الضمير

الضمير1
إن الله منذ البدء أوجد الضمير في الإنسان لكي يميز بين الخير والشر. والضمير موجود قبل الشريعة المكتوبة، وأول شريعة مكتوبة كانت أيام موسى النبي سنة 1400ق م. ولكن الضمير كان موجود قبل الشريعة.
بدليل أن قايين حينما قتل أخاه هابيل عاقبه الرب. وقال له “ملعون أنت من الأرض التي قبلت دم أخيك من يدك”(تك49). وبدليل أن يوسف الصديق لما عرض عليه الزنا من امرأة سيده، قال “كيف أخطئ وأفعل هذا الشر العظيم أمام الله”(تك39). فمن أين عرف أن هذا الأمر شر عظيم؟ إنه عرف ذلك من الضمير. ودليل آخر أن يعقوب أب الآباء لما أغرته أمه أن يتحايل على أبيه ويقول له أنا عيسو أبنك ودبرت له هذا الأمر. فإنه عرف أن الغش والكذب يجلب اللعنة لا البركة. عرف هذا من الضمير قبل أن توجد شريعة تقول لا تكذب..
والضمير على أنواع: يوجد ضمير واسع يبلع الجمل، يبرر كل شيء. ولا يكون حساسا نحو الخطأ. وربما يقول هذا شيء بسيط. ويوجد ضمير ضيق (ضمير موسوس). يظن الشر حيث لا يوجد شر، ويرى الخطأ حيث لا يوجد خطا، أو يكبر من قيمة الأخطاء فوق حجمها. ويوجد إلى جوار هذين النوعين ضمير صالح يحكم حكما سليما، لا يزيد ولا ينقص. وفى ذلك قال بولس الرسول أحيانا أنا بضمير صالح أمام الله.
والضمير أوسع مجالا من القانون وأعلى منه.
*الضمير ممكن أن يحكم على الفكر الخاطئ ويوبخ عليه ويمنعه، والقانون لا يمكن أن يحكم على الفكر.
*الضمير أيضا يحكم على النية، يحكم على ما ينوى أن يفعله الإنسان قبل أن يفعله، أما القانون فلا يحكم إلا على الفعل، ولا شأن له بنية الأنسان.
*والضمير يحكم أيضا على الشهوة أو الرغبة. بينما القانون لا يمكن أن يحكم على رغبة القلب أو شهواته، القانون لا يحكم إلا على العمل الذي تم، وليس الذي كان ينوى الإنسان أن يعمله.
*الضمير أيضا يحكم على خطأ الحواس. إذا نظر الإنسان نظرة شريرة، يحاكمه عليها. أو سمع أشياء لا يليق به أن يسمعها، مثل فكاهات بذيئة أو أغنيات رديئة أو يسمع أي شيء رديء، كل هذا الضمير يوبخه عليه، أو يمنعه.
*الضمير أيضا يدخل في منطقة أوسع. فبينما القانون يحكم على
الأخطاء التي تمت نرى أن الضمير له اتجاه أعظم بكثير لأنه يحكم
على عدم فعل الخير. يحكم على عدم إعطاء مساعدة لإنسان محتاج مثلا، وعلى عدم إنقاذ من يحتاج إلى إنقاذ. والقانون لا يحكم على شيء من هذا، لا شأن له بعدم فعل الخير مجاله فقط هو عمل الشر.
*القانون في محاسبته يحتاج إلى أدلة يثبت بها حكمه. وما أكثر الناس الذين حكم القانون ببراءتهم لعدم ثبوت الأدلة، أو كفاية الأدلة. أما الضمير فإنه لا يحتاج إلى أدلة مادية لأنه يعرف خفيات الإنسان … لذلك نحن دائما نخاطب ضمائر الناس، أن تكون أكثر حساسية لعمل الخير.
أيضا هناك أخطاء لا يحاسب عليها القانون.
مثال ذلك التدخين، فلا يوجد قانون يحاسب على شرب السجائر، لكن الضمير يحاسب. وكذلك شرب الخمر. وأخطاء اللسان لا يحاسب عليها القانون. مثل التهكم على شخص معين أو اتخاذه مجالا للسخرية أو مسك سيرة الناس. كل هذا لا يحاسب عليه القانون، بل يحاسب عليه الضمير، وكذلك الأعصاب والنرفزة، والافتخار الباطل، ومحبة المديح والكرامة…كل ذلك لا يحاسب عليه القانون لكن يحاسب عليه الضمير.
إن الضمير يوبخ ويبكت على الأخطاء. وربما إنسان لا يستطيع أن يحتمل توبيخ ضميره له. ولكن ممكن أن الناس يخالفون ضمائرهم ويتعرضون للتوبيخ ولا يهمهم، أولا يتعرضون! وقد قيل إن الضمير قاض عادل، ولكنه يعجز كثيراً عن تنفيذ أحكامه. على أن كلمة عادل
تحتاج أيضا إلى مناقشة.
فالضمير يمكن أن يخطئ أحيانا.
