الشهداء

| الكتاب | الشهداء |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الثانية، سبتمبر2025م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 4492 / 2017 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
الشهداء
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
هذا الكتاب
هذا الكتاب
تستخدم كنيستنا القبطية الأرثوذكسية في كل مناسباتها التقويم القبطي المعروف بتقويم "الشهداء"، كما نُطلق على الكنائس والمذابح أسماء الشهداء، وتضع الكنيسة في طقوسها وألحانها أجزاءً تخصّ وتكرَّم الشهداء، وترتب احتفالات خاصة بهم؛ وذلك اعترافًا منا بقداستهم حتى أنهم سفكوا دماءهم من أجل محبتهم في الملك المسيح.
ويعتقد البعض أن هناك وقتًا في تاريخ الكنيسة يقتصر على الشهداء! ولكن الكنيسة تقدم شهداءً في كل العصور، كما قال مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث عن الكنيسة:
كـم قســـــا الظلـــم عليــــــــــكِ |
| كم سـعى الموتُ إليــكِ |
وهذا ما نراه حينما زَفَت الكنيسة إلى السماء في ذلك الزمان شهداء الكُشح، وشهداء نجع حمادي، وشهداء ماسبيرو، وشهداء كنيسة القديسين بالإسكندرية، وأخيرًا شهداء كنيسة البطرسية بالقاهرة. وفي هذا الكتاب نقرأ كلمات مُعزية من فم مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث عن الشهداء تحت العناوين التالية:
- تاريخ الكنيسة القبطية، وشهداؤها.
- الاستشهاد والشهداء.
- كرامة الشهداء.
- الشهداء مثال في القوة والانتصار.
- الحب والبذل في حياة الشهداء.
- كيف احتملوا صنوف العذاب؟
- كيف تُعد أناسًا للاستشهاد؟
- الحقُّ.
وبين يديك أيها القارئ العزيز الطبعة الثانية للكتاب، وهي طبعة مزيدة منقحة، أضافنا إليها مقالات مثل "كيف احتملوا صنوف العذاب؟"، وأيضًا أجزاء من محاضرات كانت مفقودة، وجدناه في التسجيلات الجديدة التي وصلت إلى المركز. الرب يعطينا بركة هؤلاء الشهداء الذين أرضوا الرب على مدى العصور، ببركة وشفاعة أمنا السيدة العذراء مريم، وجميع الشهداء، وصلوات مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث. وصلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
كُتب في ذكرى الأربعين لشهداء الكنيسة البطرسية.
القمص بطرس بطرس جيد
مركز مُعلم الأجيال
لحفظ ونشر تُراث قداسة البابا شنوده الثالث
الفصل الأول تاريخ الكنيسة القبطية وشهداؤها
تاريخ الكنيسة[1]
في الواقع أنه من الصعب أن يُلقى تاريخ الكنيسة في محاضرة واحدة وقد صدرت فيه كتب عديدة. إنما سأحاول أن أُركز على بعض نقاط معينة.
النقطة الأولى: الكنيسة القبطية
سميت الكنيسة القبطية في التاريخ بكنيسة الإسكندرية، أي أن القارئ لكتب التاريخ القديمة يرى اسم كنيستنا، باسم "كنيسة الإسكندرية".
وهي في نفس الوقت مصرية لأن كلمة قبط "A kept" وكلمة "إيقبط"، أو "إيجيبت" Egypt من مصدر واحد، فالكنيسة القبطية يُعنى بها الكنيسة المصرية، يُعنى بها كنيسة الإسكندرية.
إن الإسكندرية أقدم عمرًا من القاهرة بثلاثة عشر قرنًا من الزمان، أسسها الإسكندر المقدوني قبل ثلاثة قرون من ميلاد السيد المسيح، وظلت عاصمة لمصر في عهد الإسكندر، وفي عهد خلفائه من البطالمة، وفي عهد الرومان أيضًا استمرت إلى أن حلت محلها القاهرة.
