العقوبات الكنسية

العقوبات الكنسية[1]
عقوبات الإكليروس:
كما أن العلماني إذا أخطأ، تُوقَع عليه عقوبة كنسية، كذلك أيضًا الإكليروس إذا أخطأ توقع القوانين عليه عقوبة. وهكذا يسود العدل في كنيسة الله المقدسة. وليس عند الله محاباة.
وكل درجة من درجات الكهنوت يمكن أن تتظلم إليها من ذاتها. فإن لم تنصفك، يمكن أن تشكو إلى درجة أعلى منها. وهكذا حتى تصل إلى البطريرك، ثم إلى المجمع المقدس بلجانه المتخصصة، أو باجتماعه العام.
والبعض يظن أن الإكليروس لا يُحكم عليه إلا إذا هرطق! وهذا خطأ واضح. فهناك أمور عديدة يمكن أن يُحكم فيها على كل درجات الكهنوت.
والأحكام تتفاوت في شدتها أو في مدتها، حسب نوعية الخطايا، أو حسب تكرارها…
الحُكم بالوقف عن عمل الكهنوت
هناك أمور عاجلة، يمكن أن يحكم فيها بالوقف، كإجراء احتياطي أو وقائي، ريثما يتم التحقيق، ويصدر الحكم المناسب. وقد يكون هذا الوقف من سر واحد أو أكثر، من أسرار الكنيسة. كأن يوقف كاهن عن إجراءات سر الزواج مثلًا، إن كان يتلاعب في هذا الأمر، ويسمح بتزويج من تقف موانع شرعية ضد زواجهم. أو كأن يُمنَع من القيام بالقداس الإلهي، إن كان فقد نظره، أو رعشة في يده، أو عدم حرصه تجعل أجزاء من السرائر المقدسة تنسكب أو تسقط أو تتناثر… وقد يوقف كاهن عن تلقي الاعتراف إن كان هناك سبب يدعو إلى ذلك…
وقد يكون الوقف احتياطيًا، ريثما يتم التحقيق، وقد يكون لمدة محددة، وقد يكون بصفة دائمة من جهة أحد الأسرار أو أكثر…
أما الوقف الدائم عن كل أعمال الكهنوت، فإنه يعتبر كأنه شلح… وعلى كلٍ فالوقف الدائم لا بد أن يكون بعد محاكمة يُعطى فيه الكاهن فرصة للدفاع عن نفسه، فقد تثبت براءته.
لا حكم بدون محاكمة
وإذا حَكَمَ أسقف على كاهن بالقطع من الكهنوت، بدون تحقيق ومحاكمة، يكون قد ارتكب خطأ كنسيًا يعرضه هو نفسه للتحقيق والمحاكمة.
لأنه إن كان أهل العالم لا يحكمون إلا بعد تحقيق ومحاكمة، وإعطاء فرصة للدفاع عن النفس، فكم بالأولى رجال الدين المفروض فيهم أن يقدموا مثالية في هذا المجال؟!
ولا عبرة بأن يقول أحدهم إني حكمت بعد الاستماع إلى شهود كثيرين!!
فما أسهل أن يوجد شهود زور… والسيد المسيح نفسه تقدم ضده شهود زور (مت26: 60). ونابوت اليزرعيلي استطاعت الملكة إيزابل أن تأتي بشهود زور يقولون إنه قد جدف (1مل21: 10، 13). والقديس إستفانوس أول الشمامسة قام ضده شهود كذبة (أع6: 13). والقديس أثناسيوس الرسولي أتوا ضده بشهود زور، وكذلك القديس أبا مقار الكبير، والقديس مار أفرام السرياني…
لذلك كلام الشهود يحتاج إلى مناقشة ومواجهة وتحقيق…
وفي عدل المحاكم المدنية لا تُقبَل كل شهادة، بل تناقش الشهود، وتواجه بهم المتهم، وتحقق، وتقيم المحكمة من ذاتها محاميًا عن المتهم، إن لم يقف إلى جواره أحد المحامين، فكم بالأولى التحقيق الذي يجريه رجال الدين، وأحكامهم التي ينبغي أن تصدر بعد الكثير من التروي والتثبت… ولذلك تقول الدسقولية للأسقف:
لا تكن مسرعًا إلى القطع ولا جسورًا، ولا تستخدم المنشار الحاد الأسنان…
اشتراطات وقائية
لذلك اشترطت القوانين الكنسية، كما اشترط الكتاب المقدس نفسه: “أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ… لاَ غَضُوبٍ، وَلاَ ضَرَّابٍ، بَلْ مُتَعَقِّلًا ضَابِطًا لِنَفْسِهِ” (تي1: 7، 8). وأيضًا لا يتصلف (1تي3: 3، 6).. واشترط فيه أيضًا أن يكون “مُفَصِّلًا كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاِسْتِقَامَةِ” (2تي2: 15).
