النعمـة… أنواعها ـ موقفنا منها

النعمـة… أنواعها ـ موقفنا منها1
ما هي النعمة؟ إنها بلا شك ما ينعم به الله على خليقته …
وأول نعمة وهبها الله للخليقة هي نعمة الوجود، إذ أوجدهم وما كان لهم وجود من قبل. ونعمة الوجود تشمل أيضًا نعمة الحياة، بالنسبة إلى الملائكة والبشر وكل الكائنات الحية… وهذا النوع من النعمة هو النعمة الخالقة.
هناك أيضًا نعمة الرعاية والحفظ. لأنه لو تخلَّت نعمة الله عن الكون لحظة واحدة، لهلك الكون بكل ما فيه ولكن الله من محبته وعنايته يمسك بهذا الكون ويرعاه بنعمته الحافظة. والنعمة الحافظة تشمل أيضًا نعمة الصحة وكما يقول الحكيم:” الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يدركه سوى المرضى“. هناك نعمة أخرى هي نعمة الجمال فمن البدء خلق الله كل شيء جميلًا، ونحن نرى ذلك في الطبيعة الجميلة من حدائق غنَّاء، ومن زهور وورود. ونراها بأجمل صورة في الفراشات الملونة، وفي الأسماك الملونة كما نرى هذا الجمال في تغريد الطيور والبلابل، وفي خرير الماء، وفي نور القمر الهادئ الجميل.
وفي كل عام تُقام مسابقات لملكات الجمال في العالم. فهل تدرك كل هؤلاء الملكات أن جمالهن هو نعمة من الله لهنَّ، عليهنَّ مقابلتها بالشكر للخالق المانح الجمال؟!
هناك أيضًا نعمة السلام والطمأنينة يهبها الله لبعض الأفراد فتكون قلوبهم مملوءة بالسلام، بعيدة عن القلق والاضطراب والخوف. كما يهب هذه النعمة لبعض الدول أو الشعوب فتعيش بعيدة عن الحروب والقلاقل والانقسامات والخصومات، تحيا في هدوء…
كذلك كل خير يأتي للبشر، هو نعمة من الله، مثال ذلك بلاد أنعم الله عليها بخصوبة الأرض ووفرة المياه، وبالتالي كثرة الإنتاج أو بلاد أنعم الله عليها بمعادن أو أحجار كريمة يستخرجونها من جبالها، أو ببترول وغازات من باطن أراضيها وكل ذلك ينمي اقتصادها وينشر الخير فيها. إنها نعمة. على أن نِعَم الله لا نستطيع أن نحصيها وإنما كل ما ذكرناه ما هو إلا مُجرد أمثلة. تضيف إليها نعمة النجاح في الحياة، ونعمة السمعة الطيبة ومحبة الناس لِمَن يجد نعمة في أعين الآخرين. وأيضًا نعمة النسل الصالح… بالإضافة إلى نعمة حرية الإرادة التي وهبنا الله إياها…
على أنه في قمة النعَم التي وهبنا الله إياها نعمة الخلود، إذ تكون لنا حياة أخرى بعد نعمة القيامة من الموت، حيث نتمتع بالحياة الأخرى في النعيم الأبدي.
نقطة أخرى نذكرها من جهة النعمة وهي وجود ثلاث مستويات لها: أحدها على المستوى العادي، والثاني على المستوى القيادي، والثالث على مستوى حالات خاصة.
فمن جهة المستوى العادي: النعمة تعمل في الكل. لا يوجد أحد لم تعمل معه نعمة الله والنعمة هنا ترشد الإنسان إلى الخير، وتقويه على فعله، ولكنها لا ترغمه على ذلك، لكي يبقى الإنسان حرًا، يفعل الخير برضاه وبكامل إرادته، حتى يستحق المكافأة على ذلك أو هو يرفض…
أما الذين في المستوى القيادي فإنهم ينالون من النعمة قوة مضاعفة منها نعمة لأجل نفوسهم ونعمة أخرى لأجل عملهم القيادي للتأثير في الآخرين ويزداد قدر النعمة الممنوحة لهم بقدر ثقل المسئولية الملقاة على عاتقهم.
