اللقاء مع الله

| الكتاب | اللقاء مع الله |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2023م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 14914/ 2020 |
| الترقيم الدولي | 978-977-85702-2-9 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
اللقاء مع الله
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
يواصل مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث العمل في إصدار الكتب التي تحتوي على بعض المحاضرات والمقالات لقداسة البابا شنوده الثالث. إذ تتميَّز تعاليمه بالروحانية والعمق والدقة والخبرة الروحية والعملية، وبهذه التعاليم ينير عقولنا وعيون قلوبنا..
يحدثنا قداسة البابا شنوده الثالث في هذا الكتاب عن اللقاء مع الله، والهروب منه. ويتكلم قداسة البابا في الفصل الأول من الكتاب عن اللقاء الحقيقي مع الله، الذي يتلاقى فيه قلب مع قلب، لإنه إن امتلك الله عواطفك سيكون لقاؤك به لقاء حب، وتقول كما قالت عذراء النشيد: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" (نش5: 8)، لدرجة أنك إن بعدت عن الله لحظة ستشعر أنك مريض حبًا!! ثم يحدثنا قداسة البابا شنوده عن أنواع اللقاء مع الله، مثل لقاء المعرفة، ولقاء الحب، ولقاء البركة ولقاءات عجيبة أخرى.
ثم يسرد لنا قداسته مزيج رائع للقاءات عديدة تمت للرب مع خليقته في مواقف مختلفة وفي أوقات وأماكن شتى.
ثم ننتقل مع قداسة البابا شنوده بأسلوبه الروحي البسيط - الذي يصل إلى كل قلب - إلى الفصل الثاني من الكتاب ويتحدث معنا فيه عن الهروب من الله، ويتدرج حديث قداسته من توضيح معنى الهاربون من الله، ثم أسباب وأنواع الهروب، ثم يختم قداسته هذا الجزء بذكر نوع جديد من الهروب ألاَّ وهو الهروب المقدس...
نرجو أن يهيئ لك عزيزي القارئ هذا الكتاب فرصة روحية جيدة وشيقة وممتعة تساعدك للوصول إلى اللقاء الحقيقي مع الله. وتصل في نهاية هذا اللقاء إلى أن الذين التقوا به ينطبق عليهم قول مار إسحاق: "من حلاوة اللفظة في أفواهم وقت الصلاة، لا يشاءون أن يتركوها لينشغلوا بلفظة أخرى".
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
الفصل الأول اللقاء مع الله
الالتقاء مع الله وكيف يكون[1]
كثيرون يظنون أنهم تقابلوا مع الرب، وهم لم يتقابلوا...
إننا نقصد باللقاء، اللقاء الحقيقي، الذي يتلاقى فيه قلبٌ مع قلب. هناك أُناس يتقابلون مع المسيح بالجسد، وقلوبهم بعيدة عنه. عن هؤلاء قال الرب موبخًا: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6). ربما يقف إنسان ربع ساعة أو نصف ساعة مصليًا، دون أن يتقابل مع الرَّبِّ. إنه يردد ألفاظًا لا غير!!
اللقاء مع الله في الصلاة
الصلاة صلة مع الله. أتراك تشعر بهذه الصلة في صلاتك؟
هل تشعر أثناء الصلاة أنك في حضرة الله، وأنك رأيته، وتمتعت به، وتكلمت معه؟ لذلك فالذي يعيش في شكلية الصلاة، وفي مجرد طقسية الصلاة دون الدخول إلى روحها، هؤلاء لم يتقابلوا مع الله. لهؤلاء قال الرب في سفر إشعياء: "فَحِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15).
تعجبني عبارات المرتل الذي ذاق الله والتقى به، حينما يقول: "طَلبْتُ وجْهَك، ووَجْهَك يَا رَبُّ ألْتمِسُ. لا تَحْجبْ وجْهَك عنِّي" (مز27: 8، 9)؛ "بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ" (مز119: 10).
عذراء النشيد لم تكتفِ بالطلب، وإنما أيضًا طافت الشوارع باحثةً عنه، مجاهدة لأجل هذا اللقاء.
هناك إنسان يصلي، ولا يشعر بمتعة، لأنه لا يلتقي بالله في صلاته. إنَّ علامة المتعة واللقاء في الصلاة، أنك لا تشاء أن تتركها. تُنزع حياتك منك، أسهل من أن تُفصل عن متعة الحديث مع الله..!
هناك أشخاص يلتقون مع عبارات الصلاة، ومفهومها، وعقلانيتها، ولكنهم لا يلتقون مع الله. أما الذين التقوا به، فقد قال عنهم مار إسحاق: "من حلاوةِ اللفظة في أفواهم وقت الصلاة، لا يشاءون أن يتركوها لينشغلوا بلفظة أخرى".
اسم الله محبوب عند هؤلاء، كما غنى داود النبي: "مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي" (مز119: 97)، وكما نقول في التسبحة: "اسمك حلوٌ ومبارك، في أفواه قديسيك".
مَن يُصلي هكذا، لا يشعر بنفسه، كم من الوقتِ قد مضى عليه. ولا يدري أهو في الجسد أم خارج الجسد، ليس يدري!!
الرغبة في اللقاء
ولكي تلتقي بالرب ينبغي أن تكون لك رغبة في اللقاء. ولكن هذه ليست قاعدة، فمن أعجب الأمثلة أيضًا قصة شاول الطرسوسي، الذي كان في طريقه لاضطهاد الرب وأولاده، بكل قسوة وعنف، يحمل خطابات يجرّ بها رجالًا ونساء إلى السجن... وفي الطريق قابله الرَّبّ وجذبه إليه..
خاطب الرَّب وقل له: "أريد يا رب أن ألتقي بك، أن أعاشرك وتراك عيناي. أريد كما دخلت عقلي، أن تدخل قلبي أيضًا.
أريد أن أعرفك، وأختبرك وأحبك: وألتصق بك. أريد أن تدخل إلى قلبي، وأدخل إلى قلبك، أريد أن تقول لي: "اسرع وانزل". اترك الجميزة، اترك الزحام، وأفتح لك بيتي، لتتعشى معي، وأنا معك".
إن امتلك الله عواطفك، سيكون لقاؤك به لقاء حب. ستقول: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" (نش5: 8)؛ إن بعدت عن الله لحظة، ستشعر إنك مريض حبًا...
إن كنت لم تحب الله، فأنت لم تلتقِ به بعد...
زكا العشار كان يسمع عن الرب بسمعِ الأذن. فاشتهى أن يلقاه. رآه من بعيد، وسط الزحام. وظلّ الرَّبُّ يقترب منه، حتى ناداه باسمه، ودخل بيته، وصار خلاص لأهل ذلك البيت...
لقاء القلب مع الله
القلب هو الوسيلة الوحيدة، التي تلتقي مع الله.
كثيرون يعبدون الله خارج نفوسهم وخارج قلوبهم. ويصلون ويصومون، ولا يلتقون مع الله. يخرجون من كل ذلك كما هم، دون تغير، دون تقدم في الروح، لأنهم لم يلتقوا بالرب الذي يعبدونه. الله ما يزال يطلب "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26)...
الذي يتقابل مع الله، هو الذي يدخل إلى قلب الله، ويدخل الله إلى قلبه، ويصير مع الله واحدًا في الحب، وفي المشيئة...
إن كنت لا تتقابل مع الله ههنا على الأرض، فلن تتقابل معه هناك، في السماء. هنا مذاقة الملكوت...
هنا تبتدئ العلاقة مع الله، تبتدئ العشرة والصلة والصداقة.. هنا نأخذ عربون الملكوت ومذاقته. هنا لا بد أن تتمتع بملكوت الله في داخلك، كيما يمكنك أن تتمتع بملكوته في السماء.
إذًا فملكوت الله (في داخلكم) لا بد أن يسبق ملكوت السموات.
إن اللقاء مع الله، يحتاج إلى إنسان كالمعمدان، يهيئ للرب شعبًا مستعدًا. هذا الاستعداد للقاء، هو الذي قال عنه الكتاب: "لِبَاسَ الْعُرْسِ" (مت22: 11). لا بد أن تلبسه، قبل أن ندخل العرسَ للقاء المسيح.
القلبُ المستعد، هو قلب يشتاق إلى الله، وإلى الحياة معه. إن السيد المسيح لا يطلب مجرد اللقاء، وإنما بالأكثر الثبات فيه "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو15: 4)؛ ما معنى هذا الثبات المتبادل؟ إنه تعبير أكبر من عقولنا، وأكبر من قلوبنا.
كما تثبت الأغصان في الكرمة، كما يثبت الجسد في الرأس... حقًا كما قال الكتاب: "إنَّ هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ" (أف5: 32)... ليس الأمر إذًا مجرد لقاء، إنه سكنىّ، سكنىّ الله فيك. كما يقول: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1كو3: 16).
ينظر الله إلى قلبك ويقول: "ههنا موضع رَاحَتِي إِلَى الأَبَدِ. ههُنَا أَسْكُنُ لأَنِّي اشْتَهَيْتُهَا" (مز 132: 14).
قلبك هو المكان الذي يريد المسيح أن يسند فيه رأسه.
من أجل هذا أنت تنادي: "آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ" (رؤ22: 20)؛ تعال يا رب واسكن. أنا سأفتح لك الأبواب كلها. فيجيب الرب: "ينبغي الليلة أن أدخل إلى بيتك".
إذًا اللقاء بالرب، هو لقاء في الداخل، وليس في الخارج. كثيرون يبحثون عن الله هنا وهناك، بينما الله داخلهم وهم لا يشعرون.
الله موجود في كل مكان، حولك وداخلك، وأنت لا تشعر.
لما أدرك أغسطينوس هذه الحقيقة، قال: "كنت يا رب معي، ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك".
إذًا الاِلتقاء بالله، معناه الشعور بالله في حياتك.
أنت يا رب في داخلي. أنت معي. أما أنا فينقصني الحِسَ والإدراك. ينقصني الحواس المدربة التي أرى بها الله، لذلك يوبخنا الرب قائلًا: لكم عيون، ولكنها لا تبصر.. "أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ" (مر 8: 18).
كثيرون كان الرَّبُّ معهم ويكلمهم، ولم يشعروا به ولا عرفوه.
تلميذا عمواس قابلهما الرب ولم يعرفاه. وكلّم مريم المجدلية، فظنته البستاني. وكلم صموئيل فظنه عالي الكاهن. موسى النبي أيضًا لم يدرك الرب عند العليقة، فصاح فيه الرب: "اخْلَعْ نَعْلَ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ" (أع 7: 33).
الله موجود في حياتك، وفي حياة الناس. ولكن المشكلة هي أن الحواس غير مدربة.. تلتقي بالرب ولا تعرفه.
لكي تلتقي بالرب أيضًا، ينبغي أن تتلاقى معه في الهدف. وعلى رأي المثل "من شروط المرافقة، الموافقة".
إن أردت أن ترى الله، انشغل به، فكر فيه... ليكن هو هدفك وشاغلك، وكل ما عداه أمورًا ثانوية.
هناك من يبعدهم عن الرب، محبة أخرى تشغل القلب.. رغبة أخرى، شهوة أخرى. قلبهم متعلق بها لذلك فهم مشغولون بها عن الرب هكذا الذي يحب الرب ينشغل به. يراه في كل شيء...
إن أتته بركة أو معونة أو إنقاذ، يقول: هذا مِن الله...
وإن سمع كلمة طيبة، يقول: هذا صوت الله...
وإن رأى إنسانًا صالحًا، يقول: إنه صورة الله...
الله دائمًا على لسانه وفي قلبه.
إن مشكلة اللقاء كلها، تتعلق بالحب، بمحبة الله.
إن الله يجد من يعظون عنه، ومن يبنون له بيوتًا، ويفسرون شريعته. لكن الأهم هو أين الذين يحبونه؟ والله يقول: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26).
أتريد أن تلتقي بالله؟ ينبغي أن تحبه.
هل تظن أن اللقاء بالله مجرد شعارات نضعها وعناوين؟ كلا، إنه حب وعاطفة. ولا تستطيع أن تحب الله إن كانت هناك محبة أخرى تشغلك. هناك من يحب أُناسًا، ومن يحب ألقابًا، ومالًا أو علمًا، أو سلطة، أو شهوات. وفي كل ذلك يقول الرب: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي.." (مت10: 37).
ويقول الكتاب: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4:4)؛ "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15).
لذلك سُرَّ الرَّبُّ مِن بطرس حينما قال: "تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت19: 27). فهل تركت أيضًا كل شيء من أجل الله، وصار الله لك الكلَّ في الكلِّ؟ انشغلوا بالله، حبوه من كل قلوبكم، اعطوه عاطفتكم.
"اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16). بهذا الشكل يمكن الالتقاء بالله...
لا يكفي أن تقرأ الكتاب، وإنما ينبغي أن تحبه... في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه تلهج النهار والليل. تقول للرب: "أبتَهجُ أنا بكلامكَ، كمن وَجَدَ غَنائم كثيرةٍ" (مز119: 162)، "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز63: 4، 5)، "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي" (إر15: 16).
بهذا تلتقي بالله في كلماته، إن كنت تفتح لها قلبك بالحب. وكما تحب كلام الله، تحب كنيسته، تحب خدمته، تحب ملكوته، تحب سماءه، تحب أولاده.
هل قلبك هو مسكن لله، أم أجرته من الباطن لآخرين؟!
يقول لك الله: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26). تقول له: "لقد جئت يا رب متأخرًا!! سبقك آخرون وأخذوه. قلبي أخذه فلان، والشيء الفلاني. لو كان قلبي شاغرًا، لقدمته لك، لكن آسف، إنه مشغول". الله يعمل بنعمته على إخلاء قلبك لتصير له. فيلتقي بك. وأنت به. وهذا الإخلاء يأتي بالتجرد...
تشعر أن كل شيء تافه إلى جوار الله. فتتجرد من كل شيء، يصير الله الكلَّ في الكلِّ. وبهذا تلتقي به بدون عائق... ولا يمكن أن تتجرد من العالم وأموره إلاّ إن فقد هذا العالم قيمته في نظرك...
إبراهيم أبو الآباء ترك من أجل الرب أهله وعشيرته وبيت أبيه. بل من أجله أيضًا ذهب ليقدم ابنه وحيده محرقة. وكأنه يقول للرب: "أنا يا ربَّ ليس لي غيرك، لا أهل ولا عشيرة، ولا ابن. أنت لي كل شيء، وليس سواك. منذ التقيت بك، لم أعد أعرف أحدًا سواك"...
داود في محبته لله – قال ما هو أصعب من هذا: "صِرْتُ كَبَهِيمٍ عِنْدَكَ، وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ.." ( مز73: 22، 23).
المهم أن أكون معك، ولا يهمني الوضع الذي أكون فيه. إن الذي يلتقي بك، لا يستطيع أن يبعد.
عندما خلق الله الإنسان، كان بالنسبة إلى الإنسان الكل في الكل. ثم بدأت محبات أخرى تدخل إلى قلب الإنسان، ومن ذلك الوقت قلَّ التقاؤه بالرب، وحلَّ الخوف محل الحب، وبدأ يهرب من وجه الله...
