العمل مع الله

العمل مع الله[1]
قلنا في العدد الماضي، أنه ينبغي أن تكون لكل إنسان رسالة في الحياة يقوم بها. فما هي هذه الرسالة؟
رسالة الإنسان بلا شك هي العمل. فما هو العمل؟ إنه
العمل مع الله
عندما خلق الله الإنسان، أعطاه أن يعمل. والرسول يقول: “يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ… مَا دَامَ نَهَارٌ” (يو9: 4) والسيد المسيح نفسه يقول: “أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ” (يو5: 17) ولا شك أن الروح القدس يعمل في كل المؤمنين. والمطلوب منك أن تعمل…
وهناك أعمال كثيرة في الحياة. والمهم هو العمل مع الله.
الكل يعمل. وهناك أعمال مادية، وأعمال جسدية، وأعمال شريرة، وأعمال زائلة لا تبقى. ولسنا عن هذه نتكلم.
وإنما نقصد العمل مع الله، أو العمل الإلهي فيك.
إن كنت إنسان الله، على صورة الله، وتعمل كما يعمل الله، والله نفسه ساكن فيك، يعمل بك، ويعمل معك، ويعمل فيك، فأنت لا بد ستعمل عمل الله نفسه.
أن الله غير منظور، وقد لا ترى عمله. ولكن عمل الله يراه الناس فيك، أنت صورته، الذي يعمل الله من خلالها.
الله يعمل فيك، ومعك. ومن تواضعه لا يظهر، ويعطيك أنت أن تظهر وتعمل. ويظن الناس أن هذا هو عملك، بينما يكون عمل الله، وأنت أداة الله في العمل…
وإن كان الله هو العامل فيك، فستقول مع الرسول:
“أَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل2: 20).
هو يعمل الأعمال، عن طريق الإنسان المنظور الظاهر. الروح القدس يريد أن يكلم الناس. ولكنه يريد فمًا يتكلم من خلاله، فلتكن أنت فمًا، تحمل كلمة الروح القدس للناس “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ” (مت10: 20)
رسالتك إذن أن تعمل عمل الله وما هو عملك؟ لقد “جَالَ يَصْنَعُ خَيْرا“. فكن كذلك.
وعمل الخير هذا، رسالة عامة أساسية لكل الناس، يقول فيها معلمنا يعقوب الرسول: “مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا (خيرًا) وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17).
إذن رسالتك أن تعمل خيرًا، على قدر ما تستطيع.
وهذا الخير تعمله بواسطة روح الله العامل فيك.
ادخل إذن في شركة مع الروح القدس. شركة في العمل.
لذلك اجعل هذا الأمر مبدأ لك في الحياة: العمل الذي يشترك الله معك فيه، أعمله. وكل عمل يرفض الله أن يشترك معك في عمله، أرفضه…
إن وصلت إلى هذا الوضع، سيكشف لك الله رسالته إليك.
وأطلب أنت منه أن يكشف لك ما ينبغي أن تعمله “أظْهِرْ لي يَا رَبُّ طُرقَكَ، وعلِّمْني سُبُلَكَ” (مز24: 4).
والعمل الذي تحسبه رسالة لك، هو العمل الروحي…
إنه عمل الله الذي “جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ“.
لأن كثيرين يعملون في الكنيسة… ولكن عملهم إداري بحت، أو مالي أو اجتماعي! وليس لهم أي عمل روحي…
والإداريات الخالية من الروح، تجعل روحيات الإنسان تجف…
يا ليتنا ندرب العاملين في الكنيسة، على عمل روحي، إلى جوار أعمالهم الإدارية، ويكون العمل الروحي هو الأساس. ويكون الطابع الروحي هو ما يتميز به أعضاء اللجان، وحتى القرابني والقيم والعرفاء والخدم… كلهم روحيون…
فهل لك عمل روحي في الكنيسة؟ أم أنت ما زلت تعزي نفسك ببعض أنشطة تقوم بها، اجتماعية وإدارية؟
إن آباءنا الرسل قالوا: “لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ”، ورسموا لهذه المهمة سبعة شمامسة. أما هم فقالوا: “نُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ” (أع6: 2، 4).
وماذا عن هؤلاء الشمامسة: هل تفرغوا حقًا لخدمة الموائد؟
يقول الكتاب عن استفانوس أولهم إنه “إِذْ كَانَ مَمْلُوًّا إِيمَانًا وَقُوَّةً كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ”… وماذا أيضًا؟ يقول إنه وقف أمام ثلاثة مجامع يحاورونه “وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ” (أع6: 8، 10).
إذن لم يتفرغ هؤلاء الشمامسة لخدمة الموائد، بل كان لهم أيضًا عمل روحي، في خدمة الكلمة…
إن العمل الروحي هو الأساس في كل خدمة. أما باقي الأمور من نظام وإدارة، فهي مطلوبة فعلًا، ولكنها عمل إضافي إلى جوار الروحيات التي هي الأساس. فما هو إذن عملك الروحي في الكنيسة؟ وما وزنه ومقداره وأهميته؟
إن لم يكن لك حتى الآن عمل روحي في الكنيسة، فأنت لم تعمل بعد في الكنيسة، مهما كان نشاطك.
عمل الكنيسة هو بنيان الملكوت. فما دورك في بنيانه؟
لا تقل: هذا هو عمل الأسقف والقس والشماس، وتهرب من المسئولية، وتحولها إلى غيرك. إن سياسة التحويل لن تنقذك من المسئولية. فأنت لست مجرد متفرج في الكنيسة إنما أنت عضو في جسد، إن تألم فيه عضو تتألم باقي الأعضاء (رو12).
