العذراء الملكة
| الكتاب | العذراء الملكة |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثالثة، 2021م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 19685 / 2021 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
العذراء الملكة
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
يسر مركز معلم الأجيال لحفظ ونشر تراث البابا شنوده، أن يقدم الطبعة الثالثة من كتاب "العذراء الملكة"، ونشكر الله الذي عظم صنيعه معنا وأشبع الجموع بهذا الكتاب الممتع، حيث نفذت الطبعتين الأولى والثانية.. وهو بالحقيقة كتاب يحتوي على كنز من التأملات الروحية عن السيدة العذراء... فكما تعودنا من مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث أنه يقدم لنا جددًا وعتقاء..
وفي تأملاته عن السيدة العذراء قدم لنا مزيجًا من التأملات والتفاسير والدروس النافعة من تسبحة أمنا العذراء، وفسر لنا العبارات التي سبحت ومجدت بها الله أثناء لقائها مع أليصابات.
كما قدم لنا نبذة عن أعياد العذراء، ومكانتها في الكنيسة الأرثوذكسية، وبعض الكنائس التي دعيت باسمها.
وأيضًا حدثنا عن بعض ألقابها ورموزها ودلالة كل رمز منهم. فمثلاً من ألقابها: (ثيئوطوكوس) أي "والدة الله".. والسماء الثانية وغيرها...
ومن رموزها "تابوت العهد"، و"قسط المنِّ"، موضحًا أن المن كان رمزًا للسيد المسيح، باعتباره الخبز الحي الذي نزل من السماء، كل من يأكله يحيا به، وهو أيضًا خبز الحياة (يو6: 32، 35، 48). وما دام السيد المسيح يشبّه بالمن، فيمكن إذًا تشبيه العذراء بقسط المن، الذي حمل هذا الخبز السماوي داخله.
وإذ نضع هذه الجواهر المقدسة بين يديك، نطلب صلواتك أيها القارئ الحبيب ومؤازرتك لنا في تجميع هذا التراث الفائق في قيمته، ونتمنى لك أوقاتًا مقدسة تعيشها مع كلمات أبينا الحبيب، ترتفع فيها مع السيدة العذراء في فضائلها وصمتها واحتمالها وحياتها المقدسة، التي تعتبر قدوة ونموذجًا لنا جميعًا توصلنا إلى السماء وتتشفع لدى ابنها الحبيب من أجلنا...
القمص بطرس بطرس جيد
مركز معلم الأجيال
لحفظ ونشر تراث البابا شنوده الثالث
أمـنا القديسة العـذراء
أمـنا القديسة العـذراء
لا توجد امرأة تنبأ عنها الأنبياء واهتم بها الكتاب، مثل مريم العذراء.. رموز عديدة عنها في العهد القديم. وكذلك سيرتها وتسبحتها والمعجزات في العهد الجديد.
وما أكثر التمجيدات والتأملات التي وردت عن العذراء في كتب الآباء، وما أمجد الألقاب التي تلقبها بها الكنيسة، مستوحاة من روح الكتاب...
إنها أمنا كلنا، وسيدتنا كلنا، وفخر جنسنا، الملكة القائمة عن يمين الملك، العذراء دائمة البتولية، الطاهرة، المملوءة نعمة، القديسة مريم، الأم القادرة المعينة الرحيمة، أم النور، أم الرحمة، والخلاص الكرمة الحقانية. هذه التي ترفعها الكنيسة فوق مرتبة رؤساء الملائكة فنقول عنها في تسابيحها، وألحانها: "علوت يا مريم فوق الشاروبيم.. وسموت يا مريم فوق السارافيم".
مريم التي تربت في الهيكل، وعاشت حياة الصلاة والتأمل منذ طفولتها، وكانت الإناء المقدس الذي اختاره الرب للحلول فيه.
أجيال طويلة انتظرت ميلاد هذه العذراء، لكي يتم بها ملء الزمان (غل4: 4).
هذه التي أزالت عار حواء، وأنقذت سمعة المرأة بعد الخطية.. إنها والدة الإله.. دائمة البتولية.
إنها العذراء التي ظهرت في الزيتون عام 1968م، وجذبت إليها مشاعر الجماهير، بنورها، وظهورها، وافتقادها لنا...
وهي العذراء التي تجري معجزات في أماكن عديدة، نعيد لها فيها، وقصص معجزاتها هذه لا تدخل تحت حصر...
إن العذراء ليست غريبة علينا، فقد اختلطت بمشاعر الأقباط في عمق، خرجت من العقيدة إلى الخبرة الخاصة والعاطفة. ما أعظمه شرفًا لبلادنا وكنيستنا أن تزورها السيدة العذراء في الماضي، وأن تتراءى على قبابها منذ سنين طويلة!!!
لم توجد إنسانة أحبها الناس في المسيحية مثل السيدة العذراء مريم. وفي مصر، غالبية الكنائس تحتفل بعيدها.
وفي الطقوس، ما أكثر المدائح والتراتيل، والتماجيد والإبصاليات والذكصولوجيات الخاصة بها، وبخاصة في شهر كيهك. ولها عند إخوتنا الكاثوليك شهر يسمى "الشهر المريمي"...
وفي أديرة الرهبان في مصر يوجد على اسمها: دير البراموس، ودير السريان، ودير المحرق، أي ربع الأديرة الحالية.
ويوجد دير للراهبات في حارة زويلة بالقاهرة. وما أكثر الأديرة والمدارس التي على اسمها في كنائس الغرب.
أقدم كنائس باسمها
أقدم كنيسة بنيت على اسم العذراء في العصر الرسولي هي كنيسة فيلبي. وأقدم كنيسة بنيت باسمها في مصر، كانت في عهد البابا ثاؤنا البطريرك الـ 16 (سنة 274م).
ومن أشهر كنائسها، كنيسة دير المحرق التي دُشِّنَت في عهد البابا ثاؤفيلس (الـ23) في بداية القرن الخامس (6 هاتور).
وكذلك الكنائس التي بنيت في الأماكن التي زارتها في مصر.
وبهذه المناسبة توجد لنا كنيستان في أوروبا باسم "عذراء الزيتون" إحداهما في فرنسا والثانية في فيينا.
عـظـــمة العــذراء
عظمة العذراء قررها مجمع أفسس المسكوني المقدس، الذي انعقد سنة 431م بحضور مائتين من أساقفة العالم، ووضع مقدمة قانون الإيمان التي ورد فيها: "نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله، لأنك ولدت لنا مخلص العالم، أتى وخلص نفوسنا".
فعلى أي الأسس وضع المجمع المسكوني هذه المقدمة؟ هذا ما سنشرحه الآن:
العذراء: هي القديسة المطوبة، التي يستمر تطويبها مدى الأجيال، كما ورد في تسبحتها: "هُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو1: 48).
والعذراء تلقبها الكنيسة بالملكة وقد قال المرتل: " قامَت الملِكةُ عَنْ يَمينِ المَلكِ" (مز9:45).
ولذلك فإن كثيرًا من الفنانين، حينما يرسمون صورة العذراء يضعون تاجًا على رأسها، وتبدو في الصورة عن يمين السيد المسيح.
ويبدو تبجيل العذراء في تحية الملاك جبرائيل لها: "سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الممتلئة نعمة! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" (لو1: 28) أي ببركة خاصة، شهدت بها أيضًا القديسة أليصابات، التي صرخت بصوت عظيم وقالت لها: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ" (لو1: 42).
وأمام عظمة العذراء تصاغرت القديسة أليصابات في عيني نفسها، مع أن أليصابات كانت تعرف أن ابنها سيكون عظيمًا أمام الرب، وأنه يأتي بروح إيليا وقوته (لو1: 15، 17)، وقالت في شعور بعدم الاستحقاق: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو1: 43).
ولعل من أوضح الأدلة على عظمة العذراء، ومكانتها لدى الرب، أنه بمجرد وصول سلامها إلى أليصابات، امتلأت أليصابات من الروح القدس، وأحس جنينها فارتكض بابتهاج في بطنها. وفي ذلك يقول الوحي الإلهي: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 41).
إنها حقًا عظمة مذهلة، أن مجرد سلامها يجعل أليصابات تمتلئ من الروح القدس! مَن مِن القديسين، تسبب سلامه في أن يمتلئ غيره من الروح القدس؟! ولكن هوذا أليصابات تشهد وتقول: "فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو1: 44).
امتلأت أليصابات من الروح القدس بسلام مريم، وأيضًا نالت موهبة النبوة والكشف: فعرفت أن هذه هي أم ربها، وأنها "آمنت بما قيل لها من قبل الرب" كما عرفت أن ارتكاض الجنين، كان عن "ابتهاج". وهذا الابتهاج طبعًا بسبب المبارك الذي في بطن العذراء "مباركة هي ثمرة بطنك" (لو1: 41- 45).
عظمة العذراء تتجلى في اختيار الرب لها، من بين كل نساء العالم...
الإنسانة الوحيدة التي انتظر التدبير الإلهي آلاف السنين حتى وجدها، ورآها مستحقة لهذا الشرف العظيم الذي شرحه الملاك جبرائيل بقوله: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
العذراء في عظمتها، تفوق جميع النساء
لهذا قال عنها الوحي الإلهي: "بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا" (أم31: 29). ولعله من هذا النص الإلهي، أخذت مديحة الكنيسة "نساء كثيرات نلن كرامات، ولم تنل مثلك واحدة منهن"..
هذه العذراء القديسة، كانت في فكر الله وفي تدبيره، منذ البدء.
ففي الخلاص الذي وعد به أبوينا الأولين، قال لهما إن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تك3: 15). هذه المرأة هي العذراء، ونسلها هو المسيح، الذي سحق رأس الحية على الصليب...
حياة أحاطت بها المعجزات
تبدأ المعجزات في حياة العذراء قبل ولادتها، وتستمر بعد نياحتها، ومنها:
1- حُبل بها بمعجزة، من والدين عاقرين، ببشرى من الملاك.
2- معجزة خطوبتها، بطريقة إلهية حددت الذي يأخذها ويرعاها.
3- معجزة في حبلها بالمسيح وهي عذراء، مع استمرار بتوليتها بعد الولادة.
4- معجزة في زيارتها لأليصابات، التي لما سمعت صوت سلامها، ارتكض الجنين بابتهاج في بطنها وامتلأت بالروح القدس.
5- معجزات لا تدخل تحت حصر أثناء زيارتها لأرض مصر، منها سقوط الأصنام (إش19: 1).
6- أول معجزة أجراها الرب في قانا الجليل كانت بطلبها.
7- معجزة حل الحديد وإنقاذ متياس الرسول، كانت بواسطتها.
8- معجزة استلام المسيح لروحها، ساعة وفاتها.
9- معجزة ضرب الرب لليهود، لما أرادوا الاعتداء على جثمانها بعد نياحتها.
10- معجزة صعود جسدها إلى السماء.
11- المعجزات التي تمت على يديها في كل مكان، وضعت فيها كتب.
