بيت الكاهن

بيت الكاهن[1]
بيت الكاهن هو لحياته الخاصة مع زوجته وأولاده وأسرته.
وليس بيت الكاهن للاعترافات، ولا لحل المشاكل.
هذه كلها: مكانها الطبيعي هو الكنيسة.
إن استقبل الكاهن في بيته من يأتون من المعترفين، وأصحاب المشاكل، وطلاب الحاجات، يفقد البيت خصوصيته، ويصبح مكشوفًا أمام الناس. وتتعب زوجة الكاهن جدًا، إذ ترى أن بيتها تحول إلى مكان عام، لا تملك حريتها فيه، وأيضًا يتعب أولاد الكاهن، إن كانت لهم مثلًا واجبات دراسية يقومون بتأديتها.
بل ويتعب الكاهن أيضًا من كثرة الطارقين على بابه، في أي وقت يشاءون، لا يعطونه وقتًا للراحة، ولا وقتًا للصلاة، ولا وقتاً للدراسة. ويجد نفسه مضطًرا أن يقابلهم بملابسه الرسمية، لأنه من غير اللائق أن يروه في صورة غير هذه…
على الكاهن أن ينظم مسئولياته الكنسية داخل الكنيسة والمكاتب الملحقة بها، فهذا هو الوضع السليم.
لأنه أيضًا إذا ارتبك بيت الكاهن، تخاف أية زوجة من سيامة زوجها كاهنًا.
البدء، والاستمرار
كثيرون من الآباء الكهنة يبدأون حياتهم الكهنوتية، بكل غيرة وحماس، ومبادئ رعوية سليمة، وبحياة روحية ممتازة، وبعلاقة طيبة بالناس وبكل الخدام والعاملين في الكنيسة…
ولكن المشكلة أن البعض لا يستمرون في نقطة البدء! فما الأسباب؟ وكيف يمكن علاجها؟
هذه نقطة تحتاج إلى دراسة عملية عميقة، أو تحتاج إلى ندوة تقام لهذا الغرض، ويحضرها الإكليروس فقط تحت إشراف بعض الأحبار… أو تحتاج إلى كلمات صريحة يرسلها لنا بعض الذين خالطوا هؤلاء الآباء الكهنة ودرسوا ظروفهم…
هل الأسباب خارجية تعود إلى الظروف التي عاشها الأب الكاهن وغيرت أسلوبه، أم ترجع إلى عوامل داخلية؟
أي داخل نفسه، أو داخل أسرته… أو بسبب صحته.
ثم ما تلك الظروف، أو الأسباب الخارجية؟ وهل هي حقًا كانت ضاغطة جدًا واضطرارية؟ وكيف ذلك؟
خطأ الكاهن
نحن ندرك تمامًا أنه لا يوجد أحد معصوم.
وما أخطر ما ورد في رسالة معلمنا يعقوب الرسول: “كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا” (يع5: 17) ومع ذلك “صَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ” …
وعلى الرغم من هذا فإننا نقول:
الكاهن رجل عام. وكل رجل عام أعماله تحت مراقبة.
كل إنسان يلاحظه في كل شيء، في ألفاظه، في حركاته، في ملامحه، في شكله، في ملابسه، في تصرفاته… لهذا كله ينبغي أن يكون الكاهن دقيقًا في كل شيء، وحريصًا… ليس فقط فيما هو حلال وحرام، أيضًا فيما هو لائق وما هو غير لائق.
ومن الأحكام المعروفة في الكتاب المقدس:
أن خطأ الكاهن أخطر بكثير من خطأ العلماني:
لذلك فهو في تقديم الحمل يقول للرب: “أعط يا رب أن تكون ذبيحتنا هذه، عن خطاياي وجهالات شعبك” معتبرًا أن ما يقترفه الشعب يدخل في عداد الجهالات، أما سقطاته هو فلا يمكن أن تعتبر جهالات بل خطايا. لأنه من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا2: 7).
أيضًا خطاياه تعتبر عثرة للآخرين:
وهكذا تكون لها مسئولية مزدوجة. فهي في حد ذاتها خطية. وفي عثرتها للآخرين خطية أخرى. لأن الناس يفترضون في الكاهن المثالية. فحينما يرونه في خطأ يعثرون. فإما أن يجاروه في أخطائه، لأنه هو المثال الموضوع أمامهم. وإما أنهم بسببه يشكون في إمكانية تنفيذ الوصايا!
وأخطر ما في أخطاء الكاهن نوعان:
الخطايا الظاهرة التي يلاحظها الكل. والخطايا الثابتة المتكررة، التي تبدو كما لو كانت طبعًا من طباعه لا يفارقه. وهنا قد يسأل البعض: إن كان الكاهن لم يستطع أن يصلح ذاته، فكيف يصلح الآخرين؟! وكيف يكون مرشدًا روحيًا؟
وهنا خطايا الكاهن تعطل عمله الروحي والرعوي:
تعطل عمله كأب اعتراف، إذ يمتنع كثيرون عن الاعتراف عليه. كذلك أخطاؤه تفقد عظاته تأثيرها… وكذلك تقلل من قيمة افتقاده للشعب ونصائحه لهم. وتقلل أيضًا من هيبته… وتكون موضع انتقاد، ليس من داخل الكنيسة فقط، بل ومن خارجها أيضًا.
