المسئولية

المسئولية[1]
أخطر ما في مسئولية الكاهن أن الله يطالبه بدم الخطاة الذين قد قَصَّر في رعايتهم. فقد أقامه الله رقيبًا عليهم.
وقال له سفر حزقيال النبي عبارة – بسبب أهميتها- تكررت مرتين في حز3، حز33 حيث يقول له الرب عن الخاطئ الذي يهمل في إنذاره: “فَذَلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِإِثْمِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ” (حز3: 18) (حز33: 8).
حقًا، ما أخطر هذه العبارة… لعله من أجل هذا نصلي في المزمور ونقول: “نَجِّنِي مِنَ الدِّماء يا الله إلَه خَلاصِي” (مز51: 14) أي دماء، ونحن لم نسفك دمًا؟! إنها الدماء التي يطلبها الله من أيدينا، بسبب إهمالنا في الرعاية.
ولذلك فإن الله – في سفر حزقيال – ينذر الرعاة.
“هَئَنَذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ، وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلًا” (حز34: 10). لماذا يا رب كل هذا؟
يقول: “مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً وَمَأْكَلًا لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعُوا غَنَمِي” (حز34: 8، 9).
إن عمل الكاهن ليس مجرد رئاسة، إنما هو مسئولية.
سيسأله الله عن كل فرد من غنمه. عن تقديم الطعام الروحي لكل فرد. كما قال: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟” (لو12: 42).
ويسأله أيضًا عن افتقادها وردها، كما فعل في مثل الخروف الضال (لو15). وكما قال: “هَئَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا… وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا… وَآتِي بِهَا إِلَى أَرْضِهَا” (حز34: 11، 12).
وسوف يسأل الله الرعاة عن الاهتمام بالغنم. كما قال عبارته الجميلة: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16)
نصيحتي إلى الآباء الكهنة أن يقرأوا (حز34) بعمق…
عبارة جميلة قيلت في (الدسقولية) عن واجب الأسقف وهي:
“فليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”.
والأسقف يهتم بكل أحد عن طريق كهنته وشمامسته… وهذا آخر يدعو إلى الافتقاد الدقيق لجميع أفراد الشعب: للعائلات وللأفراد، والاهتمام بالأطفال والشبان والعمال والعاطلين، والذين ليس لهم أحد يذكرهم. ليس لمجرد استيفاء شكليات، وإنما باهتمام قلبي وعملي.
غير أن كثيرًا من الكهنة تعطلهم مشغوليات عديدة عن اهتمامهم الروحي بالشعب.
إما مشغوليات طقسية من عشيات، وخدمات طقسية، وخطوبات، وأكاليل، وجنازات… ويتركون العمل الروحي. وإما تشغلهم أمور أخرى خاصة بالبناء والتعمير، وأعمال إدارية كثيرة، وخدمات اجتماعية، وأنواع من الأنشطة يجب أن يقوم بها بنفسه ولا يتركها لغيره. وفي كل ذلك لا يجد وقتًا للعمل الروحي ولقيادة الناس إلى التوبة.
وهؤلاء الذين يهملهم بسبب مشغولياته قد تلتهمهم الطوائف.
مسئولية الكاهن في الرعاية أيضًا أن يقدم لشعبه الطعام الروحي.
وفي ذلك قال السيد الرب: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!” (لو12: 42، 43).
وعن هذا الطعام الروحي يقول المرتل في المزمور عن الله الراعي الصالح: “فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ” (مز23: 2، 3).. فهل كل أب كاهن يفعل هكذا؟! يطعم أولاده. ويعطيهم طعامه في حينه. لا يتأخر عليهم… ولا يترك نفوسهم تذبل دون ماء الحياة؟! ولا يترك فترة من فترات العمر تمر على أولاده دون الطعام الذي يناسبها… في حينه؟.. هل يستطيع الكاهن أن يقول:
“هَئَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ” (أش8: 18).
ولأهمية هذه العبارة، كررها بولس الرسول بالنسبة إلى الراعي الصالح (عب2: 13). وأيضًا هل يستطيع الكاهن أن يقول عبارة أخرى هي: “أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش24: 15). ويكون المقصود بعبارة (بيتي) ليست أسرته الصغيرة، وإنما بيت الله كله. إنه مسئول عن كل عضو في هذه الأسرة الكبيرة التي هي “جماعة المؤمنين”.
الكاهن لا بد سيقدم حسابًا لله عن كل نفس يرعاها…
ويدخل في اهتمامه بشعبه: العمل الفردي، لئلا يضيع الفرد وسط زحمة الجماهير…
إن مثل الخروف الضال يعطينا مثلًا رائعًا عن الاهتمام بالفرد الواحد. من ذا الذي يستطيع – إن نظر إلى مجتمع من مائه- أن يلاحظ أن واحدًا من بين المائة غير موجود؟! (لو15).