للأسف، توجد مجموعة أخرى، لا تعمل شيئًا، إنما همها الوحيد هو انتقاد العاملين، والحديث عن أخطاء لهم.
إن روب القاضي يغري كثيرين. ويندر وجود أحد لم يلبسه. الكل يهوى أن يدين غيره. وليتنا فيما نلبس أرواب القضاة، نكون مثلهم في عدم إصدار حكم قبل التحقيق أولًا، وإعطاء من نحكم عليه فرصة للدفاع عن نفسه أو شرح موقفه، إنما هي أحكام على غير أساس!!
وهناك من يرى أن عمله، هو مجرد تقديم اقتراحات…
وقد تكون مجرد اقتراحات نظرية، ليس من السهل تنفيذها عمليًا. وقد تكون أحمالًا عسرة الحمل يضعها هؤلاء على أكتاف المسئولين، ويطالبونهم بما هو فوق طاقتهم!…
أما أنت فإن أردت الخير حقًا، أحن كتفك تحت النير، وأرفع الحمل مع المسئولين. كن مثل سمعان القيرواني الذي انحنى وحمل الصليب عن المسيح، لما ثقل حمله…
لا تضيع وقتك في الانتقادات أو المقترحات، بل اعمل، فرسالة العمل هي الرسالة النافعة الإيجابية.
ومن شروط العمل مع الله، أن يكون من كل القلب، من كل النفس، بكل القوة، بكل الإرادة، بكل العاطفة. لأن الكتاب يقول: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (إر48: 10) أي بكسل أو بتهاون.
وهكذا يقول الرب لملاك كنيسة أفسس: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ… وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ” (رؤ2: 2، 3).
هكذا يكون العمل مع الله. ولذلك نرى أن ملكوت الله في عصر الرسل “أتى بقوة” “وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ… وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ” (أع4: 33).
كانوا يعملون عمل الرب، بكل قوة، بكل مجاهرة، وبلا مانع، وبحرارة في الروح. بولس لما دخل أثينا ووجد المدينة مملوءة أصنامًا، “احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ” (أع17: 16). وكان يقول: “مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟”.
وكما قال داود: “غيرَةُ بَيْتِكَ أكلَتْني” (مز119: 139)، أي ملكت كل حواسه وعواطفه، بقوة لا تقاوم. هكذا يعمل الأبرار عمل الأبرار.
يعطون الرب عواطفهم، وجهدهم، ويعطونه وقتهم. وأنت ماذا تعطي؟
هل تعطي جزءًا بسيطًا من وقت الفراغ؟ هل تعطي الوقت المجهد المتعب؟ أم مثالك هابيل الصديق الذي قدم للرب “مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا” (تك4: 4)؟
هل تعطي من أعوازك، كما أعطت الأرملة؟ أم تهرب من خدمة الرب أيام المشغولية والامتحانات؟
هل تعطي لعمل الرب (أعوازك) من وقتك ومن صحتك؟
إن اثنى عشر فقط من الرسل، كرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. لأن المسألة لم تكن مسألة عدد، وإنما قلب ملتهب، وألسنة كأنها من نار، ونفوس لا تعطي ذاتها راحة حتى تجد موضعًا للرب ومسكنًا لإله يعقوب.
وعمل الله أيضًا يلزمه أن يكون مملوءًا بالحب:
حب لله وللناس من كل القلب هذا الحب هو الفرق بين الخدمة الجافة التي تبدو كرسميات، والخدمة الملتهبة. هذا الحب يجعل عملك الروحي مقرونًا بالبذل والعطاء، فتعطي حتى ذاتك…
والعمل مع الله أيضًا يتصف بالإيمان…
الإيمان بالعمل ذاته وأهميته ولزومه، والإيمان بالله وتدخله في العمل لكي يباركه وينجح طريقه، ويؤتيه ثمرًا…
هذا الإيمان يمنحك ثقة وقوة، فلا تفشل مهما كانت العوائق. مثلما فعل نحميا: كان يبني سور أورشليم، وكان مؤمنًا بأهمية عمله، فلم يعبأ بكل المقاومات والمؤامرات. وإنما مضى في عمل البناء…
الذي ليس له إيمان، يتعب كلما وجد مشكلة وينسحب…
لا يستطيع أن يصعد، بل يخاف ويبعد، ويقول معتذرًا لنفسه: حتى الكنيسة، توجد فيها مشاكل ومتاعب.. ؟!
المؤمن ينتصر على المشكلة، ولا يدع المشكلة تنتصر عليه.
الذي يعمل لله بالإيمان، لا يشترط شروطًا، ولا يطلب مكانًا معينًا، ولا وضعًا خاصًا، وإنما يترك نفسه في يد الله مؤمنًا به، واثقًا أنه سيدبر الخدمة بحكمته ومعونته ونعمته. وأينما وضعه الله يعمل برضى قلب. لا يطلب كنائس كبيرة، ولا مواضع مشهورة، كما لو كان يبني نفسه (بطريقة خاطئة) وليس يبني الملكوت.
الذي يعمل مع الله، حتى إن ألقيته في النار، يسير فيها راضيًا مثل الثلاثة فتية، لأنه يمشي فيها مع الله… وشعاره أن (أُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْما) حتى في النار.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “العمل مع الله”، مجلة الكرازة بتاريخ 17 أغسطس 1979



