تأملات فى حياة نحميا

شخصيات الكتاب المقدس
تأملات في حياة نحميا1
رجل الصلاة والعمل والروحانية والإدارة
ما نعرفه عن نحميا، أنه ظهر في التاريخ فجأة دون مقدمات، بدأ تاريخه منذ حماسه لبناء سور أورشليم. أما تاريخه السابق فلا نعرفه.
وهذا يرينا أن هناك أناسًا يبدأ تاريخهم من بدء صلتهم بالله والكنيسة، حياتهم الحقيقية هي عملهم مع الله. أما باقي حياتهم ففراغ…!
وما أكثر الناس الذين يولدون ويموتون، وكأنهم لم يعيشوا. ينظر التاريخ إلى حياتهم، فلا يجد شيئًا يستحق التسجيل.
كان نحميا أحد المسبيين في بابل… وكان له مركز في قصر الملك أرتحشستا… كان ساقيًا للملك (نح1: 11).
كثيرون عاشوا في السبي، وكانوا من مشاهير الرجال في أيامهم. مثال ذلك دانيال النبي، في أيام الملك نبوخذ نصر الذي “منحه سلطة على كل ولاية بابل، وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل” (دا2: 48). ونجح دانيال أيضًا في حكم داريوس الملك، وفي حكم الملك كورش الفارسي (دا6: 28).
والثلاثة فتية القديسون أيضًا كانوا في أرض السبي، وقد “قدمهم الملك في ولاية بابل” (دا3: 30). حزقيال النبي أيضًا كان ضمن المسبيين، وقد تنبأ عند نهر خابور (حز1: 1).
إذن لا يحزن إنسان إن كان في السبي، مادام الرب معه في أرض السبي.
وليس في أرض السبي فقط… إن الرب كان مع الثلاثة فتية هناك، في أتون النار. وكان كذلك مع دانيال في جب الأسود. وكان مع حزقيال الذي قال “… وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، أن السموات انفتحت، ورأيت رؤى الله” (حز1: 1).
ونفس الوضع حدث أيضًا مع القديس يوحنا الرسول، الذي وهو منفي في جزيرة بطمس، قال “نظرت وإذا باب مفتوح في السماء…” (رؤ4: 1).
حقًا، حينما تنغلق أبواب كثيرة على الأرض، يبقى الباب مفتوحًا في السماء…
نعود إلى نحميا فنقول إنه عاش في أيام صعبة بالنسبة إلى أورشليم.
كان هو مستريحًا في قصر الملك أرتحشستا، وكانت له وظيفة مرموقة في البلاط. وكان موضع ثقة الملك، بدليل أنه عينه في مرتبة أحد الولاة. ولكن أزعجه ما سمعه من بعض رجال يهوذا “أن سور أورشليم منهدم، وأبوابها محروقة بالنار، والذين بقوا من السبي هناك، هم في شر عظيم وعار” (نح1: 3). نحميا كان يعيش في بابل، وقلبه في أورشليم.
لهذا، لما سمع تلك الأخبار المؤلمة، قال “فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أيامًا وصمت وصليت” (نح1: 4).
ووقف أمام الله يتشفع في أخوته هؤلاء، ويقول لله “هم عبيدك وشعبك الذي افتديت بقوتك العظيمة” (نح1: 10). وأخذ يعترف أمام الله بخطايا هذا الشعب التي كانت سببًا في السبي… وختم صلاته بقوله للرب “لتكن أذنك مصغية، وعيناك مفتوحتين لتسمع صلاة عبدك…” ولم يكتف نحميا بالصلاة، إنما صمم أن يعمل عملًا، ويكلم الملك في الأمر.
لهذا قال في صلاته للرب “أعط النجاح اليوم لعبدك، وامنحه رحمة أمام هذا الرجل” (نح1: 11). وقف أمام الملك مكمدً، وليس كما كان من قبل، ولما سأله الملك عن سر كآبته، كلمه بكل صراحة: “كيف لا يكمد وجهي، والمدينة بيت مقابر آبائي خراب، وأبوابها قد أكلتها النار؟!” (نح2: 2، 3).
ولم يكتف بهذا، بل طلب من الملك أن يعطيه مواد للبناء، ورسائل إلى الولاة لكي يسهلوا مهمته. وفعل الملك ذلك، وقال نحميا “فأعطاني الملك، حسب يد إلهي الصالحة عليّ” (نح2: 8). كانت صلاته السابقة قد استجيبت.
إن نحميا درس عميق، للذين يعينون في مناصب كبيرة، فيخشون أن يطلبوا لأجل أخوتهم، حفاظًا على مناصبهم!!