مثال ذلك الذين يأخذون بالثأر. ضمير الواحد يقول له لابد أن تقتل من قتل أباك، وإلا تكون عاجزا ولعبة في أيدي الناس! وإذا لم يأخذ بثأره يتعبه ضميره. أو أخ وقعت أخته في زنا، فضميره يقول له أن يقتل هذه الأخت لكي يمسح عار الأسرة! وحينما يقتلها يكون ضميره مستريحا. وإن لم يقتلها يتعبه ضميره. بينما هو يقتلها قبل أن تتوب عن خطيئتها فيضيعها في الأرض وفى السماء.
ويحدث هذا أيضا في كثير من الأحوال التي يمكن أن نصفها بالقبلية. مثل شخص يدافع عن قريب له مهما كانت خطيئته، ويكون مخالفا لضميره. أواخر يدافع عن جمعيته أو فريقه أو الهيئة التي ينتمي إليها، مهما كانت حتى لو خالف ضميره، ولا يهمه قول الكتاب “مبرئ
المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة للرب”. ومثل آخر يخطئ فيه الضمير وهو مثل أب يربى أولاده بطريقة العنف، ويضرب ويهين وضميره مستريح يقول له لابد أن تفعل هكذا لكي تربى أولادك.
وكثير من الناس يكون لهم هدف طيب، ووسيلة خاطئة. وضميرهم يشجعهم من أجل الهدف الطيب مهما كانت الوسيلة خاطئة! في أمور الزواج مثلا يخالف الزوج ضميره ويفتكر أنه عندما يحبس زوجته ويمنعها من الذهاب إلى هنا أو هناك أو لمجرد الابتسامة لنكتة قالها شخص حتى لو كانت تضحك الحجر، لكن يقول للزوجة لو ضحكت عليها تكونين منجذبة إلى قائلها (وهذا ظلم) وعنف في المعاملة، وعنف في السماح بالدخول أو الخروج، أوفى المعاملات أو في الزيارات. ولكن ضمير مثل هذا الإنسان يشجعه على ما يفعله.
هنا ونسأل: ما هي العوامل المؤثرة على الضمير؟
*أول عامل هو المعرفة. لأنه توجد خطايا يمكن أن نسميها خطايا جهل، يرتكبها الشخص وهو لا يدري أنها خطايا. لكن حينما يعرف أنها خطأ يبدأ في إبطالها. فالمعرفة إذن يمكن أن تنمى الضمير وتزيد حساسيته. وهكذا يكون التعليم أيضاً. وحسبما يتعلم الإنسان، يؤثر هذا الأمر على ضميره. فالطفل حسبما يقولون له إن هذا الأمر صح، أو لائق، أو ذلك الأمر خطأ يتحرك ضميره الطفولي في الاتجاه. ويزداد التعليم خطورة إذا كان صادراً من المرشد الروحي أو الأب الروحي. فالأب أو المرشد يمكنه أن يغير. ويحول في ضمائر تلاميذه. ولهذا يقول الكتاب “لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا “فما أكثر الذين ضاعوا نتيجة توجيه معلميهم أو مرشديهم أو القدوات التي يعتبرونها قدوة.
*من ضمن الأشياء المؤثرة على الضمير أيضا نوعية العقل.
فهناك عقل يناقش كل فكرة تعرض عليه ليرى أين الحق في هذه أو تلك. وهناك عقل بسيط يأخذ كل الأمور بتسليم دون أن يدري. وهذا النوع يمكن أن يخطئ ضميره عن غير قصد. ولكن كلما كان العقل ذكياً وحكيماً، ففي هذه الحالة يمكن للضمير أن يدرك الخير بطريقة
جادة، ويعرف الشر بطريقة واضحة.
*ومن المصادر التي تؤثر على الضمير وصايا الرب- تبارك اسمه– فالدين يغذى الضمير ويقول له أين الخير وأين الشر، وما هو اللائق وغير اللائق كما قال الرب في أواخر سفر التثنية “أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر…والبركة واللعنة… فأختر الحياة لكي تحي ونفسك”(تث30). ومن الناحية المضادة قال الرب “يا إسرائيل مرشدوك مضلون”.
*أحياناً أيضاً تؤثر على الضمير البيئة…أو الاتجاه العام للمجتمع. وكثير من الناس ينجرفون في التيار العام، ويعذرون أنفسهم بقولهم (كل الناس كدة، هو أحنا اللي ها نشذ!!) وهنا الضمير لا يكون مصدره مبادئ ثابتة إنما يتمشى مع التيار على قول الشاعر:
كريشة في مهب الريح طائرة لا تستقر على حال من القلق
فالتيار العام يجذبه يميناً أو يساراً دون دراية منه.
*لكن من أهم الأشياء التي تؤثر على الضمير: الذات، فمثلاً رغبات الذات يحاول الضمير أن يبرر لها كل رغبة، وإذا تضايق شخص من إنسان يحاول الضمير أن يبرر له تضايقه، في هذه الحالة
الذات تتحكم، والمٌثل تختفي، والوصايا تنسى والضمير يظل حائراً.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة والثلاثون – العددان 3، 4 (5-2-2010م)




