الكنيسة ومشكلة البطالة

الكنيسة ومشكلة البطالة[1]
البطالة مشكلة خطيرة، تتولد منها العديد من المشاكل.
فإذ لا يجد الشخص عملً، قد ينقاد إلى الانحراف. وربما تغريه بعض الطوائف لتجذبه إليها. كما أن عدم الحصول على عمل، يؤخر سن الزواج بما في ذلك من خطورة على الشاب وعلى الشابة كليهما.
والبطالة نتيجة طبيعية للنمو التكنولوجي، وحلول الآلة محل الإنسان:
وهذا واضح جدًا في كل مجالات الزراعة والصناعة. حيث تقوم الآلة الواحدة مقام عشرات ومئات الأشخاص. نرى ذلك في الري، وفي النقل، وفي البناء. بل نراه أيضًا في النسيج. وحتى في الترجمة باستخدام الكومبيوتر، فيها وفي الطباعة، وفي ميادين أخرى عديدة..
وبهذه المناسبة أقمنا سيمنارًا لمعهد الرعاية، عن البطالة.
[أقيم هذا السيمنار في أوائل يوليو. وسننشر ملخصه إن شاء الله]من طرق علاج مشكلة البطالة: التدريب المهني . Vocational Training
وهذا المشروع تقوم به في كنيستنا أسقفية الخدمات، كما تقوم به الدولة ويمكن أن نستفيد بخدماتها. وتقوم به أيضًا بعض الشركات، لإعداد موظفين وعمال وفنيين لها. وقد كان التدريب على مهنة أمرًا معروفًا في العهد القديم. وقد قال القديس بولس الرسول (عما تعلمه قبلًا) “حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ” (أع20: 34).
وهيئات كثيرة في الكنيسة تقوم بهذه المهمة.
مثال ذلك (المشاغل) التي توجد في غالبية الكنائس، وتدرب على أعمال الخياطة والنسيج وتنتج الكثير من الملابس مما يباع في معرض الكنيسة. كما تقوم بعض الكنائس بعمل الملابس الكهنوتية واحتياجات الكنيسة من مفارش. وبعض سيدات الكنائس يقمن بإعداد ألوان من التغذية تباع أيضًا في معارض. بل قد وجدنا في الأديرة أيضًا انتشار ألوان من الأعمال الفنية، يصعب احصاؤها لتنوعها يقوم الرهبان أو الراهبات بصنعها، والبعض يساعد فيه عمال يتدربون تحت إشراف رهباني… وأكاد أقول إن ما كان يقوم به خان الخليلي، أصبحت تقوم به الأديرة وكثير من كنائسنا. وفي هذا تدريب على عمل يستفيد به البعض خبرة…
وإلى جوار كل هذه الأعمال الفنية، وعمل الخياطة، والتدبير المنزلي، توجد أيضًا أعمال النجارة بتفاصيلها العديدة.
أسقفية الخدمات تقوم بعمل الأثاثات المنزلية، وغرف النوم والمطابخ وما إلى ذلك. وبعض الأديرة والإيبارشيات تقوم بمثل هذا العمل، بأسعار زهيدة، ليس المقصود بها الربح وإنما مساعدة المحتاجين. وأعمال النجارة تدخل أحيانًا في عمل الفن، مثل النماذج وعمل الأيقونات أو إطارتها.
ومما يساعد في القضاء على البطالة إيجاد مشروعات عمل للأفراد أو الأسرات أو الهيئات. وهنا نفرق بين المشروعات الكبيرة والمشروعات الصغيرة. والمشروعات التي تناسب الريف، والتي تناسب المدينة.
المشروعات الكبيرة مثل ورشة نجارة متكاملة. ماكينة تصلح لعمل الفارة، والرابوه، والمنشار، والحليات. وهي تصلح للإنتاج الكبير Mass Production ولكن يشتغل عليها عاملان أو ثلاثة أو أربعة، فلا تقضي على البطالة، ولكنها تدر إيراد يمكن الصرف منه على الفقراء إذا قامت به إيبارشية أو كنيسة.
أما المشروعات الصغيرة فهي اللازمة لفرد أو لأسرة.
وقد كلفت المتخصصين فى أسقفية الخدمات بتقديم بحث يتضمن قائمة بالمشروعات الصغيرة سواء للريف أو للمدينة. ونحن حينما نصرف لأسرة ألفين من الجنيهات أو ثلاثة أو أربعة، لكي نضمن لها أن تعيش وتقيت نفسها، بدلاً من المعونات الشهرية المتتالية. فهذا أفيد لها ولنا، وهو حل أكثر ثباتًا وضمانًا. مثال ذلك أن نعلم امرأة الخياطة، ونصرف لها ماكينة خياطة.
وبالنسبة للرجال يوجد تدريب لهم على أعمال البناء، وأعمال السباكة وكثير من الأعمال الكهربية، والحدادة وغير ذلك.