كثير من الكهنة يفرحون جدًا بالتسعة والتسعين الحاضرين، ويرون أنها نسبة حضور ممتازة. ووسط فرحهم هذا ينسون الواحد الغائب! إن السيد المسيح كان الجماهير تزحمه بالآلاف ولكن ذلك العدد الكبير لم ينسه فردًا واحدًا. هو زكا العشار؛ فناداه باسمه، ودخل إلى بيته لكي يحدث خلاص لأهل هذا البيت، وقال عن ذلك العشار: “إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ” (لو19: 9).
إن الاعتذار بالمشغولية، لا يعفي إطلاقًا من المسئولية… وينبغي أن يدرك الكاهن أهمية وقيمة النفس الواحدة.
ان كل نفس واحدة قد اشتريت بثمن غال؛ هو دم المسيح، فلا يصح الاستهانة بهذا الدم الغالي الذي دُفع من أجل نفس نُهمل نحن في رعايتها…! ولهذا قال القديس بولس الرسول لرعاة كنيسة أفسس: “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28). لقد أضاف عبارة: “التي اقتناها بدمه” لكي يُظهر لهم أهمية تلك النفوس التي يرعونها…
ينبغي أن نحرص على هذه النفوس التي ائتمنا الله عليها، حتى لا يهلك منها أحد.
ولهلاك بعض النفوس أسباب، ولا نود أن يكون ذلك بسببنا، لئلا يطالبنا الله بدمهم، كما سبق وأنذرنا (حز3: 18)، (حز33: 8). لذلك قال بولس لرعاة أفسس الذين استدعاهم من ميليتس: “أُشْهِدُكُمُ الْيَوْمَ هَذَا أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْجَمِيعِ. لأَنِّي لَمْ أُؤَخِّرْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ” “اسْهَرُوا مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” (أع20: 26، 27، 31).
هناك أمور عديدة في مسئولية الكاهن وتضيع بسببها النفوس؛ منها:
1- عدم التعليم:
إذ يقول الرب: “هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ” (هو4: 6). والرسول يقول: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ إذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1تي4: 16). فمن مسئولية الكاهن أن يُشبع شعبه بالتعليم، حتى لا يخطئوا عن جهل، وقد يقعوا في بدع وضلالات بسبب عدم تعليمه لهم.
2- عدم الافتقاد:
وهذه مشكلة يشكو منها الكثيرون، وعدم الافتقاد يدل على عدم العناية وعدم الاهتمام، وكثيرون بعدوا عن الكنيسة ولم يجدوا من افتقدهم فضاعوا، وما أكثر الذين انقطعوا عن الاعتراف، ولم يجدوا من افتقدهم فضلوا وازدادت خطاياهم حتى استعبدتهم، وتحولت إلى عادات راسخة، وكثيرون لم يفتقدهم الكاهن، فافتقدتهم الطوائف وصاروا أعضاء ثابتين فيها… وكل هؤلاء سيقدم الكاهن عنهم حسابًا يوم الدين، وربما الآن أيضًا…
3- عدم المتابعة:
كثيرون يضيعون بسبب عدم المتابعة، والأمثلة كثيرة:
- الذين قام الكاهن بتزويجهم، ودخلوا في حياة جديدة عليهم، لا يعرفون كيفية التعامل فيها، ولا كيفية حل مشاكلها. ولم يجدوا من يزورهم ولا من يسأل عنهم حتى تطورت الأمور إلى أسوأ وتعقدت، وربما تحولت إلى أزمات أو قطيعة أو قضايا في محاكم، أليس الكاهن مسئولاً عن كل هذا.
- الأطفال الذين عمدهم الكاهن وسلمهم أشابين دون أن يتابع هؤلاء الأشابين، في أسلوب رعايتهم لهم، أو دون أن يعرفهم ما مسئوليتهم وكيف يقومون بها.
- هناك مشاكل عرضت على الكاهن وطلب منه التدخل أو الصلاة من أجلها، ولم يتابعها مع أصحابها، ولا سأل عن نتائجها وتطورها.
في كل هذه الأمور، يشعر الناس بإهمال الكاهن لهم.
كما قال في قصة السامري الصالح عن الكاهن الذي مر على الرجل الجريح: “وَجَازَ مُقَابِلَهُ” (لو10: 31). كم موضوع تقدم فيه البعض إلى الأب الكاهن بإلحاح وبعمق إيمان طالبين منه أن يصلي من أجله، ويذكره على المذبح، ولكنهم شعروا بعدم اهتمام منه، فلا هو صلى، ولا سأل ولا تابعه معهم، ولا اطمئن عليهم من جهته.
لذلك فالناس يطالبون الآباء بالجدية في خدمتهم.
ولا تكون الخدمة مجرد رسميات، وإنما يقوم الكاهن بعمله، بعمق الروح والقلب والحب، فيشعر الجميع بأن مشاعره معهم، وأنه يبذل كل جهده لأجل راحتهم ولأجل رعايتهم. فعدم اهتمامه يدل إما على عدم شعوره بالمسئولية، وإما عدم محبته للرعية.
ولقد قدم لنا السيد المسيح مثالًا عمليًا كراعٍ صالح يبذل نفسه عن الخراف (يو10: 11). قيل عنه أنه: “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” (يو13: 1).