12- ظهورها في أماكن متعددة، وبخاصة ظهورها العجيب في كنيستنا بالزيتون، وفي بابا دبلو وفي أسيوط.
وما زالت المعجزات مستمرة في كل مكان، وستستمر شهادة لكرامة هذه القديسة.
فضائل العذراء
فضائل العذراء
حياة الاتضاع
كان الاتضاع شرطًا أساسيًّا لمن يولد منها رب المجد. كان لا بد أن يولد من إنسانة متضعة، تستطيع أن تحتمل مجد التجسد الإلهي منها... مجد حلول الروح القدس فيها.. ومجد ميلاد الرب منها، ومجد جميع الأجيال التي تطوبها، واتضاع أليصابات أمامها قائلة لها: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو1: 43). كما تحتمل كل ظهورات الملائكة، وسجود المجوس أمام ابنها. والمعجزات الكثيرة التي حدثت من ابنها في أرض مصر، بل نور هذا الابن في حضنها.
لذلك كان "مِلْءُ الزَّمَانِ" (غل4: 4) ينتظر هذه الإنسانة التي يولد ابن الله منها. وقد ظهر الاتضاع في حياتها كما سنرى:
بشرها الملاك بأنها ستصير أمًا للرب، ولكنها قالت: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ" (لو1: 38) أي عبدته وجاريته. والمجد العظيم الذي أعطِيَ لها لم ينقص إطلاقًا من تواضعها. بل إنه من أجل هذا التواضع منحها الله هذا المجد، إذ "نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ" فصنع بها عظائم (لو1: 48، 49).
وظهر اتضاع العذراء أيضًا في ذهابها إلى أليصابات لكيما تخدمها في فترة حبلها. فما أن سمعت أنها حبلي – وهي في الشهر السادس- حتى سافرت إليها في رحلة شاقة عبر الجبال. وبقيت عندها ثلاثة أشهر، حتى تمت أيامها لتلد (لو1: 39- 56) فعلت ذلك وهي حبلى برب المجد.
ومن اتضاعها عدم حديثها عن أمجاد التجسد الإلهي.
حياة التسليم
عاشت قديسة طاهرة في الهيكل.. ثم جاء وقت قيل لها فيه أن تخرج من الهيكل. فلم تحتج ولم تعترض. مثلما تفعل كثير من النساء اللائي يمنعهن القانون الكنسي من دخول الكنيسة في أوقات معينة. فيتذمرن، ويجادلن كثيرًا في احتجاج!
وكانت تريد أن تعيش بلا زواج، فأمروها أن تعيش في كنف رجل، حسبما تقتضي التقاليد في أيامها.. فلم تحتج وقبلت المعيشة في كنف رجل، مثلما قبلت الخروج من الهيكل.
كانت تحيا حياة التسليم، لا تعترض: ولا تقاوم، ولا تحتج، بل تسلم لمشيئة الله في هدوء، بدون جدال.
كانت قد صممت على حياة البتولية، ولم تفكر إطلاقًا في يوم من الأيام أن تصير أمًا. ولما أراد الله أن تكون أمًا، بحلول الروح القدس عليها (لو1: 35) لم تجادل، بل أجابت بعبارتها الخالدة: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لو1: 38).. لذلك وهبها الله الأمومة، واستبقى لها البتولية أيضًا، وصارت أمًا، الأمر الذي الذي لم تفكر فيه إطلاقًا.. بالتسليم، صارت أمًا للرب.. بل أعظم الأمهات قدرًا.
وأُمرت أن تهرب إلى مصر، فهربت. وأُمِرَت أن ترجع من مصر، فرجعت، أُمِرَت أن تنقل موطنها من بيت لحم وتسكن الناصرة، فانتقلت وسكنت.
كانت إنسانة هادئة، تحيا حياة التسليم، بلا جدال، لذلك فإن القدير صنع بها عظائم.. إذ نظر إلى اتضاع أمته.
حياة الاحتمال
تيتمت من والديها الاثنين وهي في الثامنة من عمرها، وتحملت حياة اليتم. وعاشت في الهيكل وهي طفلة، واحتملت حياة الوحدة فيها. وخرجت من الهيكل لتحيا في كنف نجار واحتملت حياة الفقر. كما احتملت التعب في خدمة الآخرين مثل تعبها في رحلة لزيارة أليصابات وخدمتها (مع أنها شابة في حوالي السادسة عشر من عمرها) لم يكن ممكنًا أن تصرح بأنها ولدت وهي عذراء، فصمتت واحتملت ذلك. احتملت السفر الشاق إلى مصر ذهابًا وإيابًا. واحتملت طردهم لها هناك من مدينة إلى أخرى، بسبب سقوط الأصنام أمام المسيح (إش19: 1). احتملت الغربة والفقر. احتملت أن "يَجُوزُ فِي نَفْسِها سَيْفٌ" (لو2: 35) بسبب ما لاقاه ابنها من اضطهادات وإهانات، إلى جوار احتمالها التعب النفسي، حينما كانت ترى اضطهادات القيادات الدينية اليهودية لابنها، وأخيرًا آلام وعار الصلب...
هناك نوع آخر من الاحتمال قد اختبرته القديسة العذراء مريم:
وهو احتمال ترك المشيئة. فما كانت تظن يومًا أنها ستحبل وتلد ولكن لما أخبرها الملاك أن هذه إرادة الله، أجابت في ترك لمشيئتها "ليكن لي كقولك" لم يكن ممكنًا أن تصرح بأنها ولدت وهي عذراء، فصمتت واحتملت ذلك.
احتملت السفر الشاق إلى مصر ذهابًا وإيابًا. واحتملت طردهم لها هناك من مدينة إلى أخرى، بسبب سقوط الأصنام أمام المسيح (إش19: 1).
لم تكتفِ العذراء – سلبيًا بالاحتمال – بل عاشت في الفرح بالرب. كما قالت في تسبحتها "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47).
الإيمان وعدم التذمر
في كل ما احتملته، لم تتذمر إطلاقًا. وفي تهديد ابنها بالقتل من هيرودس، وفي الهروب إلى مصر، وفي ما لاقاه من اضطهاد اليهود، لم تقل وأين البشارة: "وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1: 32، 33) بل صبرت. وكما قالت عنها أليصابات: "فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (لو1: 45).
آمنت بأنها ستلد وهي عذراء. وتحقق لها ذلك.
وآمنت بأن "الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35) على الرغم من ميلاده في مذود.. وتحقق لها ما آمنت به، عن طريق ما رأته من رؤى ومن ملائكة، ومن معجزات تمت على يديه. آمنت بكل هذا على الرغم من كل ما تعرضت له من اضطهادات... آمنت به وهو مصلوب. فرأته بعد أن قام من الأموات (مت28).
الصمت والصلاة والتأمل
صار الصمت من مميزات روحياتها. فعلى الرغم من أنها في أحداث الميلاد: رأت أشياء عجيبة ربما تفوق احتمال سنها كفتاة صغيرة، وما أحاط بها من معجزات، ومن أقوال الملائكة والرعاة والمجوس.. فلم تتحدث مفتخرة بأمجاد الميلاد، بل "كَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا" (لو2: 19).
إن العذراء الصامتة المتأملة، درس لنا، فليتنا مثلها. نتأمل كثيرًا، ونتحدث قليلًا. على أني أرى أنه لما حان الوقت أن تتكلم، صارت مصدرًا للتقليد الكنسي، في بعض الأخبار التي عرفها منها الرسل وكاتبو الأناجيل: عن المعجزات والأخبار أثناء الهروب إلى مصر، وعن حديث المسيح وسط المعلمين في الهيكل وهو صغير (لو2: 46، 47).
فضائل أخرى
لقد اختار الرب هذه الفتاة الفقيرة اليتيمة لتكون أعظم امرأة في الوجود. وكانت تملك في فضائلها ما هو أعظم من الغنى. من فضائلها أيضًا قداستها الشخصية، وعفتها وبتوليتها، ومعرفتها الروحية، وخدمتها للآخرين. وأمومتها الروحية للآباء الرسل.. ويعوزنا الوقت أن نتحدث عن كل فضائلها...
العذراء مريم في عقيدة الكنيسة
العذراء مريم في عقيدة الكنيسة
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تكرم السيدة العذراء الإكرام اللائق بها، دون مبالغة، ودون إقلال من شأنها.
فهي في اعتقاد الكنيسة "والدة الإله "وليست والدة (يسوع) كما ادّعى النساطرة، الذين حاربهم القديس كيرلس الإسكندري، وحرمهم مجمع أفسس المسكوني المقدس.
والكنيسة تؤمن أن الروح القدس قد قدس مستودع العذراء أثناء الحبل بالمسيح، وذلك كما قال لها الملاك: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
وتقديس الروح القدس لمستودعها، يجعل المولود منها يُحبل به بلا دنس الخطية الأصلية. أما العذراء نفسها، فقد حبلت بها أمها كسائر الناس، وهكذا قالت العذراء في تسبحتها: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47) لذلك لا توافق الكنيسة على أن العذراء حُبل بها بلا دنس الخطية الأصلية كما يؤمن إخوتنا الكاثوليك.
وتؤمن الكنيسة بشفاعة السيدة العذراء.. وتضع شفاعتها قبل الملائكة ورؤساء الملائكة، فهي والدة الإله، وهي الملكة القائمة عن يمين الملك.
والكتاب يلقب العذراء بأنها "الممتلئة نعمة". وللأسف فإن الترجمة البيروتية – إقلالًا من شأن العذراء – تترجم هذا اللقب بعبارة "المنعم عليها".. وكل البشر منعم عليهم، أما العذراء فهي الممتلئة نعمة.. على أن النعمة لا تعني العصمة.
والكنيسة تؤمن بدوام بتولية العذراء. ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى إخوتنا البروتستانت. الذين ينادون بأن العذراء أنجبت بنين بعد المسيح.
وتؤمن الكنيسة بصعود جسد العذراء إلى السماء، وتعيد له في 16 مسرى.
ألقابها ورموزها
ألقابها ورموزها
ألقاب من حيث عظمتها وصلتها بالله
نلقبها بالملكة: القائمة عن يمين الملك. ونذكر في ذلك قول المزمور: "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك" (مز45: 9). ولذلك دائمًا ترسم في أيقونات على يمين السيد المسيح. ونقول عنها في القداس الإلهي "سيدتنا وملكتنا كلنا".
نقول عنها أيضًا "أمنا القديسة العذراء". وفي ذلك قول السيد المسيح وهو على الصليب لتلميذه القديس يوحنا الحبيب: "هُوَذَا أُمُّكَ" (يو19: 27).
وتشبه العذراء أيضًا بسلم يعقوب، ذلك السلم الذي كان واصلًا بين الأرض والسماء (تك28: 12). وهذا رمز للعذراء التي بولادتها للمسيح، أوصلت سكان الأرض إلى السماء.
