القمص فيلوثيوئس إبراهيم

القمص فيلوثيوئس إبراهيم1
في العدد الماضي تحدثنا معك أيها القارئ العزيز عن أعظم كارزينا في هذا الجيل، وهو الأستاذ “حبيب جرجس”. وفي هذا العدد نتحدث عن الأستاذ “حبيب جرجس”، عن أول واعظ عرفه عصرنا الحديث، وأول أستاذ للدين بالإكليريكية، هو:
القمص فيلوثيئوس ابراهيم
(ولد سنة 1837م، وتنيح في 10 مارس سنة 1904م).
عاش في عصر لم يكن فيه وعظ سوى العظات المكتوبة التي كانت تقرأ في المناسبات على الناس. حتى أنه عندما وقف على منبر الكنيسة ليعظ، قام ضده خصومه- كما لو كان مبتدعًا- واستصدروا أمرًا من مطرانه أوقفه به عن الوعظ في بلدته (طنطا)… وفي نفس الوقت كانت الطوائف، والإرساليات الأجنبية تتسع وتنمو في أنحاء القطر المصري… ووقع العبء كله على هذا النابغة.
ولد في طنطا، وتربى على يد مُعلم الكتاب، فتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ودرس اللغة القبطية والألحان، وتدرب على الخدمة الشماسية. ثم أكمل دراسته في مدرسة البابا كيرلس الرابع حيث درس اللغة القبطية على يد أستاذها الكبير المعلم عريان مفتاح. ونبغ حتى درس هذه اللغة بعدئذ في مدرسة حارة السقايين، وفي مدرسة الأقباط الكبري، ووضع لها الكتب، وتعلم اللغة الإيطالية أيضًا، وظهرت فصاحته وبراعته في آداب اللغة العربية.
وإنكب على مكتبة البطريركية يدرس كتبها ومخوطاتها في اللاهوت والعقيدة والتفسير. ولما ظهر نبوغه، استدعاه الأنبا يؤنس مطران المنوفية وطنطا، بحجة أن لديه كتابًا يريد تصحيحه. ولما جاء إليه، وفيما هو منشغل بذلك الكتاب، وضع عليه يد القسيسية، ثم إحتفل برسامته (في يونيو سنه 1862م)، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ثم رقيَ إلى الإيغومانسية سنة 1865.
ونبغ الايغومانوس فيلوثيئوس إبراهيم في الوعظ حتى طبقت شهرته الأفاق، ولم يقتصر نشاطه على طنطا فحسب، بل إمتد من القدس حتى أقاصي السودان. ولما أوقفه مطرانه عن الوعظ في طنطا، لم يكن ممكنًا لهذا القرار أن ينفذ عمليًا لإحتياج الكرازة إليه، فرجع المطران عن قراره. ووضع الإيغومانوس فيلوثيئوس كتابًا عن الوعظ وأهميته.
وفي سنة 1866م ذهب إلى القدس حيث ألقى مجموعة من العظات في الدفاع عن عقيدة الكنيسة قوبلت بنجاح كبير، واحتفل به نيافة الأنبا باسيليوس في القدس احتفالات يندر أن يصدر من مطران لقسيس، كما كرمه البطريرك الأنطاكي وأقام قداسًا حسب الطقس القبطي في كنيسة السريان الأرثوذكس بدمشق. وفي سنة 1867م اصطحبه البابا ديمتريوس معه إلى الصعيد حيث قام بالوعظ في المحافل الدينية. وكان يقابل بترحاب عظيم، حتى أنه في إحدى المرات استمر يتكلم ثلاث ساعات متوالية مبرهنًا على صحة العقيدة الأرثوذكسية. وكان الناس يزدحمون لسماع كلمة الله من فمه، حتى أنه استُدعي سنة 1883م إلى أسيوط للوعظ هناك، فقضى 45 يومًا في احتفالات دينية نهارية وليلية، لم يكن الناس يجدون فيها مكانًا حتى كانوا يجلسون على نوافذ الكنيسة… وما كان إنسان يمل سماعه مهما أطال.. وهكذا عندما سافر إلى أسوان.
وفي سنة 1870 كلف بتولي نظارة المدارس القبطية، وكان يأتي إليها من طنطا، فاهتم بها، ونشر بها تعليم الدين المسيحي. ووضع كتبًا في ذلك أهمها “تنوير المبتدئين في تعليم الدين“. ولكنه لم يستطع الاستمرار فاستقال بعد سنتين.