كنيسة مار مرقس تبدأ من مجيء مار مرقس إلى مصر في منتصف القرن الأول الميلادي، وأنشئت قبل كنيسة روما بعدة سنين، وحينما أتى مار مرقس إلى مصر الذي هو كاروزها، لم يكن الأمر هينًا عليه. وكانت العبادات الرومانية الكثيرة تحت قيادة "جوبتر كبير الآلهة"، وكانت هناك العبادات اليونانية التي انتشرت منذ حكم اليونان، الإسكندر والبطالمة، عبادات كثيرة وآلهة كثيرون، تحت قيادة "زيوس" كبير آلهة اليونان.
كما كانت هناك عبادات فرعونية التي هي أصل عبادة مصر تحت قيادة "رع" و"آمون" وغيرهما. كانت هناك أيضًا عبادة يهودية، لأنه كان في الإسكندرية في ذلك الحين حيان من أحياء الإسكندرية يدينان باليهودية. وإلى جوار ذلك كانت هناك عبادات شرقية زاحفة عن طريق التجارة وتأثيره. ولذلك لم يكن سهلًا أن يبشر القديس مار مرقس بالمسيحية وسط هذا الكم الهائل من آلهة المصريين، واليونانيين، والرومانيين، مع اليهودية.
وكانت هناك أيضًا الفلسفة القديمة، ومع ذلك استطاع أن ينشر المسيحية في الإسكندرية ويؤسس الديانة فيها.
وانتهى الأمر باستشهاد القديس مار مرقس بطريقة من التعذيب الصعب الذي تفننت فيه الدولة الرومانية بكل قسوتها وكل عنفها من أيام الإمبراطور "نيرون" الذي استشهد في عصره القديسان "مار بطرس، ومار بولس" زحفًا إلى عصور كثيرة لاقت فيها الكنيسة أصعب أنواع الاستشهاد.
حينما أقول الاستشهاد أقصد إنسانًا يُقتل من أجل إيمانه، وإن قتل الإنسان بالسيف كان يعتبر المرحلة الأخيرة، وكما ذكرت أن البعض الذي كان عنده واسطة، كانت تتدخل هذه الواسطة لقطع رأسه بالسيف أو على الأقل يكونون قد ملوا من تعذيبه ولم يجدوا فائدة.
القديس مار مرقس استشهد عن طريق السحل، أي ربطوا جثمانه في مؤخرة حصان يجري في الطريق، وجسمه يرتطم بالأرض ذهابًا وإيابًا، إلى أن وصل إلى السجن وهو محطم الأعضاء، لا أريد أن أتكلم عن فنون التعذيب لأنها مأساة!
وفي فترة الاستشهاد استشهد أفراد ومدن بمعنى: أن شخص يعلن إيمانه فُيقتل من الدولة الرومانية، أو مجموعة من الناس كانوا يشتهون الموت اشتهاء من أجل إيمانهم في ذلك الحين.
حتى إنه قيل في التاريخ أن ثلاثين ألفًا زحفوا من دمنهور إلى الإسكندرية لكي يعلنوا إيمانهم وينالوا الاستشهاد، وزحف الاستشهاد من الأفراد إلى المدن أو القرى فنقرأ في التاريخ عن "شهداء إسنا"، المدينة كلها استشهدت، "شهداء أخميم" المدينة كلها استشهدت.
والكتيبة الطيبية: هي كتيبة استعان بها الإمبراطور في الغرب، في سويسرا بالذات لتعينه في الحروب. وكان من طبيعة الجيوش في ذلك الحين قبل أن يدخلوا في حرب، أنهم يبخرون للأصنام ويطلبون بركات الآلهة الوثنية من أجلهم. فرفضت هذه الكتيبة وقائدها اسمه "موريتوس" واستشهد الضابط "موريتوس"، واعتبر في التاريخ ودائرة المعارف السويسرية أنه مؤسس المسيحية في سويسرا. هذا الضابط القبطي الذي يسمونه "موريس" اختصار "موريتيوس". كانت معه أيضًا القديسة "فيرينا" التي كانت موجودة في الجيش، وهي التي أدخلت النظافة إلى سويسرا، وأنا عندما زرت بعض البلاد الألمانية في حوض الراين وجدت الكثير من الكنائس، تُسمى بأسماء بعض الضباط الأقباط الذين كانوا ضمن الكتيبة الطيبية.
هذا الاستشهاد دخلت فيه النساء أيضًا...
