الهدف في الحياة الروحية

قيل عن السيد المسيح في هذه الأيام، إنه كان (قد ثبت وجهه نحو أورشليم) إنها نظرة ثابتة، وخطوة ثابتة، نحو هدف ثابت. هذا الهدف كان واضحًا منذ البدء. ألم يقل لأمه في طفولته، في سن 12: “ينبغي أن أكون فيما لأبي” (لو 2)؟ إنه بهذا يعطينا فكرة عن وضوح الهدف وثباته.
الهدف في الحياة الروحية1
كان دانيال النبي واضحًا في هدفه، وهدفه كان الرب وحده.
لذلك عندما عاش في قصر الملك، لم يكن هدفه القصر ولا الملك ولا الوظائف. ولهذا أمكن أن يحفظ نفسه طاهرًا في الغربة. وقال عنه الكتاب: “وأما دانيال، فجعل في قلبه ألا يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه” (1: 8)، وهكذا استطاع أن يفتح نافذته المطلة على أورشليم ويركع للرب، غير مبال أن يلقى في جب الأسود.
ينبغي أن يكون لكل إنسان هدف واضح ثابت. وإذا كان هدفه محددًا، أمكن أيضًا أن تتضح وسائله. أما الذي ليس له هدف ثابت فإنه لا شك يرتبك في كل سبله.
يعجبني في حياة القديس أرسانيوس أنه كان يضع هدفه دائمًا أمام عينيه. لذلك كان- بين الحين والأخر- يناجي نفسه قائلًا: “تأمل يا أرساني ما خرجت لأجله”.
يوحنا المعمدان كان له أيضًا هدف ثابت، وهو أن يهيئ طريق الرب، ويعد له شعبًا مستعدًا. لذلك وضح منهجه في العمل.
لقد نادى بالتوبة، في حزم وفي غير مجاملة، لأنه بهذا يعد طريق الرب. ولو أدى الأمر إلى قطع رأسه…
الأهداف في الدنيا كثيرة جدًا لا تنتهي، ولكن سعيد من كان له هدف واحد فقط، وهو الرب، وليس غير.
قال بولس الرسول: “ليّ الحياة هي المسيح”، المسيح هو حياتي، هو هدفي، إن بعدت عنه ضعت. من أجل هذا استطاع أن يقول: “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح”. نعم من كانت حياته هي المسيح، يرى الموت ربحًا.
كثيرون يسألون: “ما هو هدفنا من الحياة؟” كأنهم يعيشون بلا هدف، أو يجهلون هدفهم! أو أنهم لم يجعلوا الله هدفهم…
الهدف معروف وهو الله. والأجدر هو السؤال عن الوسائل… عندما نبعد عن الله، وندخل في حياتنا أهدافًا عالمية، حينئذ نضل الطريق. قال بولس الرسول: “لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم، إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا (1كو2: 2). إنه هدف واحد محدد لا يحيد عنه…
إبراهيم أبو الآباء لما جعل الله هدفه، استطاع أن يترك وطنه وأهله وبيت أبيه، وسهل عليه يقدم ابنه محرقة.
كل هذه أمكنه أن يتركها، لأنها ليست أهدافه… ولما اختلف رعاته مع رعاة لوط، ترك له الحرية أن يختار ما يشاء من الأرض، لأن الأرض ليست هدفه. الهدف واحد، وهو الله…
إن كان هدفك هو الله تستطيع أن تستغني عن كل شيء، كما قال بطرس للمسيح: “تركنا كل شيء وتبعناك”.
“من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني، فلا يستحقني”. هكذا قال الرب. وقال أيضًا: “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك” (تث6: 5). واستعمل الكتاب تعبير (كل)، لأنه لا هدف سوى الله وحده.
أخشى أن يكون العالم قد وضع أهدافًا كثيرة في طريقنا.
إن الشيطان يجول في الأرض يوزع أهدافًا، ويبذر أغراضًا وآمالًا وشهوات… وأول هدف يقدمه الشيطان هو الذات…
منذ البدء، والذات هي الهدف المنافس لله…! منذ أن قال الشيطان: “أصعد إلى السموات، أرفع كرسيّ فوق كواكب الله، أصير مثل العلي” (أش14: 14).
