العمل الإيجابي البنّاء

العمل الإيجابي البنّاء[1]
غالبية الناس إن وقعوا في مشكلة، أو وجدوا نوعًا من الضياع، أو الفساد، إما أنهم يبكون ويندبون بسبب هذا الأمر، وإما أنهم يلعنوا ويشتموا ويشهّروا بما حدث لهم. ولكن البكاء على الأخطاء لا يصححها ولا يغيرها التشهير. بل التصحيح يأتي بالعمل الإيجابي وحده، وأذكر هنا ذلك المثل الصيني المشهور الذي يقول:
(بدلًا من أن تلعنوا الظلام أضيئوا شمعة).
يقول سفر التكوين “فِي الْبَدْءِ… كَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” (تك1: 1، 2) وهنا لم يتكلم الرب ضد الظلمة. وإنما قال “لِيَكُنْ نُورٌ” فَكَانَ نُورٌ” (تك1: 3) وهذا هو العمل الإيجابي الذي نريده.
حدث في وقت من الأوقات أن كانت حالة الكنيسة ضعيفة. وكانت الطوائف الأخرى قد اقتحمت الكنيسة، وذلك وقت الاحتلال البريطاني، وفي أيام الخديوي إسماعيل الذي أراد أن تكون القاهرة جزءًا من فرنسا، وأتى بالفرنسيين يعملون في البلد، وكان لهم أثرهم الديني، وضعفت الكنيسة. وهنا ظهر شاب إكليريكي قوي هو الأرشيدياكون حبيب جرجس. لم يبك على حالة الكنيسة وإنما أسس مدارس الأحد وعمل على تقوية الكلية الإكليريكية وكان هو أول خريجيها، وصار يدرّس. واشتهرت مدارس الأحد، وانتشرت في كل مكان. وهو نفسه كان يقيم اجتماعًا للخدام في الكنيسة المرقسية الكبرى، وكان يحضره البابا كيرلس أحيانًا، ويباركه بالصليب وهو يتكلم. وبهذا العمل البناء أمكن وجود خدام في الكنيسة، وبنفس الوضع أنشأ من الإكليريكية جيلًا آخر من الخدام… وكان نور.
إن العمل الإيجابي البناء تعلمناه من السيد المسيح نفسه له المجد: فلما قابل المرأة السامرية لم يوبخها على خطاياها، مع أن سيرتها كانت رديئة جدًا مع خمسة من الرجال. وإنما حدثها عن الماء الحي الذي كل من يشربه لا يعطش، وحدثها عن السجود لله بالروح وبالحق (يو4). وبهذه الطريقة الإيجابية أمكن أن يجتذبها إليه، وصارت مبشرة باسمه في كل مدينتها.
نفس الوضع (العمل الإيجابي البناء) عمله السيد المسيح مع إنسان كان يتعب الكنيسة جدًا، اسمه شاول الطرسوسي. وكان يأخذ خطابات من رؤساء الكهنة اليهود، ويجر رجالًا ونساء إلى السجن. ولعل الناس كانوا يشكون منه، ويطلبون إلى الله أن ينجيهم من هذا الطرسوسي، فالسيد المسيح رأى في ذلك الشخص طاقة عجيبة يستخدمها في اضطهاد الكنيسة. فاستخدم هذه الطاقة (بالعمل الإيجابي البناء) لكي يجعلها طاقة للبنيان. وهكذا حوّله من شخص مضطهد للكنيسة إلى رسول: كل طاقاته يستخدمها في نشر الكرازة ونشر الكلمة والإيمان.
نفس العمل الإيجابي استخدمه السيد المسيح مع زكا العشار. وكان العشارون عمومًا أناسًا ظالمين ومتعبين ويجمعون المال من الناس بدون وجه حق. وكان زكا العشار من البارزين بين العشارين. هذا الشخص لم يوبخه السيد عن حياته المتعبة ولا عن ظلمه لغيره ولا عن باقي سلبياته. وإنما قال له “في هذا اليوم ينبغي أن أمكث في بيتك”. ولما احتج اليهود على دخول الرب في بيت رجل خاطئ مثل زكا. أجابهم الرب: “الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا الْبَيْتِ إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو19: 9، 10).
بهذا الأسلوب العملي البناء تاب زكا وقال للرب: “هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ” (لو19: 8).
وبنفس هذه الطريقة تعامل الرب مع كثير من العشارين والخطاة، وكان يجلس ليتناول الطعام معهم. ولما كان اليهود يتذمرون عليه كيف يجلس مع الخطاة!؟ كان يجيب: “لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى” (مر2: 17). وبهذا العمل الإيجابي البناء كان يربح نفوسهم، لدرجة أنه اختار عشارًا هو متى ليصبح أحد رسله الإثنى عشر.
إن السيد المسيح لم يركز على السلبيات. فلم يوبخ هؤلاء العشارين وإنما تراءف عليهم. وكان يقول للذين حوله: إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك الناس بل ليخلص.