نسمع عن الشهيدة الأم "دولاجي" في "إسنا"، ونسمع عن الشهيدة القديسة الأم "رفقة وأولادها"، ونسمع عن الشهيدة القديسة "دميانة"، التي كان والدها واليًا على منطقة "البرلس، الزعفران". نسمع عن القديسة "كاترين" في سيناء، وهي قديسة قبطية أيضًا. ونسمع عن استشهاد أطفال: مثل الطفل "أبانوب" في سمنود، ومثل الطفل "كيرياكوس" وأمه "يوليطة" في طهطا.
والاستشهاد أخذ حدًا كبيرًا جدًا في تاريخ الكنيسة القبطية، ومَثل جزءًا من تاريخها لدرجة أنه وجدت في ذلك الحين مشاعر معينة يمكن أن نسميها شهوة الاستشهاد. ولدرجة أنه بدأ تقويم جديد للكنيسة اسمه "تقويم الشهداء"، يبدأ من سنة 284م أي من أيام "دقلديانوس" أحد قياصرة الرومان العنفاء الأشداء الذي في عهده استشهد كثير من مشاهير الشهداء الأقباط أمثال "الأمير تادرس الشطبي" من مدينة شطب (الأمير تادرس الإسفهسلار[2])، وفي عهده استشهد الفارس الكبير "مار مينا"، والفارس "مار بقطر" وعدد كبير من مشاهير الشهداء الذين بُنيت على أسمائهم كنائس.
[1] مقال "تاريخ الكنيسة القبطية وشهداؤها"، لقداسة البابا شنوده الثالث، نُشر في جريدة نداء الوطن، بتاريخ 17 أكتوبر 2008م.
[2] الإسفهسلار: رتبة عسكرية تساوي رتبة وزير الدفاع في العصر الحديث (الناشر).
عصور الاضطهاد والاستشهاد
عصور الاضطهاد والاستشهاد[1]
أريد أن أكلمكم عن عصور الاضطهاد والاستشهاد. لا أميل إلى عبارة "عصر الاستشهاد"، لأن الاستشهاد لم يشمل عصرًا واحدًا، إنما الاستشهاد والاضطهاد بدأ مع المسيحية من أول نشأتها عبر الدهور بلا استثناء. الاستشهاد؛ يمكن أن نعتبر أن السيد المسيح فتح هذا الباب للكل وأراهم أن الموت هو الطريق إلى الحياة.
أول شهيد هو القديس اسطفانوس الشماس الأول أو رئيس الشمامسة، وقصة استشهاده موجودة في سفر أعمال الرسل. وأول شهيدة هي القديسة تكلا، ثم بعد ذلك وجدنا أن الاستشهاد شمل الآباء الرسل جميعًا، ما عدا القديس يوحنا الرسول الذي لم يمت شهيدًا ولكن يمكن أن يُعتبر من المعترفين لأنه اعترف بالإيمان وتعذب من أجله وإن كان لم يمت شهيدًا.
أول استشهاد كان عن طريق اليهود. والاستشهاد الثاني كان عن طريق الدولة الرومانية. والاستشهاد الثالث كان عن طريق أصحاب الطبيعتين. والاستشهاد الرابع يشمل العصور كلها ويدخل فيها العصر العربي أيضًا.
الاضطهاد اليهودي والروماني
أول واحد من الرسل استُشهد هو القديس يعقوب الكبير والذي قتله كان هيرودس، وأراد أن يقتل بطرس الرسول أيضًا، لولا أنه نجا بمعجزة عن طريق الملاك الذي نجاه من السجن.
ثم بدأت حركة الاضطهاد والاستشهاد تكون عن طريق وشايات أو اتهامات من اليهود، وتدخُل الحكم الروماني في موضوع القتل. كما فعلوا مع السيد المسيح، كانت وشايات واتهامات من جهة اليهود والتنفيذ كان من جهة الحكم الروماني.
