اهْتم بأبدّيتك

اهْتم بأبدّيتك1
الإنسان له حياة واحدة، نفس واحدة. إن ربحها، ربح كل شيء. وإن خسرها خسر كل شيء… والعالم كله لا يساويها. ولذلك قال السيد المسيح عبارته الخالدة:
“لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟” (مت16: 26).
كل ما في العالم وقتي وزائل، لابد سينتهي بعد حين، أيًا كانت قيمته. لابد سيتركه الإنسان حينما يترك هذا العالم. وما أعمق تلك العبارة التي قالها أيوب الصديق (أي1: 21):
“عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ”.
ولعلك معي، تنشد هذين البيتين:
قد دخلت الكون عريانًا فلا قنية أملك فيه أو غنى
وسأمضي عاريًا عن كل ما جمع العقل بجهل واقتنى
لذلك فالإنسان الحكيم لا يهتم مطلقًا بمغريات العالم الوقتية التي لابد أنه سوف يتركها. بل يهتم بالأبديات الباقيات. ويضع أمامه قول القديس بولس الرسول:
“وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ” (2كو4: 18).
فإلى أي شيء تنظر أنت؟ وما الذي يشغل قلبك؟
ما الذي يستولي على كل اهتماماتك وتفكيرك، وعلى كل مشاعر قلبك، ويشغل وقتك وطاقاتك وجهدك؟ اهتم يا أخي بأبديتك، واجعلها دائمًا نصب عينيك.
ضع أمامك يوم الدينونة الرهيب، اليوم الذي تقف فيه أمام الله، وتقف فيه أعمالك وأفكارك وأسرارك مكشوفة أمام الكل.
ماذا ستكون حالتك في تلك الساعة؟ وماذا يكون شعورك؟ وهل تستطيع أن تهرب أو تخفى وجهك، يوم تفتح الأسفار وتكشف النيات والبواطن والأسرار؟
إن كنت تنسى شيئًا من هذا، فإن الكنسية تذكرّك بهذه الحقيقة في كثير من الصلوات اليومية: في صلاة النوم، وفي صلاة الستار، وفي صلوات نصف الليل. وتشير إلى هذا في أخر قطع الغروب.
فلو أنك تصلي هذه الصلوات، لتذكرت ففي صلاة النوم:
“هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل…”.
وأيضًا لو كان العمر ثابتًا، وهذا العالم مؤبدًا، لكان لك يا نفسي حجة واضحة! ولكن إذا انكشفت أفعالك الرديئة… أمام الديان العادل، فأي جواب تجيبين…؟”
أيضًا سير القديسين وأقوالهم، يمكن أن تذكرك بالأبدية:
فالقديس أرسانيوس العظيم معلم أولاد الملوك، قال ساعة موته: إن خوف هذه الساعة ملازم لي منذ دخلت إلى الرهبنة.
وأحد القديسين تحدث عن ثلاثة أمور تخيفه، وهو يضعها أمامه، فقال:
أخاف من ثلاثة أمور هي: ساعة خروج نفسي من جسدي، وساعة وقوفي أمام منبر الله العادل، وساعة خروج الحكم علىّ.
إذن اهتم بأبديتك. وضع ذلك أمامك في كل عمل تعمله، وفي كل فكر يخطر على ذهنك، وفي كل شعور يأتي إلى قلبك… وتذكر تلك الساعة التي تقف فيها أمام الله وكل الناس مكشوفًا.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثالثة والثلاثون – العددان 5، 6 (11-2-2005م)