يعوزنا إعادة تقييم الأمور، بحيث نشعر أن كل شيء إلى جوار الله هو نفاية، فلا يعود ينافسه في قلبنا شيء...
وإن لم نتجرد من تلقاء أنفسنا، فإن نعمة الله تعمل على تجريدنا، حتى يبقى القلب للرب.
من أمثلة ذلك أيوب الصديق: جرده الرب من المال والأولاد والشهرة والهيبة والأصدقاء، ومن الصحة أيضًا... وفي هذا التجرد، التقى مع الله، ورأته عيناه...
واللقاء مع الله، هو الذي يحدد زمانه ومكانه وكيفيته...
من كان يظن أن المجوس الذين تتعلق أبصارهم دومًا بالنجوم، يلتقون مع رب النجوم كلها في مذود بقر!! ويكون لقاء الإيمان.
لقاء المعرفة
اللقاء مع الله، لقاء معرفة. ومعرفة الله ليست بالأمر الهين أو السهل... إن بولس الرسول يقول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10)؛ ولكي أعرف المسيح "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ"، "مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي" (في3: 8). لكي أعرفه "وَأُوجَدَ فِيهِ" (في3: 9).
وهذه المعرفة ليست مجرد معرفة عقلية "بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ" (1يو2: 3). إن الذين عرفوا الله، أحبوه وتركوا كل شيء لأجله...
أغسطينوس تاه 30 سنة إلى أن عرف الله. ولما عرفه أحبه، ووجده جمالًا لا ينطق به، وفرحًا لا يعبر عنه. فذاق ما أطيب الرب. وقال له في انسحاق: "تأخرت كثيرًا في حبك...".
"ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز34: 8). إن ذقته، ستشعر بلذة الحياة معه، وتقول له: "يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا" (مت17: 4)... كانت مريم أخت مرثا تجلس عند قدمي المسيح، تتأمله لتعرفه.
الذين عرفوا الرَّبَّ حقَّ المعرفة جروا وراءه كل الطريق، ولم يحبوا أن يعرفوا شيئًا آخر سواه... وأنت، هل تظن أنك تعرف الله، لمجرد ترديدك عبارة "بالحقيقة نؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض..."؟!
كلا، إن المعرفة العقلية وحدها لا تكفي. فالشياطين يعرفون "مؤمنون ويقشعرون" (يع2). إنما المعرفة الحقيقية، هي معرفة عشرة ومذاقة، معرفة حب وليست معرفة كتب... كم من أناس قرأوا الكتاب، ولم يعرفوا الله. الشيطان نفسه كان يجادل بآيات من الكتاب.
المعرفة الحقيقية هي معرفة اختبارية، قال فيها يوحنا الحبيب: "الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1:1).
أيوب الصديق لما ألتقى بالرب، أدرك أن كل معرفته السابقة بالله كانت جهالة. فقال: "قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا" (أي42: 3). وقال في الفرق بين المعرفتين: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِ" (أي42: 5).
فهل أنت تعرف الله بسمع الأذن، أم قد رأته عيناك؟ هل قالوا لك في العظات عن الله، وهل سمعت عنه في الكنيسة، أم اختبرته بنفسك، وذقته، وألتقيت به؟ هل عرفته شخصيًا، أم أخذت معرفته عن آخرين؟ إنك تلتقي مع الكتب، ومع الأبنية، ومع الصور، ومع العلوم كلها تحدثك عن الله الذي ينبغي أن تلتقي به، فهل التقيت؟!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 25 أبريل 1993م
نوع آخر من اللقاء
نوع آخر من اللقاء[1]
قابلوا الرب، ولم يستفيدوا!!
في التجربة على الجبل نلاحظ أمرًا عجيبًا، وهو أن الشيطان تقابل مع السيد المسيح. الرب أعطى فرصة - حتى للشيطان - أن يقابله!!
لو كان السيد قد جاء للأبرار فقط، ولو كان قد التقى بالقديسين لا غير... لظنَّ الخطاةُ أنه ليس لهم فيه نصيب.. ولكن السيد المسيح قبل أن يبدأ خدمته، أعطى فرصة للشيطان أن يقابله.. والشيطان - كعادته - لم يستفد من هذه الفرصة، بل أضاف بها ثقلاً جديدًا على خطاياه...
الرَّبُّ من محبته يتقابل مع الكلِّ. يُشرق شمسه على الأبرارِ والأشرارِ، ويُمطر على الصالحين والطالحين.
تقابل الرَّبُّ مع قايين، أول قاتل على الأرض، ولم يستفد قايين من هذا اللقاء. وتقابل الرب مع آدم وحواء بعد سقطتهما، وأعطاهما فرصة للاعتراف والتوبة، ولم يعترفا...
وزار بيت سمعان الفريسي. وكان الفريسيون مشهورين بالكبرياء والعجرفة. فاستقبله سمعان في بيته، دون أن يستقبله في قلبه. وفي أثناء الزيارة ظل يرقبه باحثًا له عن غلطة...
تقابل المسيح مع بيلاطس، ومع هيرودس، ومع حنان وقيافا... أعطى كل هؤلاء فرصة أن يروه، ولكنهم لم يستفيدوا!!
بيلاطس تأثر، وأراد أن يطلقه، وغلبه الجُبنَ. وهيرودس استهزأ به، ورؤساء الكهنة أعماهم الحسد، ووقف دون استفادتهم.
الشاب الغني التقى بالمسيح، ومضى حزينًا، يا للعجب...!
كثيرون تقابلوا مع المسيح، ولم يستفيدوا. كانت هناك عوائق في داخلهم، أو حولهم، تمنع هذه الاستفادة.
مثل المشغوليات.. إنها الحرب الأولى في هذا الجيل.. لا يوجد إنسان متفرغ، لكي يلتقي بالله.. الكل مشغول؟!! حتى الذين يخدمون الله، هم أيضًا منشغلون بالخدمة! يخيل إليَّ أن الله لو ظهر في هذا الجيل، لقلنا له: "اذهب الآن، ومتى حصل لنا وقت نستدعيك" (أع24: 25)!!
الذي يتقابل مع الرب ويستفيد، هو القلب المستعد، القلب المتضع، والمحب، الذي يريد أن ينتفع...
هل عرفته شخصيًا، أم أخذت معرفته عن آخرين؟
إنك تلتقي مع الكتب، ومع الأبنية، ومع الصور، ومع العلوم. كلها تحدثك عن الله الذي ينبغي أن تلتقي به، فهل التقيت؟ أم أنت تقول مع عذراء النشيد: "لِمَاذَا أَنَا أَكُونُ كَمُقَنَّعَةٍ عِنْدَ قُطْعَانِ أَصْحَابِكَ؟" (نش1: 7).
اجرِ وراء الله، وقل له: "أَخْبِرْنِي يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، أَيْنَ تَرْعَى، أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ؟" (نش1: 7)، "تَحْتَ ظِلِّهِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ" (نش2: 3).
اقترب إلى الله خطوة وقل له: لا أريد أن تكون تداريبي في الصوم حفظ فصول من الكتاب، أو ازادة عدد المطانيات، والتشديد في النسك الجسدي وفترة الانقطاع.. إنما أريد في هذا الصوم أن ألتقي بك، إن أعاشرك وتراك عيناي. أريد كما دخلت عقلي، أن تدخل قلبي أيضًا.
أريد أن أعرفك، وأختبرك، وأحبك: وألتصق بك. أريد أن تدخل إلى قلبي، وأدخل إلى قلبك.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 19 مارس 1976م
أين نلتقي بالله
أين نلتقي بالله[1]
كل إنسان فينا يُحب أن يلتقي بالله، ولكنه لا يعرف الطريق ولا الطريقة. والإجابة سهلة. يمكنك الاِلتقاء بالمسيح في كل مكان، ولكن أجمل مكان هو الجلجثة.
إن أردت أن تلتقي بالمسيح، اذهب إلى بستان جثسيماني، وامشِ في طريق الجلجثة، واصعد على الصليب...
في الضيقات والألم
الثلاثة فتية في قلب النار حينما ألقوا في الأتون المشتعل بالنار يقول الكتاب أنه كان معهم الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَةِ (دا3: 25)، أنتَ أيضًا ادخل الأتون وستجد المسيح هناك ينتظرك .. ولا تخف من النار، شعرة واحدة من رأسك سوف لا تسقط، سوف لا تؤذيك ولا رائحة النار تدخل في ملابسك!!
دانيال النبي التقى بالرَّبِّ في جبِّ الأسود وقال: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ.." (دا6: 22). كثيرون التقوا بالله في الضيقات، وفي التعب.. لكن في حياة المتعة كثيرًا ما يبعد الإنسان عن ربنا!! لكن الله أوجد الألم في العالم لكي نلتقي به فيه قال: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ"(في1: 29).
في الموت في التجارب تلتقي بالله..
أحسن أوقات التقى فيها يعقوب بالله هي أوقات ضيقاته وآلامه.. لعلنا نسأل الله ونقول له: لماذا يا رب يعقوب قال: "قلِيلَةً وَرَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي" (تك47: 9)، أيام غربتي كلها تعب ليست مثل أيام آبائي في غربتهم؟! يقول: لأن الضيقات هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يلتقي بيَّ فيه. لذلك آباؤنا القديسون كانوا يدفعون بأنفسهم إلى الضيقة لكي يلتقوا بالرب هناك! ويوم تدخل في الضيقة سترى وجه الله.
المتعة تشغل الحواس، وفيها يتعلق الإنسان باللذة. أما الألم فيرفع القلب إلى الله. لذلك وهبَّ الله لنا الألم، لأنه طريق إليه...
المتعة تجعل الإنسان لا يشعر بالاحتياج، أما في الضيقة فيشعر باحتياجه، ويطلب وجه الرب. يعقوب أبو الآباء رأى الله في الألم. آباؤنا القدسيون عاشوا في الضيقات. ولما كانوا لا يجدونها، كانو يضيقون على أنفسهم...
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 26 مارس 1976م
لقاءات الرب مع خليقته
لقاءات الرب مع خليقته[1]
لا شك أنه تواضع من الرب أن يتنازل ويظهر للناس، ويتحدث معهم، ويصغي إلى حديثهم، وينزل بنفسه إليهم...
لقد نزل الله لآدم في الجنة، وتكلم معه، وتكلم مع حواء أيضًا. بل تكلم مع الحية، مع الشيطان (تك3).
تواضع عجيب من الله أن يتحدث مع الشيطان، وأن يسمح للشيطان بأن يجادله، كما في سفر أيوب (أي2،1)... إنه لون آخر من إخلاء الذات. سبق التجسد...!
الله كلم كثيرين من البشر في مناسبات متعددة، نود هنا أن نستعرض بعضها، فنجد أن البعض كلمهم لأجل الدعوة. دعوة للخدمة، وللعشرة الإلهية، وللشركة مع الرب... ولهذا السبب كان لقاء الرب مع إبراهيم ونوح وموسى وشاول الطرسوسي، وغيرهم...
اللقاء مع إبراهيم
ظهر الله لإبراهيم لكي يدعوه إلى صداقته، والمعيشة معه، بعيدًا عن مساكن الأشرار. فقال له: "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ" (تك12: 1-3).. لقاء مع اتفاقية وعهد.. وهكذا كان لقاؤه مع نوح أيضًا.
إننا لا نعرف متى يقابلنا الرب، أو أين. لكننا نعرف أن للرب موعدًا معنا... كيف؟ ومتى؟ وأين؟ لسنا ندري. الله دعى موسى من العليقة المحترقة في البرية، بطريقة غير متوقعة... وتناقش معه، وأعطاه نعمة وقوة، وأدخله في خدمته، وعالج له أسباب امتناعه...
اللقاء مع شاول الطرسوسي
شخص آخر دعاه الرب لخدمته، بلون من العتاب الصريح... ذلك هو شاول الطرسوسي. قابله الرب في الطريق؛ وقال له: "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" (أع26: 14). يضطهدك؟! من ذا الذي يستطيع أن يضطهدك يا رب؟! إنك تستطيع أن تجعل الأرض تبتلعه، أو تنزل نار من السماء وتحرقه...! نعم، أنا أستطيع ذلك، ولكني أريد أن أكسبه بالحب، بالحوار الودي. صعب عليك يا شاول أن ترفس مناخس. إن حبي لك، أقوى من عداوتك لي. والبركة التي أريد أن أعطيك إياها، أقوى من الاضطهاد الذي تفعله بي وبكنيستي. لذلك ستنتصر محبتي على اضطهادك...
وقد كان. ورأينا شاول الطرسوسي عجينة لينة في يدِ الرب عندما ظهر له. وبسرعة عجيبة تحول من مضطهد للكنيسة إلى كاروز ومبشر يبذل نفسه لأجلها... محبة الرب أذابت كل قساوة في قلبه. فصار إناءً مختارًا، وبادل الرب حبًا بحب. وقال: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في3: 8)؛ "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20). هناك أشخاص - مثل شاول - لاقاهم الرب، ليدعوهم إليه. وهناك آخرون التقى بهم في ضيقاتهم، ليخفف عنهم...
كثيرون في ضيقاتهم قابلهم السيد المسيح الحنون الذي يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ..." (مت11: 28).
اللقاء مع الثلاثة فتية
من أجمل هذه اللقاءات وأعجبها وأقواها، لقاء الرب بالثلاثة فتية في أتون النار. مشى معهم في الأتون، فلم يحترقوا، ولم تدخل رائحة النار إلى ثيابهم. لم يختلف مشيه معهم عن مشيه مع آدم في جنة عدن.
حقًا إذا حلَّ الله في أتون النار، تحول الأتون إلى فردوس. إذا مشى الله معنا في الضيقة، تحولت الضيقة إلى نعمة وبركة..
نحن يا رب نريد أن نمشي معك ونريد أن نلتقي بك، لا يهم في جنة عدن، أو في أتون النار، أو في بطن الحوت كيونان، المهم أن نلتقي بك، وكفى...
والله من جانبه يقول لنا: "لا تخافوا من الضيقات والمتاعب.. أنا سوف لا أمنع عنكم النار، لكن سأسير معكم فيها.. سوف لا أمنع عنكم المتاعب والضيقات، لكن سأحملها عنكم".
لذلك سمح الله أن يُلقى دانيال في جب الأسود، ولكن أرسل ملاكه فسدِّ أفواه الأسود. وسمح أن يُلقى بطرس في السجن، ولكن أرسل ملاكه ففك له السلاسل وفتح له الأبواب. وسمح أن يُنفى يوحنا إلى بطمس، ولكن ظهر له هناك، وأعلن له ما لم يره أحد.
الذي يسير مع الرب لا يخاف، بل يقول كداود: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
أولاد الله لا يهمهم نوع الطريق الذي يسيرون فيه. كل ما يهمهم أن يسير الله معهم فيه. هم لا يختارون لأنفسهم الطريق. الرب هو الذي يختار، وهو يصحبهم فيه. يعقوب هرب من وجه أخيه عيسو. ولكن الله قال له: "أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ" (تك28: 15). تقابل معه في ضيقته، وعزّاه.
