الضمير والإرادة

خطوات إلى الله
تكلمنا في المرة السابقة عن الضمير وعدم عصمته، والمؤثرات التي تقع عليه من المعرفة، والبيئة، والإرشاد، والقيادة، والتقاليد. واليوم نتكلم عن:
الضمير والإرادة1
الضمير كأي جهاز من أجهزة الإنسان، يمكن أن يضعف وأن يقوى: يمكن أن يستنير بالروح القدس وبأقوال الآباء والوعظ والتعليم وبالحياة الروحية… كما أنه يمكن أن يضعف وأن ينام، وتطغى عليه المصلحة، وتطغى عليه الإرادة.
ما أسهل أن يختل الضمير، وتتغير أحكامه، وتنقلب موازينه، كالمدرس الذي يدفعه ضميره إلى تغشيش تلميذ، أو كالطبيب الذي شفقة على امرأة يجهضها، أو يعمل عملية ليستر فتاة فقدت بكارتها، أو يكتب شهادة مرضية لغير مريض ليساعده. أو كالأم التي تستر على أولادها لكي تنقذهم من عقوبة أبيهم، فتغطي أخطاءهم بأكاذيب..
والعجيب في كل هؤلاء أن ضمائرهم لا تتعبهم ولا تبكتهم. بل على العكس يشعرون أنهم عملوا شيئًا حسنًا، يفرح قلوبهم…
إن عدم تبكيت الضمير على الخطأ، يدل على خلل فيه. أما كونه يفرح بالخطأ، فهذا يدل على انقلاب في كل موازينه:
إن الضمير يمكن أن يتشكل حسب مبادئ الإنسان ومثالياته. ويتغير تبعًا لتغير هذه المثاليات. لهذا لا يكون حكمه سليمًا باستمرار، ولهذا تختلف وتتنوع ضمائر الناس. فما يراه أحدهم صوابًا يراه غيره شرًا، والعكس بالعكس.
والعواطف قد تتدخل في أحكام الضمائر وتكوينها.
فالذي يحب إنسانًا، قد يكذب ويبالغ في مديحه، وهو مستريح القلب. وقد يكذب كثيرًا لإنقاذه من ورطة، وضميره المريض يشجعه، على اعتبار أنه يؤدي خدمة لصديق… وبالتالي ما أسهل أن يقع كثيرون في مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة). وتقبل ضمائرهم وسائل كثيرة خاطئة، بحجة أن الغرض نبيل!!
الضمير قد يمرض من جهة أحكامه، ومن جهة عواطفه، فلا يبكت في حالات تستحق التبكيت، أو يوبخ بأسلوب هادئ جدًا في أمور خطيرة. وقد قال البعض ” إن الضمير قاض عادل، ولكنه ضعيف. وضعفه واقف في سبيل تنفيذ أحكامه”. ولكن الصعوبة الكبرى أن يكون الضمير ضعيفًا، وفي نفس الوقت يكون أيضًا غير عادل…!
لذلك لا تعتمد على ضميرك وحده. بل الجأ إلى تحكيم ضمائر أخرى سليمة ومحايدة، بعيدة عن تأثر الأغراض والبيئة والقيادة..
فالإرشاد الروحي هو ضمير واحد، يقوم مسيرة ضمير المعترف. وكما قال الكتاب” هناك طريق تبدو للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طريق الموت”.
هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق يصف عن البعوضة
الضمير الواسع يمكن أن يجد تبريرًا لأخطاء كثيرة. أما الضمير الضيق فهو ضمير موسوس، يظن الشر حيث لا يوجد شر، ويضخم من قيمة الأخطاء، ويقع في (عقدة الذنب)، ويرى نفسه مسئولًا عن أمور لا علاقة له بها إطلاقًا، وتملكه الكآبة أحيانًا واليأس، ويظن أنه لا فائدة من كل جهاده، وأنه هالك، وقد وقع في التجديف على الروح القدس!!
أما الضمير السليم فإنه يشبه ميزان الصيدلي، الزيادة فيه تضر. والنقص يضر. وما أجمل قول الكتاب” مبرئ المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة للرب”. فلا تحسبها فضيلة منك أن تدافع عن مذنب بمحاولة إثبات أنه لم يذنب!! الحق هو الحق. أما طلب الرأفة فلا يمنع الاعتراف بأن هناك خطأ…
وإلا نكون قد فقدنا التميز بين الخير والشر، بحجة عدم الوقوع في الإدانة، أو لمجرد الرأفة على المخطئين…!
والضمير في طريقه، قد يصطدم بأمور عديدة، أولها الإرادة.
فإذا مالت الإرادة نحو الخطية، وأرادت تنفيذها، وحاول الضمير منعها، فإنها تعمل على إسكات هذا الضمير أو الهروب من صوته. ويقوم صراع بين الضمير والإرادة: إما أن ينتصر فيه الضمير، وإما أن تنتصر فيه الإرادة، وتنفذ الخطأ.
إن الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير، ويبعدها عن الشر. ولكنه لا يملك أن يرغمها…
يكفي أن يكون مجرد صوت، يصيح باستمرار في عقل الإنسان وفي قلبه: إن هذا الأمر خطأ، فيشهد للحق…
يوحنا المعمدان لم يرغم هيرودس على الخير، بل كان مجرد صوت يصيح في وجهه، أنه لا يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك زوجة. ولم يسمع هيرودس للمعمدان، ولكن ذلك النبي العظيم بقي ضميرًا للشعب كله، يصيح في وجه الملك الفاسد: لا يحل لك.
