الفرح بالرب

الفرح بالرب1
نحن الآن في فترة الأربعين يومًا التي كان فيها السيد المسيح مع رسله القديسين الذين قال لهم “أراكم فتفرح قلوبكم. ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم”. وفعلًا، لما رأوه فرحوا به. فرحوا لأنهم رأوه بينهم قائمًا، وقد انتصر على الموت. فرحوا بقيامته وبقوته، ولأن قيامته هي عربون لقيامة كل من يؤمن به. ويقول الإنجيل المقدس: “ففرح التلاميذ لما رأوا الرب” (يو20: 20).
ولم يقتصر الأمر على رؤيته، بل أنه قضى بينهم أربعين يومًا، كان يظهر لهم، ويحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع 1).
ونحن في الكنيسة نعيد لهذه الفترة، فهي فترة فرح، لا صوم فيها ولا مطانيات. نرتل فيها لحن القيامة. حتى إذا دخل الكنيسة ميت في جنازة، نستقبله بألحان الفرح ولحن القيامة.
إننا نعيش مع التلاميذ فترة الفرح هذه: الفرح بالرب.
ونود أن نتحدث معكم الآن عن الفرح بالرب…
هناك أسباب كثيرة تفرح قلب الإنسان، ولكن أكثرها عمقًا، وأكثرها نقاوة هو الفرح بالرب.
ليس الفرح بالنعم التي يعطيها الرب له، إنما الفرح بالرب نفسه.
إن الله ليس مجرد وسيلة لفرحك، إنما ينبغي أن يكون هو موضوع فرحك، يكون هو سبب فرحك. ويكون هو لذاتك وسرورك؟
تفرح أولًا، لأنك عرفت الرب، ولأنك وجدته.
كما فرحت المرأة السامرية لأنها وجدت المسيا) يو4)، وكما فرح نثنائيل وفيلبس لأنهما وجدا يسوع (يو1)، وكما فرحت مريم المجدلية ومريم الأخرى برؤيتهما الرب بعد القيامة (مت28).
أنت تفرح لأن شيئًا جديدًا دخل حياتك، لما عرفت الرب، فأصبحت حياتك ذات قيمة، وذات معنى، وذات طعم…
تفرح لأن الرب قد أشبعك… كل أمور العالم وملاذه ومبهجاته، كانت تطفو على سطح حياتك، ولكن الفرح بالرب دخل إلى عمقك لأول مرة.
ولكنك لا تفرح بالرب، إن كان قلبك متعلقًا بشيء غيره!
الشاب الغني وجد المسيح، ومع ذلك لم يفرح (مت9). بل مضى حزينًا، لأن قلبه كان مشغولًا بأشياء أخرى وضع سعادته فيها. وكما يقول الكتاب “حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا”..
الذين يفرحون بأمور العالم، يرون وصايا الرب ثقيلة. لأنها وصايا تقف حائلًا بينهم وبين شهواتهم العالمية، وتحرمهم من ملاذهم الجسدية، وأمانيهم التي يعقدونها حول الماديات…
هؤلاء يرون أن طريق الرب يتطلب منهم جهدًا وكفاحًا. وذلك لكي يقهروا الجسد، وينتصروا على الإرادة المنحرفة، ولكي يقاوموا الأفكار، ويضبطوا نفوسهم، ويضبطوا ألسنتهم وحواسهم وشهوات قلوبهم، وفي كل ذلك يحرمون أنفسهم من ملاذ يرون أنها تسعدهم!!
لذلك وصايا الله تكون شبه نير على أكتافهم. ويودون أن يتخلصوا من هذا النير، كما حدث أولًا للابن الضال، حينما تخلص من بيت أبيه، لكي يحيا كيفما يشاء (لو15)!