كل هذا يجعلنا نفهم المبدأ الخطير الذي وضعه الله..
أنا سوف لا استأصل الشر من الأرض. سيبقى الشر، ولكني سأحميكم منه. سيبقى الزوان مع الحنطة إلى يوم الحصاد، وسينموان معًا، ولكني سأحمي الحنطة من الزوان...
هكذا نرى من بدء الخليقة أن الله لم يقل "لا تكن ظلمة"، وإنما قال: "لِيَكُنْ نُورٌ"(تك1: 3). فكان نور، وبقيت الظلمة، وفصل الله بين النور والظلمة... لقد هجم سلطان الظلام على السيد المسيح وحوكم المسيح ظلمًا وأهين وجلد وصلب ومات. ولكن النور انتصر أخيرًا، بالقيامة إذًا ماذا يكون موقفنا من الظلم والظلمة؟
يقول الكتاب: "بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُ" (لو21: 19). اصبروا لا تقاوموا الشر. في يوم الحصاد سيرسل الرب منجله، وينزع الزوان من الأرض. "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ" (مت5: 39)، "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ" (رو12: 19). من سخّركم ميلًا، امشوا معه اثنين... وماذا بعد؟ "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14:14)؛ لا تلجأوا إلى الحيل البشرية، ولا تعتمدوا على ذراعكم البشري... في وسط الضيقة، أنا سألتقي بكم، سأمشي معكم في الأتون كما مشيت مع الثلاثة فتية...
عندما شهد المولود أعمى للمسيح، طردوه خارج المجمع. وفيما هو خارج المجمع قابله المسيح، وكشف له ذاته، ومنحه الإيمان.
لا تحزن يا ابني إذا طردوك خارج المجمع، أنا أيضًا سيخرجونني خارج المحلة... احتمل، واحمل صليبك. أنا أيضًا سأحمل صليبًا. سأحمل جميع صلبانكم. سآخذ جميع متاعبكم، وأحرقها عند الشمس..
إيليا هرب من إيزابل، فقابله الرب في خوفه، وعزّاه وقوّاه.
قال إيليا للرب: "يَا رَبُّ، قَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي" (رو11: 3). فعزّاه الرب: لست وحدك، فإن لي 7000 ركبة لم تنحنِ لبعل. وإيزابل هذه ستلحس الكلاب دمها. أما أنت فانتظر الرب (1مل 19)، (رو11).
كل الذي بيننا وبين الشر هو عامل الزمن فقط، لا بد أن ينهزم الشر أخيرًا. ولكن المهم متى ينهزم؟ إن هذا الزمن هو في قبضة الله وحكمة تدبيره.
سيحرق الله الزوان، وسيبيد الظلمة. وللرب حرب مع عماليق من دور إلى دور. أما نحن فلننتظر الرب. مهما تأخر، لا بد سيأتي، ويقيم العدل على الأرض. إن الله يلتقي مع المتضايقين لينقذهم. ولكن له لقاء من نوع آخر مع الخطاة...
اللقاء مع الخطاة
التقى الرب مع قايين، لا ليعطيه نعمة بل ليسمعه العقوبة. والتقى مع الغني الغبي ليقول له: "هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟" (لو12: 20).
هناك لقاءات كثيرة للدينوية، فاحذروا، واتعظوا بقول الكتاب: "لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا" (مر13: 36)؛ "يأتي سيد ذلك العبد، في اليوم الذي لا يتوقعه، وفي الساعة التي لا يعرفها، فيشقه من وسطه، ويجعل نصيبه مع عديمي الإيمان" (لو12: 32-46).
إنه سيأتي مرة أخرى للدينونة، ليدين الأحياء والأموات، ليعطي كل واحد حسب أعماله. يأتي في مجده على سحاب السماء، فتنوح عليه جميع قبائل الأرض. يقولون للجبال غطّينا، وللتلال اسقطي علينا. تذوب الجبال مثل الشمع من قدام وجه الرب... وحقًا كما يقول الرسول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب31:10).
على أنني لا أريد أن أختم بلقاء الدينونة هذا، فهناك لقاءات للبركة، وأخرى للحب.
لقاء البركة
مثل لقاء الرب مع سليمان. باركه، وبارك البيت الذي بناه ومجد الرب ملأ البيت، مثل حلول الرب على خيمة الاجتماع فوق التابوت.
ومثل لقاء الرب الأول مع يعقوب أبي الآباء، ولقائه الأول مع جده إبراهيم، كان للدعوة وللبركة معًا.
لقاء الحب
مثلما كان يدخل بيت مريم ومرثا، فيملأ البيت حبًا وسعادة، تكفي نظرة إلى وجهه لتُفرح القلب. إنه لقاء للحب، يقول فيه الرب للإنسان: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). وهكذا يقف على باب النفس البشرية ويقول: "اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي" (نش5: 2).
مثال هذا أيضًا لقاؤه مع إبراهيم حينما زاره مع ملاكين...
استضافه إبراهيم، ثم منح إبراهيم نعمة أن يكون له ولد، وكصديق بحث معه موضوع سادوم... في تفاهم عجيب، كواحد من مختاريه، يناقش معه مصير أمة وشعب!
من لقاءات الحب هذه، ما حدث حتى بعد الانتقال من هذه الأرض... إنه لقاء الرب مع موسى وإيليا على جبل التجلي...
كيف ظهر موسى وإيليا معه في هذا الوقت؟ وكيف اختفيا؟ وبأي موعد؟ هل لمجرد مشيئة في قلبه حضرا لتوهما؟ لست أدري... ولكنه لقاء بين الرب وأحبائه.. وهناك لقاء مشابه، أعني اللقاء الأبدي.
اللقاء في الأبدية
عن هذا اللقاء، يقول الرب لتلاميذه القديسين: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا. وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 2-3).
أنُسمي هذا لقاءً؟! بل هي عشرة دائمة. لقاء يبدأ ولا ينتهي. لقاء الرأس بالجسد... نكون فيه، ويكون فينا، ونثبت فيه إلى الأبد...
لقاءات عجيبة
هناك لقاءات عادية عن طريق الصلاة والتأمل والتناول ووسائط النعمة المتنوعة. ولقاءات أخرى من نوع أعمق، لقاءات تاريخية في حياة الناس، وفي حياة البشرية كلها...
لقاء يوحنا الحبيب
مثال ذلك يوحنا الحبيب يقول: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ قَائِلاً: أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ... ورأيت بابًا مفتوحًا في السماء... وعرش الله. لا شك أن يوحنا كان يلتقي بالله كل يوم، في حياته الروحية العادية. أما لقاؤه معه في جزيرة بطمس، فكان عميقًا، من نوع آخر.
يمكنك أن تلتقي بالله، كما التقى به يوحنا في جزيرة بطمس، كنت مثله في الروح... في نفس العمق، والحالة. إن رأى الله ذلك نافعـًا لك أو لغيرك...
لقاء آخر مع الله من نوع آخر. لقاء شاول الطرسوسي مع الرب في طريق دمشق... أبرق حوله نور، وسمع صوت الرب، وتغير إلى بولس وكان يومًا خالدًا في تاريخ البشرية والكرازة.
يوحنا كحبيب التقى بالمسيح، وشاول التقى به وهو مضطهد للكنيسة... وكلاهما أخذ نعمة...
لقاء إشعياء
كثيرون التقوا بالرب لقاءات فائقة للطبيعة مثل إشعياء الذي رأى الرب وسمع حوله تسبحة السارافيم... الوحيد في تاريخ البشرية الذي رأى السارافيم فمسحوا شفتيه بجمرة من على المذبح.
لقاء آخر عجيب، بولس في السماء الثالثة، إذ رأى أشياء لا ينطق بها، وهو في الجسد أم خارج الجسد ليس يدري...
موسى الذي تقابل مع الرب على الجبل، فأضاء وجهه حتى لم يستطع الشعب أن ينظر إليه... ولقاءات أخرى عجيبة لرجال الله القديسين.
فإن كنا لا نستطيع أن نلتقي بالله بمثل هذه اللقاءات العجيبة، فعلى الأقل نلتقي به ولو من بعيد، ولو في داخل القلب، أو في المخدع. ننسكب تحت قدمي الله، ونطلب إليه أن يشرق علينا بنوره. إن لم نستطع أن نعيش كأحباء لله، فعلى الأقل لا نعاديه. إن كنا لا نستطيع أن نلتقي بالله، فعلى الأقل لا نهرب منه. إن كنا لم ننل المواعيد، فعلى الأقل ننظرها ولو من بعيد.
إن كنا لا نراه وجهًا لوجه، فعلى الأقل نراه كما من مرآة... نعرفه، ولو بعض المعرفة، ولكن لا نحيا كغرباء عنه...
وأنت أيها المبارك، هل ذقت الله وعاشرته واختبرته؟ إن الذي لا يذوق ملكوت الله على الأرض، لن يذوق هذا الملكوت إلى الأبد. هنا لا بد أن نبدأ، وهناك نكمل... هنا نبدأ الحياة مع الله، التي تستمر إلى دهر الدهور، فابدأ إذًا. لأني أخشى عبارة مخيفة مرعبة، هي قول الرب للبعض:
الحق أقول لكم أني لا أعرفكم... لا أعرفكم قط!!
كيف هذا يا رب؟ كيف لا تعرفنا؟! لقد أكلت وشربت في منازلنا!! ونحن باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات وعجائب!! نعم لا أعرفكم (مت25). إن شكليات العبادة لا تنفعكم، ولا المواهب.
لا بد إذًا من معرفة حقيقية بالله، ليست معرفة الكتب، ولا معرفة العظات، ولا معرفة العقل وحده، بل معرفة القلب. بالخبرة، واللقاء.
قال أيوب للرب: "بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي" (أي 42: 5). فهل أنت مجرد إنسان تسمع عن الله، أم قد رأيته بعينيك؟ هل تقابلت معه، ولو في الطريق إلى دمشق، وأنت ترفس مناخس.
تداريب اللقاء مع الله
اجلس إلى نفسك ولو قليلًا، واحصر لقاءاتك مع الله...
استرجع في قلبك وفكرك، خلواتك معه، واختبارك له، وتأثرك به، ومذاقتك لحلاوته. لا تكن غريبًا عليه، "كَمُقَنَّعَةٍ عِنْدَ قُطْعَانِ أَصْحَابِكَ" (نش1: 7). ابحث عنه باستمرار، قل له: "أَيْنَ تَرْعَى، أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ؟" (نش1: 7). كما أن فترات الصوم مناسبات روحية صالحة للقاء مع الله.
التقِ به على صفحات كتابه، التقِ به في الصلاة، في التناول من جسده ودمه. التقِ به عند المذبح، في بيته.
اترك شكليات العبادة، وادخل إلى عمق الصلة بالله.
أليس من المؤسف أن يدخل إنسان بيت الله، ولا يلتقي بالله في داخل بيته؟! ربما يلتقي في الكنيسة مع المؤمنين، أو يلتقي فكريًا مع عظة أو قراءة... وقد يصلي، ولا يلتقي مع الله في صلاته. لا تدخل طلبته إلى حضرة الله... إنها مجرد كلام، كمن يحادث نفسه! ويقول الله في عتاب: "هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مر7: 6).
لا بد أن تدخل إلى العمق. لا بد أن تحس وجود الله في صلاتك، وفي شتى علاقاتك بالله... جاهد مع الله. صارعه كما صارعه يعقوب. قل له: "لا أتركك حتى تباركني" (تك32: 26)، حتى تُظهر لي ذاتك، وتسكب في قلبي محبتك، وتجعلني أشعر بك، وأحيا كما عاش القديسون في عمق وفي حرارة... أريد أن أشعر بأنني أكلمك، وبأنك واقف أمامي.. أريد أن أقول كيوحنا: "الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1:1). جاهد مع الله، صارعه حتى الفجر. امسكه ولا ترخه.
قل له...
"أريد أن أحبك، أريد أن أحبك أكثر من الكل، وأكثر من كل شيء.
أريد أن تمنحني هذا الحب كعطية مجانية من عندك.
لا أستطيع أن أقضي عمري وهم يحدثونني عنك دون أن أراك...
أريد أن أبصر هذا السلم الواصل بيني وبينك بين الأرض والسماء.
ليكن سلم الحب والعشرة والمذاقة والاختبار...
[1] من مقالتين لقداسة البابا شنوده الثالث نُشرتا في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 يونيو 1975م و28 ديسمبر 1974م
اختبار اللقاء مع الله
اختبار اللقاء مع الله[1]
في حياة الإنسان الروحية، لا بد أن يلتقي الإنسان بالله، ولا بد أن يعرفه ويعاشره... ولا بد أن يراه.
كثيرون يصلون ويصومون ويقرأون، ولكن بدون علاقة مع الله... لم يشعروا يومًا أنهم التقوا به، أو أحسوا أنهم دخلوا إلى قلب الله، أو أن الله قد دخل قلوبهم.. لا تلامس أو رؤيا.. إنه إحساس إنسان بأنه بعيد عن الله، والله بعيد عنه، إنه يشعر بأنه في وادِ والله في وادِ آخر.. إنه يشعر بأنه يصلي وبينه وبين الله أميال وأستار وحواجز.. لا يوجد التقاء، ومثل هذا الإنسان يعيش متعبًا في حياته الروحية، لأنه لم يلتق بالله بعد، ولم يختبره، ولم يعش معه.
وهناك من عاشوا حياتهم مع الله مثلما قال الكتاب عن أخنوخ: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ" (تك5: 22، 24). ومثل إبراهيم الذي أسموه خليل الله، بمعنى صديق الله..
وهناك من التقى بالله في وقت معين مثل موسى النبي، الذي كان يسير عاديًا وفي لحظة لا يعرفها ناداه الله من العليقة وقال له: "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (مر12: 26).. "اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ" (خر3: 5).
وكذلك مثل شاول الطرسوسي الذي قابله الله في الطريق وقال له: "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" (أع9: 4).
ومثل زكا الذي قابله الله أيضًا وقال له: "أَسْرِعْ وَانْزِلْ" (لو19: 5).. ولقاءات أخرى مع المرأة السامرية ونيقوديموس.
وهكذا فإن كثيرين التقوا بالرب وعاشوا معه. وكثيرين حياتهم كلها خالية من الله ولم يعرفوه بعد.
ولكن هل معنى هذا أن الله لم يمر عليهم في الطريق ولم يقابلهم؟.. أم أن حواسهم غير مدربة على رؤية الله؟
تأملوا الكتاب الذي يقول: "لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ" (عب13: 2).
في قصة سدوم، مر ملاكان على سدوم ولم يحس أهل سدوم بهما..
وفي خلال فترة وجود المسيح على الأرض يقول يوحنا: "فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ" (يو1: 26).. هو موجود ولم يحسوا به ولم يعرفوه.
الحواس المدربة على الإلهيات
هناك لقاءات كثيرة تحدث في حياة الإنسان ولا يحس أو يشعر بها لأن حواسه غير مدربة على الإلهيات فلا يدركها، ولذلك فإن كثيرًا من زيارات النعمة تأتي إلى الإنسان فيزوره روح الله في وقت من الأوقات ولا يحس به أو يشعر، ويفارقه دون أن يدري.