ليس طرفًا في خصومة
لا يجوز للأب الكاهن أن يصير طرفًا في خصومة.
فإذا تدخل في نزاع بين طرفين يجب أن يلاحظ الجميع حياده، وحقانيته، بأن يعطي لكل ذي حق حقه. ولا يجوز أن ينحاز إلى طرف معين، ويقف كخصم من الطرف الآخر.
يجب أن يشعر الكل بأنهم أولاده، وبأنه يحبهم كلهم.
وبالذات فليكن حريصًا جدًا في قضايا الأحوال الشخصية، وفي مسائل المشاكل الزوجية… ولا يصح أن يقدم إلى المحكمة شهادة تضيع مستقبل أو حقوق أحد الطرفين، فيشعر أن الكنيسة قد أساءت إليه، وسببت له أضرارًا.
لأنه بهذا الشكل يتحول الكاهن إلى خصم، لا أب!
وقد يفقد بهذا التصرف، ليس شخصًا فقط، وإنما ربما أسرة كاملة، بل وأصحابها ومعارفها…
على الكاهن أن يشهد للحق، وأن يوبخ أحيانًا. ولكن لا يصح مطلقًا أن يأخذ موقفًا عدائيًا من أحد أولاده، بكل ما لهذا الموقف من نتائج…
الناحية المالية
لا يكن المال هدفك، ولا تقلق بسببه. تذكر قول داود النبي:
“كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا” (مز37: 25).
ما أجمل هذه القاعدة، وما أحقها بالحفظ: “من يسعى وراء المال، هرب المال منه. ومن هرب من المال، جرى المال وراءه”.
لا يصح أن تصطدم مع الشعب أو مجلس الكنيسة لأسباب مالية. ولا يليق أن تشكو أمام الناس من وضعك المالي. ارتفع فوق هذا المستوى.
الشعب يحب الكاهن الزاهد، العفيف اليد، ويحترمه، ويأتمنه على أمواله.
هناك فرق كبير بين كاهن يزور مريضًا من أجل محبته له، ويصلي له القنديل من كل قلبه، لكي يُشفى. وكاهن آخر يزور المريض وغير المريض ليصلي القنديل من أجل (العوايد) والمال…
إن صلواتك لا تقدر بمال. وليس المال ثمنًا لها. حرر هذه الصلوات وطهرها من رباط المال…
النظام والسجلات
النظام واجب ونافع جدًا في الخدمة. وقد قال الكتاب:
“لْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ” (1كو14: 40).
وليس حقًا مفهوم البعض أن يكون الشيء بالبركة (أي بعدم ترتيب) فإنجيل البركة الذي بارك فيه الرب الخمس خبزات، اهتم فيها السيد المسيح بالنظام أولًا. فجعل الناس يتكئون أولًا “صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ” (مر6: 40). وأعطى التلاميذ، والتلاميذ أعطوا الجموع… والرسول يقول: “تَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ” (2تس3: 6).
لذلك يحسن أن تنظم كل الخدمة في الكنيسة، وتكون لها سجلات.
1- سجلات للعضوية الكنسية، تشمل كل أبناء الكنيسة بالشارع والحي، وتشمل أيضًا كل أصحاب العضوية العاملة، والعضوية القيادية.
2- سجلات للعماد، ومنها تصدر شهادات لكل المعمدين.
3- سجلات للخطوبة وللزواج، مع كل ما يطرأ عليها من تغيير كالترمل والطلاق والبطلان. ويحسن تسجيلها كلها في كمبيوتر.
4- سجلات للافتقاد. ويحسن أن توجد في الكنيسة خريطة للمنطقة بكل شوارعها. ويضمن الكاهن أنه قد زارها كلها.
5- سجلات للخدمة الاجتماعية، تشمل ملفًا لكل أسرة معانة.
6- سجلات للحالات الخاصة التي تهتم الكنيسة برعايتها.
7- سجلات للخدام والخادمات في كل من التربية الكنسية، وفرق الشمامسة وفرق الكورال، والمرتلين، وما يطرأ عليها من تغيير.
8- سجلات لسيامات الشمامسة بكل رتبهم. من إيبذياكون، إلى أغنسطس، إلى أبصلتس. ويشمل السجل التاريخ واسم الأب الأسقف ومن تمت سيامتهم.
9- سجلات لكل أنشطة الكنيسة: سواء المكتبة، أو النادي، أو المشغل، أو فصول التقوية، أو الحضانة، أو وسائل الإيضاح… إلخ.
10- سجلات لكل عهود الكنيسة، والفواتير الخاصة بها، ومن استلمها.
11- سجلات لمجلس الكنيسة، والمحاضر، والنواحي المالية، والأوراق الرسمية.
وينبغي في سجلات الكنيسة عدم الاعتماد على الذاكرة.
فالذاكرة قد تنسى، أو على الأقل تنسى التفاصيل، كما أنها لا تُعطي الفرصة للزملاء في الخدمة أن يلموا بالمعلومات.
كذلك يحسن أن يوجد سجل للتاريخ والأحداث.
مزود بالمعلومات والصور. سواء بالنسبة إلى كل كنيسة على حدة، أو لكل الكنائس بالنسبة إلى الإيبارشية. ويشمل أيضًا المراسلات والمؤتمرات.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (26) – بيت الكاهن“، وطني 10 ديسمبر2006م.