أما نحميا فكان جريئًا، ولم ينس بيت آبائه. دافع عن إخوته، واحتفظ بمنصبه. ونال تقدير الملك، بسبب غيرته المقدسة ونبله.
كذلك فإن نحميا هو درس أيضًا للمهاجرين الذين ينسون بيت آبائهم، وينسون أخوتهم حتى إن كانوا “في شر عظيم” (نح1: 3) … وتستهويهم رفاهية الحياة في أرض الغربة!!
أما نحميا فقد كانت أسوار أورشليم المهدمة تجذبه، أكثر من قصر الملك الذي يعيش فيه.
لذلك ترك قصر الملك، ويذهب ليبحث عن سلامة أخوته. وهو في هذا يذكرنا بموسى النبي الذي “أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلًا بالأحرى أن يذل مع شعب الله… حاسبًا عار المسيح غنى أفضل من خزائن مصر” (عب11: 24 – 26).
ما كان أحد يطالب نحميا، ولا كان أحد يطالب موسى بما فعلا.
الأعذار متوفرة وموجودة، ولكنهما لم يستخدما شيئًا منها… ما كان أسهل على نحميا أن يقول: أنا أحد المسبيين. ماذا بإمكاني أن أفعل؟!
ولكنها الغيرة التي في القلب، التي تشق طريقًا في الصخر… أو هي المحبة التي لا تعترف بالعوائق. المحبة التي لا تقتصر على مجرد إبداء المشاعر، إنما تطيع قول الرسول “…لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق” (1يو3: 18).
وهكذا اختار نحميا الطريق الصعب، وبدأ رحلته نحو المجهول، رحلة الحب والغيرة…
رحلة طويلة وشاقة، على دابة (نح2: 12). وصل بعدها إلى أورشليم، وسلم الرسائل إلى الولاة… وكان ينتظره تعب العمل، وتعب آخر من بعض الأعداء مثل سنبلط الحوروني، وطوبيا العبد العموني، وقد ساءهما مساءة عظيمة أنه قد جاء رجل يطلب خيرًا لأخوته (نح2: 10).
وكان نحميا حكيمًا، فقام أولًا بعملية استطلاع واستكشاف. وأحاط الأمر بسرية كاملة.
قال “قمت ليلًا أنا ورجال قليلون معي، ولم أخبر أحدًا بما جعله إلهي في قلبي لأعمله في أورشليم”(نح2: 12). وظل يطوف من مكان إلى آخر، ويعبر من أحد أبواب المدينة إلى باب آخر، ويقول في ذلك “وصرت أتفرس في أسوار أورشليم المهدمة وأبوابها التي أكلتها النار… ولم يعرف الولاة إلى أين ذهبت، ولا ما أنا عامل، ولم أخبر إلى ذلك الوقت اليهود والكهنة والأشراف… وباقي عاملي العمل” (نح2: 13- 16).
إنها الحكمة التي تستدعي السرية، وبخاصة في مرحلة الدراسة، وقبل صدور القرار ببدء العمل.
إن يد الله الصالحة معه، ليس معناها أن يتهور، ويكشف خطته وهناك أعداء متربصون، أو أن يلقي بيانًا قبل أن يدرس ويقرر… إن الحكمة لازمة في عمل الله، وما أكثر الذين أفسدوا عملهم بكشف الأمر قبل أوانه.
ولما تمت الدراسة، أخبر أخوته بنيته، كما شجعهم بأن حدثهم عن يد الله الصالحة معه، وكلام الملك. وقال لهم عبارته المشهورة: “هلم لنبني سور أورشليم، ولا نكون بعد عارًا” (نح2: 17).
وأخذ يوزع العمل، في حكمة وحسن تدبير.
قسم العملية، وأشرك معه الجميع. وجعل البعض يرممون ما هو إلى جوار مساكنهم. والكهنة أيضًا اشتركوا في العمل “بنوا باب الضأن، وقدسوه وأقاموا مصاريعه…”. وهكذا باقي أبواب أورشليم الإثني عشر. اشتغل الكل فيها، وفي إقامة المصاريع والأقفال والعوارض… بدراسة دقيقة لمداخل المدينة…
إن حُسن التدبير أمر لازم، يجب أن يتصف به أولاد الله والقائمون على الخدمة.
ليس في الأمور الدنيوية فقط، بل بالأكثر في أمور الكنيسة.