وقد لقبت العذراء أيضًا بالعروس، لأنها العروس الحقيقية لرب المجد. وتحقق فيها قول الرب لها في المزمور: "اِسْمَعِي يَا بِنْتُ وَانْظُرِي، وَأَمِيلِي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ، فَيَشْتَهِيَ الْمَلِكُ حُسْنَكِ، لأَنَّهُ هُوَ سَيِّدُكِ فَاسْجُدِي لَهُ" (مز45: 9، 10).
ولذلك لقبت بصديقة سليمان، أي عذراء النشيد. وقيل عنها في نفس هذا المزمور "كل مجد ابنة الملك من داخل، مشتملة بأطراف موشاة بالذهب مزينة بأنواع كثيرة".
ونلقبها أيضًا بلقب الحمامة الحسنة، متذكرين الحمامة الحسنة التي حملت لأبينا نوح غصنًا من الزيتون، رمزًا للسلام، تحمل إليه بشرى الخلاص من مياه الطوفان (تك8: 11). وبهذا اللقب يبخر الكاهن لأيقونتها وهو خارج من الهيكل، وهو يقول: "السلام لك أيتها العذراء مريم الحمامة الحسنة".. والعذراء تشبه بالحمامة الحسنة في بساطتها وطهرها وعمل الروح القدس فيها، وتشبه الحمامة التي حملت بشرى الخلاص بعد الطوفان، لأنها حملت بشرى الخلاص بالمسيح.
وتشبه العذراء أيضًا بالسحابة، لارتفاعها من جهة، ولأنه هكذا شبهتها النبوة في مجيئها إلى مصر، نورد عن ذلك ما جاء ذكره في سفر إشعياء النبي: "وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ: هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا" (إش19: 1). وعبارة سحابة ترمز إلى ارتفاعها. وترمز إلى الرب الذي يجيء على السحاب (رؤ1: 7).
ألقابها ورموزها من حيث أمومتها للسيد المسيح
من الألقاب التي وصفت بها العذراء (ثيئوطوكوس) أي "والدة الله".. وهذا اللقب الذي أطلقه عليها المجمع المسكوني المقدس المنعقد في أفسس سنة431م. وهو اللقب الذي تمسك به القديس كيرلس الكبير ردًا على نسطور...
وبهذا اللقب "أُمُّ رَبِّي" خاطبتها القديسة أليصابات (لو1: 43).
من ألقابها أيضًا المجمرة الذهب، ونسميها (تي شوري) أي المجمرة بالقبطية. وأحيانًا شورية هرون... أما الجمر الذي في داخلها، ففيه الفحم يرمز إلى ناسوت المسيح، والنار ترمز إلى لاهوته، كما قيل في الكتاب: "لأَنَّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عب12: 29).
فالمجمرة ترمز إلى بطن العذراء الذي فيه كان اللاهوت متحدًا بالناسوت. وكون المجمرة من ذهب، فهذا يدل على عظمة العذراء ونقاوتها. ونظرًا لطهارة العذراء وقدسيتها، فإن العذراء نسميها في ألحانها المجمرة الذهب.
وتلقب العذراء أيضًا بالسماء الثانية، لأنه كما أن السماء هي مسكن الله، هكذا كانت العذراء مريم أثناء الحمل المقدس مسكنًا لله.
ولقبت العذراء كذلك بمدينة الله، وتتحقق فيها النبوءة التي في المزمور: "قَدْ قِيلَ بِكِ أَمْجَادٌ يَا مَدِينَةَ اللهِ: سِلاَهْ" (مز87: 3)، أو يقال عنها: "مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ" (مت5: 35).. أو تتحقق فيها نبوءات معينة قد قيلت عن أورشليم.. أو صهيون كما قيل أيضًا في المزمور: "وَلِصِهْيَوْنَ يُقَالُ: «هذَا الإِنْسَانُ، وَهذَا الإِنْسَانُ وُلِدَ فِيهَا، وَهِيَ الْعَلِيُّ يُثَبِّتُهَا" (مز87: 5).
وبهذه الصفة لقبت بالكرمة التي وجد فيها عنقود الحياة. أي السيد المسيح. وبهذا اللقب تتشفع بها الكنيسة في صلاة الساعة الثالثة، وتقول لها: "يا والدة الإله، أنت هي الكرمة الحقانية الحاملة عنقود الحياة"...
وبصفة هذه الأمومة لها ألقاب أخرى منها
أم النور الحقيقي، على اعتبار أن السيد المسيح قيل عنه إنه: "النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ" (يو1: 9). وبنفس الوضع لقبت بالمنارة الذهبية، لأنها تحمل النور.
أم القدوس، على اعتبار أن الملاك حينما بشرها بميلاد المسيح قال لها: "فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
أم المخلص، لأن السيد المسيح هو مخلص العالم. وقد دُعِيَ "اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت1: 21).
ومن رموزها أيضًا العليقة، التي رآها موسى النبي (خر3: 2).. ونقول في المديحة "العليقة" التي رآها موسى النبي في البرية، مثال أم النور طوباها حملت جمر اللاهوتية، تسعة أشهر في أحشاها ولم تمسسها بأذية". فالسيد الرب قيل عنه إنه "نار آكلة" (عب12: 29) ترمز إلى النار التي تشتعل داخل العليقة. والعليقة ترمز للقديسة العذراء.
ومن رموزها أيضًا تابوت العهد، وكان هذا التابوت من خشب السنط الذي لا يسوس. مغشي بالذهب من الداخل والخارج (خر25: 10، 11)، رمزًا لنقاوة العذراء وعظمتها. وكانت رمزًا أيضًا لما يحمله التابوت في داخله من أشياء ترمز إلى السيد المسيح.
فقد كان يحفظ فيه "قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ" (عب9: 4). ولوحا الشريعة رمزًا لكلمة الله المتجسد.
وهكذا تشبّه العذراء أيضًا بقسط المنِّ، لأن المن كان رمزًا للسيد المسيح، باعتباره الخبز الحي الذي نزل من السماء، كل من يأكله يحيا به، أو هو أيضًا خبز الحياة (يو6: 32، 35، 48). وما دام السيد المسيح يشبّه بالمن، فيمكن إذًا تشبيه العذراء بقسط المن، الذي حمل هذا الخبز السماوي داخله.
وتشبه العذراء أيضًا بعصا هارون التي أفرخت، أي أزهرت وحملت براعم الحياة بمعجزة (عدد 17: 6- 8).
مع أن العصا أصلًا لا حياة فيها يمكن أن تفرخ زهرًا وثمرًا. وذلك يرمز لبتولية العذراء التي ما كان ممكنًا أن تفرخ أي تنتج نسلًا. إنما ولدت بمعجزة، وورد هذا الوصف في إبصالية الأحد.
خيمة الاجتماع (قبة موسى)، خيمة الاجتماع، كان يحل فيها الرب، والعذراء حلّ فيها الرب. وفي الأمرين أظهر الله محبته لشعبه. وهكذا نقول في الإبصلمودية: "القبة التي صنعها موسى على جبل سيناء، شبهوك بها يا مريم العذراء.. التي الله داخلها".
وتشبه العذراء بالباب الذي في المشرق، ذلك الذي رآه حزقيال النبي وقال عنه الرب: "هذَا الْبَابُ يَكُونُ مُغْلَقًا، لاَ يُفْتَحُ وَلاَ يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقًا" (حز44: 2). وهذا الباب الذي في المشرق، رأى عنده النبي مجد الرب، وقد ملأ البيت (حز43: 5،4،2).
وهذا يرمز إلى بتولية العذراء، التي كانت من بلاد المشرق. وكيف أن هذه البتولية ظلت مختومة.
ولأنها هذا الباب الذي في المشرق، وصفت بأنها:
باب الحياة، باب الخلاص، السيدة العذراء قيل عنها في سفر حزقيال إنها الباب الذي دخل منه رب المجد وخرج (حز44: 2).
فإذا كان الرب هو الحياة، تكون هي باب الحياة، وقد قال الرب: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ.." (يو11: 25). ولذلك تكون العذراء هي باب الحياة، الباب الذي خرج منه الرب مانحًا حياة لكل المؤمنين به...
وإذا كان الرب هو الخلاص، إذ جاء خلاصًا للعالم، لكي يطلب ويخلص ما قد هلك (لو19: 10)، حينئذ تكون العذراء هي باب الخلاص.
وليس غريبًا أن تلقب العذراء بالباب، فالكنيسة أيضًا لقبت بالباب. وقال أبونا يعقوب عن بيت إيل "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17).
شبهت أيضًا بقدس الأقداس، هذا الذي كان يدخله رئيس الكهنة مرة واحدة كل سنة، ليصنع تكفيرًا عن الشعب كله. ومريم العذراء حلّ في داخلها رب المجد مرة واحدة لأجل فداء العالم كله.
تطويب السيدة العذراء
تطويب السيدة العذراء
ما أكثر التطويبات التي أعطيت للعذراء.
وردت في ألحان الكنيسة وفي التسبحة، في التذاكيات والمدائح وفي الذكصولوجيات، في كل يوم من أيام أعيادها، وفي الإبصلمودية الكيهكية، وفي تراتيل الكنيسة، وفي الإبصلمودية السنوية.
وتذكرها الكنيسة في مجمع القديسين، قبل رؤساء الملائكة، وهكذا في كل تشفعاتها. والكنيسة في تطويب السيدة العذراء، إنما تحقق النبوة التي قالتها في تسبحتها: "فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو1: 48).
والكنيسة تقدم لها البخور، وتقدم لها السلام. وما أكثر التسابيح التي تبدأ بعبارة "السلام لمريم" (شيري ني ماريا) أو التسابيح التي تبدأ بعبارة "افرحي يا مريم". أو التسبحة التي يحرك فيها داود النبي الأوتار العشرة في قيثارته، وفي كل وتر يذكر تطويبًا لها.
نذكرها في الأجبية وفي القداس، وفي كل كتب الكنيسة.. في السنكسار، وفي الدفنار، وفي القطمارس، وفي الإبصلمودية، وفي كتب المردات والألحان.. في صلوات الأجبية، نذكرها في القطعة الثالثة في كل ساعة من ساعات النهار متشفعين بها. ونذكرها في قانون الإيمان، إذ نقول في مقدمته: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله" نذكرها في صلاة البركة، أولًا وأخيرًا".
أيقونة العذراء
هناك فرق بين صور للتأمل، وأيقونة للطقس.
ففي الأيقونات لا بد تظهر مع المسيح باعتبارها والدة الإله. وتكون عن يمينه، إذ قيل في المزمور: "قامت الملكة عن يمينك أيها الملك" (مز45: 9).
ولأنها ملكة يكون على رأسها تاج، وكذلك المسيح. وكقديسة يكون حول رأسها هالة من نور، إذ قال الرب: "أنتم نور العالم" (مت5: 14).. ولأنها السماء الثانية، توجد حولها نجوم وملائكة وسحاب.
اشفعي فينا أيتها العذراء القديسة، ليشملنا الرب برحمته.
