الصوم.. وروحانيته

الصوم.. وروحانيته1
الجميع صاموا:
الصوم هو أقدم وصية أُعطيت للإنسان. فعندما كان في الجنة أمره الله أن يمتنع عن صنف معين من الطعام، بينما يمكنه أن يأكل من الأصناف الأخرى (تك2: 16، 17).
والكتاب المقدس يشرح لنا كيف أن الأنبياء قد صاموا: يقدم لنا صوم داود (مر108: 23)، ودانيال (دا 9)، ونحميا (نح 1)، واستير (أس 4)، ويوئيل (يو 2)، وحزقيال (حز 4)، وعزرا (عز 8: 21) … ورسل المسيح (أع 12). حتى الأمم أيضًا كانوا يصومون. فقد قدم الكتاب لنا فكرة عن صوم كرنيليوس قائد المائة، وداريوس ملك الفرس، وكذلك صوم أهل نينوى.
ورب المجد نفسه قد صام.. والثلاثة الذين ظهروا على جبل التجلي، السيد المسيح وموسى وإيليا، كل منهم كان قد صام أربعين يومًا وأربعين ليلة.
ولعظمة الصوم شرح الرب أن به تخرج الشياطين، فقال “وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ” (مت17: 21).
الصوم النباتي وضع إلهي:
* أن الله خلق الإنسان نباتيًا. فلم يكن آدم وحواء يأكلان في الجنة سوى النباتات، البقول والأثمار. وهكذا قال الله لآدم وحواء “إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا” (تك1: 29). وبعد طرد الإنسان من الجنة بقى أيضًا نباتيًا. ولكن إلى جوار البقول وثمار الأشجار أعطى أن يأكل الخضروات أيضًا فقال الرب “وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَكَانَ كَذلِكَ” (تك 1: 30).
* ولم يصرح للإنسان بأكل اللحم إلا بعد فلك نوح، في زمن كان فيه “شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ” (تك6: 5، 6). وهكذا بعد رسو الفلك قال الله لنوح وبنيه “كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لاَ تَأْكُلُوهُ” (تك9: 3، 4).
* ولما قاد الله شعبه في البرية، أطعمه طعامًا نباتيًا، هو المن. “وَهُوَ كَبِزْرِ الْكُزْبَرَةِ، أَبْيَضُ، وَطَعْمُهُ كَرِقَاقٍ بِعَسَلٍ” (خر16: 31). وكان الشعب يلتقطونه ويطحنونه أو يدقونه في الهاون. كما كانوا “يَطْبُخُونَهُ فِي الْقُدُورِ وَيَعْمَلُونَهُ مَلاَّتٍ. وَكَانَ طَعْمُهُ كَطَعْمِ قَطَائِفَ بِزَيْتٍ” (عد11: 8).
وعندما صرح الله باللحم لهم كان ذلك بغضب بسبب شهوتهم، وضربهم ضربة عظيمة، “وَإِذْ كَانَ اللَّحْمُ بَعْدُ بَيْنَ أَسْنَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ، حَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى الشَّعْبِ، وَضَرَبَ الرَّبُّ الشَّعْبَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً جِدًّا. فَدُعِيَ اسْمُ ذلِكَ الْمَوْضِعِ «قَبَرُوتَ هَتَّأَوَةَ» لأَنَّهُمْ هُنَاكَ دَفَنُوا الْقَوْمَ الَّذِينَ اشْتَهَوْا” (عد11: 20- 34).
* والكل النباتي كان هو طعام دانيال النبي وأصحابه في السبي. إذ كانوا يأكلون القطاني (البقول) (دا1: 12). وفي صوم دانيال قال “لَمْ آكُلْ طَعَامًا شَهِيًّا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلاَ خَمْرٌ، وَلَمْ أَدَّهِنْ حَتَّى تَمَّتْ ثَلاَثَةُ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ” (دا10: 3).
* وكان هذا الأكل النباتي هو الذي أمر به الله حزقيال النبي في صومه، فقال له “وَخُذْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ قَمْحًا وَشَعِيرًا وَفُولاً وَعَدَسًا وَدُخْنًا وَكَرْسَنَّةَ” (حز4: 9). وكانت مدة صوم حزقيال 390 يومًا.
فترة الانقطاع:
الصوم في تعريفه المسيحي هو “انقطاع عن الطعام فترة معينة من الزمن، يعقبها أكل خال من الدسم الحيواني”.
إذن لابد أن تكون هناك فترة انقطاع عن الطعام. لا يصح أن يقوم الإنسان من النوم ويأكل لتوه. لابد أن ينقطع فترة. والصوم في اللغة هو الامتناع. فالذي لا ينقطع عن الطعام، لم يفهم الصوم المسيحي بعد.