السيد المسيح “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” (يو13: 1). والأب الكاهن ينبغي أيضًا أن يحب أبناءه كما أحبهم المسيح، وكما أحبه هو… حبًا فيه البذل وفيه الشعور بالمسئولية.
ولعله من الأمثلة العجيبة في الحب، قول القديس بولس: “كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ” (رو9: 3).
وقال أيضًا في شعوره بالمسئولية: “لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ” (أع20: 24). وقال كذلك: “إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ… ولأنه “قَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ” قال” اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ… صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” (1كو9: 16- 22).
وأنت أيها الأب هي تشعر بأنك قد استؤمنت على وكالة، وأن سيقال لك يومًا: “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” (لو16: 2).
هل من أجل حساب الوكالة تسعى لكي تُخَلِص على كل حال قومًا، وفي سبيل ذلك لا تحسب نفسك ثمينة عندك. وفي شعورك بالمسئولية تدرك أن الضرورة موضوعة عليك…
وأن واجبك أن تقود كل نفس إلى الله بالتوبة، وليس هذا فقط، بل أن تنمي كل نفس في محبة الله. وفي سبيل ذلك تكون قدوة لهم في كل عمل صالح، لا تكون عثرة لأحد في كل شيء، وتنفذ الوصية قبل تعليمها لهم…
لا أحب لك أن تنشغل بالسلطة.
فالسلطة أعطيت لك لتقوم بالمسئولية.
هي مجرد وسيلة للمسئولية، وليست أداة للعظمة أو التسلط، وفي ذلك قال القديس بطرس الرسول: “ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ… لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاِخْتِيَارِ… وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ” (1بط5: 2، 3).
كل إنسان في الدنيا عليه مسئولية في حدود نطاقه:
مسئوليات في نطاق الأسرة، ومسئوليات من جهة الكنيسة، ومسئوليات نحو المجتمع الذي يعيش فيه، ومسئوليات في بناء الملكوت.
وقبل كل هذا مسئوليات تجاه نفسه، لكي يبني ذاته روحيًا وثقافيًا، ويعمق صلته بالله يومًا بعد يوم.
ويكفي من جهة مسئوليات الإنسان، الآية التي تقول:
“مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17).
والمسئوليات التي علينا متعددة ومتنوعة، روحية واجتماعية وثقافية، ومادية… يدخل فيها قول الكتاب: “اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ الآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ” (يع1: 27). ويدخل أيضًا في مسئوليتنا الاجتماعية قول الرب: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” (مت25: 40).
وهذه المسئولية يتوقف عليها مصيرنا في الأبدية (مت25: 46).
وفي نطاق هذه المسئولية، علينا على الأقل: دفع العشور والبكور.
ولا يستطيع أحد أن يتهرب، حينما يسأله الله: أين هابيل أخوك؟!
وعلينا أيضًا مسئولية روحية في بناء الملكوت على قدر طاقتنا.
نحن مسئولون أمام ضمائرنا، وأمام الكنيسة وأمام الله.
وهناك مسئوليات لنا أخرى أمام الدولة، وأمام رؤسائنا في العمل.
وعلينا مسئولية أكبر حينما نقف أمام الله في اليوم الأخير لنعطي حسابًا عن كل ما فعلناه بالجسد، “خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا” (2كو5: 10).
بل نحن مسئولون عن كل موهبة منحنا الله إياها، وكيف استخدمناها سواء كانت موهبة روحية أو عقلية أو فنية أو من أي نوع…
كثيرون كلفوا بالمسئولية من غيرهم، والبعض دفعتهم ضمائرهم لحمل المسئولية.
إن حبيب جرجس هو الذي تطوع – بدافع من ضميره – أن ينشئ مدارس الأحد، وأن يهتم بمناهجها، وأن يهتم بالتعليم الديني في المدارس، ويؤلف له كتبًا لتدريسه في كل مراحل التعليم، وأيضًا أن يؤلف تراتيل على وزن ألحان الكنيسة… كل ذلك بدافع داخلي يدعوه لحمل المسئولية.
نفس الوضع بالنسبة إلى جميع المكرسين والمكرسات الذين وهبوا حياتهم لخدمة الرب في كافة احتياجات الكنيسة.
ما كانوا مرغمين على ذلك، بل أن قلوبهم دفعتهم لحمل المسئولية. إنه شعور داخلي، وحماس قلبي، واقتناع في الفكر والضمير أن يعطوا حياتهم لله وليس للعالم، لكي يستخدمهم الله في أي وضع يريد…
لم ينتظروا دعوة صريحة من الغير، بل وضع الله في قلوبهم ذلك الاشتياق الملتهب لخدمته، فاستجابوا وقدموا نفوسهم…
حقًا، من الذي دعا الفتى داود لإنقاذ الجيش من جليات؟!
ومن الذي دعا إشعياء؟! (أش6: 8). ومن الذي دعا نحميا ليبني أسوار أورشليم؟! أليس هو التهاب القلب لحمل المسئولية؟! نعم هو كذلك.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “الرعاية (15) – المسئولية”، وطني 17 سبتمبر 2006م.