التأمل في عظمة الله
التأمل في عظمة الله
هناك فضائل نتعلمها من حياة السيدة العذراء ومنها فضيلة التأمل في عظمة الله. فلما كان تدبير الله، أن تتيتم العذراء، وأن تعيش في الهيكل. وفي الهيكل تعلمت حياة الوحدة والصمت، وأن تنشغل بالصلاة والتأمل. وإذ فقدت محبة وحنان والديها، انشغلت بمحبة الله وحده.
وهكذا عكفت على الصلاة والتسبحة وقراءة الكتاب المقدس، وحفظ الكثير من آياته، وحفظ المزامير. ولعل تسبحتها في بيت أليصابات دليل واضح على ذلك. فغالبية كلماتها مأخوذة من المزامير وآيات الكتاب.
وفي حديث أليصابات مع العذراء، مدحتها بقولها: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟.. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (لو1: 42- 45) فلم تشأ أن تجعلها تسترسل في مديحها؛ بل حولت موضوع اللقاء من مديح لها إلى مديح للرب، وأنشدت تسبحتها المشهورة "تعظم نفسي الرب" وهكذا قطعت على أليصابات مديحها لها، وحولت أفكارها إلى الرب.
في الواقع أننا نجد فارقًا كبيرًا جدًا بين العذراء التي تأملت عظائم الرب، وبين أيوب الصديق في حديثه عن عظمته الشخصية: أيوب الصديق وقف يمدح نفسه فقال: "رَآنِي الْغِلْمَانُ فَاخْتَبَأُوا، وَالأَشْيَاخُ قَامُوا وَوَقَفُوا.. الْعُظَمَاءُ أَمْسَكُوا عَنِ الْكَلاَمِ، وَوَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.. لأَنَّ الأُذُنَ سَمِعَتْ فَطَوَّبَتْنِي، وَالْعَيْنَ رَأَتْ فَشَهِدَتْ لِي. لأَنِّي أَنْقَذْتُ الْمِسْكِينَ الْمُسْتَغِيثَ وَالْيَتِيمَ وَلاَ مُعِينَ لَهُ... لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي. كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ عَدْلِي. كُنْتُ عُيُونًا لِلْعُمْيِ، وَأَرْجُلاً لِلْعُرْجِ" (أي29: 8-15).
أما السيدة العذراء، فلم تعظم نفسها، إنما عظمت الرب... كلامها كله كان عن الله، الذي صنع قوة بذراعه "واسمه قدوس" ورحمته التي من جيل إلى جيل، الذي شتت المستكبرين، وأنزل الأعزاء ورفع المتضعين، وأشبع الجياع..
كل كلامها كان عن الله، وليس عن ذاتها. لم تقل صنعت شيئًا عظيمًا، وإنما "القدير صنع بي عظائم".
أرادت العذراء أن تختفي، لكي يظهر الله. قطعت مديح أليصابات لها، لكي تمدح الله.
كان الله يملأ قلبها وفكرها ووقتها وفمها، ويشغل اهتمامها.
إن العذراء مشغولة بالله، وبتأمل أعماله ورحمته واسمه القدوس. لم تحدث أليصابات عن ظروفها. ولم تسرح معها في أحاديث اجتماعية أو عائلية، إنما حدثتها عن الله، وكانت مقابلة روحية...
ليتنا نأخذه تدريبًا لنا في حياتنا، أن ننشغل بالله، وأن يكون الله هو موضوع أحاديثنا ومركز تفكيرنا...
"تعظم نفسي الرب"، تذكرنا هذه العبارة بقول السيد المسيح: "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ" (يو17)، وبقولنا في الصلاة الربية "ليتقدس اسمك". تذكرنا أن يكون الله هو الكل في الكل في حياتنا "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (مز115: 1).
تذكرنا أيضًا بانشغال القديسين بالله باستمرار. صار الله لهم طعامًا نهارًا وليلًا، صار أنشودتهم، وأغنيتهم، وحديثهم، وهذيذهم.
اسأل نفسك في أي شيء تشغل وقتك؟ في الله أم غيره؟
"تعظم نفسي الرب". إن أردت أن تعظم الرب، فابعد عن تعظيمك لذاتك، أو كل ما يمت إليك بصلة...
الشعب عظم هيرودس الملك، وقالوا عن صوته: "هذَا صَوْتُ إِلهٍ" فضربه ملاك الرب بالدود فمات، لأنه لم يعطِ مجدًا للرب. وشعب أفسس عظموا أرطاميس.
والشاعر عظم أباه بقوله:
وأبــــــي كســـرى علا إيوانه .:. أين فـي الناس أب مـــــثل أبــي
هناك مجالات كثيرة للتأمل في عظمة الله:
الله غير محدود في عظمته، غير محدود في قوته، غير محدود من جهة المكان والزمان، هو الألف والياء، البداية والنهاية، الكون كله لا يسعه، والزمن لا يحده. هو موجود قبل الزمن، هو أزلي قبل الدهور. هو غير محدود في كماله في قدسيته، في صلاحه، في جماله. موسى رأى شيئًا من جماله، فأضاء وجهه حتى أن الناس لم يحتملوا رؤيته، فلبس برقعًا.
الله غير محدود في علمه، في معرفته، في فهمه، في حكمته... شتان بين علماء وعلم البشر. كل علوم البشر جهالة عند الله...
الناس تعرف بعض أشياء عن بعض أشياء، أما الله فيعرف كل شيء عن كل شيء، وعن كل أحد. ويعرف بلا واسطة ولا أجهزة، وبلا تدرج، وبكل يقينية، ويعرف الخفيات، يعرف الغيب والمستقبل، ويقرأ القلوب والأفكار...
أمامه نقول كما قال أيوب: "نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا" (أي42: 3). حقًا "تعظم نفسي الرب".
كل صفة من صفات الله: إن تأملتها تتوه وتقول: "تعظم نفسي الرب"، وتشعر بتفاهة الكون كله وبتفاهة ذاتك أمامه.
ليتنا نتأمل في جوانب العظمة الإلهية، وما فيها من كمالات.
ونحن نعظم الله، لا لأنه يحتاج لتعظيمنا، إنما لأن أرواحنا وأفكارنا وألسنتنا تتقدس باسم الله وذكره وصفاته، وتعلو أرواحنا إلى مجال إلهي يرفعنا معه إلى علو أسمى منا...
إن الله ليس محتاجًا إلى تمجيدنا، ولا إلى تمجيد الطبيعة التي تحدث بمجد الله، وتخبر بعمل يديه ولا إلى تمجيد الملائكة... إنما تمجده صفاته وطبيعته ولاهوته. هو ممجد بذاته...
وإن كان التأمل في صفات الله وفي لاهوته أعلى منك، يمكن أن تعظم نفسك الرب في خليقته، في الطبيعة وفي ذاتك...
مجرد التأمل في زنبقة من زنابق الحقل التي لم يستطع سليمان أن يلبس كواحدة منها، أو التأمل في الأفلاك والكواكب والقوانين التي تحكمها وهي معلقة في الأجواء، أو التأمل في أجهزة الجسد التي تعمل في حكمة عجيبة وفق قوانين رائعة، كل ذلك وغيره، نقف أمامه ونقول: "تعظم نفسي الرب".
وإن كنا نعظم الرب على الأشياء الحاضرة، فبالأكثر نعظمه على الأشياء المستقبلية، على ما لم تره عين، وما لم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر.
مجرد إقامة الموتى، أمر عجيب، نقف أمامه ونقول: "تعظم نفسي الرب"، حقًا كيف يقيم التراب، ويمنحه حياة..!!
أما العظمة التي نراها في الإنسان الذي وصل إلى القمر والمريخ، فهي أيضًا منحة من الله، الذي وهب الإنسان الذكاء والمعرفة. فأمام هذه العظمة نقول: "تعظم نفسي الرب".
أمام عظمة الله ينسحق الإنسان، ويتضع قلبه... من أنا؟ مجرد إنسان بسيط في هذا الكون الضخم، أعيش في فترة زمنية ضئيلة تقع وسط الدهور.. ما كياني؟ وما معرفتي، وما قدرتي، أمام الله غير المحدود القادر على كل شيء؟!
أمام عظمة الله نشعر بالضآلة، وبأننا لا شيء وإن نظر إلينا الله نقول: "لأنه نظر إلى اتضاع أمته".. وعندما تنسحق نفسك، تنل من الرب المواهب، الله لا يزيد شيئًا بتمجيدك. فهو لا يزيد ولا ينقص... ولكنك تزداد حبًا، وتزداد خشوعًا، وتزداد اتضاعًا، وتزداد عمقًا، كلما تتأمل عظمة الله، وتعظم نفسك الرب... فتبتهج روحك بالله مخلصك.
عجيب أن كل هذه التأملات التي تزخر بها تسبحة العذراء، تصدر عن فتاة في حوالى الرابعة عشرة من عمرها، ولكنه عمر مملوء بالروح، عميق في خبرته، عمر تربى في الهيكل...
تبتهج روحي بالله مخلصي
تبتهج روحي بالله مخلصي
كما نتعلم من السيدة العذراء فضيلة التأمل في الله، كذلك الإنسان الروحي يتعلم منها الابتهاج بالله، فيعيش في فرح دائم، سببه سلام في القلب لا ينقطع، وإيمان برعاية الله له، وحتى إن لم يكن حاضره يفرحه، فإن له رجاء في أن الله سيدبر كل شيء لصالحه.
الإنسان الروحي يملك عليه الفرح. حتى وإن حزن، حزنه يتحول إلى فرح. هو في بشاشة دائمة، ملامحه مملوءة سلامًا، وفي ذهنه قول الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4: 4).
الكآبة يقدمها الآباء القديسون كحرب من حروب عدو الخير. هكذا تقرأ في كتابات مار أوغريس، ويوحنا كاسيان، وكل الكتب النسكية. الكآبة من الثماني أفكار المحاربة للنفس.
الشيطان يلقي الكآبة في قلب الإنسان، ليحوله إلى اليأس. ومن ثم يبعده عن الله، ويشعره أن الله لا يهتم به. فتجد هذا الإنسان باستمرار كئيبًا، مضطربًا، حزينًا، حائرًا، غير واثق بمعونة الرب. وفي يأسه يمكن أن يستسلم لأي وضع. أما ابن الله المؤمن، فإنه يتغنى دائمًا بقول العذراء "تبتهج روحي بالله مخلصي".
الفرح الزائف
وعندما نتكلم عن الفرح، إنما نقصد الفرح الروحي، لأن هناك أنواعًا من الفرح الزائف، الفرح العالمي الخاطئ، أو الفرح الصبياني.
من أمثلة الفرح الصبياني يونان الذي فرح باليقطينة، أو الابن الأكبر الذي اشتهى "جديًا يفرح به مع أصدقائه". وفرح سليمان بتعبه الذي قال عنه فيما بعد: إنه باطل وقبض الريح. ومنه أيضًا قول الكتاب: "وَقَلْبُ الْجُهَّالِ فِي بَيْتِ الْفَرَحِ" (جا7: 4).