وبعد سيامة البابا كيرلس الخامس إستقر الرأي على نقله إلى القاهرة، من أجل الصالح العام للكنيسة، ولكي يهتم بالتعليم الديني عمومًا. فاعتذر عن هذا الأمر، وتمسك به شعب طنطا تمسكًا كبيرًا، ولم يجد ذلك شيئًا، فصدر الأمر البابوي في 13 يناير سنة 1875م بإنتخابه رئيسًا للكاتدرائية المرقسية الكبرى، ومديرًا لمدرسة إكليريكية تنشأ في البطريركية... فتولي عمله بهمة، وإن كانت تلك الإكليريكية لم تستمر طويلًا، لأن غالبية طلبتها كانوا من الرهبان الذين ما لبثوا أن رجعوا إلى أديرتهم.
ولما أعيد إفتتاح الإكليريكية سنة 1893م، لم يجدوا سواه لتدريس الدين فيها فقام بذالك لمدة قليلة ولم تساعده صحته. فبينما كان يلقي دروسه وقع مغميًا عليه، وحمل إلى منزله وبقى طريح الفراش. وكان يتردد عليه هناك طالبوا علمه- كالشماس حبيب جرجس- يسترشدون به في علوم الدين.
وقد قضي الايغومانوس إبراهيم نحو أربعين سنة، واعظًا ومُعلمًا ومُدبرًا شئون البيعة. وكان له تأثير كبير في الهيئة الاجتماعية، وقد حل الكثير من المشاكل لمعرفته الواسعة بالشرائع والقوانين. وعمل أعمالًا كبرى في الحركة الإصلاحية.
وكان ينوب عن غبطة البطريرك في مقابلة الحكام. وكانوا يحبونه ويكرمونه لفصاحته وحسن أسلوبه وسعة اطلاعه. وقد حصل على نياشين من الخديوي توفيق والخديوي عباس حلمي الثاني.
وكان أباطرة الحبشة يكرمونه إكرامًا عظيمًا. كتب إليه النجاشي يوحنا سنة 1882م رسالة كلها تبجيل استهلها بقوله: “إلى الأب المعظم، مستقيم الرأي والضمير، كنز الحكمة، واسع العقل وطويل الروح، والراعي والحافظ لأمانة الإسكندرية”… وطلب فيها صلواته. كما وصله خطاب آخر سنة 1899م من “النجاشي منليك” يطلب فيها كتبه لترجمتها إلى الأثيوبية، كما يهديه نيشان النجمة.
ومن أروع الخطابات التي وصلت إليه، رسالة كتبها إليه القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم صدرها بعبارة: “إلى قدس الأخ الحبيب الموقر خادم الله بالتقوى عزيزي الإيغومانوس فيلوثيئوس…” وقد هناه في تلك الرسالة بالشفاء، وقال له: “الكل معنا رافع أكف الضراعة بطول بقائكم مصباحًا نيرًا في كنيسة الله التي اقتناها بدمه…”. وختم الرسالة بقوله: “وليعلم ضمير طهارتكم… أنكم على الدوام صورة نيرة أمام أعيننا، نذكركم بكل انشراح، ونُسرْ بذكركم المحبوب”. كذلك كتب عنه “القمص عبد المسيح المسعودي” رسالة كلها تقدير ومديح.
وقد وضع القمص فيلوثيئوس- غير ما ذكرناه- مؤلفات قيمة أهمها:
1- “نفح العبير في الرد على البشير” في الدفاع عن عقيدة الكنيسة القبطية في طبيعة المسيح، ومقال في نفس الموضوع نشره جراسيموس مسرة.
2- “الحجة الأرثوذكسية ضد اللهجة الرومانية” لدحض ما تدعيه رومه من رئاسة.
3- “الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية”.
4- كتب أخرى في الميلاد والقيامة ولاهوت المسيح ووحدانية الله وشرح النبوات، ونبذة مشهورة عن: “حكمة الشريعة في ترجمة صلوات البيعة”.
وكان- نيح الله نفسه- موضع ثقة لا يعبر عنها في المعرفة الدينية، وكان أيضًا موضع تقدير غير المسيحيين والطوائف المسيحية الأخرى. وقد قيل عنه أنه “بطل العلم”، وأنه “إمام الخطباء وزعيم لاهوتي الكنيسة”، وأنه “بلبل الكنيسة القبطية”، و”قطب الإكليروس الأرثوذكس ونبراسه المنير”، وأنه “خطيب الأمة وزاجرها وواعظها ولسانها”.. وكان غيورًا على عقيدته، قويًا جدًا في حجته، فصيحًا في أسلوبه، واسعًا في علمه.
وقد خلف مكتبة ضخمة زاخرة بالكتب، كان إرثها موضع خلاف. وقد آلت أخيرًا إلى زوج كريمته الأستاذ “جرجس فيلوثيئوس عوض”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الاولى – العدد الثاني والثالث يناير وفبراير 1965م



