العمل الإيجابي البناء

العمل الإيجابي البناء[1]
في حياتنا الروحية وفي خدمتنا، علينا أن نهتم بأعمال البناء وبالأعمال الإيجابية. ولكن فيما نحن نبني حياتنا وحياة الناس، مشتركين مع الروح القدس في العمل، يتدخل الشيطان ليقدم لنا سلبيات لكي ننشغل بها عن عملنا الروحي البناء.
أما الإنسان الحكيم، فهو الذي لا يسمح للسلبيات أن تشغله وتعطله عن عمله الإيجابي. لذلك فهو يسلك في عمل البناء باستمرار، ويبعد عن الأمور السلبية، التي تدخله في صراعات لا تنتهي، يفقد فيها روحياته، ويفقد خدمته، ويتعطل عمله البنّاء.
في الواقع أن السيد المسيح نفسه، هو الذي وضع لنا قاعدة العمل الإيجابي وعدم الانشغال بالسلبيات.
في فترة تجسده على الأرض، حينما بدأ خدمته، كانت هناك أخطاء كثيرة جدًا جدًا في المجتمع الذي عمل فيه… كانت هناك أخطاء تحيط بالقادة: الكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيين والكهنة وشيوخ الشعب… وهناك أخطاء أخرى تحيط بكل من هيرودس وبيلاطس، وبالعشارين ورؤسائهم، وبغير أولئك جميعًا.
ولم يضيّع السيد المسيح وقته في محاسبة كل هؤلاء، إنما كان يجيبهم إن تعرضوا له. وانشغل بالعمل الإيجابي، انشغل بالوعظ والتعليم، وبالإشفاق على المرضى وبالحزانى والمعوزين. وكان باستمرار يجول “يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ” (أع10: 38) “وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْبِ” (مت4: 23) ويقول: “قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ” (مر1: 15).
اشتغل وانشغل بتعليم الناس، وبرعايتهم “تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا” (مت9: 36). كان يعظ على الجبل، ووسط الزروع، وفي الطريق، وفي مواضع خلاء، وفي البيوت، وعلى شاطئ البحيرة، وفي كل مكان، ويشفق على الناس ويهتم بهم، مع أنه “لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ” (لو9: 58).
لم يضيع وقته في مشكلة العشارين كيف يجمعون العشور بطريقة يظلمون فيها الناس، ولا شغل وقته بما يفعله حنان وقيافا ومجمع السنهدريم… إنما كان شغله هو الشعب، وكيف يعلّمه ويرعاه. وهكذا قدم لنا عمليًا ذلك المثل الذي يقول:
بدلًا من أن تلعنوا الظلام، أضيئوا شمعة…
نعم. إن أضأنا شمعة، ينقشع الظلام دون أن نحاربه، ودون أن نعطل عملنا الإيجابي بسببه…
ولكن لعل أحدكم يقول: ولكن السيد المسيح وبّخ الكتبة والفريسيين، وقال لهم: “أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ… لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ! وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ… كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟” (مت23: 24، 13، 14، 33). وكذلك قال للكهنة: “إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ” (مت43:21) ووقف ضد الصدوقيين والناموسيين (مت22). كما أنه طهر الهيكل وقلب موائد الصيارفة. وقال: “مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!” (مت21: 13). فكيف نقول إنه لم تشغله السلبيات؟!
لقد فعل السيد المسيح ذلك في الأسبوع الأخير، لكي يغير القيادات حتى لا تبقى الكنيسة تحت سلطانها… كل ذلك حدث ما بين أحد الشعانين وما قبل الفصح بيومين (مت26: 2) قبل الجلجثة بأيام قليلة. وكان تغيير القيادات الدينية لازمًا قبل صلبه…
أما طوال سنوات الخدمة، فكان اهتمامه كله بالعمل الإيجابي في رعاية الشعب، وتكوين القيادات الجديدة التي يسلمها مفاتيح الملكوت. وخلال تلك السنوات لم يكن يحارب أولئك المنحرفين، بل هم الذين كانوا يحاربونه فيرد عليهم ليشرح لهم الصواب هم والذين يسمعونه…
وهناك مثل عجيب قدمه لنا السيد المسيح عن الملكوت، وهو مثل الحنطة والزوان، وما يحمل من تعليم روحي…
قال إن عدوًا جاء “وَزَرَعَ زَوَانًا فِي وَسَطِ الْحِنْطَةِ وَمَضَى” (مت13: 25). فاقترح عبيد السيد أن يقلعوا الزوان من الحقل. فأجابهم “لاَ! لِئَلاَّ تَقْلَعُوا الْحِنْطَةَ مَعَ الزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ. دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ” (مت13: 29، 30). وفي يوم الحصاد يجمع الزوان ويحرق.