ولا بد للإنسان أن يكون يقظًا لهذه اللقاءات.. وفي اللقاء مع الله، لا بد أن تشعر أنه قد دخل إلى حياتك، ولا بد أن تلمس يده العاملة معك، ولا بد أن يكون لك هذا الإحساس.
ونحن أحيانًا لا نشعر بهذا، لأن عقلنا البشري في كثير من الأوقات يعلم الأمور بتعاليم عالمية.. بمعنى أن الله يكون قد جاء في حياتك وقام بعمل تعلله أنت بتعليل عادي لا تحس معه بوجود الله معك.
وهناك إنسان يتحسس الله في حياته، ويشعر كيف أن يد الله تعمل بكل أسلوب، فيكون فرحًا جدًا ويقول: أنا يا رب سعيدٌ بك.. أنا أحسُّ أنك موجودٌ في حياتي، وأنك ترعاني.. أنا أتلمس يا ربَّ خُطاك في هذا الدرب وهذا الطريق.
إنسان آخر يعمل الله معه كثيرًا، فلا يحس به أو يراه.. عيناه مغمضة.. يقول الكتاب: "حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ.... طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ" (نش5: 6)!
أريدكم أن تتدربوا على الإحساس بوجود الله، حاولوا أن تتحسسوا يد الله في حياتكم.. المسوا يد الله في الأحداث والأخبار، وفي كل ما يحدث لكم ولغيركم.. تأملوا الله في عمله في الكون؛ وكيف يعمل.. لا تفسروا كل الأمور تفسيرًا عالميًا، إنما فسروه تفسيرًا إلهيًا، وحينئذ يمكنكم أن تلتقوا بالله وتحسوا به. عمل الله في الدنيا هذا أمر لا شك فيه.. وكذلك عمل الله في حياتك حقيقة لا شك فيها، أدركت أم لم تدرك أو تعِ.
إن الله يعمل في حياتك.. ولكن يبقى عليك أن تحس وتلمس، وكلما أحسست عمل الله فيك ومن أجلك، ازدادت محبتك إلى الله حينئذ وارتباطك به.
وكثيرون يحسون بيد الله في التجارب والضيقات، ويرون كيف ينزل الله ويعمل.. أليشع ربما لم يرَّ القوات الإلهية، وسواء رأى هذه القوات أو لم يراها، فإنها كانت تعمل، وكان فرحًا لأن يد الله كانت تعمل، إلى أن صلى وقال: "يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ" (2مل 6: 17).
حقيقة أن هناك من لهم عيون، ولكنها لا تبصر!... كثير من الملائكة تحيط بنا ولكننا لا نبصر.. وعلى الأقل إن لم نكن نبصرها من الناحية المادية، فيجب أن نبصر عملها من الناحية الفعلية.. وإذا كنت لا تبصر بالقلب أو بالحس، فأنت لا ريب ستعيش محرومًا من التعزية الإلهية.
ولنعد إلى القول بأنه ينبغي على الإنسان أن يتقابل مع الله.. وإذا تقابل معه، فإنه يعيش سعيدًا ويملك العزاء في قلبه..
ولكن كيف يتقابل الإنسان مع الله؟
إن العالم – في الحقيقة – مشغول عن الله.. صدقوني لو مرَّ الله أمامكم فربما لا تعرفونه.. العالم مشغول عن رؤية الله أو البحث عنه!.. إن في عقل العالم وحواسه ألف موضوع، ولا وقت عنده للبحث عن الله!
فإذا أردت أن تتقابل مع الله، تفرغ إلى الله.. واعطه من قلبك ومن وقتك.. اعطه من فكرك وتأمل فيه وعش معه.. عش معه بالقلب.. بالحياة.. وعندئذ تلمس يد الله.
وإذا كان الله يقول.. "طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِم"ٍ (رو10: 21).. فكم بالحري من يطلبونه؟
أريدكم - أيها الإخوة – أن تتقابلوا مع الله، وأن تذوقوه والمزمور يقول: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز34: 8).
أريدكم أن تعرفوا الله.. وستسعدون بعشرته لو جربتموه.. فهل جربتم الله وذقتموه؟
إنك تصلي أحيانًا، لكن صلاتك بعيدة عن الله.. إنها لا تزيد عن كلام، ولهذا فإنك لم تشعر بالصلة وأنه أمامك وأنت تكلمه، وقد سمعك واستجاب ورد عليك.. فماذا استفدت من صلاتك؟.. إنك مثل شخص يصرخ في وادٍ سحيق ولا أحد يرد عليه، وترجع إليه كلماته أصداء.. صوته يعود إليه.. ويتساءل أكلم من؟ لست أدري..
صلِّ وصمم أنه لا بد أن تلتقي مع الله في هذه الصلاة بأي طريقة.. وقل: لن أتركك وسأظل واقفًا إلى أن ترد عليَّ.. إلى أن ألمسك وأشعر بك في قلبي وحسي.. أشعر بتعزياتك تلذذ نفسي.. أطلبك وأراك.
هناك إنسان يحس بالملل من الصلاة.. إنه لم يتلامس مع الله لأنه لا صبر أو انتظار وطول أناة عنده لمجيء الله..
إن الالتقاء مع الله يحتاج إلى قلب مفتوح وإلى انتظار وصبر.. وإلى ترقب الله إلى أن يجيء.. ولا بد أن يجيء ولو في الهزيع الرابع.
حاول أن تكون لك علاقة مع الله قائلًا:
إنه ليس معقولًا أن تأتي إلى الأرض كلها ولا أراك.. لا بد أن أراك، ولا بد أن تدخل حياتي وأن أدخل إليك مثلما قال يوحنا الحبيب: "الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا".. (1يو1:1)، لا بد أن تكون لي هذه العلاقة.
وإذا لم تكن لك هذه العلاقة مع الله، فإن حياتك تصبح جافة وشاقة.
كلنا يدخل الكنيسة ويحضر القداس.. ولكن مَن منا يلمس الله ويراه في الكنيسة والقداس؟!
ولكي نلتقي بالله، فإننا نحتاج إلى قلب محب، وضمير بسيط.. قلب محب لأن المحبة هي الرابطة القوية التي تربط الإنسان بالله.. وأنا أعني بالقلب المحب ليس القلب الذي يحب الفردوس أم الملكوت، بل القلب الذي يحب الله نفسه.
إننا أحيانًا نأخذ الله وسيلة توصلنا إلى غايتنا.. الله في هذه الحالة ليس غاية، إنه وسيلة توصلني إلى السعادة الروحية والقداسة، ولست أقصد الله ذاته.
إن البعض يصلي ليطلب من الله أشياء، أي أن الله وسيلة للوصول إلى طلبات.. وليت من يصلي يقول: "يا رب أنا أريدك أنت.. أنا لا أريد طلبًا.. أنت طلبي الوحيد.. إنني لا أصلي لأكون قديسًا، بل لأجل أن أعيش فيك وتعيش فيَّ.. أحس بك وأتمتع بك.. أنت هدفي وأكلمك لأتمتع بك ولا أريد شيئًا غير ذلك لا أرض ولا سماء"...
هذا هو الإنسان الذي يريد أن يتقابل حقًا مع الله.. وبعدئذ يعلن الله ذاته..
حذار أن تتخذوا الله وسيلة إلى أغراضكم، وأنه جهاز تنفيذي لتحقيق أغراضكم وطلباتكم.. حاول أن تطلب الله نفسه.. تقول له: "طلبت وجهك، وجهك يا رب ألتمس.. لا ترد وجهك عني.. (مز27)؛ أريدك أنت".
فإذا وصلت إلى الحب الذي تريد به الله نفسه، فإنك حتمًا ستلتقي بالله.. ولكن أن تجلس مع الله من أجل غرض، فإن هذا لا يوصلك إليه.
الله حنون وطيب.. وهو يستجيب لطلبك وصلواتك فتسعد، ولكنك لم تأخذ الله.. أنت تريد وهو يعطي. أما أن تريد الله نفسه فهذا أمر آخر.
مَن منكم يصلي ليطلب الله نفسه وليس شيئًا آخر؟.. أنت تصلي من أجل أن تصبح قديسًا، فأنت إذًا تريد القداسة.. وربما أوصلتك القداسة والنقاء إلى الله، ولكن يبقى أن القداسة والنقاوة مجرد وسيلة.
إن الشخص الذي يطلب القداسة إنما يطلب وسيلة. يجب أن يكون الهدف الوحيد هو الله نفسه فتقول: "أريدك أنت.. أريد عشرتك وصداقتك، وأن أظل معك ولا أريد شيئًا آخر".. حتى لو قيل هذا إنسان غير طبيعي.. وداود يقول في (مز 73: 22): "كنت كبهيمة عندك، ولكني معك في كل حين"..
يهمني أن أكون معك بأي صورة مثلما سار داود مع الله.. "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).. إنني أشعر بك وأنك داخل في حياتي وأنك هيأت قدامي مائدة.. أنك ترسلني لموارد خضراء وماء.. وأشعر بوجودك في حياتي.
أريدكم – أيها الإخوة – أن تطلبوا الله نفسه.. إن طلباتكم كثيرة من الله، ولكنكم لا تطلبون الله.. اطلبوا الله وفكروا فيه وعيشوا معه.
ولكن هل يجيء الله إليك وأنت لا تريده؟ إنه لا يتطفل على قلب إنسان لا يريده.. إنه يأتي عندما تقول: أنا أريدك.. عندما تقول أريدك أنت.. فيعطيك الله حينئذ ذاته.
صادقوا وعاشروا وجربوا الله.. واجلسوا مع الله، ولتكن حياتكم معه. لا تنشغلوا بغير الله كثيرًا.. حاولوا أن تنشغلوا بالله كثيرًا.. كم مرة تحدثت عنه واعتمدت عليه؟.. كم مرة استخدمت الله في حياتك ومناقشاتك؟
لكي تصل إلى الله وتراه.. اجعل الله بالنسبة لك هو كل شيء.
اجعل الله بالنسبة إليك هدفك.. اجعله حبك ومشغولياتك وأملك وكيانك كله.. ولكن لا تجعله وسيلة توصلك إلى أغراضك.
لكي تعيش مع الله كن معه صريحًا جدًا، افتح قلبك كله واسرد له كل ما بك، كل ضعفاتك ونقائصك وقل: "تعال حلَّ فيَّ وعش معي.. تعال أعمل في هذا القلب".
حاول أن تحدث الناس جميعًا عن الله.. إننا كثيرًا ما نتحدث عن الفضيلة وليس عن الله، نحدثهم عن طريق الله ولكن ليس عن الله نفسه، نحدثهم عن كلام الله ووصاياه ولكن لا نحدثهم عن الله نفسه.
وأوقات كثيرة ندور حول الله دون أن ندخل إليه أو يدخل إلينا.. الله بالنسبة إلينا ليس له موضع يسند فيه رأسه، لم ندخل بعد إلى العمق بالنسبة له لكي ندركه ونفهمه ونتأمل فيه.
مريم ومرثا كان بينهما فرق كبير، إن مريم تطلب المسيح نفسه، تجلس معه وتنظر إليه وتفرح به.. أما مرثا فإنها مشغولة بأشياء كثيرة جدًا، إنها لم تستطع أن تتمتع بالمسيح مثلما تمتعت به مريم.
هل جلست معه مثل مريم وتركت مشغولياتك الكثيرة؟!
هناك إنسان يعمل في الخدمة كثيرًا، ومع ذلك لا يصل إلى الله.. لقد تحدثت مرة وقلت: "لنفرض أنك ذهبت لتهدي إنسانًا خاطئًا.. إنك تسأل نفسك.. إلى أين أذهب؟.. فإذا قلت أنك ذاهب لحل مشكلة هذا الخاطئ فإنك بذلك تكون مشغولًا بالخاطئ ومشكلته.
وإذا أجاب آخر قائلًا: أنه مشغول بالله، وأنه يريد أن يجد لله موضعًا في قلب هذا الإنسان الخاطئ.. فإن الاهتمام يكون هنا بالله، إنه يبحث عن مكان لربنا في نفس هذا الإنسان الخاطئ، إنه يريد أن يوصله إلى الله.
المشغولية هنا هي الله وليس هذا الإنسان.
وصدقوني إن أقدس الناس يتحدثون عن الخير ولا يتحدثون عن الله.. يتحدثون عن الفضيلة ولا يتحدثون عن الله.. عن طرق الله.. وليس عن الله صاحب الطريق مثلما قال أديب روحي لإنسان متعب في خدمة الكنيسة: "قضيت عمرك من أجل بيت الرب فمتى تطلب رب البيت؟".
إن أكثر الناس ينشغلون بكنيسة الله دون إله هذه الكنيسة، فنقول كنيسة ربنا.. والأفضل أن نقول رب الكنيسة.
لا يصح أن تكون كلمة الله بالنسبة لكم نظرية.. ادخلوا إلى أعماق الله لكي تعرفوه وتحسوا به.
تأملوا قصة الابن الضال الكبير وليس الابن الضال الصغير لقد كان يخدم في بيت أبيه "أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي" (لو15: 29).
لم تكن لهذا الابن علاقة مع أبيه، لقد كانت تشغله حقول الأب وليس الأب، لقد شغلته خدمة الأعمال المتصلة ببيت هذا الأب، وليس أب البيت!
إننا نعمل.. ولكن أين الله؟.. إننا لم نره بعد...
إن الناس تتحدث عن الله دون أن تكون لهم علاقة شخصية معه.
إننا نريد أن نعيش مع الله، وأن نتمتع به ونتقابل معه، ونصر على أن يكون له مسكن في حياتنا وقلوبنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 1 أبريل 1973م
الفصل الثاني الهروب من الله
الهروب من الله![1]
شيء عجيب حقًا، أن نرى الإنسان يهرب من الله، المخلوق يهرب من الخالق! عجيب أن نرى الإنسان المحتاج يهرب من الله الذي فيه كل احتياجات البشر.. الإنسان المسكين الضعيف، يهرب من الله القوي القادر..!
وعجيب أيضًا أن نرى الله غير المحتاج هو الذي يسعى وراء الإنسان الضعيف! ربما يكون عاديًا أن يهرب الإنسان من خطرٍ أو شرٍّ أما أن يهرب الإنسان من الله فذلك أمر غريب.. لأن الله هو الخير والحب والقداسة.. فكيف يهرب الإنسان من هذه الأمور التي هي الله!
ولكن.. هكذا الإنسان، لا يقابل محبة الله بمحبة تشبهها وطوال عمره، الإنسان ناكر للجميل، لا يُقدر محبة الله الذي يحبه، بل يجرح قلب هذا المحب باستمرار.. إن الله يفتح قلبه وصدره، بينما الإنسان يدير وجهه بعيدًا، ولا يهتم بقلب الله المفتوح!
ومع ذلك فما يزال الله يفتح قلبه للإنسان، وما يزال الإنسان مستمرًا في جحوده وخيانته، وبعده عن الله، وهروبه منه..
