المجامع المسكونية لمقاومة أشهر الهرطقات

قداسة البابا شنوده الثالث يقدم عرضًا تاريخيًا ولاهوتيًا دقيقًا للمجامع المسكونية الأولى التي عقدتها الكنيسة للدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي ضد الهرطقات التي هددت العقيدة المسيحية، مع إبراز دور الكنيسة القبطية وآبائها في حفظ الإيمان.
1. مجمع نيقية (325م) ومقاومة الأريوسية
بدأت الهرطقة الأريوسية قبل المجمع، إذ أنكر أريوس لاهوت الابن، واعتبره مخلوقًا. وقد تصدى له القديس بطرس خاتم الشهداء ثم القديس ألكسندروس، وانعقد المجمع برئاسة البابا ألكسندروس وحضور الشماس أثناسيوس الذي أصبح لاحقًا بطريركًا.
صدر عن المجمع قانون الإيمان النيقاوي الذي أكد مساواة الابن للآب في الجوهر، وحرمان أريوس.
القديس أثناسيوس دافع عن هذا الإيمان في كتاباته (مثل “ضد الأريوسيين”)، ورد على كل الشبهات الكتابية التي استخدمها الأريوسيون، وأصبحت كتاباته أساسًا للإيمان النيقاوي الأرثوذكسي.
2. استمرار الصراع الأريوسي
لم تنتهِ الأريوسية بموت أريوس، بل انتشرت أكثر بسبب الدعم السياسي، لكن الكنيسة بقيت صامدة بفضل قادة الإيمان مثل القديس باسيليوس الكبير، وغريغوريوس النزينزي، وغريغوريوس النيسي، والقديس هيلاري بواتييه الذي دُعي “أثناسيوس الغرب”.
كما اشترك الرهبان والشعب في الدفاع عن العقيدة، فصار الإيمان موضوع نقاش عام بين الناس في الشوارع والبيوت، وتحوّل التعليم اللاهوتي إلى تراتيل وأناشيد تحوي العقيدة المستقيمة.
3. مجمع القسطنطينية (381م) ومقاومة بدعة مقدونيوس
نشأت بدعة جديدة بإنكار لاهوت الروح القدس على يد مقدونيوس بطريرك القسطنطينية.
انعقد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية بحضور 150 أسقفًا، من بينهم القديس كيرلس الأورشليمي وتيموثاوس الإسكندري، وأقرّ أن الروح القدس منبثق من الآب وأكمل قانون الإيمان.
هذا المجمع أبرز أيضًا بداية تأثير السياسة في شؤون الكنيسة عندما رُفعت مكانة كرسي القسطنطينية بعد روما على حساب الإسكندرية.
4. البابا ثاوفيلوس وبناء الكنائس
في عهد البابا ثاوفيلوس (البطريرك 23)، انتشرت الكنائس في كل مكان، وانتهت الوثنية تقريبًا في مصر، فحُوّلت المعابد القديمة إلى كنائس.
كما كان محبًا للرهبان وزائرًا للأديرة، وأرسل ابن أخته كيرلس إلى دير أبو مقار ليتربى هناك، ليصبح فيما بعد البابا كيرلس الكبير.
5. مجمع أفسس (431م) ومقاومة النسطورية
واجه البابا كيرلس الكبير هرطقة نسطور بطريرك القسطنطينية، الذي أنكر أن العذراء هي والدة الإله (ثيئوتوكوس).
أرسل له البابا كيرلس رسائل وتعليمات، لكنه لم يخضع، فأصدر كيرلس “الحرومات الاثني عشر” التي لخصت العقيدة الأرثوذكسية في التجسد.
انعقد مجمع أفسس، وحُكم على نسطور بالحرمان، وأُعلن الإيمان القويم بأن المسيح هو إله كامل وإنسان كامل في طبيعة واحدة للَّه الكلمة المتجسد.
ثبت البابا كيرلس بهذا المجمع الإيمان الأرثوذكسي، وأصبح رمزًا للوحدة العقائدية في العالم المسيحي.
6. البعد الروحي واللاهوتي
أظهر البابا أن الكنيسة في القرون الأولى لم تكن كنيسة صامتة بل كنيسة جهاد فكري وروحي، فيها البطاركة والرهبان والشعب متحدون للدفاع عن الإيمان.
التمسك بالعقيدة لم يكن أمرًا أكاديميًا بل مسألة حياة وشهادة.
الكنيسة القبطية كانت دائمًا منارة الإيمان في مواجهة الانحرافات الفكرية، محافظة على وحدة الثالوث وتجسد المسيح الخلاصي.