إنها الذات التي صارت هدفًا: أنا أصعد، وأنا أكون، وأنا أصير… ونفس هذه الحرب، هي التي قدمها الشيطان للإنسان.
“تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر” (تك3: 5).
آدم وحواء كان هدفهما هو الله ومحبته، فحوله الشيطان إلى الذات، وألوهية الذات، ومعرفتها المساوية لمعرفة الله!
كم ضاع أناس جعلوا المعرفة هدفهم، المعرفة التي تنفخ…
حارب الشيطان بها آدم وحواء. لأن الشيطان (كاروب)، واحد من طائفة الكاروبيم. وكلمة (كاروبيم) عبرانية معناها (ملء المعرفة). والعجيب أن الإنسان- لما أكل من شجرة المعرفة- صار جاهلًا. لأنه التمس معرفته من مصدر بعيد عن الله…
من الأهداف الجبارة التي وضعها الشيطان أمام الناس: اللذة…
كم من أناس هدفهم أن يلتذوا، وأن يتمتعوا… بل صارت اللذة فلسفة عند الابيقوريين، لذة الجسد والعين وتعظم المعيشة…
صار هدف هؤلاء هو اللذة بكل أنواعها، لذة الحواس، ولذة المأكل والمشرب “لنأكل ولنشرب، لأننا غدًا نموت”.
ثم كثرت الأهداف في الدنيا، وفي طريق الرب أيضًا… تدخل في الخدمة، ويدخل الشيطان معك، يقدم لك أهدافًا.
هدف الشهرة في الخدمة، والأولوية والسيطرة، ومحبة المديح… كما لو كان مدح الناس لخدمتك، أهم من تأثير الخدمة وعملها في خلاص الناس.
وهكذا اختفى الله في الخدمة، وظهرت الذات. وهكذا أيضًا في عمق الحياة الروحية، كثيرًا ما تكون الذات هي الهدف.
يصلي الإنسان، لا لكي يتمتع بالوجود في حضرة الله، ويثبت في الله، والله فيه. وإنما لكي يصير “رجل صلاة”. ويصوم لكي يتفوق في الصوم، لكي يرضى عن نفسه أنه عابد، أو لكي يرضى عنه الناس.
أصبح الطريق إلى الله هو الهدف، وليس الله…
ويسألك الله: أين أنا وسط أهدافك الكثيرة؟!
ونشعر أننا قد ضللنا الطريق، ونحتاج أن نراجع أهدافنا…
إن كان هدفك هو الله، فسينحصر اهتمامك في كل ما يتعلق بالله: ملكوته، كنيسته. إنجيله. أولاده.
ولكن حذار من أن تنخدع في الطريق، وتنحرف وسائلك. إنسان يقول إنه يحب الكنيسة، ويحب الإصلاح لنشر الملكوت. ومن أجل الإصلاح: يشتم، ويتشاجر، ويدين غيره، ويتخاصم، ويتذمر، ويفقد وداعته وتواضعه…
مسكين هذا الإنسان، أجدر به أن يصلح نفسه، قبل أن يصلح الكنيسة… لقد فقد الله فيما يتكلم عن الإصلاح.
لم يعد الله هدفه، إنما الإصلاح. وليس هذا هو الإصلاح بالحقيقة، لأن الإصلاح يبدأ أولًا داخل النفس وليس خارجها.
يصيح هؤلاء “الكنيسة”. وتنظر إلى طرقهم، فلا تجدها تليق بأبناء الكنيسة، ولا بأعضاء في جسد المسيح، بغير حب، بغير اتضاع، بغير سلام… فتشعر أنهم فقدوا الهدف.
كل هدف يبعدك عن خلاص نفسك، اعرف أنه خدعة من الشيطان… وكذلك كل وسيلة.
الشيطان يريد أن يضلك، حتى وأنت داخل الكنيسة، حتى وأنت تصلي… كإنسان من فرط محبته لله، تغلبه الدموع في صلاته. فينسيه الشيطان محبة الله، ويذكره بالدموع، ويركز كل اهتمامه بها كدليل على الروحانية والعمق. وتتحول الدموع إلى هدف، أثناء الصلاة، ويختفي الله، وتبقى الدموع كمظهر من الاهتمام بالذات.