الهروب خوفًا وخجلًا من الله
لقد كان آدم أول شخص هرب من وجه الله.. كانت بين آدم والله صداقة ومحبة، وكان الله يأتي إليه في الجنة ويتحدث معه.. وفي لحظه، شعر آدم أن علاقته بالله لم تعد كما كانت.. فهرب من الله خوفًا وخجلًا وقال: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ"! (تك3: 10).
وكثيرون مثل آدم يهربون من الله نتيجة الخوف والخجل لأنهم وقعوا في الخطية، ولكنهم بهذا الهروب لا ينجون وإنما تزداد حالتهم سوءًا. لأن الخطية لا يجب أن تكون دافعًا لهذا الهروب بل على العكس.. فالله يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
كثيرًا ما نهرب من الله خوفًا، وخجلًا من خطايانا، ولكن الإنسان المليء بالخطايا والنجاسات، أولى به ألاَّ يهرب من الله، بل يهرب من خطاياه.. لأنه لو هرب من الله فسوف لا يجد الوسيلة التي يتطهر بها ويخلص.. بل إنه سوف يمضي في طريق الانزلاق خطوة خطوة حتى يضيع ولا يبقي الشيطان منه شيئًا.
إن الذي يهرب من الله خوفًا وخجلًا لا يعرف طبيعة الله المملوءة بالمحبة والمغفرة.. وهو يزيد بالهروب حياته تعقيدًا وسوءًا..
والذي يقع في الخطية بدلًا من أن يهرب من الله عليه أن يتجه إليه، ويقف أمامه، ويحدثه عن سقطته وخطئه، وعن خجله، لا تهرب من الله إن اخطأت، بل قف أمامه وحدثه عن خجلك بصراحة، وقل له إنك خائف.. وكن مثل العشار الذي كان متعبًا من خطاياه، فلم يهرب، وإنما أتى بكل خطاياه إلى الله.. ووقف.. في خوف وخجل، ولم يستطيع أن يرفع عينيه إلى فوق.. وقف بعيدًا يقرع صدره ويصرخ إلى الله قائلًا: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ"!! (لو18: 13).
إن الهروب من الله، لعبة من الشيطان يريد بها تغيير حاله الإنسان بالخطية. إن لك أن تخجل بسبب الخطية.. وأن تخاف الله.. داخل قلبك.. ولكن لا تهرب منه..
لقد كان آباؤنا القديسون في خجلهم يصلون إلى الله بدموع وبانسحاق قلب، ويصلون بخجل.. مثل النبي دانيال الذي عندما صلى قال: "يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ"! (دا9: 8)، وهكذا قال عزرا أيضًا.
إن الخطية ليس معناها أن نهرب.. فالذي يهرب من الخطية مثله كمثل إنسان يقع في حفرة، وبدلًا من أن يقوم، يستمر في الانزلاق والانحدار.. إلى غير نهاية.. ذلك هو عمل الشيطان من أجل أن يوقع الإنسان في اليأس..
إن الخاطئ يحتاج لمَن يمسك بيده وينقذه، بينما شيطان الخجل يحاول تسليمه لشيطان اليأس، الذي يسلمه إلى شيطان الهروب!
إن داود وهو نبي وملك وقع في خطية الزنا والقتل، ومع ذلك لم يهرب من الله بل تقدم إلى الله في خطيته، وقال: "طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز51: 7). تلك هي صرخة الأمل فقد كان داود في عمق خطيته محتفظًا بالأمل والرجاء.. وفقدان الأمل والرجاء هو لعبة الشيطان من أجل أن يوقع الإنسان في اليأس.
لقد كان داود في خطيته يعرف أنها متعبة ومع ذلك لم ييأس ولم يهرب من الله.. وإنما اتجه إليه وقال: "يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ. ارْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. اشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ، وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدًّا" (مز6: 1، 2). ذلك لأن شيطان اليأس يجعل الإنسان يهرب من الله ويبتعد عنه!
أما أولاد الله فإنهم لا يهربون إذا سقطوا في الخطية، وإنما يهرعون إليه ويطلبون الرحمة، عارفين أن باب السماء مفتوح.. فهو القائل: "وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (يو6: 37).
إن الهروب من الله، خجلًا وخوفًا بسبب الوقوع في الخطية.. هو أول الأنواع وهناك نوع آخر للهروب من الله..
الهروب من صعوبة الطريق
عندما كان المسيح يتكلم عن التناول من جسده ودمه يقول الكتاب المقدس: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ" (يو6: 66).. لدرجة أنه قال لتلاميذه الاثنى عشر: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" (يو6: 67)، فأجابه بطرس قائلًا: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو6: 68).
إن الإنسان عندما يجد الطريق صعبًا فإنه يترك الله ويبتعد.. دون أن يعرف أن الطريق مهما كان صعبًا فهناك نعمة الله.
فهذه النعمة هي التي تمكنهم من اجتياز هذا الطريق الصعب، فيعرفون كيف يحبون أعداءهم ويحسنون إلى مبغضيهم.. وكيف يصلون إلى الكمال.. وكيف يستطيعون الدخول من الباب الضيق ويحملون الصليب!
كثيرون يهربون من طريق المسيح، شاعرين أن طريقه صعب.. لأنهم يريدون اليسر ولا يريدون العسر.. وقد تكون هذه الصعوبة لعبة شيطانية!
إذا وجدت أن الخير طريقه صعب، وأسودت الدنيا أمامك، وبدأت تشعر باليأس.. فاعلم أن هذه هي حروب الشيطان.. لأن الشيطان يجعل دائمًا الطريق صعبًا أمام أولاد الله، لكي يقودهم إلى اليأس.
إن وصايا الله حتى لو كانت صعبة، فهناك النعمة لتحفظ الإنسان.. وحيثما كثرت الخطية، تكثر النعمة (رو5: 20).. فإن وجدت نفسك محاطًا بالخطية، فاعلم أن نعمة الله تحيطك أيضًا، وروحه القدوس من حولك: وقوة العلي تظللك.. وأن الله لا يتركك وحيدًا..
فأنت لست وحيدًا في جهادك، لأن هناك الملائكة، وأرواح القديسين، وروح الله القدوس، ونعمة الله..
وهناك قوات خفية من حولك، تساعدك دون أن تدركها! ولذلك فلا تخف من صعوبة الطريق ولا تيأس..
فكلما صعب الطريق، اطمئن، وقل: إن طريق الله فيه صعوبات، ولو وجدت أن الحياة سهلة أمامك، يجب أن تخاف، لأنك عند ذلك ربما لا تكون سائرًا في طريق الله.
ومع ذلك: فإذا كان الطريق أمامك صعبًا، خذه بالتدريج...
إن أطول مسيرة في الدنيا تبدأ بخطوةٍ واحدة.. خطوة واحدة.. عندما تخطوها فهي جزء من الطريق.
والله لا يطالبك إلا بهذه الخطوة الواحدة.. ولا يريد الطريق كله.. خطوة واحدة فقط.. بعدما تخطوها.. سوف يطالبك الله بخطوة واحدة مرة أخرى وهكذا.. لتجد أنك قطعت الطريق الصعب الطويل!!
عليك فقط أن تخطو خطوة، وعندما تجد الطريق طويلًا قل لنفسك: "أريد خطوة واحدة فقط من هذا الطريق الطويل".. قرر ثم نفذ، خطوة خطوة، وتأكد أنك كلما خطوت خطوة في طريق الله ستجد أنك لبست نعمة، وستجد أن روح الله بدأ يعمل معك وبداخلك.. إن الخطوة التي تخطوها ستعطيك حرارةً وقوةً وأملًا.
إن تصعيب الطريق لعبة من ألاعيب الشيطان لكي تهرب من الله..
ومن مهمة آباء الاعتراف والمرشدين الروحيين تسهيل الطريق على الناس.. والذين يصعبون الطريق على الناس إنما يدفعونهم بذلك إلى اليأس والهروب.. والقديس يوحنا يقول إن: "وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً" (1يو5: 3).. والباب الضيق هو هكذا في أوله، لكنه واسع.
وداود يقول: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز 34: 8) ويقول أيضًا: "محبوب هو اسمك يا رب، وهو دائمًا تلاوتي" (مز119)؛ وهو بذلك كأنه يقول: أيها الهاربون من الله، البعيدون عنه، لا أريدكم أن تندمجوا في الحياة الروحية لأعماقها، ولكن: ذوقوا .. وجربوا!!
والمرأة السامرية عندما راحت تدعو الناس لم تقل لهم تعالوا آمنوا.. وإنما قالت: "هَلُمُّوا انْظُرُوا.." (يو4: 29).. ثم جاء الناس ونظروا فآمنوا بالمسيح بعدما أحبوه!
حذار من تصعيب الطريق أمام أولاد الله.. إن بعض الناس يتصورون أنها مهارة عندما يعقدون الأمور ويصعبون الطريق.. لا تحملوا الناس فوق طاقتهم، بل كلًا حسب قدرته واستطاعته.. ولا يجب أن نصعب الحياة الروحية أمام الناس فإن الشيطان يصعب الطريق، والذي يصعب الطريق يتعاون مع الشيطان، وصعوبة الطريق تجعل الإنسان يهرب من الله تمامًا!!
يجب أن يؤخذ الدين خطوة خطوة، وبعض الناس من حماسهم يريدون أن يرتفعوا مرة واحدة.. ولذلك يقول الآباء الرهبان: "إن وجدت شابًا يصعد إلى السماء، فاجذبه من رجليه، خشية ألاَّ يقدر أن يكمل.. فييأس، ويضيع"! والشيطان يصعب الطريق، ويلقي الإنسان في يأس، ثم يعود به إلى الطريق العكسي.. وكما يقول داود في المزمور: "كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلهِهِ" (مز3: 2).
هناك مثل عادي في الرهبنة يقول: "الطريق الوسطى خلصت كثيرين".. ومن هنا، كان التطرف ضربة من ضربات الشيطان.. فالشيطان إذا أراد أن يسقط إنسانًا، يقوده إلى التطرف، ثم يصعب له الطريق، ثم يدفعه لليأس!
والآباء القديسون يسمون التطرف ضربة يمينية.. وهناك أيضًا ضربة شمالية؛ هي السير في الخطية، أما الضربة اليمينية؛ فهي جريمة روحية قوية المستوى، لا يستطيع الفرد أن يواصل فيها أو يستمر.. ولذلك يقول الحكيم: "لاَ تَكُنْ بَارًّا كَثِيرًا" (جا7: 16).. يعني زيادة عن مستواك وإمكانياتك وقدراتك.. بل سرّ في الطريق الروحي خطوة خطوة.. فالطريق الروحي يحتاج إلى حكمة.
الهروب بسبب الذات
هناك نوع ثالث من الهروب من الله.. هو الهروب بسبب الذات!
فهناك أناس تهمهم ذواتهم، وتحول بينهم وبين الله.. إنهم يفكرون في ذواتهم وكرامتهم الشخصية.. مثل يونان الذي قال: "آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ" (يون4: 2).
وكثيرًا ما يكون تفكير الإنسان في ذاته، وكرامته، وكبريائه، سببًا للهروب من الله! إن المسيحية، تحتاج أن ينكر الإنسان ذاته، والمسيح يقول: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي"! (مر8: 34).
والملحدون كالوجوديين مثلًا يقولون: "إن وجود الله يلغي وجودي فالأفضل ألاَّ يوجد الله، لكي أوجد أنا"! وهم بذلك يهربون من الله.. بسبب ذواتهم!
بينما نجد أن يوحنا المعمدان قد انتصر على مشكلة الذات هذه، وقال: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو30: 8).. كما انتصر المرتل على هذه المشكلة أيضًا عندما قال: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (مز115: 1).
إن الذي يهتم بذاته وشخصيته، وكرامته.. وإلى آخر هذه الأمور، إنما يحجب بهذا الاهتمام وجه الله، ومن ثم فهو بذلك يهرب من الله!
وليت الإنسان من هؤلاء يفكر في ذاته بطريقة روحية صحيحة، غير منحرفة، وإنما هم فيما يثبتون ذواتهم يضيعونها، ولذلك قال المسيح: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت10: 39). إن الذي يريد أن يسير في طريق الله عليه أن ينسى ذاته وينكرها ولا يفكر إلا في الله.
الهروب من أجل شهوات العالم
نوع رابع من الهروب من الله.. يحدث من أجل شهوات العالم.. تمامًا كما فعل الابن الضال، وكما فعل ديماس أحد معاوني بولس الرسول الذي قال عنه: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10).
إن هناك أناسًا يتركون الله ليس لعيب في الله، ولكن لأنهم يحبون العالم أكثر من الله، ويحبون لذّات العالم أكثر.. وهم لذلك يهربون من الله! هؤلاء يهربون من الله لأنهم يحبون شيئًا آخر أكثر منه، فأخرج هذا الحب الثاني الله من قلوبهم، وحلت محله محبة العالم لأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4).
وإن أحب أحد العالم فقدت فيه محبة الآب.. وعندما يحب الإنسان العالم، فإنه يحاول الهروب من الله.. لأنه لا يستطيع الجمع بين حب الاثنين؛ الله والعالم!
بينما العالم لا يستحق هذا الحب كله.. لأن الإنسان عندما يحب العالم، فإنه يكون إنسانًا ماديًا جسدانيًا! إن كنا يا أخوتي قد هربنا من الله في الماضي، فلا يصح أن نهرب منه الآن، ولا بعد حين، ويجب أن نعود إلى الله.. الله الذي يفتش عنا، ويسعى إلينا.. فلنصطلح معه، لأننا لا نستطيع البعد عنه!!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 6 فبراير 1972م
الهاربون من الله
الهاربون من الله[1]
آدم
أبونا آدم كان أول الهاربين من الله وهرب خوفًا.. الذي يهرب من الله: إلى أين؟ وإلى متى؟.. الشيطان يجعل اللقاء مع الله صعبًا، لكي يبذر اليأس.. حاول أن تلتقي بالله كما أنت ولا تنتظر.. لا تنتظر حتى تتوب، إنما قابله ليمنحك التوبة.
كثيرون لم يعرفوا الله لأنهم يهربون، ومع ذلك فما زال الله كما هو القلب الكبير الذي يسعى وراء الكل سواء، منهم الذين يسعون إلى اللقاء به أو الذين يهربون. والهروب من الله قصة بدأت ببدء تاريخ البشرية.
وكان أبونا آدم أول إنسان هرب من الله. لقد أخطأ وشعر أنه عريان فبدأ الخوف يدخل إلى قلبه ولما سمع صوت الله في الجنة، هرب من وجه الله واختبأ وراء الأشجار، وقال للرب: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك 10:3).
كان هروب آدم سببه الخوف، ولم يكن هذا الهروب في صالحه. والخوف شيء جديد على الإنسان لم يكن في طبيعته حين خلقه الله على صورته ومثاله وسوف لا يكون في طبيعة الإنسان حين يسترد صورته الأولى.
وأيضًا لن يكون هناك خوف في الأبدية بل الخائفون يطرحون خارجًا (رؤ 8:21)، ويبقى الحب يربط بين الله والإنسان كما كان، على أن الناس توارثوا من آدم في خطيتهم، هذا الخوف وهذا الهروب..
بينما من الواضح أنه من مصلحة الخاطئ، أن يسعى إلى الله ليخلصه من الخطية من الموت، لا أن يهرب فيبقى كما هو بعيدًا عن الخلاص.