ومن اهتمام الكنيسة بهذه الصفة، وضعتها في القداس الإلهي، وفي أوشية الآباء، واشترطت القوانين في الأسقف أن يكون “طويل الأناة”، وأيضًا أن يكون دارسًا للكتاب، وللشريعة والقوانين، “صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ” (1تي3: 2).. حتى إذا حَكَمَ يكون حكمه مطابقًا للتعليم الصحيح، لا خطأ فيه…
نعود بعد كل هذا للحديث عن الأحكام الخاصة بالإكليروس:
إذا سُيِم الكاهن بالسيمونية:
والسيمونية هي شراء مواهب الروح القدس بالمال، كما حاول سيمون الساحر، فلعنه بطرس الرسول وقال له: “لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ” (أع8: 20). وقد حكمت القوانين بالآتي:
الكاهن الذي يُرسم بالسيمونية يقطع هو والذي رسمه…
وورد في قوانين الرسل (2: 20).. أي أسقف أو قس أو شماس، يملك هذه الدرجة برشوة، فليقطع ويقطع الذي قسمه، ولا يشارك جملة، كما فعلت بسيمون من جهتي أنا بطرس…
كذلك إذا نال أحد سيامتين في درجة واحدة…
فقد ورد في قوانين الرسل (2: 48).. وإذا نال أسقف أو قسيس أو شماس قسمتين في درجة واحدة، فليقطع هو والذي قسمه، ما خلا إذا ثبت أن قسمته أو شرطونيته الأولى كانت من هرطوقي، لأن الذين يعمدون أو يقسمون من قومٍ هكذا، لا يمكن أن يحسبوا مؤمنين أو من الإكليروس…
إذا كان الكاهن ضرَّابًا:
ورد في قوانين الرسل (2: 18) “أيما أسقف أو قس أو شماس ضرب مؤمنًا أو غير مؤمن إذا أخطأ، يريد بذلك الفعل أن يخافه الناس، فنحن نأمر بأن يُقطع، إن الرب لم يعلمنا أن نفعل هكذا”…
إن الضرب فيه إذلال للناس، ولا يتفق مع حنو الآباء واحترام الإنسانية، لذلك فهو ممنوع قانونًا…
الكاهن إذا سَبَّ أسقفه:
ورد عن هذا الموضوع في الدسقولية: إن كان من يقول لأخيه يا أحمق “يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” (مت5: 22). فكيف بمن يقول كلمة سوء على أسقفه، الذي بوضع يده ينال الروح القدس؟!
وورد في قوانين الرسل (2: 38): “إذا عَيَّرَ واحد من الإكليروس الأسقف، فليقطع، لأن الكتاب يقول: “رَئِيسُ شَعْبِكَ لاَ تَقُلْ فِيهِ سُوءاً” (أع23: 5) …
“وإذا عَيَّرَ واحد من الإكليروس قسيسًا أو شماسًا، فليفرق، وإذا استهزأ واحد من الإكليروس بأعرج أو أعمى أو مقعد، فليفرق”… وهكذا يُفعل بالعلماني إذا فعل هذا…
إذا أعطى المال بالربا:
ورد في قوانين الرسل (2: 13): “أيما أسقف أو قس أو شماس، طلب ربا ممن يقرضه، إما أن يكف عن ذلك، وإلا فليقطع” كما ورد في القانون 17 لمجمع نيقية المسكوني المقدس: “يسقط من الكهنوت صاحب أية رتبة كهنوتية يقرض بالربا”…
إذا اشتغل بأعمال الدنيا:
ورد في قوانين الرسل (2: 5): “لا يشتغل أسقف ولا قس ولا شماس بأي عمل من أعمال الدنيا، وإن اشتغل بها فليقطع”.
ذلك لأن المفروض في الإكليروس أن يكون متفرغًا للرب، حسبما قال معلمنا بطرس الرسول للرب: “قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ” (مت19: 27)، (مر10: 28)، (لو18: 28)
إذا اشترك في القداس ولم يتناول:
تقول القوانين الكنسية: “إذا لم يتناول أسقف أو قسيس أو واحد من الإكليروس من القرابين في وقت القداس، إلا إذا قال السبب الذي يمنعه من هذا: فإن كان يجيب، فليغفر له… وإن لم يقل السبب فليفرق، لأنه صار سببًا في بلبلة الشعب” أو “أن تكون للشعب خطية”…
والمقصود بهذا القانون: كالكاهن الذي يلبس ملابس الخدمة، ويشترك في القداس الإلهي، ولا يتناول… ولذلك قيل في نفس القانون: “فليفرق لأنه كان سببًا في أن تكون للشعب خطية، وجعلهم يشكون في الذي حمل القرابين”…
إذا رفض توبة التائب:
يقول القانون الكنسي: “إذا لم يشته الأسقف أو القس أو الشماس أن يقبل الذي رجع عن خطيته، فليقطع، لأنه ألم قلب الرب القائل: “يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ” (لو15: 10) …
إذا أهمل الرعاية:
تقول قوانين الرسل: “إذا توانَى أسقف أو قسيس عن الإكليروس أو الشعب، ولم يعلمهم خدمة الله، فليفرق، وإن دام في قوانينه فليقطع”…
بل تقول قوانين الرسل أيضًا: “إذا قسم أسقف ولم يعظ ويخدم، ولم يهتم بالشعب الذي دُفِعَ إليه، فليفرق إلى أن يعظ، وهكذا القسيس أيضًا…
والمفروض طبعًا هو: إن كانت له هذه الموهبة، ولم يعظ بسبب التواني وعدم الاهتمام، أما إن لم تكن له هذه الموهبة، فالمفروض أن يهتم بالشعب عن طريق استكمال الوعظ بالوعاظ الذين يشبعون الشعب بالتعليم، وورد في القوانين أيضًا: “أيما أسقف أو قسيس تغافل عن واحد بعوز من الإكليروس، ولم يواسه بما يدفعه له، فليفرق، وإذا دام متغافلًا فليقطع كقاتل أخ”…
إذا انفصل الكاهن عن أسقفه:
ورد في القانون الخامس لمجمع أنطاكية المقدس:
“أي قس أو شماس يفصل نفسه عن أسقفه، ويقيم له مذبحًا خاصًا وشعبًا خاصًا، يُقطع أيضًا، هذا فليُعزَل عزلًا لا أمل فيه في الرجوع إلى الخدمة”…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: القوانين الكنسية – العقوبات الكنسية، بمجلة الكرازة: 29/ 5 /2009