ومن أنواع الفرح الخاطئ، الفرح بالمواهب الروحانية... لقد فرح التلاميذ بأن الشياطين تخضع لهم، فقال لهم الرب: "وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ" (لو10: 20). وهكذا ردهم من فرح خاطئ، إلى فرح روحي.
ومن أمثلة هذا أيضًا، فرحة التكلم بألسنة واشتهاء ذلك، والفرحة بالدموع في الصلاة وليس بعشرة الرب ومذاقته!
ومع أن بولس الرسول كان يتكلم بألسنة أكثر من الكل، لكنه حارب هذه الشهوة الباطلة، وفضل عليها أن ينطق خمس كلمات بفهم. ولما كثرت مواهب بولس الروحية، فلكي لا يرتفع من فرط الاستعلانات، أعطاه الرب شوكة في الجسد.
من الفرحة الخاطئة أيضًا الفرح بالماديات وأمور العالم الزائل... شهوة العين، وشهوة الجسد، وتعظم المعيشة. إنها فرحة الحواس، فرحة بالعالم الذي يبيد وشهوته معه...
على أن أسوأ أنواع الفرح الخاطئ، فرح الإنسان بسقطة عدوه.. فرحته بهلاك أعدائه وضياعهم. لذلك يقول الكتاب: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ، وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ، لئلا يرى الرب ويسوء ذلك في عينيه" (أم24: 17، 18). ويقول أيضًا: "المَحبةُ لاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ" (1كو13).
الفرح الروحي
مثل فرح التلاميذ عندما رأوا الرب، وفرح المجوس عندما رأوا النجم، وفرح الذين ذاقوا ونظروا ما أطيب الرب.
من أمثلته الفرح بالخلاص "امنحني بهجة خلاصك"، "تبتهج روحي بالله مخلصي". إنه فرح بالرب الذي يقودك في موكب نصرته.
خلاص من أعدائنا ومن جميع مقاومينا، تغنى به داود في المزامير:
"دفعت لأسقط والرب عضدني، قوتي وتسبحتي هو الرب، وقد صار لي خلاصًا" (مز118: 13، 14).. "قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ.. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14).. "لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كانَ مَعنا لِيَقُلْ إسْرائيلُ. لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء، عِنْدَ سَخطِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنا. مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم.. الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا" (مز124). افرح بخلاص الرب، من التجارب، من الخطايا، خلاص لك، ولأحبائك وللكنيسة. افرح أيضًا بخلاص الخطاة، هنا، "وفي السماء. يكون فرح بخاطئ واحد يتوب". تفرح وتسر، لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوجد...
إنه فرح بالخلاص. "يُسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات وأما أنت فلا يقتربون إليك" (مز91: 7).. "لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ فِي اللَّيْلِ" (مز121: 6).. "فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي مَعَكَ لأُخَلِّصَكَ وَأُنْقِذَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر15: 20).. "وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ" (تك28: 15).
الفرح بالخلاص هو فرح مقدس. وبه بشر الملاك الرعاة "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ. أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 10، 11).
إن الذين سقطوا وخلصوا، كانوا أكثر سعادة من الذين لم يسقطوا، الذين حوربوا وانتصروا أكثر سعادة ممن لم يحاربوا.
أنا أشعر بيدك يا رب وهي تسد أفواه الأسود، وهي تشق طريقًا في البحر، وتفجر ماءً من الصخر. لذلك يدخلني هذا الفرح في حياة الاختبار، اختبار عمل الله في حياتنا.
والذي يفرح بخلاص الرب لا يتكبر، لأن الخلاص صنعه الرب. ولم يكن بسبب قوتنا أو تقوانا... القدير صنع بي عجائب.
حاول أن تجلس بينك وبين نفسك، وتتأمل خلاص الرب، في حياتك وحياة الناس. كم مرة انتشلك الرب كشعلة من النار، دون أن تحترق. إن خلاص الرب قصة طويلة.. قصة داود مع جليات، قصة مريم المجدلية التي أخرج الرب منها سبعة شياطين، قصة مريم القبطية وبيلاجية وموسى الأسود وأغسطينوس... "دُفِعْت لأَسْقُطَ والرَّبّ عَضدَني" (مز118: 13)، يده انتشلتني. صوته رن في أذني "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟" (1مل19: 9، 13). "كَفَاكُمْ دَوَرَانٌ بِهذَا الْجَبَلِ" (تث2: 3).. "وَرَأَيْتُكِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ.. فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ.. فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ، وَغَسَلْتُ عَنْكِ دِمَاءَكِ، وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ.. وَجَمُلْتِ جِدًّا جِدًّا، فَصَلُحْتِ لِمَمْلَكَةٍ" (حز16: 6-13).
أنت يا رب المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلس مع رؤساء شعبك. وعندما يجلس هذا المسكين مع قديسيك، لا يقول سوى "تبتهج روحي بالله مخلصي".
ولعل من أجمل أنواع الفرح الروحي، الفرح بالرب وعشرته. أعمق الفرح هو الفرح بالرب ذاته، وليس بعطاياه، ولا بمواهبه، الفرح بلقياه وبعشرته والتمتع به، ومذاقته.
والذي يحب الرب، يفرح بكل ما يتعلق به، بكلامه، ببيته، بأولاده، بخدمته، بملكوته، بمقادسه، بتجاربه، بصليبه...
"أبتَهجُ أنا بكلامكَ، كمن وَجَدَ غَنائم كثيرةٍ" (مز119: 162).. "وجدت كلامك كالشهد فأكلته"، "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: «إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ»" (مز122: 1).. "مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ يا رَبُّ إلَهَ القُوّات. تَشْتاقُ وتَذوبُ نَفْسي للدُّخولِ إلَي دِيارِ الرَّبِّ" (مز84: 2).
قد تفرح بكلمة من كلام الله، وتجد فيها كنزًا من التأملات، تراها نورًا لسبيلك، وحلاوة لحلقك، وسببًا كبيرًا لعزائك.. إنسان يفرح بالرب: منذ عرفه، عرف طريق الفرح. هو فرحان بالكلمة، وبالصلاة، وبالخدمة، وبعمل الله فيه، وبشركته مع الروح القدس، وبيد الرب التي تشكل حياته.
الخطية باستمرار تجلب الكآبة، والحياة مع الرب تجلب الفرح.
أمور العالم قد تبدو مفرحة، ونهايتها حزن. وأمور الرب قد تبدو محزنة ونهايتها فرح "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 10).
خطية واحدة يمكن أن تحول حياتك إلى جحيم، إذا استيقظ ضميرك، ومهما هربت منها تتابعك وتتعبك. أما الحزن من أجل الله فإنه يتحول إلى فرح، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحك منك، فرح لا ينطق به ومجيد...
الخطية تنزع فرحك، حتى عندما تلتقي بالرب نفسه...
آدم لما أخطأ، لم يفرح بلقاء الرب، بل اختبأ منه. والخطاة في يوم مجيء الرب يقولون للجبال غطينا وللتلال اسقطي علينا. وفي مجيئه تنوح عليه جميع قبائل الأرض. لذلك قيل عن مجيئه الثاني إنه "مخوف ومملوء مجدًا" وقيل "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31).
الذي يفرح بالرب هنا، سيفرح بالرب هناك. والذي يرضيه الآن سيفرح بمجيئه الثاني، ويرتفع معه على السحاب.
إن فرحت بالرب سيحسدك الشيطان، ويهيج عليك جنوده، وتجاربه. فلا تهتم، بل احسبوه كل فرح حينما تقعون في تجارب متنوعة (يع1: 2).
أولاد الله يفرحون بالتجارب وبالصليب "لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ" (2كو12: 10) عالمين "أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28). ولعل أعظم فرح، هو الفرح الأخير، بلقاء الرب في الأبدية السعيدة.
ليكن لي كقولك
ليكن لي كقولك
ما كانت القديسة العذراء تفكر إطلاقًا أنها يمكن أن تحبل وتلد ابنًا. ولكن لما جاءتها المشيئة الإلهية، تخلت عن مشيئتها الخاصة، وفي ملء التسليم لله، قالت: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لو1: 38).
وحياة التسليم كانت منهجًا ثابتًا للقديسة العذراء.
لا شك أنها كانت تحب البقاء في الهيكل، في حياة الصلاة والتأمل والعبادة، ولكن الرب نقلها إلى أماكن متعددة، من الهيكل، إلى بيت يوسف، إلى بيت لحم، إلى مصر، إلى الناصرة، وهي لا تقول سوى "ليكن لي كقولك".
ومع أن بشرى الميلاد كانت تحمل معنى الفرح بميلاد "مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 11). حسبما قال الملاك للرعاة: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو2: 10)... إلا أنه بدلًا من هذا الفرح، صدر الأمر الإلهي أن تهرب العذراء بهذا المخلص إلى أرض مصر، إلى بلاد غريبة عنها موضعًا وديانة ولغة، ويطردونها فيها من مدينة إلى أخرى، بسبب تساقط الأصنام (إش19: 1). إلا أن العذراء لم تحتج على سفرها وعدم استقرارها في موضع، بل كانت في قلبها تلك التسبحة "ليكن لي كقولك".
وهكذا عاش الآباء والأنبياء بحياة التسليم هذه.
وقصة إبراهيم أب الآباء، مثال رائع لهذا المبدأ الروحي.
في بدء دعوته، قال له الرب: "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ" (تك12: 1). لم يسأل أب الآباء، ولم يجادل ولم يتردد. وإنما "أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي" (عب11: 8). وأمامه نفس العبارة الخالدة: "ليكن لي كقولك".
وفي يوم من الأيام قال له الرب: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ" (تك22: 2).. أمر يبدو وكأنه ضد الطبيعة البشرية، وضد مشاعره كأب، وأيضًا ضد المواعيد التي تلقاها من قبل، أن نسله سيصير مثل نجوم السماء ورمل الأرض في العدد، وبنسله تتبارك جميع قبائل الأرض! ولكن هذا القديس لم يحتج، ولم يقل كيف أقدم ابني محرقة؟! وما أقول لأمه سارة؟ وكيف أواجه هذا الصبي نفسه؟! وإنما لم تكن في قلب أبينا إبراهيم سوى عبارة واحدة وهي: "ليكن لي كقولك"..
عاش آباؤنا بهذه العبارة، وإن لم يقولوها كلفظ.
انظروا إلى يوسف الصديق، وكم عاش في هذا المبدأ.
أظهر له الله رؤى وأحلامًا، مؤداها أن أباه وأمه وإخوته سيأتون ويسجدون له (تك37) وإذا الواقع أن إخوته يحسدونه، ويلقون به في بئر، ثم يبيعونه كعبد، وينتهي به الأمر إلى بيت فوطيفار، ثم تلفق ضده وضد أمانته تهمة رديئة، ويلقى في السجن ظلمًا!!
وهو في كل هذا لا يحتج، وليس أمامه سوى عبارة "ليكن لي كقولك". لم يقل للرب أين وعودك؟ وأين الأحلام والرؤى؟ وأين العدل فيما لاقيته من ظلم؟ وإنما قال: "ليكن لي كقولك".. ونفذ الله وعده له، ولكن في الوقت المناسب حسب حكمة الله وحسن تدبيره...