الاضطهادات والاستشهاد كانت خلال عشرة من الأباطرة أو القياصرة من حكام الرومان كان أولهم نيرون، وآخرهم دقلديانوس وأتباعه. نيرون في عهده استُشهد أيضًا القديس بطرس الرسول والقديس بولس الرسول في سنة 67 ميلادية. والحاكم دقلديانوس الذي بدأ حكمه سنة 284م كان من أقصى العصور التي مرت على الكنيسة. لذلك الكنيسة من ابتداء حُكم سنة 284م وضعت التقويم الخاص بالاستشهاد. لذلك ما بين تاريخ الشهداء، وما بين التاريخ الميلادي فرق 284 سنة التي هي بداية هذا التقويم بحكم دقلديانوس.
دقلديانوس والولاة الذين كانوا معه وكانوا من أقسى الولاة، ولعل من أخطرهم أريانوس والي أنصنا. الذي كان يتفنن افتنانًا في تعذيب المسيحيين، ولكنه بمعجزةٍ معينة اعترف بالإيمان ومات شهيدًا وتُعيد له الكنيسة. نيافة الأنبا ديمتريوس يحتفل به في ملوي لأن أنصنا تتبع إيبارشية ملوي، وله كنيسة أيضًا في أماكن أخرى.
اليهود في اضطهادهم للمسيحيين فشلوا ولم يستطيعوا أن يقضوا على المسيحية بسبب اضطهادهم. والرومان أيضًا في اضطهادهم للمسيحيين فشلوا، ولم يستطيعوا أن يقضوا على المسيحية.
وعلى العكس قيل "إن دماء الشهداء كانت بذارًا للكنيسة". وبنيت الكنيسة عن طريق دماء الشهداء. بسبب المعجزات العجيبة التي كانت تحدث أثناء الاستشهاد، وأيضًا بسبب شجاعة الشهداء ومواقفهم الباسلة.
سنة 313 ميلادية صدر مرسوم ميلان من قسطنطين الملك بالحرية الدينية بحيث إن كل واحد يستطيع أن يعبد كما يشاء. وبالرغم من هذا لم يتوقف عصر الاستشهاد، لكن ما وقف هو عصر الاستشهاد الجماعي الذي كان فيه القتل جماعة، ولكن بقي الاستشهاد أيضًا كما هو.
وإن كان قد قيل في التاريخ إن القديس بطرس خاتم الشهداء البطريرك السابع عشر من بطاركة الإسكندرية يسموه "خاتم الشهداء"، فليس معنى هذا أنه آخر شهيد، ما زال الشهداء إلى يومنا هذا، لكن معناه أنه آخر الاستشهاد الجماعي الذي قُصد به ليس مجرد القتل وإنما الإفناء.
الاضطهاد من الوثنين والهراطقة
بعد هذا التاريخ حدث أمران بعد سنة 313م. أول أمر الكنيسة عقدت مجامع لقبول المرتدين الذين عن ضعفٍ أنكروا الإيمان أيام الاستشهاد. خصوصًا مجمع قيصرية الجديدة ومجمع أنقرة وغنغرة سنة 314م، 315م، وقوانين قبول هؤلاء الذين جحدوا الإيمان كانت بناءً على حالة الجحود وأسبابها. يعني من أنكر نتيجة استشهاد عنيف أو عذابات لا تُطاق أو الذي أنكر لمجرد الخوف، أو الذي حضر ولائم الوثنيين وأكل معهم إلى آخره. أو الذي بخر للأوثان وعاد وندم فبكى، يعني على أنواع معينة تجدون هذه القوانين "قبول المرتدين".
لكن بعد 313م، قلت لكم الحدث الأول: هو قوانين لقبول المرتدين عن ضعف أو خوف إلى أخره. وثانيًا حدث اضطهاد نتيجة الهراطقة، حتى في عصر قسطنطين نفسه، أيام قسطنطين كانت الأريوسية لا تزال لها سطوةٌ كبيرة حتى بعد مجمع نيقية المسكوني الأول الذي حكم بحرمان آريوس وأتباعه وحرمان هرطقته، ظل الأريوسيون يعقدون المجامع ويضطهدون أثناسيوس بطل الإيمان، وأثناسيوس نفسه ذاق من هذا الاضطهاد ونُفي عن كرسييه أربع مرات وفي المرة الخامسة لم يستطيعوا تنفيذ حُكم النفي لأن الكاتدرائية امتلأت بالشعب المحب لأثناسيوس وقالوا لقائد الجند: "لا تستطيع أن تصل إلى أثناسيوس إلا على جثثنا جميعًا"، فذهب للإمبراطور وقال: "لم نقدر"، واستراح أثناسيوس فيبقي أثناسيوس صدر عليه خمسة أحكام بالنفي ولكن نفذ منها أربعة أحكام فقط.