هل تظن إن الذين ضلوا، ضلوا جميعهم خارج الكنيسة. كلا، ففي داخل الكنيسة ضل كثيرون، وانفصلوا عنها وهم داخلها.
إن قصة الابن الضال دليل على هذا الأمر: ضل الابن الصغير خارج بيت أبيه، وضل الكبير داخل البيت والخدمة.
كان يخدم أبيه “سنين هذا عددها”. ومع ذلك لم تكن له محبة نحو أبيه ولا نحو أخيه، وتكلم كأجير وليس كابن. ولم يفرح برجوع أخيه، ولم يشترك مع الآب في فرحه، ولام أباه قائلًا: “لم تعطني قط جديًا لأفرح مع أصدقائي” (لو 15) كأنه ينسب إلى أبيه البخل وعدم التقدير. فعل كل هذا وهو مع الآب، وفي الخدمة، واهتم بأصدقائه، وبالجدي، وبفرحه، أكثر من الآب ومشيئته وحبه.
وهكذا فقد الابن الكبير هدفه، وهو في الخدمة “مع الآب”!
هذا الابن الكبير دخلت إليه أهداف أخرى: ذاته، ومركزه، وتقدير أبيه له، ولزوم تفوقه في الإكرام على أخيه… فضاع.
كم من أناس بدأوا الطريق بهدف سليم، هو ملكوت الله وبره، ثم انحرفوا إلى أهداف جانبية أهلكت أنفسهم.
كم من خدام بدأوا الخدمة بالله، وكملوها بالذات… بدأوا بمجد الله، وانتهوا بمجد أنفسهم. لما بدأوا الخدمة، كان الله لهم هو الكل في الكل.. وقليلًا قليلًا اختفى الهدف الإلهي، وحلت محله الروتينية، أو حلت محله الذات، أو صارت الخدمة هدفاً في حد ذاتها، وليست وسيلة موصلة إلى الله!!
أو صارت الخدمة هدفاً لهؤلاء. ثم صار هدفهم نجاح الخدمة. وأصبح النجاح هو كل ما يشغلهم، وفي سبيله لجأوا إلى طريق علمانية أو دنيوية، وفقدوا الله.
لذلك علينا أن نراجع أنفسنا: نراجع أهدافنا ووسائلنا، ونعرف مركز الله فيها، بكل دقة وبكل صراحة.
هل الله هو أحد الأهداف، أم الهدف الأول، أم الهدف الوحيد؟ أم هو ليس هدفًا على الإطلاق.
هناك علامات توضح لك سلامة الهدف، وسلامة وسائله منها:
إنك لو خسرت كل شيء، وبقي لك الله، لا تحزن
ولو كان هدفك هو الله، فستعيش في سلام على الدوام
ولعل من الأمثلة الرائعة في هذا الأمر، يوسف الصديق
لقد خسر حريته وبيع كعبد، وخسر سمعته وألقي به في السجن، وخسر أيضًا أبويه وأخوته ووطنه، وعاش غريبًا. ومع كل ذلك كان سعيدًا، لأنه لم يخسر الهدف الوحيد الذي هو الله…
إن خسرت كل الأشياء، وبقي لي المسيح، فأنا أغنى جميع الناس.
إننا نتعب حينما نفقد الهدف الإلهي “ونتخذ لنا أهدافًا عالمية. إن العالم يتلظى في جحيم الأهداف، وهو غير سعيد.
ولعل من أعجب المتاعب في حياة الناس، أن الله يتحول من هدف إلى وسيلة، مجرد وسيلة لتحقيق أهدافهم. فإن لم يحققها لهم ثاروا وجدفوا وتركوا الله والدين، وقد تكون أهدافًا خاطئة!
ما أصعب أن نركز أهدافنا في هذا الزمن الذي ينتهي بعد قليل. ليتنا نهتم بما فوق، ونجعل أهدافنا لها طابع الأبدية…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السادس عشر) 16-4-1976م




