القديس بولس الرسول أعظم الرسل

القدّيس بُولس الرسُول أعظم الرسُل1
رسائله وكرازته
القديس بولس الرسول هو أكثر من كتب في العهد الجديد.
كتب 14 رسائل اشتملت على 109 إصحاحًا بينما الأناجيل الأربعة كلها تشتمل على 89 إصحاحًا. أي أن رسائله تزيد عما ورد في الأناجيل الأربعة 20 إصحاحًا. وباقي الرسل كلهم كتبوا 21 إصحاحًا.
ويعتبر بولس الرسول ثاني كتبة الكتاب المقدس كله. ولا يزيد عليه إلا داود النبي بما تركه لنا من مزامير.
هو لم يكن من الاثني عشر رسولًا، ولا من السبعين رسولًا، ولكنه ما أن ابتدأ حتى فاق الجميع.
كرز في أورشليم، وفي أنطاكية، وفي قبرص، وفي بعض بلاد آسيا الصغرى، وفي مقدونيا، وفي بلاد اليونان، وفي رومية أيضًا بل هو الذي أسس كنيسة رومة، كما يروي لنا سفر أعمال الرسل (أع28: 16، 30، 31).
عَظمته
ظهر له السيد المسيح ـــــ بعد صعوده ــــ أكثر من أربع مرات.
ظهر له في طريق دمشق، وعينه رسولًا للأمم (أع9).
وظهر له في رؤيا الليل في كورنثوس، وقال له: “لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ. لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ، لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ” (أع9:18-11).
ظهر له مرة، وقال له: “اذْهَبْ، فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمِ بَعِيدًا” (أع22: 21).
ظهر له الرب في الليل وقال له: “ثِقْ يَا بُولُسُ! لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا” (أع23: 11).
ولا ندري عن أية رؤيا أو ظهور قال بولس الرسول لأهل كورنثوس: “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا…” (1كو23:11-26). لا يوجد أحد من الرسل ظهر له الرب – بعد الصعود – كل هذه المرات سوى بولس الرسول.
كذلك هو الوحيد الذي اختطف إلى السماء الثالثة، إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا (2كو12: 2-4). ويقول عن هذا الاختطاف: “أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ..” (2كو2:12).
وعن تفوقه في الخدمة عن سائر الرسل، قال: “لكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” (1كو15: 10). وسبق هذه العبارات بكلام اتضاع، فقال: “.. لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ..” (1كو15: 9).
وعن مواهبه قال لأهل كورنثوس: “أَشْكُرُ إِلهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ. وَلكِنْ، فِي كَنِيسَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ” (1كو19،18:14). وعن كثرة الاستعلانات التي تمتع بها، قال: “لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ” (2كو12: 7)، قيل عنها إنها حمى ملاريا كانت، أو ضعف في بصره، أو قروح في جسده.
معجزاته
ما أكثرها! فقد قيل عنها: “وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ. حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ” (أع 19: 11، 12). وفي فيلبي أخرج روحًا نجسًا من جارية بها روح عرافة، فالتفت القديس بولس إلى الروح وقال: “أَنَا آمُرُكَ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا فَخَرَجَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ” (أع16:16-18). وقد نالته ضيقات بسبب ذلك، حتى ضُرب هو وزميله سيلا.
أفتيخوس، كان جالسًا في الطاقة وقد تثقل بالنوم لما أطال بولس الرسول، فسقط من الطبقة الثالثة فمات. ونزل الرسول فأقامه (أع20: 7-12).
وأيضًا ضرب عليم الساحر بالعمى، لأنه كان يقاوم كلمة الله. “.. فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ” (أع6:13-11). ومن معجزاته أيضًا ضربته لخاطئ كورنثوس (1كو5). ثم عاد فأشفق عليه لتوبته.
تلاميذه وتعليمه
كان للقديس بولس تلاميذ كثيرون، منهم لوقا البشير، ومرقس البشير، هذان اللذان كانا معه حتى في أواخر أيام حياته (2تي4: 11). ومن تلاميذه أيضًا تيموثاوس وتيطس وفليمون الذين أرسل إليهم رسائل. وأيضًا فيبي التي كانت تحمل بعض رسائله. ومن تلاميذه أيضًا تيخيكس، وأرسترخس، وأكيلا وبريسكلا اللذان صار بيتهما كنيسة (رو16: 3، 4). كذلك نمفاس الذي صار بيته أيضًا كنيسة (كو4: 15). ومن تلاميذه أيضًا أنسيموس، وَيَسُوعُ الْمَدْعُوُّ يُسْطُسَ، وأَبَفْرَاسُ (كو4).
ومن الذين زاملوه في خدمته برنابا في أول الأمر، ثم سيلا. وأيضًا أبلُوس الذي ورد ذكره في (1كو3).
وقد اشتهر بولس الرسول بتعاليم كثيرة في العقيدة واللاهوتيات.