يونان النبي
وفي قصة يونان النبي نراه أيضًا قد هرب من الله في بادئ الأمر ولسبب آخر. هرب يونان لتمسكه بكرامته. خاف أن يذهب إلى نينوى وينادي عليها بالهلاك فتتوب ويغفر الله لها فلا تهلك، وفي هذا تسقط كلمة يونان، وهناك من يهربون من الله بسبب شهوة عالمية تجذبهم بعيدًا عن الله.
الشاب الغني
كالشاب الغني الذي مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة. وكان هذا الشاب قد التقى بالرب في زيارة من زيارات النعمة لمست قلبه، ثم عاد وهرب من الله.. لأن طريق الله كان سيحرمه من محبة المال بحسب أسلوبه وبأسلوب أدق كان سينقيه من محبة المال، وما كان الشاب الغني يريد لنفسه هذه النقاوة.
وهناك هربوا لأسبابٍ أخرى...
موسى النبي
والعجيب أن البعض يهربون من الله بسبب التواضع .. كما اعتفى موسى من خدمة الله وأراد أن يهرب قائلًا: "اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَان" (خر4: 10). وكذلك إرميا النبي الذي قال للرب: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ" (إر 6:1).
وكثيرون يهربون من العمل مع الله، ومن حمل مسئوليات يعهد بها إليهم، محتجين بضعفهم، وبأنهم لا يعرفون، وبأنهم لا يستحقون.. وفيما هم يهربون يفقدون اختبارًا عمليًا هو عمل الله في ضعفهم.
أما الذين ألقوا بضعفهم في يديّ الله فهؤلاء اختبروا كيف تعمل نعمة الله في الضعف وتحوله إلى قوة وهذا هو الذي يحدث مع جهال العالم الذين أخزى الرب بهم الحكماء؛ وضعفاء العالم الذين أخزى بهم الأقوياء.
وبنفس المنطق يهرب الإنسان من التناول على اعتبار أنه غير مستحق، ويهرب من الصلاة على اعتبار أنه لم يصل إلى المستوى الذي يتكلم فيه مع الله، وبنفس الأسلوب لا يصوم بحجة أن صومه غير مقبول!! على أن قدسية الأسرار وقدسية العبادة، العبادة تدعو الإنسان إلى الاستعداد لها وليس الهروب منها.
شعور الإنسان بضعفه أمر جميل من خصائص الاتضاع، ولكنه يدعو الإنسان إلى الاقتراب من الله لكي ينال منه قوة وليس لأن يهرب من الله فيبقى في ضعفه!
البعض يهربون من الله بسبب شهوة تحاربهم كالابن الضال الذي ترك بيت أبيه إلى كورة بعيدة من أجل شهوة الحرية "كما يظن"..
والبعض يهرب من الله خجلًا ويقول: بأي وجه التقي مع الله.. حسن هذا الخجل ولكن ليس حسنًا أن يستغله الشيطان في إبعاد الإنسان عن الله.
إن العشار كان في خجل لا يستطيع معه أن يرفع نظره إلى فوق، ولكنه لم يهرب من الله، بل قال له في خجله: "ارحمني يا رب فإني خاطئ".
على الإنسان أن يواجه الواقع ولا يهرب منه تاركًا الله.
ومواجهة الواقع تحتاج إلى صراحة وتحتاج أيضًا إلى شجاعة. والابن الضال في توبته واجه واقعهُ في حكمة وفي اتضاع، وذهب إلى أبيه كما هو بالنتائج السيئة التي جرتها عليه خطيئته.. كثيرون هربوا من المسيح لأن نوره كان يكشف ظلمتهم وما كانوا يريدون لأنفسهم أن ينكشفوا.
وآخرون ذهبوا إليه وكشفوا أنفسهم بأنفسهم، لأنهم أرادوا منه تطهيرًا وشفاءً وغفرانًا.. فمن أي نوع أنت؟
لا تنتظر أن تتنقى أولًا ثم تذهب إلى الله. إنما اذهب إليه كما أنت لكي ينقيك...
لا تنتظر حتى تتوب، ثم تذهب إلى الله وتكون معه علاقة وتصلي وتصوم.. وإنما اذهب إلى الله كما أنت. وقل له: أنا يا رب أضعف من أتوب بإراداتي، إنما "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ.." (إر31: 18).
قل له: "أنا آتيك يا ربّ كما أنا، بلا عزيمة بلا قوة بلا إراداة وربما بلا رغبة في حياة البرِّ. إنما أنا قد جئت أطلب منك كل هذا. أطلب منك قوة لضعفي، وطهارة لنفسي، وتوبة من خطيئتي، ونعمة تقود حياتي في طريقك"..
لا تنتظر أن تعرف الله ثم تكوّن علاقة معه، إنما اطلب منه أن يعطيك المعرفة به.
قل له في جهللك به: "أنا يا رب لم أعرفك حتى الآن، وكيف لي أن أعرفك إن لم تكشف لي ذاتك وتمنحني هذه المعرفة بروحك القدوس.. أنا يا رب أقف أمامك كما أنا بكل ما في نفسي من نقائص وعيوب، طالبًا أن تعمل أنت في هذه النفس".
حاول أن تلتقي بالله بأي الطرق ولا تؤجل...
اذهب إليه كما أنت واعرض عليه حالتك؛ ابدأ صلاتك ولو كانت صلاة لا حرارة فيها ولا عمق ولا إيمان ولا خشوع ولا تأمل وقل له: اقبلها يا رب كما قبلت فلسي الأرملة، فليس لي ما أعطيه إنما أنت لك الكثير، تستطيع أن تمنحني الحراسة والحب والعمق والخشوع والإيمان والتأمل. فآخذ هذا منك وأقول لك: "مِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ" (1أي29: 14).
إن كنت يا رب إله القديسين فأنت أيضًا إله الخطاة. إن إلهًا واحدًا هو للفريقين، بل الخطاة هم في حاجة إليك بالأكثر لأنه "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (مر2: 17).. ولولاك ما صار الخطاة قديسين وأنت قد قلت: "لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَة" (مر2: 17)، هذا هو ما تقوله لله.
وفي التقائك به لا تسصعب الطريق ولا تخف ولا تيأس.
لا تقل كيف أصل إلى حياة القداسة وإلى حياة الكمال؟ فهذا أمر صعب بل مستحيل!! ولا تقل كيف أحيا في ضبط النفس وأنا ضعيف؟ وكيف أدخل من الباب الضيق؟ وكيف أجاهد كل الحياة؟ وكل هذه أمور لا أقدر عليها ولم أتعودها!
اعرف تمامًا أن الله سيكون معك في كل جهادك.
أنت سوف لا تجاهد بضعفك إنما بقوة الله العاملة فيك. يكفي أنك تطلب الرَّبَّ وهو أيضًا يمنحك أن تحبه وأن تحب الخير والكمال، وعندئذ لا يصير الباب ضيقًا كما تراه الآن. الله هو الذي يمسك بيدك ويقودك في الطريق كله. وما أجمل قول الكتاب: "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلاً!" (زك4: 7).
إن الشيطان يريد أن يصعب الطريق أمامك حتى تيأس ولا تسير فيه إنما انس صعوبة الطريق، وضع في أذنيك باستمرار قول السيد المسيح: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
ما أصدق قول أحد القديسين: "أن الفضيلة تريدك أن تريدها لا غير". يكفي أن تريد، والرب يكمل معك كل الطريق، لأن الله لا يشاء أن يدفعك بغير رغبتك في طريقه، ولا يشاء أن يرغمك على الخير، وحتى إن كنت لا تريد، اركع أمام الله، وقل من أعماق قلبك: "اعطنى يا رب أن أريد الخير.. ضع محبة الخير في قلبي، وضع محبتك أنت في قلبي، أنا بدونك سوف لا أريد، وبدونك سيضع الشيطان إرادات خاطئة كثيرة في قلبي، إنما أنت يا رب امنحني مجانًا من عندك..
أنا أريد الخير ويكون الفضل كله لك حتى الإرادة. ذلك لأن كل خير هو من عندك وإرادة الخير هي خير، إذًا فهي أيضًا من عندك... وقوتك يا رب لا تظهر في القديسين كما تظهر في الضعفاء الذين يعرفون تمامًا أنهم بدونك لا يستطيعون شيئًا؛ وحتى القديس أيضًا إن لم يضع في قلبه هذا الفكر، فلا يمكن أن يثبت في قداسته". هكذا يلتقي الإنسان بالله أما إذا هرب منه، فماذا يستفيد؟
والذي يهرب من الله إلى متى يهرب؟ وإلى أين؟
هل حقًا يستطيع إنسان أن يهرب من الله؟ هوذا المرتل يقول: "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟" (مز139: 7). وإن ظن أحد أنه سيهرب حاليًا من الله فهل سيهرب من الأبدية؟ وهل سيهرب من ذلك اليوم الذي تفتح فيه الأسفار، وتكشف الأسرار، وتقرأ الأفكار؟! فخير لكل أحد أن يلتقي بالله من الآن. فأمامه فرصة.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في جريدة وطني، بتاريخ 17 يونيو 2007م
أسباب الهروب من الله
أسباب الهروب من الله[1]
الهروب من الله قديم جدًا، منذ بدء الخليقة، من أيام أيينا آدم...
آدم هرب من الله، بسبب الخوف، عندما أخطأ اختبأ من الله خلف الشجرة، وقال للرب: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك3: 10).
عندما كان يرتبط مع الله بعامل الحب، لم يكن يخاف، ولم يكن يهرب. كان يشتهي لقاء الله. أما الآن فإن مقابلة الله عسيرة عليه، لذلك يهرب منه.
يونان النبي هرب أيضًا من الله، عندما اختلف فكره مع فكر الله، بسبب كبرياء يونان واعتداده بكرامته الخاصة.
إيليا النبي هرب من إيزابل، وفي الواقع أنه كان هاربًا من الله أيضًا، بسبب المشاكل والضيقات التي هدد فيها بالموت.. حتى قابله الله في الطريق وقال له: "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟" (1مل 19: 13).
هناك أشخاص يهربون من الله بسبب المشاكل المحيطة بهم.
فتشغلهم، وتشغل أفكارهم، فيبعدون عن الله. أما أنت فإن أحاطت بك مشكلة، اذهب إلى الله. افتح له قلبك، اكشف له عن متاعبك. اشركه معك، لا تهرب منه.
إنسان يهرب من الله، لأنه متأثر من الشعور بإهمال الله له (واخد على خاطره من ربنا) شاعر أنه واقف وحده في مشاكله، بلا معونة، بلا إنقاذ، والله متباعد. مثل هذا عليه أن يعاتب الله كما عاتبه داود قائلًا: "يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟" (مز 1:10).
هناك أشخاص يهربون من الله بسبب الشهوة.
يشعرون أن تقابلهم مع الله سيحرمهم من شهواتهم التي لا يريدون تركها. يوجد إنسان يقول: "أنا تعبان، ولكني مستريح لهذا الوضع!!"
إن سرت مع الله، سأنقسم على ذاتي، سأدخل في صراع بين الروح والجسد، وصراع بين الخير والشر. وأنا لا أريد أن أدخل في صراعات... كثيرون من هذا النوع لا يريدون أن يواجهوا الواقع إطلاقًا، لأنهم يخافونه. كإنسان مريض بمرض خطير، يهرب من الطبيب، ومن الكشف، ومن الأشعة والتحاليل. لكي يستريح، ولو راحة وهمية، هاربًا من الواقع، لأن الواقع يتعبه.
قد يهرب إنسان من الله، لأن الله يكلفه برسالة تتعبه، وهو لا يريد أن يتعب نفسه. فيقول إن الله نيره ثقيل، وحمله صعب... بينما يقول السيد المسيح إن: "نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ" (مت11: 30). ويقول يوحنا الحبيب عن الله إن: "وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً" (1يو5: 3). مثال ذلك إنسان يهرب من الخدمة ومتطلباتها وأعبائها وواجباتها ومسئولياتها العديدة...إنه هارب من الله.
من هذا النوع الذي هرب من الخدمة موسى النبي وإرميا النبي.
عندما أرسل الله موسى النبي لمقابلة فرعون، هرب من هذه المهمة وقال: "لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَان" (خر4: 10)، ربما لا يسمع لي فرعون... وإرميا قال للرب: "لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ" (إر1: 6).
إنسان آخر يهرب من الله لأن بابه ضيق وطريقه كرب...
يشعر أنه حالما يدخل في طريق الله، سيدخل في الضيق. فهو هارب من الله هربًا من صليبه. الناس يريدون شخصًا يكون مثلهم، يجاريهم في طريقهم، ويتمشى معهم في أساليبهم، يضحك لضحكهم ولو بمجون، ويرضى عن عملهم ولو كسرًا للقانون، ويغطي على سرقاتهم وأكاذيبهم ولو يكذب لينقذهم، فإن لم يفعل يضطهدونه ويتعبونه. لذلك فهو يهرب من طريق الرب... أحيانًا يجد الإنسان أن البعيدين عن الله مستريحون، بينما أولاد الله في مذلة وضيق، فيقول الأفضل لي أن أبعد مثلهم...
أولاد العالم يستطيعون أن ينجوا أنفسهم بحيل كثيرة، ويقضوا مصالح بألف طريق. بكذبة بسيطة تتغطى كل غلطة، بشهادة مرضية مزورة يبرر كل غياب، بالرشوة والمحسوبية يقضي كل عمل، بالتساهل في الأخلاقيات يمكن كسب عديد من الأصدقاء...
بعبارتين من عبارات التملق يمكن كسب الرؤساء ويمكن خداعهم، وبشيء من الرياء الخفيف يمكن الحصول على احترام الناس... وبضربة قاسية ومؤامرة خفية يمكن التخلص من جميع المقاومين...
أما أولاد الله فطرقهم مسدودة، وحيلهم قليلة، وكثيرًا ما يفشلون
لذلك يهرب كثيرون من الله. إنه لم يعد يناسب العصر، ووسائله ليست ناجحة. ولهذا يصرخ نبي عظيم مثل إرميا ويقول: "أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!" (إر12: 1).
هناك إنسان يهرب من الله، لأنه لا يريد أن يتحمل مسئولية خطيته..
ولا يريد أن يجابه نتائج الخطية، أو يتحمل مطالب التوبة... يقول لك: ماذا تعني بأن أتوب؟ هل أرجع وأتذكر خطاياي، وأبكت نفسي، وأدخل في مذلة الندم والبكاء وتبكيت النفس وتعب الضمير؟ مالي وكل هذا؟!
أتريد مني أن أدخل في عقدة الذنب sense of guilt? أتركني مستريحًا فهذا أفضل. مثل هذا كإنسان عنده دِمل أو خراج. لا يريد أن يفتحه ولا أن يعصره، ويداوم العصر، وينظفه ويربطه. بل يريد أن يتركه ويستريح!!
التوبة صعبة في نظر هؤلاء، وسكة العالم حلوة ولطيفة وسهلة، وتُنيم الضمير، وتسعد الإنسان ولو إلى حين.