ما أجمل حياة أيوب الصديق حينما كان في حياة التسليم.
أحاطت به الضيقات من كل جانب، واحتجت امرأته فقال لها: "تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟" (أي2: 10).
إن الخير يتوقف على صلاح الله وحكمته ومحبته، ولا تحكمه ظواهر الأمور، ولا فهمنا القاصر.
مثال آخر: قديس متوحد في جبل الكرمل، هو إيليا:
نقله الرب من حياة العبادة والنسك في الجبل، إلى صميم مشاكل المجتمع. مرة يرسله إلى صرفة صيدا حيث تعوله امرأة، ومرة يرسله إلى آخاب الملك الذي يزمع قتله. ومرة يرسله إلى حيث يقتل كل الأنبياء الكذبة.. وهو في كل ذلك لا يقول سوى: "ليكن لي كقولك"...
ليست الوحدة في الكرمل هي هدفي، إنما هدفي مشيئتك.
أنا معك، ومع مشيئتك، حيثما أردتني أن أكون: على الجبل معك، وفي المدينة معك، في التأمل معك، وفي الخدمة معك، ليس لي أن أقرر، أنت الذي تقرر، وأنا أنفذ.
مثال آخر: إرميا الرقيق الهادئ، الصغير، الذي لا يحتمل المشاكل، الذي دموعه في عينيه باستمرار...
يرسله الرب، ليدخل في عمق المشاكل، ليوبخ ملوك يهوذا ورؤساءها وكهنتها وشعب الأرض، ويحاربونه، والكل يخاصمه... وهو يكشف خطاياهم، ويتنبأ لهم بنبوءات لا تريحهم!
ليس له أن يقول إلا: "ليكن لي كقولك" وإن قال: "لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ" (إر1: 6) يقول الرب: "لا تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ، لأَنَّكَ إِلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِ تَذْهَبُ وَتَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ" (إر1: 7).
ومع أن الله وعده أن يجعله مدينة حصينة، وعمود حديد وأسوار نحاس... إلا أنهم ألقوه في الوحل، وهو يغني بأنشودته الجميلة "ليكن لي كقولك".. وأخيرًا لخص إرميا النبي اختباراته الروحية في تلك العبارة الخالدة: "عَرَفْتُ يَا رَبُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ طَرِيقُهُ. لَيْسَ لإِنْسَانٍ يَمْشِي أَنْ يَهْدِيَ خَطَوَاتِهِ" (إر10: 23).
يعقوب أب الآباء، خطب راحيل لتكون زوجة له..
وفي يوم الزواج أعطوه ليئة، فقبلها لتكون له إلى جوار راحيل، قائلًا في قلبه: "ليكن لي كقولك". وما أعجب حكمة الرب أنه من ليئة هذه التي فرضت على يعقوب، ولد المسيح...
ولما ظهر الرب ليعقوب وباركه، في نفس وقت البركة ضربه الرب على حُقِّ فخذه، فظل يخمع عليه طول حياته. وقَبل يعقوب هذه الضربة وفي قلبه "ليكن لي كقولك".
وهكذا في نفس قصة داود النبي، وعلاقته بالملك...
مسحه صموئيل النبي ملكًا، ثم تركه دون أن يسلمه من المُلك شيئًا (1صم16). وإذا به يخدم شاول الملك المرفوض من الله، ويذوق منه الأمرّين، مطاردًا من برية إلى أخرى، والموت يتهدده. فلم يحتج ولم يقل أين المُلك والمسحة، بل تقبل الأمر في هدوء قائلًا في قلبه: "ليكن لي كقولك"..
يونان النبي اعتمد على فكره أكثر من حكمة الله...
أمره الله أن يذهب إلى نينوى وينادي عليها، فرفض أن يذهب، رفض أن يقول: "ليكن لي كقولك". وأخذ سفينة وهرب بها إلى ترشيش. فماذا كانت النتيجة؟ هاج البحر، واضطربت السفينة، وأُلقيَ يونان في البحر، وأعد الله حوتًا عظيمًا فابتلع يونان.
ولما عاد يونان واستسلم لمشيئة الله، قذفه الحوت إلى الخارج، لينفذ أمر الرب، ويسير حسب قوله. وكل قصة التمرد التي عاشها، لم يستفد منها شيئًا.
التسليم في حياتنا
كل هذه أمثلة تعلمنا حياة التسليم، وأن يقول كل منا للرب: "ليكن لي كقولك".
كل شيء من الله هو نافع ومفيد، حتى لو كان لا يبدو لنظرنا كذلك.. "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْر" (رو8: 28).
إن حكمتنا قاصرة، وتدبير الله هو فوق فهمنا، نتقبّله من الله في فرح، والقلب يغني: "ليكن لي كقولك". فهمت أنا أو لم أفهم، ليس هذا هو المقياس الحقيقي، إنما المقياس هو محبتك للبشر وحكمتك التي لا تحد.
تدرب على حياة الطاعة... طاعة بحب وثقة...
تقول للرب: إن أردتني أن أمشي معك على الماء، سأمشي ولا أشك، وإن أردتني أن أمشي معك في أتون النار، سأسير فيها بفرح. الكلمة التي تضعها في فمي، سأنطق بها. والكلمة التي تضعها في أذني، سأعمل بها. لن تكون لي إرادة غير إرادتك... لن أدبر حياتي بفكري، بل "ليكن لي كقولك".
إن الله يحب الذين يتقبلون تدبيره في وداعة وثقة، لا يناقشون الله في شك، أو في تذمر...
لذلك كان البسطاء الودعاء هم المختارون من الله الذين يكشف لهم قلبه، ويعلن لهم ذاته، ويختارهم لتنفيذ مشيئته. لقد اختار الصيّادين البسطاء وليس الحكماء والفلاسفة، ليكونوا رسله، لأنهم هم الذين قالوا في صدق: "ليكن لي كقولك".
الإنسان الذي يحيا حياة التسليم له صفات..
لا يمكن أن يسلم إرادته لله، ما لم يثق به كل الثقة، ولا يثق به إن لم يعرفه ويختبره ويحبه. ويوقن تمامًا أن الله صانع الخيرات وأن كل ما يعمله هو للخير.
وحياة التسليم تحتاج إلى تواضع في القلب والفكر..
فمن الصعب أن يحيا هذه الحياة، الإنسان الذي يكون "حكيمًا في عينيّ نفسه"، ويرى أن فكره باستمرار هو الصائب. لذلك قد لا يروقه تدبير الله له! وللأسف كثيرًا ما نسلك نحن هكذا. نريد أن ندبر أنفسنا بأنفسنا، ونطلب من الله في صلواتنا، أن يعطينا حسب هوانا!
إننا لا نقول عبارة "ليكن لي كقولك"، لأننا نريد أن نخطط لأنفسنا، ويكون الله بالنسبة إلينا جهاز تنفيذ! نحن نريد أن ندبر، وهو ينفذ!! واثقين بأفكارنا وعقولنا. وكل تدابير الله معنا نريد أن نراجعها حسب مقاييسنا الخاصة، التي كثيرًا ما تكون خاطئة!
سهل جدًّا أن ترتل في الكنيسة ترتيلة "حيث قادني أسير"... ولكن هل نحن نسير وفق كلمات الترتيلة؟ أم نحن نسير في كل ما يحيط بنا، لا نقبل إلا ما يوافقنا، ولا نسير بسهولة فيما يريده الله لنا؟ كلام التسليم لله موجود فقط في الترتيلة، وليس في واقع الحياة!
سهل علينا أن نطيع الله فيما يوافق هوانا. ولكننا في هذه الحالة نكون قد أطعنا هوانا وليس الله.
أما عبارة "ليكن لي كقولك" فتطبق، حينما نقول معها "لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك".
نقولها بلا تذمر، بل بملء الثقة، مؤمنين بمحبة الله ومؤمنين بحكمته، وحسن تدبيره، غير مخضعين الأمور لأفكارنا الخاصة... ودون أن ندخل في جدل مع الله...
يحدث كثيرًا أن يحب أحد الرهبان حياة الوحدة والتأمل، ثم يدعوه الله إلى خدمة، فهل يحتج على الرب ويرفض، أم يقول له في استسلام كما قالت مريم: "ليكن لي كقولك".
حياة التسليم تحتاج إلى إنسان متدرب على الطاعة، طاعة الله وليس طاعة هواه.
يطيع الله عن إيمان، فيقول له: "حيثما تسيرني أسير، وكيفما تصيرني أصير". أنا لست أعرف ما هو الخير لي، مثلما تعرف أنت يا رب. حقًا إن المُر الذي يختاره الرب لي، خير من الشهد الذي أختاره أنا لنفسي. لذلك لست أعتمد على فكري. فقد قال الحكيم: "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ" (أم3: 5). وقال أيضًا: "لاَ تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ" (أم3: 7).
إن الرب يعرف أن يشكلك ويسيرك حسب مشيئته...
عندما دعا الله موسى، رأى موسى بفكره البشري أن مواهبه لا تصلح، فاعتذر عن الخدمة بقوله للرب: "لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ" (خر4: 10) "هَا أَنَا أَغْلَفُ الشَّفَتَيْنِ. فَكَيْفَ يَسْمَعُ لِي فِرْعَوْنُ؟" (خر6: 30). ولكن الله كان أدرى بمشيئته وكيف تنفذ. ووهب الله هارون لموسى ليكون لسانًا له. وصار موسى كليم الله، وأصلح من ينقل مشيئته الإلهية إلى فرعون وإلى الناس.
وكما احتج موسى احتج إرميا أيضًا..
وقال: "إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ" (إر1: 6). ولم يقبل الله منه هذا، بل قال له: "لاَ تَقُلْ إِنِّي وَلَدٌ، لأَنَّكَ إِلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِ تَذْهَبُ وَتَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ" (إر1: 7). لماذا تقول هكذا يا إرميا؟ هل أنت الذي ستتكلم، أم الله هو الذي سيتكلم على فمك؟! اِنسَ ذاتك إذًا.
ما أكثر الذين بحجة الاتضاع يرفضون مشيئة الله!
أما القديسة العذراء، فجمعت بين الأمرين: بين الاتضاع في قولها: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ" (لو1: 38) وبين تنفيذ الإرادة الإلهية. وهكذا أيضًا لم يفقد إشعياء النبي اتضاعه، حينما قال للرب: "هأَنَذَا أَرْسِلْنِي" (إش6: 8). أما اتضاعه فقد برهن عليه قبل ذلك بقوله: "وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ" (إش6: 5)..
إن الصيادين لم يحتجوا باسم التواضع، حينما قال لهم الرب: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ!" (مت4: 19).