على أن فترة الانقطاع عن الطعام قد تختلف من شخص لآخر حسب مدى قدرته ومدى تدربه. فالناس يختلفون في السن، وفي الصحة والقوة، وفي نوع العمل، وفي تدربهم على الصوم. لذلك لا ينقطع الكل عن الطعام لمدة موحدة.
الصوم المرفوض:
ليس كل صوم مقبولًا أمام الله، فهناك أصوام رفضها الرب:
مثال ذلك صوم الفريسي، الذي افتخر بأنه يصوم يومين في الأسبوع، وصوم المرائين الذين يظهرون عابسين منهكين حتى يعرف الناس صومهم ويستوفوا أجرهم على الأرض (مت6: 16).
وقد أعطانا الرب في سفر إرميا مثلًا عن هذا الصوم المرفوض، فقال للنبي “فَلاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هذَا الشَّعْبِ لخير. حِينَ يَصُومُونَ لاَ أَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ، وَحِينَ يُصْعِدُونَ مُحْرَقَةً وَتَقْدِمَةً لاَ أَقْبَلُهُمْ، بَلْ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَإِ أَنَا أُفْنِيهِمْ” (إر14: 12). فلم يقبل الرب صوم هؤلاء لأنهم كانوا أشرارا وعبادتهم شكلية.
ومن أمثلة الصوم المرفوض، صوم الشعب الخاطئ، أيام إشعياء الذين قالوا للرب “لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟” (إش58: 3).
كذلك كان صومًا مرفوضًا صوم أولئك الذين وبخهم الرب في سفر زكريا النبي قائلًا: “لَمَّا صُمْتُمْ وَنُحْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالشَّهْرِ السَّابعِ، وَذلِكَ هذِهِ السَّبْعِينَ سَنَةً، فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟” (زك7: 5)
الصوم هو انسحاق وتوبة وتذلل:
ليس الصوم مجرد فضيلة جسدية، فنحن في صمنا نسلك حسب الروح والصوم الروحي فيه تذلل وانسحاق وتوبة.
لما صام نحميا، قال عن صومه “جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ، وَقُلْتُ:… فَإِنِّي أَنَا وَبَيْتُ أَبِي قَدْ أَخْطَأْنَا لَقَدْ أَفْسَدْنَا أَمَامَكَ، وَلَمْ نَحْفَظِ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضَ وَالأَحْكَامَ الَّتِي أَمَرْتَ بِهَا مُوسَى عَبْدَكَ…” (نح 1: 4-8).
ولما صام دانيال النبي، مزج صومه بالصلاة والتضرعات ولبس المسوح والجلوس على الرماد، واعترف بخطاياه وخطايا الشعب أمام الله. وقال “أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ، وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ. لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ… يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ… يَا سَيِّدُ اسْمَعْ. يَا سَيِّدُ اغْفِرْ. يَا سَيِّدُ أَصْغِ…” (دا9: 5-19) وكان نائحًا في صومه (دا10: 2).
وسفر يوئيل النبي يحدثنا عن التوبة والانسحاق والتذلل في الصوم فيقول “وَالآنَ يَقُولُ الرَّبُّ: ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ. وَمَزِّقُوا قُلُوبَكُمْ لاَ ثِيَابَكُمْ. وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ… قَدِّسُوا صَوْمًا. نَادُوا بِاعْتِكَافٍ. لِيَخْرُجِ الْعَرِيسُ مِنْ مِخْدَعِهِ وَالْعَرُوسُ مِنْ حَجَلَتِهَا. لِيَبْكِ الْكَهَنَةُ خُدَّامُ الرَّبِّ بَيْنَ الرِّواقِ وَالْمَذْبَحِ، وَيَقُولُوا: اشْفِقْ يَا رَبُّ عَلَى شَعْبِكَ” (يؤ2: 12-17).
وصوم نينوى المشهور الذي جلب لهم المغفرة، لم يكن مجرد صوم عن الطعام والشراب وإنما كان فيه تذلل وتوبة: لقد لبسوا المسوح من كبيرهم إلى صغيرهم والملك نفسه تغطى بمسح وجلس على الرماد ونودي في الناس أن “يَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ”. وهكذا يركز الكتاب الحديث عن توبتهم أكثر من الحديث عن صومهم فيقول: “فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْ” (يون3: 8-10). ولم يقل (فلما رأي الله صومهم) لأن التوبة كانت هي الأساس، والصوم مجرد تعبير عن التوبة. وهكذا قال السيد المسيح عن أهل نينوى أنهم يقومون في يوم الدين ويدينون ذلك الجيل “لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ” (مت12: 41) ولم يقل لأنهم صاموا.
أن الصوم بدون توبة هو صوم مرفوض من الله. ونلاحظ في كل الأمثلة السابقة أن الصوم كان مصحوبًا بالصلاة والتضرع.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية – العدد العاشر ديسمبر 1966م