هذه أمثولة وضعها الرب لنا لكي نسلك حسبما سلك هو. وفي أمثاله أيضًا قال إن حقلًا زرعت فيه الحنطة. ثم جاء عدو الخير وزرع فيه الزوان. ولما طلع النبات وجدوا الزوان قد طلع وسط الحنطة، فقيل لصاحب الحقل: هل تشاء يا رب أن نجمع هذا الزوان فقال لهم: أتركوهما ينميان معًا (الزوان مع الحنطة) إلى يوم الحصاد (مت13: 30). ونلاحظ أنه إلى يومنا هذا ما زال الأشرار يعيشون إلى جوار الأبرار إلى يوم الحصاد. وأرانا الرب أن عملنا هو أن نزرع الحنطة لا أن نخلع الزوان.
ومن داخل الكنيسة، لما رأى الرب أن الكهنوت في أيامه قد فسد، ابتدأ بعمل إيجابي بناء في تكوين كهنوت جديد على طقس ملكي صادق. واختار الإثنى عشر رسولًا لكي يكون بهم هذا الكهنوت الجديد. بل من البدء كانت سياسة الرب هكذا: لما وجد العالم قد فسد كوّن له عالمًا جديدًا بواسطة نوح وأولاده… ولما فسد كثيرون من نسل نوح، كون الله له شعبًا جديدًا وأسرة جديدة هي أسرة أبينا إبراهيم. ثم تخصص أيضًا في عمل البناء بأن كون له شعبًا من أصل أبينا يعقوب. وفي الأخر في أيام تجسده كوّن له مجموعة من الإثني عشر، ثم من السبعين، وكان هذا هو عمله الإيجابي البناء.
إن العمل الإيجابي البناء هو الذي يأتي بنتيجة طيبة، أما إذا عمل الواحد منا بالسلبيات فإنه سيتعب نفسه ويتعب غيره… يتعب أعصابه، ويضيّع وقته، ويصطدم بالآخرين. وقد لا يأتي بأية نتيجة. فيا ليت كل إنسان يهتم بالبناء. الهدم سهل، ولكن البناء هو الصعب. لكي يبني إنسان عمارة كبيرة يتعب وينتظر حتى يضع الأساس، ثم يبني ويحتاج إلى عدد كبير من العاملين. أما الهدم سهل جدًا، قنبلة واحدة تهدم العمارة كلها. والهدم إذًا هو عملية سهلة يستطيعها أى ضعيف، أما البناء فهو عمل قوي الذي يقوم به أشخاص أصحاب مواهب.
إذًا لا تبذل كل جهدك في السلبيات التي تجعل حياتك حروبًا وتعبًا. والأب الكاهن الذي يستخدم السلبيات في الكنيسة سيكون له صراع مع لجنة الكنيسة، وصراع مع الذين يعملون في الأمور المالية، وصراع مع الخدام. فهو بالعمل السلبي يتعب ويتعب غيره، أما بالعمل الإيجابي البناء فإنه يفرح ويفّرح غيره.
من جهة محاربة الأخطاء بالطريق السلبي، أتذكر وأنا شاب صغير طالب في الجامعة كان أحد زملائي في الكلية مدمن على التدخين. فنصحته قائلًا: يا حبيبي، السجائر تضرك، وتضيع صحتك، وتضيع مالك، وتضيع الذين حولك فلا بد أن تبطلها. فقال لي: (كل الكلام الذي تقول لي أنا أعرفه أكثر منك لأني مختبره بنفسي. المهم ما هي الطريقة الإيجابية التي أقدر بها أن أخرج من عادة التدخين؟!).
وكان كلام هذا الزميل حقًا ونحن ما زلنا حتى الآن نحارب الإدمان والخمر والسجائر. كل هذه سلبيات ولكن العمل الإيجابي هو كيف نساعد الشخص على أن يتخلص من الإدمان؟
البطالة مثلًا:
ما أكثر الذين هاجموا البطالة ونتائجها. فالشخص يتخرج من الجامعة ولا يجد وظيفة. فبالبطالة لا يستطيع أن يكون له بيتًا وأن يتزوج. وبهذه البطالة تفسد الأخلاق وقد يوجد الزنا الذي يختفي وراء اسم هو الزواج العرفي! كل هذا نقوله من جهة السلبيات. ولكن من جهة العمل الإيجابي، كيف ننتصر على البطالة، على الرغم من أن تعداد الشعب ينمو يومًا بعد يوم؟!
إن الصين التي تعدادها أكثر من ألف مليون، استطاعوا أن ينتصروا على البطالة، وأوجدوا لكل شخص عملًا. وكثر الإنتاج الصناعي عندهم، ولعلك تسأل كيف يمكن تسويق هذا الكم الضخم من الإنتاج؟
إنهم اهتموا بالتسويق قبل التصنيع. وجدوا إن البلاد المسيحية تحتاج إلى الصلبان والأيقونات فصنعوها لهم. ووجدوا أن البلاد الإسلامية تحتاج إلى فانوس رمضان فصنعوه لهم، وإلى السجاد للصلاة فصنعوها لهم. وجدوا أن أمريكا تحتاج للسيارات فصنعوها لهم. ولكثرة الإنتاج رخص الثمن فصار تسويقهم أفضل. أما عندنا فكل شخص يريد أن يجلس إلى مكتب ويعمل مديرًا، ويأمر وينهي! تقول له اشتغل في أمر معقول. يقول لك إن المعقول هو أن أكون مديرًا ورئيس مكتب وأَأمر وأنهي! ونتيجة لهذا يصير الخريجون بلا وظيفة، وغير قادرين على الزواج.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: العمل الإيجابي البنّاء، بمجلة الكرازة 4/ 9 /2009