أما الذين تجردوا من العالميات، فإنهم يفرحون بالرب الذي حررهم، فلم تعد هناك شهوة مادية تستعبد قلوبهم. وكأنهم يقولون للرب: من يوم أن عرفناك، وأصبحت نظراتنا إلى الحياة متغيرة، وبعمل روحك فينا، دخلنا في تجديد أذهاننا (رو12: 3)، وأصبحنا نجد لذة في الروحيات التي كنا بعيدين عنها قبلًا. وأصبح اسم الرب حلوًا في أفواهنا، وصرنا نجد السعادة كل السعادة سعادتنا في عشرة الرب.
إنه فرق كبير بين أن يذهب إنسان إلى بيت الله كواجب روحي يتعبه ضميره إن قصر فيه، وبين إنسان يقول من أعماقه “فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب” “تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب”. حقًا هناك فرق بين الحب، ومجرد أداء الواجب…
فرق بين إنسان يصلي لأن الدين يأمره بهذا، وإنسان آخر يصلي وهو يقول للرب “باسمك ارفع يدي، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم”…
قد يبدأ الإنسان حياته الروحية بمخافة الرب، ولكنه بالحرص وبالتغصب وبقهر الذات، ما يلبث أن يدخل في محبة الله.. وتصل حياته إلى الفرح بالرب.
لا شك أن الفرح بالرب، مرتبط بمحبتنا له.
كأي إنسان تحبه، فتفرح بلقياه، وتفرح بالوجود معه.. وتفرح بالحديث عنه، وبكل ما يذكرك به. هكذا تفرح بالله وبكل عمله فيك، وتفرح بأن يقودك في موكب نصرته.. تفرح بالرب وبوعوده الكثيرة الخاصة بالأبدية السعيدة معه.. كما قال في سفر الرؤيا: من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة… ويأكل من المن المخفي… وأعطية اسمًا جديدًا… ويصير عمودًا في هيكل الله (رؤ2، 3).
الذي يفرح بالرب، سيجد الأبدية مفرحة، لأنها الحياة معه.
المجيء الثاني مفرح لأولئك الذين يختطفهم الرب معه على السحاب (1تس4)، أو الذين يأتون معه في مجيئه… إنه مجيء مفرح يقول عنه المزمور “تتهلل الأرض… تفرح الجزائر الكثيرة”…
ولكنه ليس مفرحًا للذين يتعرضون لقول الكتاب “مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي” (عب10: 31). أولئك الذين يتعرضون للدينونة في مجيئه، ويقول لهم إني لا أعرفكم قط.. الذين يخافون يوم تفتح الأسفار، وتكشف النيات والأفكار، هؤلاء لا يفرحون بالرب. إنما يفرح به الذين بدأوا حياة التوبة هنا، وذاقوا بهجة خلاصه، ومنحهم الرب ثقة بأن يكونوا معه حيث يكون هو (يو14: 2).
هؤلاء لا يخافون الموت، بل بالأكثر يفرحون به. ولا يرونه موتًا، بل انطلاقًا. كما قال سمعان الشيخ “الآن يا رب تطلق عبدك” (لو2). وكما قال بولس الرسول “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جدًا.
الذين يفرحون بالرب لا يرون الباب المؤدي إلى الملكوت بابًا ضيقًا، ولا الطريق إليه كربًا.
إنما يرى ذلك كذلك، من كان فيه الجسد يشتهي ضد الروح (غل5: 17).. يرى الباب ضيقًا، من لم يذق وينظر ما أطيب الرب. ومن لا يزال يقاوم الشهوة والجسد والعالم… هذا الذي يلزمه أن يقاوم حتى الدم، مجاهدًا ضد الخطية (عب12: 4).
أما الذين يحبون الرب ويفرحون به، فكل طرقه أمامهم مستقيمة وحلوة. يتغنون ويقولون “وصية الرب مضيئة تنير العينين، شهاداته تفرح القلب، تجعل الجاهل حكيمًا (مز19). بل يقول كل منهم للرب “فرحت بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة” (مز119) “وجدت كلامك كالشهد فأكلته” بل هو “أحلى من العسل والشهد في فمي”…
إذًن افرحوا بالرب هنا، لكي تفرحوا به هناك.