ومن أشهر تعاليمه (الناموس والنعمة) كما ورد بالذات في رسالتيه إلى رومية وغلاطية. وأيضًا المواهب (1كو12) والتكلم بألسنة (1كو14). والتناول باستحقاق (1كو11). ومحاربة محاولات التهويد (كو2). وتحدث بولس الرسول عن المعمودية باعتبارها موتًا مع المسيح في (رو6) وفي (كو2: 12). وتحدث عن القيامة والأجساد الروحانية التي للقيامة في (1كو15) وعن الاختطاف في (1تس4). وتحدث بتفصيل عن ضد المسيح Anti-Christ في (2تس2) وعمله ومجيئه قبل الارتداد العام. وتحدث عن الكنيسة كعروس للمسيح (أف5).
وكتب أيضًا عن مسائل في الرعاية وفي الروحيات.
ففي الرعاية تكلم عن وظائف الأسقف والقس والشماس في (1تي3 و5) (تي1). وكذلك عن الأرامل في (1تي5). كما تحدث عن المحبة وأفضليتها وصفاتها في (1كو13)، وتحدث عن أمور روحية كثيرة في (رو12)، (1تس5)، (في3، 4)، (أف6). وكتب ضد الشذوذ الجنسي في (رو1) وفي (1كو6). وشرح أفضيلة البتولية في (1كو7) وعن تقديس الجسد باعتباره هيكلًا لله، وروح الله ساكن فيه (1كو3)، (1كو6).
وتحدث القديس بولس عن أمور كثيرة في الخدمة وفي التعليم، وبخاصة في رسائله إلى تيموثاوس وتيطس، وذكر أهمية الافتقاد في قوله لزميله برنابا: “لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، كَيْفَ هُمْ” (أع15: 36).
مشكلة بولس
شك البعض في أنه رسول، لأنه لم يكن من الاثني عشر، ولا من السبعين رسولًا، فاضطر في خجل أن يدافع عن نفسه.
بل اعتبروه مجرد تلميذ للرسل. وكانت هذه المشكلة تعطل رسالته.. فاضطر أن يدافع عن نفسه. وقد لا يوافق بعضكم على مثل هذا الدفاع، ولكن لم يكن الأمر برًا ذاتيًا. بل دفاعًا عن الرسالة لأجل خلاص الناس.. لهذا نجده في مقدمة رسالته إلى غلاطية يقول: “بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ” (غلا1:1).
ويكرر في مقدمة رسالتيه إلى كورنثوس عبارة: “بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ..” (2كو1:1) (1كو1:1). وفي مقدمة رسالته إلى رومية “بُولُسُ عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ” (رو1:1) وهكذا…
ولما اتهموه بأنه مجرد تلميذ للرسل، أظهر في دفاعه أنه أفضل منهم!
فقال في (2كو11): “الَّذِي يَجْتَرِئُ فِيهِ أَحَدٌ، أَقُولُ فِي غَبَاوَةٍ: أَنَا أَيْضًا أَجْتَرِئُ فِيهِ: أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً” وظل يتحدث عما قاساه، إلى أن قال: “بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو11: 21-29).
قال كل هذا، لا لكي يأخذ مجدًا من الناس، لكن ليثبت رسوليته.
بولس كان يدافع عن نفسه، ولم يخطئ في دفاعه.
ففي (أع16) بعد إخراج الروح النجس من العرّافة كانوا قد ضربوا بولس وسيلا، وألقوهما في السجن. وفي اليوم التالي أمروا بإطلاق سراحهما. فقال بولس: “ضَرَبُونَا جَهْرًا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ رَجُلاَنِ رُومَانِيَّانِ، وَأَلْقَوْنَا فِي السِّجْنِ. أَفَالآنَ يَطْرُدُونَنَا سِرًّا؟ كَلاَّ! بَلْ لِيَأْتُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيُخْرِجُونَا” (أع16: 37). وكان له حق.
“فَأَخْبَرَ الْجَّلاَدُونَ الْوُلاَةَ بِهذَا الْكَلاَمِ، فَاخْتَشَوْا لَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُمَا رُومَانِيَّانِ. فَجَاءُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِمَا وَأَخْرَجُوهُمَا.. فَخَرَجَا مِنَ السِّجْنِ وَدَخَلاَ عِنْدَ لِيدِيَّةَ (بائعة الأرجوان)” (أع16).
إذًا ليس خطأ أن يدافع الإنسان عن حقه إن كان صاحب حق.
وفي (أع22) لما أمر الوالي أن يأخذوا بولس ويجلدوه “فَلَمَّا مَدُّوهُ لِلسِّيَاطِ، قَالَ بُولُسُ: أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟ فَإِذْ سَمِعَ قَائِدُ الْمِئَةِ ذَهَبَ إِلَى الأَمِيرِ، وَأَخْبَرَهُ”. فجاء الأمير وتحدث مع بولس “وَاخْتَشَى الأَمِيرُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ، وَلأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَهُ” وحلّه من الرباط (أع22: 25-30).