والإرادة قد تحاول إسكات الضمير، بحجة سلامها النفسي…!
إنها لا تريد أن يكون هذا الضمير سببًا في تعكير صفوها الداخلي، فيفقدها سلامها ويتعب نفسيتها. لذلك تسكته.
هذه الإرادة المريضة يهمها راحة النفس، وليس راحة الروح، فالروح تستريح في طاعة الرب وفي نقاوة القلب، وترحب في هذا بالتوبيخ، بعكس النفس التي يتعبها التوبيخ…
وقد تهرب الإرادة من الضمير، ولا تعطيه فرصة…
تهرب من محاسبة النفس، وتهرب من توبيخ الضمير، بالمشغولية المستمرة. وإن أتاها صوت الضمير من مصدر خارجي، من أب أو صديق أو معلم، تحاول أن تغير مجرى الحديث، إلى موضوع آخر، لأن صوت الضمير يتعبها، فتهرب منه.
وقد يجد الضمير أنه لا مجال له، فيستكين ويصمت… ويمضي الوقت يتعود الصمت، ولا يتدخل في أعمال الإرادة…
وتبقى الإرادة وحدها في الميدان، تعمل ما تشاء، وتتفرغ لرغباتها، ولا تعطي فرصة للضمير… فيصبح ضميرًا غائبًا، أو ضميرًا مستترًا، أو ضميرًا نائمًا، ويتعطل عمله في الإرشاد…
وتساعد الضمير على السكوت، وسائل التسلية المتعددة، ووسائل الترفيه، وطغيان لذة الخطية، والمشغولية المستمرة، وعدم جدوى التوبيخ، ويأس الضمير من إمكانية العمل، أو الوعد المستمر بتأجيل التوبة. وهكذا يبدو أمام الضمير أنه لا فائدة، وتنتصر الإرادة على الضمير، وتبقى في الخطية. لأن الضمير مجرد مرشد، لا يرغم الإرادة على قبول مشورته.
الضمير مثل إشارات المرور في الطريق، قد تضئ باللون الأحمر لكي يقف السائق، ولكنها لا ترغمه على الوقوف!
ما أسهل أن يخالف السائق إشارة المرور الحمراء، ويستمر في سيره، وتكتب له مخالفة، ولا يبالي…
إن الضمير مجرد مرشد، أما التنفيذ ففي يد الإرادة.
فهل إذا انحرفت الإرادة، وأسكتت الضمير، يهلك الإنسان؟
هنا تتدخل إرادة الله، ويرسل نعمته، ليخلص الإنسان من إرادته…
ما دام ضمير الإنسان ضعيفًا، والإرادة المنحرفة مسيطرة، إذن لابد من قوة خارجية تتدخل لإنقاذه. هنا يدخل روح الله القدوس، وهنا تظهر ثمار صلوات الملائكة والقديسين، وتعمل النعمة، لكي توقظ الإنسان الغافل، وتلين قلبه القاسي…
مثال ذلك ما حدث لمريم القبطية، وهي في عمق الخطية، لا تفكر إطلاقًا في التوبة، بل تشتاق إلى خطايا جديدة، يسقط فيها كثيرين… ولكن النعمة اجتذبتها في مدينة القدس، وسرعان ما استجابت لعمل النعمة، وتابت، بل صارت قديسة عظيمة، استحقت أن تبارك القس زوسيما…
النعمة قد تتدخل وحدها، بافتقاد من روح الله القدوس. أو تتدخل بناء على صلاة تطلب معونة الله
وقد تكون الصلاة من شخص الخاطئ نفسه، يصرخ إلى الله قائلًا” توبني يا رب فأتوب”. وربما تكون من أحبائه المحيطين به، المصلين من أجل خلاصه. وقد تكون الصلاة من أرواح الملائكة القديسين الذين انتقلوا.
إذن الأمر يحتاج منا إلى صلوات لتتدخل المعونة الإلهية.
إن الناس لا تنقذها مجرد العظات. فالعظات قد تحرك الضمير، وربما مع ذلك لا تتحرك الإرادة نحو الخير…!
نحن محتاجون إلى قلوب تنسكب أمام الله في الصلاة، لكي يعمل في الخطاة، ويجذبهم إلى طريقه. فالرسول يقول” الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى، فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده، إياه أفعل”(رو 7: 18، 19)
هناك عبارة جميلة وردت في سفر زكريا النبي عن يهوشع الذي كان واقفًا بملابس قذرة، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فجاء واحد من طغمة الأرباب، وقال للشيطان” ينتهرك الرب يا شيطان، ينتهرك الرب. أفليس هذا شعلة منتشله من النار؟” (زك 3: 2). وأنقذ الرب يهوشع…
ومع تدخل النعمة، يبقى الإنسان أيضًا حرًا… يستجيب للنعمة، أو لا يستجيب. يفتح للرب الذي يقرع على بابه. يقبل عمل الروح، أو يحزن الروح. أو يطفئ حرارة الروح، أو يقاوم الروح…!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد السابع والثلاثون 15-9-1978