ويدخل في ذلك عمل المحارة والمبيض والنقاش، وتركيب البلاط. والبعض ربما يدخلون في أعمال فنية مثل تصليح الآلات، كمن يشتغل في لف موتور، أو إصلاح العربات، أو إصلاح الراديو والتلفزيون والساعات، أو إصلاح الفيديو والبوتاجاز وما إلى ذلك.
أتذكر حينما دخلت الدولة في مشروع إعادة بناء مدن القناة في السبعينات، أن بعض المهندسين كانوا يفضلون العمل في تركيب القيشاني والسيراميك. حيث يتقاضى الواحد منهم 15 جنيه على المتر المربع. فإن قام بتركيب عشرة أمتار في اليوم، يصل دخله اليومي إلى 150 جنيه أي أضعاف أضعاف مرتبه…
ليس العمل عيبًا، إنما العيب هو في الكسل وإلقاء العبء كله على الكنيسة، لكي تساعد الذين لا يعملون.
هناك أعمال فنية تدربها معاهد صناعية على مستوى عالٍ مثل معهد دون بوسكو الذي يديره أخوتنا الكاثوليك، ويساعد على تخرج كفاءات في العمل تتهافت عليها المصانع وأصحاب الأعمال.
ونحن نريد في الكنيسة أن ننشئ معهدًا صناعيًا يتناسب والمستوى الرفيع الذي وصلت إليه التكنولوجيا في أيامنا، ويساعد في القضاء على جانب من البطالة، ويقدم لبلادنا مهندسين وعمالًا فنيين.
إن الكفاءات ستفرض نفسها على محيط العمل المحتاج إليها.
فصاحب العمل يهمه أن يجد العامل الكفء الذي يساعده على القيام بمشروعه، أيًا كان دين هذا الكفء أو مذهبه. فلا يحتج عاطل بمثل هذه الأسباب، بل يكون له من كفاءته وتفوقه ما يسنده.
هناك مجال آخر يساعد على العمل بالنسبة إلى المثقفين.
منه اللغة. فمثلًا هناك فرق بين جامعي حاصل على بكالوريوس تجارة يوجد من زملائه عشرات الآلاف، وخريج آخر بنفس البكالوريوس، ولكن يتقن في عمله الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. لا شك أن مجال العمل أوسع بالنسبة إليه، سواء في المصالح الحكومية، أو في الشركات والبنوك والفنادق وفي مجال السياحة…
فلو كان هذا الخريج يتقن الكتابة باللغات على الآلة الكاتبة وعلى الكومبيوتر، فإن فرص العمل بالنسبة إليه ستكون متوفرة.
لذلك نصيحتي لكم أن تكونوا لكم قدرات تميزكم وترشحكم.
والكنيسة تساعدكم على ذلك. وقد أنشأت مراكز لتعليم اللغات وتعليم الآلة الكاتبة والكومبيوتر. كما أنشأت أيضًا مراكز للتدريب على الكثير من الحرف… فتدربوا على قدرات تسند شهاداتكم العلمية.
إن أكثر من ربع مليون يتخرجون في جامعاتنا كل عام. وليست الدولة بقادرة على توظيفهم جميعًا. فما الحلَّ؟
الحلّ هو إما أن تكون صاحب عمل أو صالحًا للعمل.
وصلاحيتك للعمل تتوقف على ما تتميز به من كفاءات وقدرات وإمكانيات في اللغة وفي العمل الفني وفي الكومبيوتر. نتيجة لانتشار الكومبيوتر وتقدمه ونموه، يقول البعض إنه سيأتي وقت يكون فيه تعريف الشخص الأمي إنه ليس الشخص الذي لا يعرف القراءة والكتابة، بل الأمي هو الذي لا يعرف الكومبيوتر!!
تعلموا الكومبيوتر، فإن المستقبل في العمل هو له…
والكنيسة مستعدة أن تساعدكم في هذا المجال. بل إننا قررنا تدريس الكومبيوتر في الكلية الإكليريكية أيضًا لفائدته لرجل الدين، والدولة أيضًا تعمل على تدريسه.
علينا أن نفكر في مشروعات نافعة ومدروسة للقضاء على البطالة.
والمجلة ترحب بنشر كل فكرة عملية في هذا المجال. كما نود أن نقيم سيمنارًا آخر للجمعيات القبطية، لكي نستمع إليها ونستفيد من خبراتها في هذا الموضوع ومدى مساهمتها فيه.
أما فى الريف فهناك مشروعات أخرى.
مثل مشروع خلايا النحل، وتربية الدواجن والأغنام والماشية، ووسائل نقل المحصولات، ومشروعات مصانع منتجات الألبان وسائر المصنوعات الغذائية، ومشروعات الزراعة. والمساهمة في محو الأمية. وأمور أخرى لم يتسع لها المجال الآن..
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الكنيسة ومشكلة البطالة، بمجلة الكرازة: 4/ 9/ 1998