مرة أخرى كان اليهود يريدون أن يفتكوا به. وكان فستوس “يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً” فعرض على بولس: أن يذهب إلى أورشليم لكي يحاكم هناك. “فَقَالَ بُولُسُ: أَنَا وَاقِفٌ لَدَى كُرْسِيِّ وِلاَيَةِ قَيْصَرَ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ أُحَاكَمَ. أَنَا لَمْ أَظْلِمِ الْيَهُودَ بِشَيْءٍ، كَمَا تَعْلَمُ أَنْتَ أَيْضًا جَيِّدًا.. فَلَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَلِّمَنِي لَهُمْ. إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَايَ”. أخيرًا قال له فستوس: “إِلَى قَيْصَرَ رَفَعْتَ دَعْوَاكَ. إِلَى قَيْصَرَ تَذْهَبُ” (أع9:25-12).
كان ربنا يسوع المسيح قد أمر بولس أن يذهب إلى رومة ليشهد له هناك (أع23: 11). فرفع بولس شكواه إلى قيصر. وفعلًا أخذوه بحراس إلى رومية (أع28: 16).
ومرة أخرى كان اليهود ضده “لَمَّا عَلِمَ بُولُسُ أَنَّ قِسْمًا مِنْهُمْ صَدُّوقِيُّونَ وَالآخَرَ فَرِّيسِيُّونَ” (أع23: 6). فصرخ في المجمع قائلًا: “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ. عَلَى رَجَاءِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ”. قال هذا: “لأَنَّ الصَّدُّوقِيِّينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ قِيَامَةٌ وَلاَ مَلاَكٌ وَلاَ رُوحٌ”. فانشقت الجماعة ودافع عنه الفريسيون. وأنقذه الأمير من وسطهم (أع23: 10).
تواضعه
لما ذهب إلى لسترة وعمل معجزات ظنّوه هو وبرنابا إلهين وأرادوا أن يذبحوا لهما. فمزق الرسولان ثيابهما وقالا: “نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ..”، “فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ” (أع14: 8-19). ولما تحدث عن ظهورات السيد المسيح، قال: “وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ” (1كو15: 8، 9).
في الاتضاع يقول: أنا أصغر الرسل. وفي إثبات رسوليته يدافع..
وفي رسالته الأولى إلى تلميذه تيموثاوس، يقول: “أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا” (1تي1: 13). عجبًا من يستطيع أن يقول لتلميذه: “أنا كنت مفتريًا ومجدفًا” إلا إنسان متواضع. وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس يقول: “أَنَا نَفْسِي بُولُسُ الَّذِي فِي الْحَضْرَةِ ذَلِيلٌ بَيْنَكُمْ، وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ فَمُتَجَاسِرٌ عَلَيْكُمْ” (2كو10: 1). أي يتجاسر في الكتابة، وفي مواجهتهم يكون ذليلًا.
ويقول أيضًا: “لَيْتَكُمْ تَحْتَمِلُونَ غَبَاوَتِي قَلِيلاً… فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ” (2كو11: 1، 2). ويقول أيضًا: “.. وَإِلاَّ فَاقْبَلُونِي وَلَوْ كَغَبِيٍّ..” (2كو16:11). قال هذا حينما اضطر أن يثبت أفضليته كرسول.. وفي هذا يقول في سرد تلك الحقائق: “.. أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ فَأَنَا أَفْضَلُ..” (2كو11: 23).
ومن مظاهر اتضاعه أنه في بداية بعض رسائله، كان يشرك مع اسمه اسم أحد تلاميذه.
فيقول في مقدمة رسالته الأولى إلى كورنثوس: “بُولُسُ الْمَدْعُوُّ رَسُولاً لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَسُوسْتَانِيسُ الأَخُ إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ”، مَن هو سوستيانوس هذا؟! حتى يضعه إلى جوار اسمه.
ويبدأ رسالته إلى فيلبي بقوله: “بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي” (في1:1). فمع مشاركة اسم تيموثاوس إلى جوار اسمه، يكتب باحترام شديد إلى الذين يرسل إليهم. وهذا ظاهر في جميع رسائله. اسم تيموثاوس إلى جواره أيضًا في الرسالة إلى كولوسي، وفي رسالته الأولى إلى تسالونيكي مع اسم سلوانس أيضًا. وثلاثتهم معًا في بدء الرسالة الثانية.
وفي رسالته إلى تلميذه فليمون. يستأذن من جهة أنسيموس، الذي كان عبدًا له. فيقول: “أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي.. الَّذِي هُوَ أَحْشَائِي. الَّذِي كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ أُمْسِكَهُ عِنْدِي لِكَيْ يَخْدِمَنِي عِوَضًا عَنْكَ فِي قُيُودِ الإِنْجِيلِ. وَلكِنْ بِدُونِ رَأْيِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا.. ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي: أَنَا أُوفِي” (فل 10-19). ويقول عن العبد أنسيموس: “لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا” (فل 16).
هذه مقدمة مختصرة نقولها عن القديس بولس الرسول الذي يعتبره البعض أنه وضع أسس العقيدة المسيحية. فلتكن بركته معنا جميعًا، آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة والعشرون – العددان 25، 26 (23-7-1999م)