ولذلك تشترط قوانين الكنيسة أن يكون الأسقف “جيد التدبير”. وكذلك الكاهن، وقد استطاع أن يدبر أهل بيته حسنًا “لأنه إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته، فكيف يعتني بكنيسة الله؟!” (1تي3: 4، 5). ويقول الكتاب عن القسوس “المدبرين حسنًا فليحسبوا أهلًا لكرامة مضاعفة” (1تي5: 17). بل يقول الكتاب “حيث لا تدبير، يسقط الشعب” (أم11: 14).
كان نحميا حسن التدبير، وبتدبيره سار العمل حسنًا. ولكن نجاح نحميا أغاظ أعداءه، فقاموا ضده.
بدأوا أولًا بالتهكم، وهزأوا بالعمل: ماذا يعمل هؤلاء الضعفاء؟!… هل يحيون الحجارة من كوم التراب وهي محرقة؟!… إن ما يبنونه، إذا صعد ثعلب عليه يهدم حجارة حائطهم!
وكان نحميا يتلقى هذا الاستهزاء والتحقير ويقول: اسمع يا إلهنا، لأننا قد صرنا احتقارًا، ورد تعييرهم على رؤوسهم (نح4: 1 – 4).
لا مانع أن يتعرض أولاد الله للتعيير والتحقير!
فالسيد المسيح نفسه تعرض لهما، وقيل عنه “محتقر ومخذول من الناس” “ظلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه” (إش53: 3، 7). والقديس بولس قال عن نفسه وعن زملائه في الخدمة” بمجد وهوان، بصيت حسن وصيت رديء” (2كو6: 8).
صبر نحميا، واحتمل لكي يكمل العمل، ولم يمنعه الاستهزاء عن تكملة عمله.
إن طبيعة الذين لا يعملون، أن يحقروا العاملين.
ماذا فعل سنبلط الحوروني، وطوبيا العموني وجشم العربي؟! لا شيء. لقد تعبوا في داخلهم، أما نحميا فلم يتعبه تحقيرهم. يقول نحميا “ولما سمع سنبلط أننا آخذون في بناء السور، غضب وأغتاظ كثيرًا” (نح4: 1) … ولما سمعوا “أن أسوار أورشليم قد رممت، والثغرات قد ابتدأت تسد، غضبوا جدًا، وتآمروا جميعهم معًا، أن يأتوا ويحاربوا أورشليم ويعملوا بها ضررًا” (نح4: 7، 8).
ولما وصل الأمر إلى التآمر والمحاربة، بدأ نحميا في عمل الحراسة والدفاع.
حقًا إن المزمور يقول “إن لم يحرس الرب المدينة، فباطلًا سهر الحارس” (مز127: 1). ولكن هذا لا يمنع من أن يؤدي الخدام واجبهم في الحراسة، وفي الدفاع. وهكذا فعل داود في حراسة غنمه (1صم17: 34، 35). وقد قيل عن الرعاة الذين بشرهم ملاك الرب بميلاد المخلص إنهم “كانوا يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو2: 8).
لذلك فإن نحميا أقام حراسات للعمل، إذ قال الأعداء “ندخل إلى وسطهم ونقتلهم ونوقف العمل” (نح4: 11).
عجيب أن تصل العداوة إلى هذا الحد، ويسمح الله أن يوجد أعداء يحاربون هكذا!!
لم يقم نحميا بأي عمل ضدهم، ولكن نجاحه أزعجهم. إن النجاح دائمًا يزعج الشيطان أولًا. والشيطان في حسده وحقده يستخدم أعوانه، لكي يوقفوا العمل!
إن نحميا لم يخف من مؤامرة أعدائه، ولا من تهديدهم بقتله. بل قال للقادة وللشعب “لا تخافوهم، بل اذكروا السيد العظيم المخوف” (نح4: 14).
وإذا بنحميا رجل الصلاة والإيمان، يتحول إلى قائد صلب قوي.
إن عمله الجبار في الحراسة والدفاع، لا يمنع إيمانه بحراسة الله له. إن تقدم داود بقلاعه لمحاربة جليات، ليس ضد إيمانه إذ يقول “اليوم يحبسك الرب في يدي…لأن الحرب للرب، وهو يدفعكم ليدنا” (1صم17: 46، 47). فماذا فعل نحميا إذن؟
كان نصف غلمانه يشتغلون في العمل، ونصفهم يمسكون الرماح الاتراس والقسي والدروع… أما البناؤون وعمالهم فكانوا يبنون، وسيف كل واحد مربوط على جنبه… باليد يعملون العمل، وبالأخرى يمسكون السلاح. والنافخون بالبوق مستعدون لجمع الكل وقت اللزوم (نح4: 16 – 20).
ومع كل هذه الحراسة ووسائل الدفاع، ختم نحميا استعداداته بقوله “إلهنا يحارب عنا” (نح4: 20).