هؤلاء يعيشون في حالة تخدير روحي، في حالة لا وعي بالنسبة إلى ضمائرهم. هم يهربون من الواقع، ومن مواجهة أنفسهم. ويهربون من التوبة ومن متطلباتها.
إنسان آخر يهرب من الله بسبب اليأس: يقول أنني مهما عملت، فلن أستطيع أن أرضي الله.
إنه يطالبنا بالقداسة وبالكمال، ويقول: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو17: 10). ولهذا كثيرًا ما نرى القديسين يبكون على خطاياهم. وما دام الطريق طويلًا، ولن يمكنني أن أبلغه، فالأفضل أن أتركه.
وهناك من يهرب من الله، لأن لديه شيئًا يحرص عليه، فيخاف عليه من الله. هناك من يحرص على ماله أو كرامته أو ملاذه. بل قد يصل الأمر يحرص الإنسان إلى وضع مهين. كأن يهرب شاب من الله لأنه يحرص على طول شعره، أو تهرب فتاة من الله لأنها تحرص على تربية وتلوين أظافرها!! كأن الله في كفة، وهذه التافهات في كفة أرجح!!
نصائح للهاربين من الله
الخطير في الأمر، أن الذين يهربون من الله، يهربون من كل ما يتعلق به: يهربون من الكنيسة، من الاجتماعات، من التناول، من أب الاعتراف، من الكتاب المقدس، من كل ما يذكرهم بالله! لهؤلاء الهاربين أقول كلمتين:
أولًا: مهما هربتم سيبحث الله عنكم، ولن تستطيعوا الهروب.
ثانيًا: أن طريق الله ليس كئيبًا، وليس صعبًا كما تظنون.
صدق داود حينما قال: "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟" (مز139: 7). لا آدم استطاع أن يهرب، ولا يونان...
أنت لن تستطيع الهروب، والهروب ليس من صالحك. يجب أن تواجه الواقع، وتواجهه في شجاعة وفي صراحة.
وأول واقع تواجهه هو أبديتك. هل يتفق طريق الأبدية، وطريقك الحالي؟ إلى أين يوصلك سلوكك الحالي؟ إلى أين، وإلى متى؟ أفرض أنك استطعت أن تخدر ضميرك، فهل سيبقى مخدرًا إلى الأبد؟ وعندما يصحو، ماذا تفعل بكل هذا الماضي؟ واجه الواقع...
ماذا يستفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!
ثالثًا: لا بد أن تتقابل مع الله. ولكي تتقابل مع الله، ينبغي أن تتقابل أولًا مع نفسك.
اجلس مع نفسك أولًا مثلما جلس الابن الضال إلى نفسه وفكر في حالته ووجد الحل... تقابل مع الواقع.
كن صريحًا مع نفسك. لا تهرب من الحقيقة، ولا تعطِ للأمور أسماء غير أسمائها، ولا تخدع نفسك.
رابعًا: أيضًا لا تظن أن الله مخيف، أو أنه سيرفضك. الابن الضال لما ذهب إلى أبيه فتلقاه بالأحضان الأبوية، وذبح له العجل المسمن.
مشكلة كبيرة تواجه الناس، وهي: كيف سيترك الخطية مع أنه يحبها!! يظن الشخص أنه سيترك الخطية ويظل بنفس القلب الذي يشتهيها. كلا، إن الله سيهب له قلبًا جديدًا، وروحًا جديدًا، قلبًا نقيًا لا يحب الخطية بل يرفضها، ولا يجد تعبًا في البعد عنها. أنت الآن تشعر بثقل الوصية وصعوبتها، لأنك في بداية الطريق، ولم تصل إلى محبة الله بعد. هذا الوضع سوف لا يستمر.
إن الصراع القائم بين الجسد والروح "لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ" (غلا5: 17)، هو صراع في أول الطريق فقط، هو جهاد المبتدئين. فيما بعد، عندما يسمو الجسد ويتطهر ويتقدس، سوف لا يشتهي ضد الروح، وسوف يكابد صراعًا، وسيدخل في راحة أولاد الله.
إن الباب الضيق الذي دعانا إليه الرب، ليس ضيقًا على الدوام وإنما في أوله فقط، ثم ندخل إلى السعة.
ضيقه الأول، وهو اختبار لإرادتنا. هل نحن مستعدون أن نحتمل من أجل الله أم لا. فإن أظهرنا استعدادنا، وصبرنا، وجهادنا، تفتقدنا النعمة وترفع الثقل عنا. كذلك الصليب، سنحمله في فرح، ونسير به نحو الجلجثة، ولكن إن خررنا تحته، سيرسل الله لنا قيروانيًا يحمله عنا في الطريق...
خامسًا: أن الشيطان يحاول أن يخدعك حينما يصور لك صعوبة الطريق وطوله، وصعوبة التوبة واستحالتها.
إنك في لحظة واحدة تستطيع أن تتحول من خاطئ إلى قديس. ليس من خاطئ إلى تائب، بل إلى قديس. هكذا حدث لمريم القبطية، وبيلاجيه، وموسى الأسود، وغيرهم. الله سيتكفل بك، وستجد في الوصية لذة، وفي طريق الله متعة... ولا تظن أن أولاد الله حزانى، وأولاد العالم في فرح. بل إن أمور العالم في أولها حلوة وآخرها مرارة. وطرق الأول في أولها مرارة، وفي آخرها حلوة.
وإن كان أولاد الله يظهرون تعابى من الخارج، لكنهم سعداء وفرحون في الداخل. كما قال بولس الرسول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ... كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2كو6: 10).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 21 ديسمبر 1974م
مَن هو الهارب من الله؟
مَن هو الهارب من الله؟[1]
الإنسان الهارب من الله هو إنسان لم يعرف الله، لم يذق حلاوته، ولم يجرب عشرته.
الهارب من الله هو إما إنسان جاهل بالله، أو خائف منه، إنسان لم تربطه بالله علاقة الحب، بعيد عن الخبرات الروحية.
الإنسان الذي ذاق الله، لا يمكنه أن يهرب منه، قد يبتعد إلى حين، ولكن لا يمكنه الاستغناء عنه. الله بالنسبة إليه أكثر من الدم الذي يجري في عروقه، وأكثر من الهواء الذي يتمشى في رئتيه. هو ألزم إليه من ذاته.
الإنسان الذي جرب الله وحلاوته، يقول كما قالت عذارء النشيد: "أَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ" (نش3: 4). يسعى وراء الله ويبحث عنه، يريد أن يوجد فيه، ويحيا فيه، ويثبت فيه. يصير الله بالنسبة إليه هو الكل في الكل وليس سواه.
الإنسان الذي ذاق عشرة الله ولو إلى لحظة، تظل هذه المذاقة في قلبه وفي فكره مدى الحياة. مهما بعد يتمنى أن يرجع إليه. وإن فترت محبته يشتاق أن تلتهب من جديد.
الذين قابلهم المسيح على الأرض تركت فيهم المقابلة تأثيرًا خاصًا، حتى المقاومين منهم، فيهوذا الإسخريوطي- لأنه عاشر الرب فترة - لما خان المسيح، تعذب كثيرًا، وأرجع المال قائلًا: "أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا" (مت27: 4)، وبلغ من تألم ضميره أنه مضى وشنق نفسه...
الذي عاش مع المسيح، يعتبر أن المسيح هو سرّ حياته كلها. يقول: "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ" (في1: 21)، أي أنني إذا بعدت عن المسيح، بعدت عن الحياة. حياتي فيه. أنا أحيا به، وأحيا معه، وأحيا فيه..."بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" كما يقول بولس الرسول في (أع 17: 28).
قال السيد المسيح: "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ" (يو15: 5). الأغصان ثابتة في الكرمة، كذلك نحن في المسيح عصارة الكرمة تتمشى في كل غصن، وفي كل ما يحمله الغصن، في كل ثمرة، وفي كل زهرة، وفي كل ورقة... والغصن إذا لم تتمشى فيه عصارة الكرمة يجف ويموت... هكذا الإنسان بالنسبة إلى المسيح.
المسيح يوجد في حياة الإنسان كلها، يتخلل قلبه وفكره وحواسه وعواطفه، يملأه كله.
الذي عاش مع الله، وجرب عمل روح الله فيه، يجب باستمرار أن يمتلئ من روح الله... روح الله يملأ القلب، ويملأ الفكر، ويملأ الإنسان كله.
روح الله يعمل فيه كل العمل، حتى إن تكلم ينطق روح الله على فمه...
لذلك فالهاربون من الله، لم يذوقوا الله المذاقة الحقيقة، ولم يختبروا حلاوة العشرة معه، ولم يختبروا سكنى روح الله وعمله فيهم.. لذلك ينصحهم المرتل قائلًا: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز34: 8)... جربوا عشرته.
لا تنظروا إلى الله على اعتبار أنه هو القوة المانعة، التي تمنعكم من تنفيذ أغراضكم. الذي يقول لكم لا.. لا.. لا تقتل.. لا تسرق.. لا تزن.. لا تشهد بالزور... لا تشته ما لقريبك... كلا، بل الله هو القوة المانحة، الذي منحك الوجود والمواهب... ثم منحك كل شيء. وهو الذي منحك الوصية التي تقول "لا"... لكي يحميك من نفسك ومن شهواتك، ومن الفساد والضياع.
ينبغي أن يكون الله بالنسبة إليك الصديق والرفيق والحبيب، والسند، والمعين، والحافظ والراعي، لا تنظر إليه كمجرد سلطة تصدر أوامر، وإنما كقلب كبير يفيض حبًا، وأوامره من فيض حبه.
لا تهرب من الله، وإن هربت، فإلى أين تهرب؟! لا بد أن الله سيتابعك، كلمة الله ستجري وراءك في كل موضع... وصية الله سترن في أذنيك مهما هربت... حاول إذًا أن تلتقي بالله.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 ديسمبر1974م
الهروب المقدس والهروب الخاطئ
الهروب المقدس والهروب الخاطئ[1]
هروب السيد المسيح في مواضع مختلفة
نتذكر قول ملاك الرب ليوسف النجار: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ، فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ" (مت2: 13).
لم يكن هذا الهروب خوفًا ولا ضعفًا، بل كان حكمة وبرًا.
لم يكن هروبًا من الموت، لأنه جاء لكي يبذل نفسه فدية عن العالم. ولكن كان ينبغي أولًا أن يثبت لاهوته بقوة آيات ومعجزات، وأن يشرح لتلاميذه ما ورد عنه في ناموس موسى والأنبياء وفي جميع الكتب (لو24: 26، 27) وأنه "يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ".
إذًا كانت الحكمة أن يموت في الوقت المناسب وليس في طفولته. كما أنه في هذا الهروب كان يقدم مثالًا لتواضعه وهو القوي.
أليس من دلائل قوته حينما جاء إلى مصر طفلًا أن "تَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا" (إش19: 1). ألم تحدث معجزات كثيرة رواها التاريخ خلال هذا (الهروب)؟!
إنه كان يستطيع أن يهلك هيرودس، ولكنه لم يفعل لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، كما كان يقول: "لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" (يو2: 4).
وأيضًا كان الهروب لونًا من إخفاء لاهوته عن الشيطان.
وبخاصة بعد العجائب التي أحاطت بميلاده، وكثرة الأحلام المقدسة، وكثرة ظهور الملائكة: للقديسة مريم العذراء في تبشيرها بالقدوس الذي يولد منها ويدعى ابن الله... وظهور الملائكة للرعاة وتبشيرهم بمخلص هو المسيح الرب (لو2: 11) مع تسبيح الجند السماوي. وملاك الرب الذي كلم يوسف في حلم (مت1: 20) (مت2: 13). بالإضافة إلى معجزة الميلاد البتولي من الروح القدس (لو1: 34، 35).
وكان الهروب مثالًا للدخول من الباب الضيق، لتعليمه فيما بعد: "اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!" (مت7: 13).
لهذه الأسباب كانت هناك حكمة وروحانية في هذا الهروب أثناء طفولة السيد المسيح. لكنه لم يهرب مطلقًا حينما حان وقت الفداء. بل ذهب بنفسه إلى بستان جثسيماني حيث جاء يهوذا ليسلمه "قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ" (مت26: 46). وقد بذل ذاته بإرادته، وقال في ذلك: "إنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو10: 17، 18).
إن كان الأمر هكذا في هروب السيد المسيح من وجه هيرودس، فما هو إذًا الهروب الخاطئ؟ وهل هناك أنواع أخرى من الهروب الروحي؟
الهروب الخاطئ
أول نوع من الهروب، هو الهروب من الله.
ومن أمثلته هروب آدم وحواء من ملاقاة الله بعد الخطية. ويقول الكتاب في ذلك: "اخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ" (تك3: 8). إن الخاطئ يحتاج أن يلتجئ إلى الله يلتمس منه المغفرة والخلاص، لا أن يهرب منه. فالهروب لا يفيده، بل يعقّد موقفه.
نوع ثان هو الهروب من تنفيذ الوصية، كهروب يونان.
أمره الله أن يذهب إلى نينوى لينادي عليها. فأخذ يونان سفينة "لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ" (يون1: 3). اهتمامه بذاته أو بكرامته، هو الذي دفعه إلى الهروب. خاف أن ينادي على هذه المدينة الخاطئة بالهلاك، فتتوب ويرحمها الله، وتسقط كلمته هو من جهة هلاكها، فهرب حرصًا على كرامته وهيبة كلمته، حسب مفهومه هو للكرامة! وعاقبه الله. وبعد أن خرج من بطن الحوت، كرر له الله نفس الأمر (يون1:3-3) فأطاع ولم يهرب.
ومن الهروب الخاطئ، هروب الراعي إن أحاط خطر بالرعية.
وفي ذلك يقول السيد الرب: "الرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ، وَلَيْسَ رَاعِيًا، الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ، فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلًا وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ، فَيَخْطَفُ الذِّئْبُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا" (يو11:10-12) "الأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ" (يو10: 13). أما داود فلم يكن هكذا، لما هجم أسد مع دب، وأخذ شاة من القطيع. فلم يهرب داود، بل أنقذها من فيه (1صم17: 34-37).
كل هروب عن ضعف وخوف، وعن عدم إيمان، هو هروب خاطئ.
كما قيل في قصة جليات الجبار: "وَجَمِيعُ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا الرَّجُلَ هَرَبُوا مِنْهُ وَخَافُوا جِدًّا" (1صم17: 24). ومثال ذلك أيضًا كل الذين هربوا وقت القبض على السيد المسيح. مثلما قيل: "حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا" (مت26: 56).
كذلك كل هروب من أداء الواجب، هو هروب خاطئ.
سواء كان واجبًا دينيًا، أو واجبًا وطنيًا، أو واجبًا إنسانيًا، أو واجبًا عائليًا أو اجتماعيًا... كله هروب مما يجب على الإنسان أن يعمله.
ننتقل من هذا الهروب الخاطئ إلى الهروب المقدس، أو الهروب الروحي، أو الهروب النافع.
الهروب المقـدس
مثل الهروب من النجاسة والخطية.
هذا الذي قال عنه القديس بطرس الرسول: "لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ" (2بط1: 4). وقال أيضًا: "... هَرَبُوا مِنْ نَجَاسَاتِ الْعَالَمِ" (2بط20:2).