نعم يا إخوتي، ليس عملكم أن تقلعوا الزوان، لئلا تقلعوا حنطتكم معه… عملكم هو أن تنموا كحنطة وعندما يأتي يوم الحصاد العظيم، ينظر الرب إلى حقولكم فيجدها مملوءة حنطة. فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة، وتمتلئ أهراؤه قمحًا…
هذا هو العمل الإيجابي النافع… أما إذا شغلتم وقتكم بجمع الزوان وخلعه من الأرض، فقد تتلفون أعصابكم، وتضيعون روحياتكم، وتقعون في أخطاء لا تعد. كأولئك الذين باسم الإصلاح، استخدموا أسلوب الشتائم والإدانة والتشهير، ووقعوا في الغضب والنرفزة، وفي الحقد والتحطيم، مع الصياح وعلو الصوت، وإعثار الآخرين بما يقولون.
وإذا بهم فيما يخلعون الزوان، صاروا هم زوانًا. لأنه ما هي طبيعة الزوان إلا ما يفعلون! أما روحياتهم فضاعت في غمرة الصراع. وخدمتهم توقفت وأعثرت. ولم يقدموا لا قدوة ولا إصلاحًا… واختبروا واختبر الناس معهم حكمة ما قاله السيد المسيح: “لاَ! لِئَلاَّ تَقْلَعُوا الْحِنْطَةَ مَعَ الزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ”، إن كان الرب قد قال هذا عن الزوان الحقيقي، فماذا يقال إذًا عن الذين يحسبون الحنطة زوانًا، لضعف رؤيتهم، فيتحمسون لخلع الحنطة، ويبقى الزوان وحده في الحقل!! ولا يجد صاحب الحقل شيئًا قد بقي له ليحصده ويضمه إلى مخازنه…
كونوا إذًا حنطة. واحذروا من الانشغال بجمع الزوان.
إن الشغوفين بخلع الزوان يفقدون سلامهم القلبي، ويفقدون التواضع والوداعة، بل يفقدون أيضًا سلامهم مع الناس. وباستمرار تجدهم غاضبين متضايقين، ينفثون غضبهم في الكل. ولا يتحدثون إلاَّ عن الأخطاء والنقاط السوداء. ويصوّرون الحال قاتمًا كئيبًا، ويتحولون إلى شرر من النار يحرق كل ما يصادفه في قسوة وعنف… وفيما يفكرون في خطايا الآخرين، ينسون خطايا أنفسهم!!
أما أنت يا رجل الله، فانشغل ببناء الملكوت في وداعة وهدوء، وفي محبة للكل، وبتواضع قلب.
عملك الإيجابي كخادم هو أن تبني. كما قال القديس بولس الرسول: “لْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَانِ” (1كو14: 26). واعرف أن الذي يبني، دائمًا يصعد إلى فوق أما الذي يهدم، فهو دائما ينزل أو يهبط إلى أسفل…
واحذر وأنت تخلع الزوان من الأرض، أن تقلع الحنطة التي فيك، والتي في سامعيك…
ازرع الحنطة في كل مكان، وأحسن انتقاء ما تلقيه من بذار. ازرع الحب في كل قلب، وقل كلمة عزاء ورجاء، وكلمة منفعة. حتى الأشرار، حاول أن تكسبهم بالحب. وليس معنى هذا أن تخضع للباطل أو تجامله، فتنتقل من الضد إلى الضد.
ولا تبدد طاقاتك في السلبيات. فإن الشيطان مستعد أن يقدم لك سلبيات في كل يوم، ليشغلك بها!!
هو مستعد أن يقدم لك شائعات وأخبارًا في كل يوم، ومشاكل وصراعات ومضايقات. ويكشف لك أسرارًا وأفكارًا، إن أعطيتها مكانًا في ذهنك تتعب أعصابك ونفسيتك… قل لنفسك: ما شأني بكل هذا؟!
أنا وقتي مكرس لخدمتي. لا يجوز لي أن آخذ وقت الله، لكي أقدمه لمناقشة السلبيات.
أحب أن أضرب لك مثلًا بما حدث في تاريخنا الحديث من أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين.
كانت هناك نقائص شديدة في الخدمة، بل لم يكن هناك وعاظ في الكنائس ولا كهنة متعلمون. ولذلك بدأت الطوائف تتأسس وتنمو على حساب الكنيسة.
وكثرت لذلك الانشقاقات والصراعات الداخلية.
البعض استخدم أسلوب الشتائم والانتقادات والتجريح. والبعض دخل مع الكنيسة في صراع وصل إلى المحاكم وأُنفقت أموال طائلة في القضايا…والبعض ظل يبكي على سوء ذلك الحال.