لم يقولوا: من نحن يا رب؟! وما نصيبنا من العلم والمعرفة؟! بل ساروا وراءه. وإذ بعظة واحد من أحد هؤلاء الصيادين ينضم ثلاثة آلاف إلى الإيمان في يوم الخمسين (أع2: 41). لم يكن ذلك الصياد هو المتكلم، وإنما روح الله هو الذي كان يتكلم على فمه (مت10: 20). هكذا اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء (1كو1: 27).
وهنا يبدو الاتضاع في قبول مشيئة الله في الخدمة، حينما يعتبر الإنسان نفسه مجرد أداة في يد الله، وأن الله هو الذي سيعمل به، فيقول له في تسليم: "لتكن لا مشيئتي بل مشيئتك".
ليس فقط في موضوع كبير كالخدمة مثلًا، إنما في كل أمور الحياة. ألم يعلمنا الرب في صلاتنا كل يوم أن نقول باستمرار: "لتكن مشيئتك"؟ ما تنفيذ هذا عمليًا في حياتنا، ونحن نضع نصب أعيننا باستمرار رغباتنا الخاصة، وليس مشيئة الله؟
وبعضنا يغضب حينما لا يستجيب الله لطلباته!
أو حينما يظن أن الله قد تأخر عليه! والبعض يتذمر، والبعض يجدف ويقول: أين هو الله؟! وما قيمة الصلاة؟! وبخاصة إن حلت عليه التجارب والضيقات.
ما أجمل قول أيوب الصديق: "أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟" (أي2: 10).. "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أي1: 21).
ليتنا نقبل مشيئة الله في فرح، وليس بتغصب..
ونقول مع الرسول: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28). وفي بساطة قلب، وليس في تعقيدات الفكر، نقبل مشيئة الله في حياتنا، بكل إيمان وثقة وتسليم. ونردد عبارة العذراء القديسة "ليكن لي كقولك".
لقاء السيدة العذراء بأليصابات
لقاء السيدة العذراء بأليصابات
دروس من مقابلة العذراء لأليصابات
أول ما يتميز به هذا اللقاء، ما ظهر فيه من روح الخدمة، حالما سمعت العذراء بأن أليصابات حبلى في شيخوختها، أسرعت لتخدمها، لأنها شعرت أن هذه العجوز القديسة في حاجة إلى من يقف إلى جوارها. وهكذا ظلت معها حتى ولدت. وبذلت العذراء ما تستطيعه لتخدمها، وبقيت إلى جوارها ثلاثة أشهر.
نرى في هذا اللقاء أيضًا روح الاتضاع، من الجانبين، اتضاع من أم المخلص، التي لم يرتفع قلبها بظهور الملاك لها، وببشرى ميلاد المسيح منها، وما وصلت إليه من مركز أكبر من أن تحتمله امرأة.. ومع كل ذلك ذهبت لتخدم... دون أن يكبر قلبها. لهذا قالت أليصابات أيضًا في اتضاع "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟!" (لو1: 43).
كان هذا اللقاء أيضًا مملوءًا من عمل الروح القدس، يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 41). مجرد كلمة السلام، سمعتها أليصابات من مريم، جعلتها تمتلئ من الروح القدس...
ما أعجب هذا التأثير الروحي في لقاءات القديسين. كثيرًا ما نسمع عنه في الكتاب: بطرس يدخل بيت كرنيليوس ويتكلم، فيمتلئ الجميع من الروح القدس...
وهنا لم تمتلئ أليصابات فقط من الروح، بل أيضًا جنينها...
كان هناك لقاءان: أحدهما بين مريم وأليصابات، والثاني بين يوحنا الجنين، وبين المسيح الجنين.
وكما امتلأت أليصابات من الروح. كذلك قيل عن جنينها: "بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 15). وهكذا بالروح عرف الرب، وارتكض بابتهاج في بطن أمه للقاء ربه، الذي من أجله سيولد، ليعد الطريق قدامه... لقاء مريم بأليصابات: كان فيه روح الخدمة، وروح الاتضاع، وعمل الروح القدس... وماذا كان فيه أيضًا؟
إنه لقاء كان يتسم بكلام البركة والتطويب، صرخت أليصابات بصوت عظيم وقالت لمريم: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!.. فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (لو1: 42، 45)...
وكان لقاءً فيه أيضًا روح النبوة والكشف والإعلان الإلهي، من أين علمت أليصابات بأن العذراء قد صارت أم الرب، حتى تقول لها: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟!".. كذلك كيف عرفت أنه قيل لها شيء من قبل الرب وأنها آمنت بما قيل لها؟ لا شك أنه نوع من الكشف الإلهي، ومعرفة الخفيات. إن روح النبوة تمتعت به هذه التي امتلأت من الروح القدس.
وفي هذا اللقاء أيضًا نرى روح التسبيح وروح الصلاة، وقفت مريم تسبح الرب بتسبحتها الشهيرة، وتصلي صلاة طويلة، وتقول: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ" (لو1: 46، 49).
إنه لقاء روحي بين امرأتين قديستين، يعطينا فكرة عما يجب أن تكون عليه اجتماعات النساء وأحاديثهن: امرأة تقابل أخرى، في امتلاء من الروح القدس، بلقاء فيه روح الخدمة، وروح الاتضاع، وروح النبوة، وفيه البركة والتطويب، وفيه الصلاة والتسبيح. هكذا يكون لقاء القديسين...
لقاءات القديسين وصفاتها
قد يجتمع اثنان خاطئان. فكل منهما يجذب الآخر إلى أسفل، ويملأ سمعه وفكره وقلبه بما لا يفيد.
على رأي قديس قال: إذا سرت مع إنسان قديس من قلايتك إلى الكنيسة، يقدمك في الحياة الروحية عشر سنوات، وإن سرت مع إنسان منحل، يؤخرك خمسين سنة.
لهذا ينبغي أن نحسن اختيار الأشخاص الذين نلتقي بهم...
نتخير نوع الشخص، ونوع الجلسة، ونوع الحديث، حتى لا نخسر أرواحنا من مشورة الأشرار ومن مجالس المستهزئين (مز1).
نقرأ في بستان الرهبان أن كثيرين كانوا يتكبدون الأسفار، ويعبرون البحار، والبراري والقفار، لمجرد سماع كلمة منفعة من راهب.
فلقاءات القديسين فيها كلام المنفعة، وفيها أيضًا المنظر الروحي.
قابل البعض القديس الأنبا أنطونيوس، وسألوه في أمور. وشخص آخر لم يسأل، وإنما قال للقديس: "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي".. مجرد نظر وجه القديسين كانت فيه منفعة روحية.
لذلك كان قديسون يتقابلون، ويجلسون صامتين، ويستفيدون روحيًا..
مثال ذلك اللقاء بين البابا ثاؤفيلس والأنبا بفنوتيوس. قال الأنبا بفنوتيوس: "إن لم يستفد من سكوتي، فمن كلامي أيضًا سوف لا يستفيد"؛ لأن الذي يريد أن يستفيد، ممكن أن يستفيد من السكوت.
لقاءات القديسين مملوءة من النفع الروحي: فيها كلمة المنفعة، وفيها القدوة الصالحة، والروح الطيبة التي يمتصها الشخص من الآخر. وفيها أيضًا البركة. يكفي أن تقابل قديسًا لمجرد أخذ بركة...
الاقتداء بالعذراء في فضيلة الاحتمال
الاقتداء بالعذراء في فضيلة الاحتمال
ولما كان من أهم أوجه تكريمنا للسيدة العذراء، أن نقتدي بها، فإنني أود هنا أن أذكر كيف نقتدي بها في الاحتمال...
ومنها مقدار احتمال التعب في الخدمة. وقد شرح لنا القديس بولس الرسول كيف تعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل. وقال: إن كل إنسان سيأخذ أجرته بحسب تعبه (رو2: 6).
ولما ولدت ابنها الوحيد، لم يكن لها موضع في البيت، فأضجعته في مذود (لو2: 7)، واحتملت المسئولية وهي صغيرة السن. واحتملت المجد العظيم الذي أحاط بها، دون أن تتعبها أفكار العظمة.
ومن أسمى أنواع الاحتمال، احتمال المجد والكرامة... ونذكر هنا أن القديسة العذراء قد احتملت مجد التجسد الإلهي في ظهور رئيس الملائكة جبرائيل لها وتبشيرها بعمل الروح القدس فيها، وبأن القدوس المولود منها يدعى ابن الله. واحتملت الظهورات المقدسة، ومجيء المجوس إليها، وسجودهم لابنها، وتقديمهم الهدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا، واحتملت أمجادًا كثيرة تحيط بابنها.. كل ذلك دون أن تفتخر أو تتعالى، بل كانت "تحفظ كل هذه الأمور متأملة بها في قلبها" (لو2: 19). حقًّا كما قال القديس أنطونيوس الكبير: "هناك من يستطيعون احتمال الإساءة، ولا يستطيعون احتمال الكرامة"؛ لأن "احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة". لذلك لأن شخصًا قد ينال كرامة أو رفعة في منصب كبير، أو مالًا وفيرًا. وحينئذ يرتفع قلبه، ويتعالى على الآخرين، وتهز الكرامة روحياته فينتفخ ويتعجرف! ويتغير قلبه وفكره، لأنه لم يستطع أن يحتمل الكرامة.
وهنا أحب أن أنبه الآباء الكهنة إلى أهمية التعب في افتقاد الناس وفي حل مشاكلهم. وكذلك أنبه جميع الخدام إلى الاهتمام بالتعب في الخدمة. وأذكر قصة ذلك الراهب الذي كان يتعب في خدمة الشيوخ وإحضار الماء لهم من مكان بعيد. فلما ثقل عليه التعب رأى وراءه ملاكًا يكتب شيئًا، وقال له الملاك إنني أكتب كل خطوة تخطوها في خدمة أولئك الشيوخ، لكي يمنحك الله أجرًا عليها، حينئذ تعزى ذلك الراهب وازداد بذلًا في تعبه.
ومن أنواع الاحتمال أيضًا، احتمال الظلم...
ونذكر مثالًا لذلك يوسف الصديق: الذي احتمل الظلم من إخوته وقد باعوه عبدًا، واحتمل الظلم من امرأة فوطيفار التي اشتكته وادّعت عليه على الرغم من أنها كانت المخطئة. واحتمل الظلم من فوطيفار أيضًا الذي أخذه وألقاه في السجن، على الرغم من أنه كان مخلصًا له جدًا. وبسبب احتمال يوسف الصديق كافأه الله كثيرًا وجعله الثاني في مملكة مصر.
هناك أيضًا احتمال العوز والفقر والجوع... ولعلنا نضرب مثلًا لذلك باحتمال لعازر المسكين، وفي الواقع لست أجد في سيرة هذا البار أي سبب جعله يستحق أن يتنعم في أحضان أبينا إبراهيم سوى فضيلة الاحتمال هذه، الذي إذ كان يتعذب فيحتمل، صار يتعزى أخيرًا.
ومن نواحي الاحتمال أيضًا احتمال المرض... ونذكر مثالًا لذلك أيوب الصديق الذي احتمل مرضًا مؤلمًا من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. وقال لزوجته: "أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟!" (أي2: 10).