وفي اهتمام نحميا بمقاومة الأعداء، لم يغفل عن المقاومة الداخلية ضد الذين يضعفون معنويات الشعب.
كان الأغنياء يقرضون إخوتهم بالربا، ويستولون على حقوقهم وكرومهم وبيوتهم، أو يضعونها تحت الرهن وزاد صراخ الشعب من ذلك (نح1: 1 – 5).
وكان لابد لنحميا كمدبر حكيم، أن يحمي الجبهة الداخلية. فوقف بقوة ضد أولئك الكبار، ووبخ العظماء والولاة. وأقام عليهم جماعة عظيمة، ومنعهم من أخذ الربا من أخوتهم. ليس فقط من جهة المستقبل، بل عمل على إصلاح الماضي أيضًا، فقال لهم “ردوا لهم في هذا اليوم حقولهم وكرومهم وزيتونهم وبيوتهم… والذي تأخذونه منهم ربا” (نح5: 11).
وهكذا أصلح الأمر، واستحلفهم على الاستجابة. وهددهم بأن نفض حجره أمامهم، وقال: “هكذا ينفض الله كل إنسان لا يقيم هذا الكلام… ويكون منفوضًا وفارغًا. وقال كل الشعب آمين” (نح5: 13).
وأقام نفسه مثالًا عمليًا أمامهم في النزاهة وعدم استخدام سلطته لمنفعته، كوال عليهم.
لقد صار واليًا 12 عامًا، من السنة العشرين إلى السنة 32 من حكم أرتحشستا الملك.
طوال هذه المدة لم يستخدم امتيازاته، فلم يأكل من خبز الوالي، ولم يأخذ من الشعب إتاوات كما فعل الولاة الذين قبله. بل كان يدعو الكثيرين إلى مائدته (مائة وخمسين) … وكان يذبح لهم ويطعمهم ويسقيهم (نح5: 14 – 18).
وأكمل بناء السور. وقبل أن يقيم مصاريع الأبواب، طلب الأعداء أن يتفاهموا معه، فرفض.
أرسل إليه سنبلط وجشم أن يجتمع معهما للتشاور، فرفض وقال لهما “إني أنا عامل عملًا عظيمًا، فلا أقدر أن أنزل إليكما. لماذا يبطل العمل إذ أتركه”. وأرسلوا إليه بذلك خمس مرات فلم يستجب لهما (نح6: 1 – 5).
إنه لم يرد أن يعطل عمله الإيجابي، من أجل الحوار مع أشخاص لا يريدون سوى العداوة.
وحسنًا فعل إذ “كانا يفكران أن يعملا به شرًا” (نح6: 2). إن الحوار لا يفيد إذا كانت النية غير سليمة، والقلوب غير نقية…
وأوغر أعداؤه إلى بعض أخوة كذبة يحيطون به، أن ينصحوه بالهروب إلى الهيكل لكي يحتمي به لأنهم مزمعون أن يقتلوه. فرفض وقال لهم “أرجل مثلي يهرب؟!”… لقد عرف أنهم قد استؤجروا ضده. وقال عن ذلك “لكي أخاف وأفعل هكذا وأخطئ، فيكون لهم خبر رديء يعيرونني به” (نح6: 13).
أخيرًا استطاع نحميا أن يبني السور، ويقيم المصاريع، ويرتب البوابين، ويقيم الحراسات.
كل شيء تم ترتيبه بدقة. وجعل نظامًا لغلق الأبواب وفتحها، بمواعيد. “وأقام حراسات من سكان أورشليم، كل واحد على حراسته وكل واحد مقابل بيته” (نح7: 1 – 3).
لقد اهتم بعمله الإيجابي، ولم يبال بالسلبيات.
وماذا كانت نهاية العاملين في السلبيات. يقول نحميا “ولما سمع كل أعدائنا، ورأى جميع الأمم الذين حوالينا، سقطوا كثيرًا في أعين أنفسهم، وعلموا أنه من قبل إلهنا عمل هذا العمل” (نح6: 16).
إن نحميا رجل واحد، ولكنه استطاع أن يغير الصورة، ويحول الظلام إلى نور. بإيمانه وصلاته، وبقوته وعمله، وبتدبيره ومثابرته، وبشجاعته وعدم خوفه. وبعدم تضييع وقته في السلبيات ومقاومة الأعداء…
انتهى من بناء أسوار أورشليم وترميم أبوابها، ولكن ماذا فعل من جهة البناء الروحي؟
هذا ما أود أن أحدثكم عنه في العدد المقبل، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 6-11-1994م