افرحوا به وبوصاياه وطرقه. افرحوا بملكوته وملائكته. افرحوا بوعوده. افرحوا بقوته العاملة فيكم، وبنعمته العاملة معكم، وبروحه القدوس الذي يشترك معكم في كل عمل صالح “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا” (في4: 4) …
إن كل ما يحيط بالرب، هو فرح لا ينطق به.
كان ميلاده فرحًا.. وفي التبشير بميلاده قال الملاك: “ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب..” (لو2: 10). وكانت قيامته، ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب (يو20: 20). وكان جلوسه عن يمين الآب فرحًا، إذ وضع أعداؤه تحت موطئ قدميه (مز110: 1). وكانت معجزاته أيضًا فرحًا… هل أتجرأ أكثر وأقول: كان صلبه وموته أيضًا فرحًا بقوله “قد أكمل” (يو19: 30). إذ أكمل عمل الخلاص وغفران الخطايا للعالم. وقد كان موته “محرقة وقود، رائحة سرور للرب” (لا1: 9، 13، 17). سرور للعالم الذي نال الخلاص، وسرور للآب الذي “سُر أن يسحقه بالحزن” (أش53: 10). إنه سرور باستيفاء العدل الإلهي لخلاص البشرية…
الله كما نفرح به، يفرح هو بنا ويخلصنا. فيقول الكتاب إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو15: 10). الخاطئ يفرح بوصوله إلى التوبة، والله يفرح بتوبة الخاطئ. مثلما وجد الخروف الضال، فحمله على منكبيه فرحًا (لو15: 5).
افرح إذًن بالرب، وعبر له عن فرحك به.
قل له: أنا يا رب أعيش في فرح، لأني أشعر أن يدك تمسكني وتقودني، وأن نعمتك تقويني وترشدني، وروحك القدوس يعلمني كل شيء، ويمنحني مواهب لأسلك في سبلك. افرح في كل مرة تقوم به من سقطتك. وقل للرب: “امنحني بهجة خلاصك” (مز50). وعن الفرح بالتوبة، ربما يسأل أحدهم ويقول:
كيف يفرح الإنسان بالتوبة، والتوبة يليق بها الدموع؟
كيف يفرح الإنسان، وفي التوبة مذلة وانسحاق، وفيها يبلل فراشه بدموعه؟! (مز6)، ويجلس بالمسوح على التراب كأهل نينوى…
أقول لك: إن التائب يشعر بفرح حتى وهو غارق في دموعه. دموعه لا تسبب له حزنًا، بل تسبب له تعزية، وفي التعزية يجد فرحًا. ومقاييس الروحيات غير مقاييس أهل العالم، فالتوبة لذتها في انسحاقها، وسعادتها في دموعها. بل إن لم تكن هناك دموع، فإن التائب يحزن ولا يتعزى.
إن الدموع والفرح – في القاموس الروحي – يتمشيان معًا. في الدموع يصطلح الإنسان مع الله. وبالصلح يفرح. وكل أعمال التوبة من صوم ومطانيات ومسوح ودموع، تكون في القلب ينابيع من الفرح. وكلما تعب الإنسان بالأكثر من أجل الرب، فعلى هذا القدر يزداد فرحه في الداخل…
وليست الدموع فقط سبب فرح، بل حتى الموت أيضًا…
الذي يفرح بالرب، يفرح بالموت، لكيما يلتقي مع الله.
وكثير من القديسين كانوا يقابلون ساعة الموت بفرح شديد… وتضيء وجوههم بالنور. وهكذا كان أيضًا آباؤنا الشهداء: كما حدث مع القديس أبا فام الجندي الذي قال عن يوم استشهاده “إنه يوم عرسي”.. ونحن أيضًا نفرح في يوم استشهاد القديس ونعتبره عيدًا.
افرح بالرب إذن، الذي يهتم بك هنا، ويعد لك مكانًا معه هناك. ويعتبرك كابن خاص له، ويعاملك في حب.
افرح أن لك إلهًا طيبًا، ليس له شبيه بين الآلهة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 11-5-1997م





