العمل الكرازي

العَمل الكرازي[1]
الكرازة هي وصية من السيد المسيح له المجد:
حيث قال لتلاميذه القديسين: “اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر16: 15) “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ… وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” (مت28: 19، 20).
وقد نفذ الآباء الرسل وصية الرب. وكان عملهم الأساسي هو الكرازة والتعليم، وما أسموه “خدمة الكلمة” (أع 6: 4).
وبدأت الكنيسة العامة كنيسة كارزة. جالوا في الأرض كلها يكرزون بالمسيحية، وعمل السيد المسيح في الفداء، فملأوا أورشليم تبشيرًا. وحتى حينما طُرد منها كثير من التلاميذ، يقول الكتاب إن “الَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع 8: 4). وهكذا “في كُلِّ الأرْضِ خَرَجَ مَنْطقُهُم. وإلَى أقْصَى المسْكُونةِ بَلغتْ أقْوالُهُم” (مز19: 4).
وكانت الكرازة أيضًا هي عمل القديس مار مرقس الرسول:
ونحن نسميه “كاروز الديار المصرية”. والمناطق التي شملتها رعاية كرسيه، نسيمها “الكرازة المرقسية”. وصارت هذه العبارة لقبًا من ألقاب بابا الأسكندرية. ومار مرقس لم يكرز في مصر فقط، وإنما امتدت خدمته في بلاد عديدة جدًا، خدم فيها مع القديس بولس الرسول، حتى أن هذا الرسول العظيم، وقد قارب رحيله عن العالم، طلب أن يكون القديس مرقس معه لمنفعة الخدمة (2تي4: 11).
القديس أثناسيوس الرسولي كان يكرز بالإيمان السليم، حتى وهو في منفاه …
كان في منفاه يعلم الناس الإيمان السليم. ومثال ذلك منطقة ترير في ألمانيا، التي توجد فيها كنيسة قديمة على اسم القديس أثناسيوس تذكارًا لكرازته فيها. وبمجهود نيافة الأنبا دميان تنشىء الكنيسة القبطية ديرًا فيها، في منطقة ترير. ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن كرازة القديس أثناسيوس في أوروبا. ولكنه كان ينشئ كنائس، ويتركها لأهلها يديرونها، دون اخضاعها لرئاسته.
ولعل البعض يسأل: ما هو عملنا الكرازي الآن؟
في القديم، امتد عمل الكنيسة الكرازي، حتى وصل إلى النوبة والسودان وأثيوبيا ومنطقة أريتريا. والآن يمكننا أن نتحدث عن عملنا الكرازي في أفريقيا، حيث امتد إلى كينيا وزامبيا وزيمبابوي وجنوب أفريقيا. وأيضًا إلى زائير (الكنغو). وحاليًا نعمل في تنزانيا وأوغنده.
وقد صارت لنا كنائس في كثير من هذه المناطق، ولنا فيها قسوس سواء من الأقباط أو من أهالي تلك البلاد بلغاتهم المحلية. ولنا أسقفان في أفريقيا، أحدهما يسمي “أسقف الكرازة”. وبخدمة نيافة الأنبا أنطونيوس مرقس ونيافة الأنبا بولس، امتد العمل الكرازي في أفريقيا السوداء.
وبنعمة الله تم بناء عديد من الكنائس هناك. وقمنا بتدشين كنائس كثيرة.
في احتفالات وفرح من شعوبها. وإن شاء الله سوف نقوم بتدشين كنائس جديدة في أفريقيا، مع سيامة كهنة جدد من بين شعوبها.
المشكلة الكبيرة التي تقابلنا في العمل الكرازي بأفريقيا هي تعدد اللغات المحلية. وبنعمة الله أمكننا ترجمة القداس الإلهي وبعض الكتب الطقسية إلى كثير من اللغات المحلية في أفريقيا.
والعمل الكرازي مستمر، وبخاصة وسط الكنائس المستقلة.
هذه التي تسلمت المسيحية من المستعمرين الأجانب بطريقة سطحية امتزجت مع دياناتهم البدائية Primitive religions فكان لا بد من تعليمهم المسيحية السليمة، ثم تعميدهم، وسيامة بعض من قياداتهم في رتب الكهنوت. وهم يرحبون بذلك مؤمنين أن كنيسة الإسكندرية (أي الكنيسة القبطية) هي الكنيسة الأم في أفريقيا، وأنها تحمل لهم لاهوتًا أفريقيًا، وأيضًا ليست لها أية أهداف سياسية مثل كنائس المستعمرين الأجانب…
والكنيسة القبطية أيضًا تقوم في تلك المناطق بخدمات اجتماعية.
