض – يسكن في السماء، يستطيع أن يسكن فيها إلى الأبد… فلابد أن نعيش فيها من الآن ونأخذ ما يسمى “بمذاق الملكوت” ونحن على الأرض، حتى نستطيع أن نصل إليه…
ليست المسألة – في الملكوت- انتقالًا فجائيًا، وإنما لابد أن نعيش في السماء، ونحن على الأرض… فهل عشتم في السماء؟ … أم لم تعيشوا بعد؟ … هذا هو السؤال؟
وهل تفكرون كثيرًا في السماء؟ … أم تتعبكم سيرتها؟
وهل أنتم – حقًا – تحبون السماء؟ … أم تحبون الأرض أكثر؟
إن العالم الآن ليس شاخصًا نحو السماء، وإنما تعلقه بالأرض يجعله يخشى السماء والذهاب إليها… ومن أجل هذا – في كثير من الأوقات – يسمح الله بالضيقات والمتاعب على الأرض، لكي نسامها ونملها، ونتضايق منها…
ونفكر في السماء… وتتحول قلوبنا إلى محبة السماء وأهل السماء!
كثير من القديسين يحبون أهل السماء ويعيشون معهم أكثر… يفكرون فيهم، ويقرأون كلامهم، ويحيون حياتهم، ويشتاقون أن يعيشوا معهم!
قال الملاكان للرسل: “أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع، سيأتي هكذا أيضًا كما رأيتموه…”
والذي يفرح بمجيء المسيح، هو المستعد لمجيئه، أما غير المستعد، فإنه يخاف… ولذلك غير المستعدين، قيل عنهم: “ستبصره كل عين وتنوح عليه جميع قبائل الأرض والذين طعنوه”.
هكذا… ناس يفرحون بمجيء المسيح ويصعدون معه… وآخرون يحزنون ويقولون للجبال غطينا، وللتلال أسقطي علينا…
هذا اليوم – يوم المجيء الثاني للمسيح – رهيب… فهل تفرح لمجيء المسيح؟ … أم أنك تحزن؟
وهل ستصعد معه؟ … أم تنوح كما تنوح جميع قبائل الأرض؟
إن الشاخصين إلى السماء يفرحون بمجيء المسيح ويقولون… نعم تعال أيها الرب يسوع!… فمن فيكم يقول هكذا؟
إنه سيأتي… فكونوا مستيقظين لمجيئه، مستعدين للقائه… لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 21-5-1972م



