الفضيلة جـ2

في هذه المحاضرة يواصل قداسة البابا شنوده الثالث شرح مفهوم الفضيلة بمزيد من التفصيل، موضحًا أن كل إنسان يطمح نظريًا للعيش في حياة الفضيلة، لكنه يحتاج أولًا إلى فهم ما هي الفضيلة تفصيليًا حتى يعرف كيف يكتسبها ويعبر عنها عمليًا.
تعريف الفضيلة وتفصيلها
الفضيلة ليست مجرد كلام أو مظاهر خارجية: هي حالة داخلية في النفس ترتفع بالإنسان فوق الذات واللذات المادية. الفضيلة تتطلب معرفة حقيقية لما تعنيه (مثل معرفة الفرق بين التواضع الحقيقي والتواضع الزائف)، وإدراك أن بعض الممارسات (كالصوم) لها معنى أعمق من الامتناع الحسي — هي صوم النفس والانتصار على الشهوات.
مصادر الفضيلة
المعرفة والحكمة: لأن من يعرف الخير يسلكه. الإرادة والقوة الروحية: لأن المعرفة وحدها قد لا تكفي إن كانت الإرادة ضعيفة. النعمة الإلهية: تعمل لكن تحتاج إلى شراكة الإنسان. بعض الفضائل تولد مع الإنسان، وبعضها يحتاج إلى جهاد وممارسة حتى ينمو.
الفهم الصحيح للفضائل العملية
قبل أن يسعى أحد لفضيلة محددة (مثل الدفاع عن الحق أو المحبة) يجب أن يعرف حقيقتها وحدودها ووسائل تطبيقها: ما هو الحق؟ وكيف يُدافع عنه بطريقة حكيمة وروحية؟ هل المحبة ترجمة لشهوة أم لتقريبه بالخير والقداسة؟ الفضيلة تتطلب فهمًا دقيقًا للمقصد والوسائل.
التكامل والتوازن بين الفضائل
الفضيلة ليست فضيلة مفردة تُمارس بمفردها بل تكامل بين صفات روحية متعددة: محبة، عدل، رحمة، حزم، حكمة، تأديب— فجميعها تتكامل. يجب أن يكون هناك توازن: ليس حب بلا تربية، ولا رقة بلا حكمة، ولا صرامة بلا رحمة. الإنسان الفاضل يظهر ذلك في توازنه العملي.
التعبير الخارجي والداخلية
الفضيلة الداخلية في القلب لا تكفي إن لم تُترجم إلى تعابير خارجية مناسبة (أقوالًا وأفعالًا). لا يكفي أن تقول إن قلبك خاشع؛ الجسد واللغة والسلوك يجب أن يعبروا عن ذلك. الإيمان بلا أعمال ميت.
التدرج والتمييز الزماني
الفضيلة تتدرج: يحتاج الإنسان إلى ممارسة وتدريب وتدرج للوصول إلى الكمال. كما أن لكل شيء وقته: متى تصمت ومتى تتكلم، متى تنعزل ومتى تخدم، ومتى تهتف بالفرح أو تبكي بالدموع — الحكمة تميز الوقت والمقدار.
التنسيق بين الحق والواجب والحريات
الفضيلة عملية تنسيق بين حقوق الفرد وواجباته، بين حرية الإنسان والتزاماته تجاه المجتمع وربه. الفضيلة تتحقق حين يوازن الإنسان بين هذه الجوانب دون إفراط أو تفريط.
خلاصة روحية
الفضيلة في الرؤية الروحية للقسطنطينية القبطية هي سلوك معشِّش في المعرفة والحكمة والإرادة والنعمة، وهي عمل متكامل يجمع بين الداخل والخارج، المعرفة والعمل، العطاء والأخذ، الرحمة والعدل، الحزم والحنو. الوصول إليها يتطلب فهماً واضحاً، جهاداً وممارسة، وتنسيقًا حكيمًا في الحياة اليومية.