وكلما تزداد صعوبة العمل القيادي أو خطورته فإن الله حينئذ ينعم على القادة بمواهب خاصة قد تصل أحيانًا إلى المعجزات. أما على المستوى الخاص، فهناك أشخاص تحتاج حالتهم إلى نعمة خاصة تتناسب مع ما هم فيه من ضيقات أو مشاكل أو ما ينوون القيام به من مهام أو مشروعات أو ما عليهم من مسئوليات.
وتدخل في المستوى الخاص نعمة الدعوة لمن يدعوهم الله للقيام برسالة معينة، كالأنبياء والرسل مثلاً وحينئذ بالإضافة إلى نعمة الدعوة يزودهم الله بنعمة أخرى تشمل الإمكانيات التي يحتاجها أداء هذه الرسالة…
من جهة أنواع النعمة أيضًا، هناك نعمة ظاهرة ونعمة خفية. فالنعمة الظاهرة هي المعونة الإلهية التي نراها ونحسها في حياتنا أما النعمة الخفية، فهي التي تعيننا دون أن ندري أو التي تبعد عنا شرًا قبل مجيئه إلينا ونحن لا ندري عنه شيئًا كمؤامرات كانت تحاك حولنا وأبطلها الله قبل أن تتم. وهناك نعم طبيعية يهبها الله للإنسان كالقوة والجمال والذكاء والفن والحكمة ونعم أخرى تعتبر فوق الطبيعة مثل المواهب المعجزيه. وهناك نعم تعمل فينا من الداخل لتنقية قلوبنا وقيادة ضمائرنا وأفكارنا وإرشادنا في طريق الفضيلة والخير. ونعم أخرى تعمل من خارجنا لتنقية الأوساط المحيطة بنا وإبعاد القوات المحاربة لنا…
وهناك نعم تبدأ في العمل معنا: إما لأننا لا نريد أن نعمل، أو لأننا لا نستطيع أن نعمل أو لأننا نجهل ما ينبغي علينا أن نعمل فتأتي النعمة، وتنير عقولنا، وتحث إرادتنا، وتدفعنا إلى العمل دفعًا، وتقوينا على إتمامه. ونعمة أخرى ترانا قد بدأنا في عمل الخير، أو اتجهت نيتنا إليه، فتأتي لتكمل لنا الطريق، وتمنحنا الإمكانيات اللازمة لنا.
والنعمة قد تأتي وحدها، وقد تُطلَب فتأتي…
إنها تأتي وحدها لأن الله يعرف ضعف طبيعتنا وقوة الشياطين المحاربة لنا، وأننا بدون معونته الإلهية لا نستطيع أن نعمل شيئًا، لذلك فهو يسندنا بنعمته التي تعمل فينا والتي تعيننا بقوة من عنده، حتى نسير في طريقه بغير خوف ولا قلق … وقد تأتي النعمة إذا ما طلبناها في صلواتنا، أو نتيجة لصلوات الآخرين من أجلنا، أو لتشفُّع القديسين فينا، أو تأتي النعمة نتيجة لرضى الوالدين ودعواتهما الطيبة، أو لدعوات أُناس فقراء أو محتاجين قد ساعدناهم، فدعوا لنا بالبركة في حياتنا، أو تأتي النعمة لمجرد حنو الله ومحبته وشفقته. على أننا في كل عمل النعمة معنا أو لأجلنا علينا أن نتجاوب معها ونشترك في العمل لأن نعمة الله العاملة في الإنسان ليست سببًا له في أن يتكاسل تاركًا للنعمة أن تعمل وحدها، قائلًا:” كله بالنعمة“. فلو كان كل شيء خاصًا بالنعمة فقط، ما أخطأ أحد! وما كان لأحد أن يكافئه الله على عمل خير.
أخيرًا، أحب أن أقول وأنا آسف، أن هناك حالة يمكن أن نسميها تخلي النعمة. مثالها: إنسان أعانته النعمة على عمل عظيم، فتكبر قلبه وارتفع ناسبًا كل شيء إلى قوته، وناسيًا عمل الله معه، حينئذ تتخلى عنه النعمة فيسقط أو يفشل لكي يعود فيتضع ويعطي المجد لله… وهناك أسباب أخرى للتخلي.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 14-10-2007م