وفي الاحتمال أيضًا نذكر احتمال موت الأحباء وبخاصة الذين ماتوا فجأة... ولا شك أن الله قد سمح بذلك لخيرهم، فموتهم هكذا أسهل بكثير جدًا من الموت على فراش المرض لمدة طويلة يتحمل فيها المريض عذابات شديدة.
يذكرنا هذا بالراهب الذي كان يحب أن يحيا حياة الوحدة والهدوء والسكون والتأمل. ولكن مشيئة الله دعته إلى الخدمة. وكان عليه أن يتنازل عن مشيئته ويقول لله لتكن مشيئتك.
من أنواع الاحتمال أيضًا احتمال أخطاء الآخرين، وفي هذا ما أكثر ما يعجز الناس احتمال إساءات الغير. ويحاولون أن ينتقموا لأنفسهم، ولا يحولون الخد الآخر. وأتذكر أنني قلت يومًا في اجتماع لجنة البر: "ليس واجبنا فقط أن نعطي الناس احتياجاتهم، وإنما واجبنا أيضًا أن نحتمل ضعف هؤلاء في ادعاءاتهم. فالفقر هو الذي ألجأهم إلى ذلك".
من أنواع الاحتمال: احتمال انتظار الرب... فقد يصلي إنسان ويطلب طلبة معينة وتمر فترة طويلة ولا يشعر أنه قد نال مراده. وربما يتذمر على الرب ويعاتبه! إن أبانا إبراهيم وعده الرب أن يمنحه نسلًا ومرت سنوات طويلة جدًا ولم ينل هذا النسل. فلجأ إلى الزواج من هاجر برغبة ونصيحة من زوجته سارة. في عدم الانتظار نقرأ في المزمور: "اللهم التفت إلى معونتي يا رب أسرع وأعني" (مز70: 1).. عبارة أسرع تدل على أن المصلي لم يحتمل الانتظار.
ومن أنواع الاحتمال أيضًا: احتمال التجارب، احتمال التأديب، لأنه "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ»" (يع1: 12). إن الله تبارك اسمه يقدم لنا أكبر مثال للاحتمال وهو ذاته، وقد احتمل الأمم سنوات طويلة وهم يعبدون غيره من أنواع عبادات متعددة، وهكذا احتمل الوثنية حتى عادت وآمنت به. وقد احتمل الشيوعية في روسيا لمدة سبعين عامًا، وهم يشيعون أن لا إله! وأيضًا احتمل الخطاة حتى يتوبوا. احتمل أغسطينوس، وموسى الأسود، ومريم القبطية، وغيرهم إلى أن تحول هؤلاء إلى قديسين. ولم يتوبوا فقط، بل نموا في حياة الفضيلة إلى درجات عالية.. ويحتمل اللص اليمين طول حياته، إلى أن ذكره هذا اللص على الصليب.
ونرى أمثلة أخرى للاحتمال في موسى النبي الذي احتمل شعبًا متذمرًا لسنوات عديدة، بل أنه أكثر من هذا كان يدافع عنهم أمام الله ويمنعه من إفنائهم.
ونرى مثلًا آخر للاحتمال: داود النبي والملك الذي احتمل أبشالوم ابنه الذي نافسه في الملك، وأقام جيشًا يحاربه، ودخل على جواريه، ولما قتل أبشالوم في الحرب، بكى عليه داود وقال: "يَا ابْنِي أَبْشَالُومُ! يَا لَيْتَنِي مُتُّ عِوَضًا عَنْكَ!" (2صم18).
ومن أوضح الأمثلة في الاحتمال احتمال الأم لابنها في صياحه وبكائه وفي عناده وتمسكه برأيه، تحتمله في بطنها، وفي حجرها، وفي حمله على كتفها، وفي تعليمه الحياة.
والاحتمال هو وصية إلهية، فيقول الكتاب: "مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ" (أف4: 2). وأيضًا "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا" (رو15: 1).. وأيضًا المحبة تحتمل كل شيء لأنها لا تطلب ما لنفسها (1كو13) ويقول القديس بولس الرسول: "نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ" (1كو4: 12). وأما لماذا نحتمل؟
فإننا نحتمل أخطاء الآخرين، كما احتملنا الله أيضًا، وكما يحتملنا. والاحتمال يدل على الوداعة، وطول البال، وسعة القلب، ونحن نحتمل الغير أيضًا لكي نكسبهم، وكما قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "هناك طريقة تستطيع بها أن تقضي على عدوك، وهي أن تحول العدو إلى صديق". ونحن لا نستطيع أن نحول العدو إلى صديق إلا باحتمالنا له، بل وإحساننا إليه حسب وصية الرب.
وأنت إن لم تحتمل فسوف تتعب أعصابك. وقد تصاب بمرض مثل ضغط الدم، أو السكر، وأيضًا تخسر الناس. وفي عدم احتمالك تكون قدوة سيئة لغيرك، وكما ورد في سفر الأمثال "لاَ تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ تَعْدِلَهُ أَنْتَ" (أم26: 4) أي تصير مثله في أسلوب الهجوم والصياح فتعثر الناس الذين يشاهدونك. وفي عدم الاحتمال قد يلجأ الناس إلى طرق خاطئة، بزعم الدفاع عن حقوقهم، أو استرجاع كرامتهم.
وأهم سبب للاحتمال هو محبة المخطئين والعطف عليهم، وتقدير ضعفهم وظروفهم. وهكذا قيل عن الرب في المزمور: "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا.. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز103: 10، 14).
أعــيـاد السيدة العذراء
أعــيـاد السيدة العذراء
كل قديس له في الكنيسة عيد واحد، هو يوم نياحته أو استشهاده، وربما عيد آخر، هو العثور على رفاته، أو معجزة حدثت باسمه، أو بناء كنيسة له. لكن القديسة العذراء لها أعياد كثيرة جدًا، منها:
+ عيد البشارة بميلادها
وهو يوم 7 مسرى، حيث بشر ملاك الرب أباها يواقيم بميلادها، ففرح بذلك هو وأمها وحنة، ونذراها للرب.
+ عيد ميلاد العذراء
وتعيد له الكنيسة في أول بشنس.
+ عيد دخولها الهيكل
وتعيد له الكنيسة يوم 3 كيهك. وهو اليوم الذي دخلت فيه لتتعبد في الهيكل في الدار المخصصة للعذارى.
+ عيد مجيئها إلى مصر
ومعها السيد المسيح ويوسف النجار. وتعيد له الكنيسة يوم 24 بشنس.
+ عيد نياحة العذراء
وهو يوم 21 طوبة، وتذكر فيه الكنيسة أيضًا المعجزات التي تمت في ذلك اليوم. وكان حولها الآباء الرسل ما عدا القديس توما؛ الذي كان وقتذاك يبشر في الهند.
+ العيد الشهري للعذراء
وهو يوم 21 من كل شهر قبطي؛ تذكارًا لنياحتها في 21 طوبة.
+ عيد صعود جسدها إلى السماء
وتعيد له الكنيسة في يوم 16 مسرى، الذي يوافق 22 من أغسطس، ويسبقه صوم العذراء (15 يومًا).
+ صوم السيدة العذراء
تحتفل به الكنيسة من أول مسرى (7 أغسطس)، وهو صوم يهتم به الشعب اهتمامًا كبيرًا، ويمارسه بنسك شديد. والبعض يزيد عليه أيامًا؛ وذلك لمحبة الناس الكبرى للعذراء.. وصوم العذراء مجال للنهضات الروحية في غالبية الكنائس.
يعد له برنامج روحي، لعظات كل يوم، وقداسات يومية أيضًا في بعض الكنائس، حتى الكنائس التي لا تحمل اسم العذراء. ويقام عيد كبير للسيدة العذراء في كنيستها الأثرية بمسطرد.
+ عيد معجزتها (حالة الحديد)
وهو يوم 21 بؤونة. ونذكر فيه معجزتها في حل أسر القديس متياس الرسول ومن معه بحل الحديد الذي قيدوا به.
+ ونعيد أيضًا لبناء أول كنيسة على اسمها في فيلبي
وكل هذه الأعياد لها في طقس الكنيسة ألحان خاصة وذكصولوجيات، تشمل في طياتها الكثير من النبوءات والرموز الخاصة بها في العهد القديم.
+ عيد ظهورها في الزيتون
على قباب كنيسة العذراء. وكان ذلك يوم 2 أبريل سنة 1968م، واستمر عدة سنوات. ويوافق 24 برمهات.
وبالإضافة إلى كل هذا، نحتفل طول شهر كيهك (من ثلث شهر ديسمبر إلى 7 يناير) بتسابيح كلها عن كرامة السيدة العذراء.
بل تقام أعياد لقديسين آخرين في هذه الأيام أيضًا:
فعيد القديس مار جرجس في دير ميت دمسيس يكون في النصف الثاني من أغسطس، وكذلك عيد القديس أبو مقار الكبير، وعيد القديس مار جرجس في ديره بالرزيقات.
وفي نفس صوم العذراء نحتفل بأعياد قديسات مشهورات:
مثل القديسة بائيسة (2 مسرى: 8 أغسطس)، والقديسة يوليطة (6 مسرى: 12 أغسطس) والقديسة مارينا الناسكة (15 مسرى: 21 أغسطس).
بل أثناء صوم العذراء أيضًا نحتفل بعيد التجلي المجيد يوم 13 مسرى 19 أغسطس.
وفي نفس الشهر (7 مسرى: 13 أغسطس) تذكار بشارة الملاك جبرائيل للقديس يواقيم بميلاد مريم البتول.
إن صوم العذراء ليس هو المناسبة الوحيدة التي تحتفل فيها الكنيسة بأعياد العذراء، إنما يوجد بالأكثر شهر كيهك الذي يحفل بمدائح وتماجيد وإبصاليات للعذراء مريم القديسة.
وصوم العذراء يهتم به الأقباط في مصر، وبخاصة السيدات، اهتمامًا يفوق الوصف.. كثيرون يصومون (بالماء والملح) أي بدون زيت.. وكثيرون يضيفون عليه أسبوعًا ثالثًا كنوع من النذر. ويوجد أيضًا من ينذر أن يصوم هذا الصوم انقطاعًا حتى ظهور النجوم في السماء...
+ فما السر وراء هذا الاهتمام؟
أولًا: محبة الأقباط للعذراء التي زارت بلادهم وباركتها، وتركت آثارًا لها في مواضع متعددة بنيت فيها كنائس.
ثانيًا: كثرة المعجزات التي حدثت في مصر بشفاعة السيدة العذراء، مما جعل الكثيرين يستبشرون ببناء كنيسة على اسمها. ولعل ظهور العذراء في كنيستها بالزيتون وما صاحب هذا الظهور من معجزات، قد أزاد تعلق الأقباط بالعذراء، وبالصوم الذي يحمل اسمها.
قصيدة عن الأمومة
قصيدة عن الأمومة
بقلم البابا شنوده الثالث
نظمت سنة 1949م