وكل ذلك لم يُجد نفعًا. لا انتفعت الكنيسة بالانتقادات والتجريح، ولا بالانقسام والقضايا. ولا بالبكاء… فكيف تم الإصلاح إذًا؟
تم الإصلاح عن طريق العمل الإيجابي الذي آمن به حبيب جرجس قائد الخدمة في القرن العشرين…
لم ينشغل بكل أخطاء زمانه. وإنما بدأ يعمل: حفر أساسًا ووضع فيه حجرين هما الإكليريكية ومدارس الأحد. وظل يبني. وأخذ البناء يرتفع. وتكوّن عدد كبير من الخدام يعملون في الوعظ والتعليم، في الكنائس وفي الجمعيات وفي مدارس الأحد وفي القرى. وهو يرتل في قلبه للرب قائلًا: “وأما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات يصنعون مشيئتك”.
إنه لم ينتقد النقص، إنما عمل على تزويد الكنيسة بالاحتياجات التي تنقصها.
وجد الكنيسة ينقصها الوعظ، حتى أن كثيرًا من الآباء الكهنة كانوا يقرأون من كتب الوعظ وليست لهم قدرة على الوعظ ولا كفاءة، فلم ينتقد ذلك ولم يملأ الدنيا بكاء على الكنيسة، وإنما بدأ في إعداد الوعاظ والخدام. واستطاع أن يجعل طلبة الإكليريكية ينشئون جمعيات للوعظ أمكنها أن تؤسس 84 فرعًا في القاهرة والجيزة وضواحيها.
ووجد أن الأطفال والشبان لا يجدون من يعلمهم، فلم ينتقد الكنيسة على ذلك ولم يجرحها.
وإنما أنشأ مدارس الأحد التي انتشرت في كل مكان. وبدأ يؤلف الكتب لتدريسها في المدارس العامة، وفي مدارس التربية الكنسية.
التربية الكنسية.
ولما وجد الترانيم البروتستانتية بدأت تزحف وتجد مكانها في بعض الاجتماعات، أخذ ينظم تراتيل على ألحان الكنيسة. وهكذا خدم في كل مجال.
والآن نسيَ الناس كل السلبيات التي كانت موجودة وثبت في ذاكرتهم العمل الإيجابي البنّاء الذي قام به حبيب جرجس، وقدّم به درسًا.
وهنا أذكر عبارة وردت في قصة الخليقة:
قيل: “كَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” (تك1: 2). فما الذي فعله الرب؟ لم يقل الكتاب إن الله لعن الظلمة والخراب. إنما قيل إن “رُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ”، ولم يقل الله: لا تكن ظلمة. إنما “قَالَ اللهُ: “لِيَكُنْ نُورٌ” فَكَانَ نُورٌ” (تك1: 3).
“وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ” (تك1: 4).
والله يدعونا أن نكون نورًا. بل قال: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ” (متى5: 14). وإن صرنا نورًا، سوف ينقشع الظلام من تلقاء ذاته، دون أن نلعن الظلام.
العمل البناء هو العمل الباقي لنا ولغيرنا. والعمل الإيجابي كله ربح، لا خسارة فيه لنا ولا لغيرنا…
أقول هذا لكم، لأني رأيت في طريق الحياة أشخاصًا ينظرون بعيون لا ترى إلا السواد. وأما النقاط البيضاء فلا يرونها، ولا يتحدثون عنها. هم يبحثون عن الظلام، لكي يركزوا عليه وينتقدوه.
وفي كل ذلك يفقدون بشاشتهم ووداعتهم وسلامهم الداخلي. وحديثهم عن الظلام يجعل سامعيهم يفقدون سلامهم أيضًا، ويفقدون فرحهم، ولا يرون الأرض إلا خربة وخالية. وعيون هؤلاء الناقدين لا ترى روح الله يرف على وجه المياه، ولا تسمع صوت الله يقول: “لِيَكُنْ نُورٌ” فَكَانَ نُورٌ” (تك1: 3).
حقًا، ما أجمل قول الكتاب:
“مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ… الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ” (إش52: 7) (نا1: 15).
لقد بدأ العهد الجديد بملائكة يبشرون بالخلاص ويحملون بشارة مفرحة، يقول فيها الملاك: “أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ” (لو2: 10).
ليتكم إذًا في خدمتكم تحملون للناس خبرًا مفرحًا. إن الشعب له من آلامه ما يكفيه، ويحتاج إلى كلمة عزاء تفرحه وتعطيه رجاء: افتحوا له إذًا طاقات من نور. وإن لم تجدوا نورًا على الإطلاق، حاشا… فكونوا أنتم نورًا له. كونوا أصحاب العمل الإيجابي البناء. وقدموا للشعب بعملكم وخدمتكم ما يفرحه.
كونوا كالحمامة التي حملت لنوح ورقة زيتون خضراء. “فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ قَلَّتْ عَنِ الأَرْضِ” (تك8: 11)
وإلى اللقاء في عدد مقبل إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسة الخدمة (16) – العمل الإيجابي البناء”، وطني: 12 ديسمبر 1993م.