وقال القديس بولس الرسول: "اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا..." (1كو6: 18). وقال أيضًا: "اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ" (1كو10: 14).
ومن أمثلة الهروب من الزنا، يوسف الصديق الذي لما ضغطت عليه امرأة سيده، أنه "تَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ" (تك39: 12).
إن الذي يهرب من الخطية، يدل على أنه رافضٌ لها.
وبهذا ينقذ نفسه من الضغط الخارجي، الذي كثرة تعرضه له ربما يتحول إلى ضعف داخلي. وقد قال سليمان الحكيم عن صعوبة الوجود في الجو الشرير: "أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ؟! أَوَ يَمْشِي إِنْسَانٌ عَلَى الْجَمْرِ وَلاَ تَكْتَوِي رِجْلاَهُ؟" (أم6: 27، 28).
طبعًا هناك حالات من القوة يواجه فيها الإنسان الخطية، ويصمد وينتصر. ولكن ليس الجميع في مثل هذه القوة. فالبعد أفضل.
لذلك من أنواع الهروب النافع، الهروب من المعاشرات الرديئة.
وفي هذا قال القديس بولس الرسول: "الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1كو15: 33). فالهروب إذًا من هذه المعاشرات عمل روحي. وعنه قيل في المزمور الأول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1:1).
إن أمنا حواء كانت بريئة جدًا ونقيّة وبسيطة. ولكنها لما اختلطت بالحيّة، تأثرت بكلامها، وتغيّرت مشاعرها من الداخل. ونظرت فإذا "الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ" (تك3: 6). ولم تكن نظرتها هكذا من قبل!
مفروض أن يهرب الإنسان من كل فكر شرير، ومن كل حواس خاطئة.
ونحن في الصلاة الربية نقول: "لاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ" (مت6: 13). ونقول في القداس الباسيلي (سرًا) بعد صلاة القسمة: "نجنا من الأعمال غير النافعة، وأفكارها وحركاتها، ومناظرها ومجسّاتها".
إن الفكر الخاطئ - إذا لم نهرب منه - يتحول إلى مشاعر في القلب، ويثبت ويكون مصدرًا لأفكار أخرى، ويسيطر ويصعب اقتلاعه. فالهروب منه أفضل...
ليت قايين استطاع أن يهرب من الخطية حينما كانت مجرد فكر، وإليه اشتياقها، وهو يسود عليها (تك4: 7). فلما لم يهرب منها، سادت هي عليه، وأهلكته.
نافع للإنسان أيضًا أن يهرب من المعرفة الخاطئة.
هذه المعرفة التي تشوّه نقاوة فكره، والتي تؤثر على مشاعره، وتغير نظرته إلى الأمور، وقد تستقر في عقله الباطن، وتكون لها نتائجها، وعن هذه المعرفة الخاطئة، قال الكتاب: "الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 18).
فعلى الإنسان الحكيم أن يكون حريصًا في كل ما تجمعه حواسه من ألوان المعرفة، وفي كل ما يقرأ ويسمع. وينتقى من المعارف ما يفيده، ويهرب مما يضرّه.
ليتنا ننتفع في هذا المجال بما قاله الملاك للوط البار: "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ... لاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ. اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلِكَ" (تك19: 17).
هناك أماكن يجب الهروب منها. ومجالات يجب الهروب منها، خوفًا من الهلاك. إنها نصيحة على فمِ ملاك "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ". وهو هروب مقدس. ذلك لأن البقاء في سدوم مُهلك، حتى لرجل بار مثل لوط، قال عنه القديس بطرس الرسول: "إِذْ كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ" (2بط2: 8).
في الهروب من الشر، لون من الاتضاع. إذ لا يغترّ الإنسان بنفسه وقوته وصموده، بل يهرب.
تذكر قصص الأقوياء الذين سقطوا. وضع أمامك ما قاله الكتاب عن الخطية أنها: "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
فالشخص الذي يهرب من الشر، يكون في حالة أكثر أمنًا، ولا يدخل في مخاطرات لا يضمن نتائجها... وإن كانت كلمة (هروب) تخدش (كرامته)، فليستخدم كلمة (البُعد)... ابعد إذًا عن الشر ومجالاته وأسبابه.
يقول الكتاب: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو5: 13). فإن لم نستطع أن نعزل الخبيث من بيننا، فعلى الأقل نعزل أنفسنا عنه، متذكرين قول الكتاب: "وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ" (تك1: 4).
إننا حينما ننفصل عن مواضع الظلمة، نكون أكثر قوة ونورًا. والكتاب يقدم لنا أمثلة عديدة في هذا المجال:
أبونا إبراهيم أبو الآباء والأنبياء، كانت أول دعوته هي: "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ" (تك12: 1، 2). وهكذا انفصل عن الجو الوثني البعيد عن الله... ولما حدث ونزل إلى مصر (تك12: 10-19)، وكان ذلك بغير مشورة من الله، حدثت له ولامرأته مشاكل. ونفس المشاكل حدثت لما ذهب إلى جرار أرض أبيمالك (تك20: 1-11).
أبونا نوح أيضًا - حسب وصية الله - دخل الفلك، وانفصل عن تلك الأرض التي أهلكها الله بالطوفان...
عكس هذين: شمشون وسليمان. لأنهما اختلطا بالشر، وبالنساء الغريبات، سقط كلاهما. ونال كل منهما عقوبة شديدة (قض16) (1مل11).
لا نقول هذا فقط عن خطية الشهوة والجسد والخلطة بالنساء الخاطئات، والخلطة بالخطاة الذين يحولون الإنسان بعيدًا عن الله، كما قال الرسول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا" (1كو5: 11).
إنما ينبغي أيضًا الهروب من الغضب.
كما قالت رفقة لابنها يعقوب: "اهْرُبْ إِلَى أَخِي لاَبَانَ، حَتَّى يَرْتَدَّ غَضَبُ أَخِيكَ عَنْكَ، وَيَنْسَى مَا صَنَعْتَ بِهِ" (تك27: 43-45).
إن الهروب من الغضب، أسهل من الاصطدام به. لذلك قال الرب: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ" (مت5: 39). وقال: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا..." (مت5: 25).
الهروب من الفراغ
كما تهرب من الشر والخطية، وكما تهرب من العثرة ومن الفكر، وكما تهرب من الغضب... اهرب أيضًا من الفراغ، حتى إذا جاء الشيطان لمحاربتك يجدك منشغلًا عنه، غير متفرغ لأفكاره، اشغل نفسك باستمرار، بشيء مفيد فغالبية الذين يسقطون، إنما يسقطون في وقت فراغهم. اشغل وقتك، حتى لا تملكه الخطية. واشغل ذهنك، حتى لا تحاربه الأفكار. واشغل عاطفتك، فلا تميل إلى شهوة...
إن الشخص الذي يقرأ، يملأ عقله بنوعية قراءته، إن كانت نافعة، وتمنحه القراءة أفكارًا بناءة. كما أن الذي يعمل، والذي يخدم، يساعده العمل والخدمة على بناء نفسه وبناء غيره، ولا يكون معرّضًا للخطية مثل الذي يجلس في فراغ.
حسن ما قيل في سفر التكوين إن الله وضع آدم في الجنة، ليعمل فيها ويحفظها "وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا" (تك2: 15). ما كان آدم محتاجًا إلى العمل، لكي ينال رزقه أو طعامه! لكن العمل كان نافعًا له روحيًا... وحدث لما كانت حواء في وقت فراغ جلست فيه تستمع إلى الحية، أن بدأت المحاربات، وكانت بداية السقوط.
دائمًا يتعب الإنسان في وقت فراغه، أو طريقة شغل الفراغ بأسلوب خاطئ. لذلك حتى القديسون كانوا يشغلون وقتهم.
كان قديسو البراري ينشغلون بالعمل الجواني وبعمل اليد أيضًا، وبهذا كانوا يستريحون من حروب كثيرة. كما كانوا يهربون من الأحاديث الكثيرة.
الهروب من كثرة الأحاديث
كان القديس مقاريوس الكبير يقول لرهبانه عند خروجهم من الكنيسة: "فرّوا يا أخوة فرّوا". فسألوه "إلى أين نفرّ، وقد تركنا العالم إلى البرية؟! فكان يضع يده على فمه ويقول: "من هذا فرّوا".
فكان الهروب من الأحاديث ينفعهم في أمرين: يحفظهم من أخطاء اللسان، وأيضًا يعطيهم فرصة للصلاة والتأمل. وهكذا قال أحد الآباء: "إن الشخص الكثير الكلام، يدل على أنه فارغ من الداخل"، أي من العمل الجواني في الصلاة والتأمل.
لو أن الإنسان وفر نصف كلامه مع الناس، لكي يتحدث مع الله، ترى إلى أية درجة روحانية كان يصل..!
والهروب من الأحاديث الكثيرة، يوصل إلى هروب آخر وهو:
الهروب من الوقت الضائع
حياة الإنسان هي وقت. فالذي يضيع وقته، إنما يضيع جزءًا من حياته، وتكون حياته رخيصة في نظره. لذلك ما أعجب ما يقوله البعض إنهم يبحثون عن طريقة لقتل الوقت!!
حاول إذًا أن تستفيد من وقتك فيما يبني شخصيك وينفع الآخرين أيضًا. واهرب من الوقت الضائع، باستغلاله في شيء نافع.
تاجروا إذًا بوزناتكم، ولا تدفنوها في التراب.
الهروب من ضغط المشاكل
لا تسمح للمشاكل أن تدخل إلى أعماقك، لتحطم نفسيتك وأعصابك. إنما اهرب من ضغطها عليك، إلى أن تهدأ وتكون في حالة تستطيع بها أن تواجه المشاكل. لا تجعلها تحصرك حصرًا داخلها. فنحن نصلي قائلين: "لاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ" (مت6: 13).
هناك أشخاص إن قابلتهم مشكلة، تستغرق كل تفكيرهم ليلًا ونهارًا! يدخلون في دائرتها ينفعلون بها، ويتحدثون فيها ويفكرون فيها. وقد يحلمون بها كل ذلك دون حلّ لها، ودون أن يعهدوا بها إلى الله ليحلها... لذلك كنت أنصح قائلًا: "مرروا المشاكل قبل أن تمرركم" أي تجعل حياتكم مُرّة...
لذلك فإنهم ينصحون المتعبين نفسيًا (بتغيير الهواء). يذهبون إلى منطقة أخرى، ليس لمجرد الراحة الجسدية في مكان هادئ، بل أيضًا للراحة النفسية بالهروب عن جو المشاكل... هذا يذكرنا بنقطة أخرى وهي:
الهروب من الضوضاء
الهروب من الصخب ومن الزحام، ومن الأصوات العالية والمزعجة... وليتني في هذه أحيلك إلى كتابنا (الهدوء).
آباؤنا في الهدوء والسكون يجدون أنفسهم، ويعملون عملهم الداخلي. والسيد المسيح نفسه كانت له أوقات يقضيها في الخلاء، في جبل الزيتون، في بستان جثسيماني، في خلوة روحية، بعيدًا عن الضوضاء.
ما أعمق ما قيل في الإنجيل: "فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ" (يو8: 1).
الهروب من كثرة المشغوليات المادية
ما أصعب أن يقضي البعض حياتهم كلها في مشغوليات مادية لا تنتهي... فتصبح حياتهم جافة، بلا روح، بلا مذاقة للملكوت.
لذلك اهربوا من هذا الانشغال المستمر، الذي حتى إن انتهيتم منه ماديًا. يبقى عندكم فكريًا...
إن الله أعطانا اليوم السابع لنستريح. وقال لنا: "لاَ تَعْمَلْ فِيهِ عَمَلًا مَّا" (تث5: 14).
وأعطانا هذه الوصية لأنها نافعة ومريحة لنا. لذلك قيل: "السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإنسان، لاَ الإنسان لأَجْلِ السَّبْتِ" (مر2: 27).
اهربوا إذًا من هذه الانشغالات الزائدة واعطوا وقتًا لله، هو وقت لأرواحكم ولمنفعتكم ولراحة أعصابكم. ترتفعون فيه فوق المادة ولو إلى حين.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 يناير1998م
لا أطلقك إن لم تباركني
لا أطلقك إن لم تباركني[1]
سؤال. ما المقصود بالمصارعة مع الله في الصلاة؟ وكيف أن أبانا يعقوب صارع مع الله في صلاته، وقال له: "لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك32: 26). وكيف يعلم الإنسان العادي أن الله باركه أم لا؟!
إن عبارة لا أطلقك تعني لا أتركك، أي نوع من اللجاجة في الصلاة والتمسك بربنا، وأنه لا يترك لقاءه مع الله إلا بعد أن يأخذ بركة.
والعجيب إن ربنا في الدالة الموجودة بينه وبين أولاده هو نفسه يستخدم هذا التعبير.. كما حدث مثلاً في خروج الإصحاح 32، عندما أخطأ الشعب وعبد الأصنام، ربنا قال لموسى النبي: اتركني لأفني هذا الشعب "اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ.." (خر32: 10)، مع أن الشعب قدامك يا رب! لكن يقول: أنا ممسوك بمحبة موسى، لا أقدر أن أفعل هذا الأمر من غير ما يكون موسى راضي.
نوع من الدالة الكبيرة بين ربنا والقديسين.. إنه يقول ربنا لموسى: اتْرُكْنِي!! لكن موسى النبي لم يتركه وقال له: "اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ" (خر32: 12)، هل تريد أن يقول الناس عنك: "أَخْرَجَهُمْ بِخُبْثٍ لِيَقْتُلَهُمْ فِي الْجِبَالِ، وَيُفْنِيَهُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ؟".. فأنت إن أفنتهم "امحو اسمي من كتابك الذي كتبت".. فيقول الكتاب "فرجع الرب عن حمو غضبه".
في دالة كبيرة بين ربنا والقديسين، كلمة لا أتركك نوع من التمسك بالحب والدالة.
بل في هذه الدالة أيضًا ربنا يقول في سفر نشيد الأنشاد: "حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي" (نش6: 5)، يعني النفس المذلولة أمام الله أو المنسحقة المملوة عينها بالدموع، وتطلع إلى الله يقول لها: حولي عيناك.. فإنهما قد غلبتاني.. غلبتاني أي أن الله اتغلب من محبته.
وكيف يعرف الإنسان أن الله باركه..
توجد أنواع كثيرة من البركة تظهر في الحياة الروحية والبركة في الحياة الاجتماعية، في النجاح، البركة في كل الضيقات. وأنواع أخرى من البركة مذكورة في سفر التثنية: "مُبَارَكًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ.. وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ".. وأنواع بركات أخرى.. لكن على أية الحالات.. أعظم بركة يخذها الإنسان إنه يكون ابن لله، ويحيى في محبته.. وإن أردت أن تأخذ هذه البركة خذها عن طريق الكهنوت، لأن ربنا يمنح بركته عن طريق خدامه، والإنسان يمكنه أن يميز بركة الله الموجودة في حياته.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده الثالث في عظة "يجرح ويعصب"، بتاريخ 11 نوفمبر1987م




