النقد الكتابي – هل الله لم يكن يعلم أين آدم؟

يُجيب قداسة البابا شنوده الثالث عن التساؤل القائل: هل الله لم يكن يعلم مكان آدم حين سأله: «أين أنت؟» (تكوين 3:9)؟
ويؤكد أن الله كان يعلم تمامًا مكان آدم، ولكن سؤاله لم يكن من أجل المعرفة، بل لغرض تربوي وروحي: ليمنح آدم فرصة للاعتراف بخطيته والتوبة عنها.
1. الله لا يجهل شيئًا:
الله كليّ المعرفة، يعلم كل ما في السماء وعلى الأرض.
فلا يمكن أن يُفهم سؤاله لآدم بمعناه الحرفي كأنه لا يعرف مكانه.
بل المقصود أن الله استخدم السؤال ليواجه آدم بحالته بعد السقوط، ويقوده إلى إدراك خطيئته.
2. الهدف من السؤال الإلهي:
سؤال الله: “أين أنت؟” هو دعوة للمصارحة، لا للبحث.
فهو بمثابة صوت الضمير الإلهي الذي يُنبه الإنسان الضال ليعود إلى وعيه الروحي.
بهذا المعنى، السؤال هو بداية التوبة، وليس استفسارًا عن موقع جغرافي.
3. أمثلة مشابهة في الكتاب المقدس:
-
عندما سأل الله قايين: “أين هابيل أخوك؟” (تكوين 4:9)، لم يكن يجهل ما حدث، بل أراد أن يثبت عليه خطيئته ويُعطيه فرصة للاعتراف.
بدليل قوله بعد ذلك: “صوت دم أخيك صارخ إليّ من الأرض.” -
وكذلك عندما سأل الله أيوب:
“أين كنت حين أسست الأرض؟” (أيوب 38:4)
لم يكن السؤال لمعرفة موقع أيوب، بل لتوبيخه على كبريائه وتعليمه تواضع الإيمان أمام حكمة الله.
4. الأسلوب الأدبي في السؤال:
قداسة البابا يوضح أن السؤال في اللغة العربية — كما في البلاغة الكتابية — قد يُستخدم لأغراض أخرى غير الاستفهام، مثل:
-
التهكم أو التقريع: كما يقول الشاعر:
“أطنين أجنحة الذباب يضير؟”
ليس للسؤال معنى معرفي، بل للسخرية والاستهانة. -
الافتخار أو التعجب: مثل قول الشاعر:
“أين في الناس أب مثل أبي؟”
وهو لا يسأل ليتعلم، بل ليفتخر.
وهكذا أيضًا في أسلوب الله مع الإنسان، تأتي الأسئلة الإلهية لتأديب أو لإيقاظ الضمير، لا للبحث عن معلومة.
5. المغزى الروحي في سؤال الله لآدم:
عندما قال الله “أين أنت؟”، كان كمن يقول له:
“أين أنت يا آدم من النعمة التي كنت فيها؟ أين أنت من الطاعة التي عاهدتني عليها؟”
فالسؤال ليس عن المكان بل عن الموقف والحالة الروحية.
هو سؤال موجّه لكل إنسان يبتعد عن الله — أين أنت الآن من محبتي؟
الرسالة الإيمانية:
الله لا يسأل لأنه يجهل، بل يسأل لأنه يحب ويريد أن يعيد الإنسان إلى حضنه.
فالسؤال الإلهي هو صوت الرحمة الإلهية الذي يدعو الإنسان للتوبة، لا صوت القاضي الباحث عن المذنب.
هكذا كل سؤال من الله في الكتاب هو نداء روحي لإيقاظ القلب وليس استعلامًا بشريًا.