مثل الخدمات الطبية، أو مراكز للتدريب المهني سواء للرجال أو للنساء، مع بعض الخدمات الاجتماعية. وكل هذه الخدمات تشجعها أيضًا القيادات السياسية والوطنية في تلك البلاد…
والعمل الكرازي له صعوبات، وأيضًا له إكليله وأجره عند الله
كثيرون يرحبون بالخدمة السهلة، ويهربون من الخدمة الصعبة..! أرسلت مرة أحد الآباء إلى أمريكا الجنوبية. فقضى فيها فترة قصيرة ثم “خرج ولم يعد”. وفي مرة أخرى أرسلت أحد الآباء لخدمة السود في أمريكا، ولكنه اختار خدمة الأقباط وترك خدمة السود ولم يرجع إليهم. وحدث مثل هذا في أستراليا أيضًا.
في أستراليا يحتاج الــــ Abarigunals إلى خدمة.
ونعني بهم الأستراليين القدماء (قبل الغزو البريطاني لأستراليا) وهؤلاء يشكون من تفرقة عنصرية، ويحتاجون إلى صدر حنون يفتقدهم. وكنت في إحدى المرات قد كلّفت أحد الآباء بخدمتهم فلم يستمر..
عندما قال السيد المسيح لتلاميذه: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8)
إنما كأن بعبارة “إلى أقصى الأرض” يقصد أمثال هؤلاء وأولئك
هنا ونذكر بالإعجاب عمل بعض المبشرين، الذين جالوا مبشرين باسم المسيح في بلاد شعوبها من “أكلة لحوم البشر”. وقاسوا صعوبات وشدائد كثيرة في عملهم الكرازي، مختارين الدخول إلى الخدمة من “الباب الضيق الذي يؤدي إلى الحياة” (مت7: 13، 14).
بنعمة الله أرسلنا أحد الآباء الكهنة إلى البرازيل.
بدأ خدمته. وكانت خدمة صعبة. ولكنه استمر وظل ثابتًا. لم تكن له كنيسة، فكان يستعير إحدى كنائس واحدة من شقيقاتنا في الأرثوذكسية لساعات محددة. وبمعونة الله أمكن شراء أرض ومبنيين، وصارت الخدمة ميسرة. ونرجو من الله أن يساعده للخدمة في بلاد أخرى في أمريكا اللاتينية، ويمتد عمله الكرازي في الأرجنتين وغيرها…
إن كثيرين ينادون “اعْبُرْ إِلَينا وَأَعِنَّا!” (أع 16: 9).
ونحن لا نستطيع أن نتجاهل صوت أولئك جميعًا. بل لا نستطيع أن نبعد أذاتنا عن قول الرب: “تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ… لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ” (أع18: 9، 10).
البعض في الخدمة السهلة يفضلون العمل بين الأرثوذكس فقط!!
ويبعدون عن العمل مع غير الأرثوذكس، كأنه ليس من اختصاصهم! أو كأن أولئك ليسوا من أولاد الكنيسة! أو أن الله لا يطالبهم بهم! وكل ما يعملونه أنهم يسعون وراء أرثوذكسي جاهز لكي يُدخلوا عليه شيئًا من الديكور أو المونتاج! وينسون أن كثيرًا من الخدام غير الأرثوذكس يأخذون من أولادنا بغير حرج ويضمونهم إلى طوائفهم …
إن العمل وسط الأقباط الأرثوذكس هو عمل يتعلق بالرعاية والقيادة إلى التوبة. ولكنه ليس عملًا كرازيًا
أما العمل الكرازي فهو العمل مع غير الأرثوذكس، ومع البعيدين عن الكنيسة بعدًا كاملًا. أو الذين لا يعرفون شيئًا عن المسيح وعن خلاصه العجيب. هؤلاء الذين تقصدهم وصية الرب حينما قال: “اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” (مر16: 15).
أقول نفس الكلام لكنائسنا في المهجر.
حسن جدًا أن تقوموا بخدمة الأقباط في مناطقكم، لو كنتم تقومون بخدمة جميعهم. ولكن يجب أن تعلموا أن عليكم أيضًا واجبًا كرازيًا من المهم أن تقوموا به…
في الوسط الذي تعيشون فيه أعداد ضخمة من الناس، ومن الشباب والفتيان انحرفوا فكريًا وخلقيًا ودينيًا، وأصبحوا بعيدين تمامًا عن الخلاص الذي أراده المسيح للعالم أجمع. فماذا فعلتم من أجلهم..!
ربما أرسلكم إلى المهجر، لتكونوا نورًا لكل هؤلاء…
تقدمون لهم المبادئ الروحية والمثل الأخلاقية والإيمان السليم، وتكونون لهم نورًا وهداية. فينطبق عليكم ما قاله القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أوْدِعْهُ أنَاسًا امَنَاءَ، يَكُونُونَ أكْفَاءً انْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ ايْضًا” (2تي2: 2).
إن شهود يهوه كان لهم مجهود كبير وسط مجتمعكم. وكذلك المورمون والسبتيون وغيرهم وأنتم ماذا فعلتم؟!
لا شك أنه في إمكانكم أن تفعلوا الكثير، إن أردتم وجاهدتم.
فما هو ثمركم في المجتمع الذي تعيشون فيه؟
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: العمل الكرازي، بمجلة الكرازة 26/ 9/ 1997