إذًا الهراطقة المضطهدون قاوموا المؤمنين واضطهدوهم، ومن أمثله ذلك اضطهادهم لأثناسيوس الرسولي. وأيضًا حاولوا اضطهاد القديس كيرلس عمود الدين الذي رأس مجمع أفسس سنة 431 ميلادية، وأرادوا منع توصيل قرارات المجمع للإمبراطور. لولا أنهم أوصلوها بحيلٍ معينة. واضطهاد المؤمنين كان بتُهم شنيعة أحيانًا، بعضها تُهم سياسية، وبعضها تُهم شخصية وأنواع وطرق شتى في اضطهاد رجال الإيمان.
إذًا... أولًا الاضطهاد الذي ذاقته الكنيسة من اليهودية، ومن الوثنية والإمبراطورية الرومانية، ثانيًا بعد الحرية الدينية الاضطهاد الذي لاقته من الهراطقة مثل الوثنيين والأريوسيين.
الاضطهاد بعد انقسام الكنيسة
وثالثًا الاضطهاد بعد انقسام الكنيسة وبعد مجمع خلقدونية صار هناك اضطهادٌ من أصحاب الطبيعتين وكان اضطهادًا شديدًا جدًا، أخذ وضعًا كنسيًا ووضعًا من التعذيب والقتل. فمن الناحية الكنسية مثلًا في مصر استولوا على جميع كنائس الإسكندرية، وأرسلوا بطريركًا ملكانيًا يكون بديلًا للبطريرك القبطي الأرثوذكسي ويستولوا على كنائسه، وبعدين جعلوا لهذا البطريرك سُلطةً مدنية فأصبح رئيسًا مدنيًا، ورئيسًا كنسيًا، لكي يُذِيقوا الأقباط مُرّ العذاب.
في هذا الاضطهاد قُتل القديس مينا أخو البابا بنيامين البطريرك الـ 38، وفي هذا الاضطهاد من أصحاب الطبيعتين فُقأت عين الأنبا صموئيل المعترف، وإن كان لم يُقتل. وأيضًا قُتل كثيرون وكان الأمر هو التخلص من أصحاب الطبيعة الواحدة بكافة الطرق. هذا الأمر كان في مصر وكان في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في سورية أيضًا.
ومن نتائجه أن البطريرك ساويرس الأنطاكي جاء إلى مصر وقضى فيها حوالي 28 سنة من اضطهاد جُستنيان له، وفي مصر قُوبل بمحبةٍ كبيرة، وكان يُجيب على أسئلة الناس في الإيمان والعقيدة.
ويوجد كتاب كبير في مجموعة Patrologia Orientalis عن رسائل القديس ساويرس الأنطاكي. طبعًا في أوله واضعين ملاحظة في أسفل الصفحة (الهامش footnote أنه ليس قديس بل هرطوقي! لأن الذين نشروه هم كاثوليك فرنسيون من أصحاب الطبيعتين لا يحبون القديس ساويرس الأنطاكي.
وبلغ من محاولة اضطهاد أصحاب الطبيعة الواحدة أنهم أرادوا أن يقتلوا جميع الأساقفة الأرثوذكس، لأنه إذا قُتل جميع الأساقفة الأرثوذكس لن يجدوا أساقفة يرسموا أساقفة جُدد وتنتهي الأسقفية، وبالتالي انتهت الرئاسة في الكنسية الأرثوذكسية. مما أدى بالقديس يعقوب البرادعي أحد بطاركة الكرسي الأنطاكي الأرثوذكسي السوري، إلى أنه رسم مائة أسقف وتركهم بهيئة علمانية (فلاح – عامل...)، حتى إذ قتلوا كل الأساقفة يأتي هؤلاء ويرسموا أساقفة جدد، يأتوا كما هما في لبسهم العلماني يمارسوا عملهم الكهنوتي لأن لبسهم العلماني لا يمنع كهنوتهم لأنه موجود داخلهم.
وفي هذا الوقت كان بطاركة الإسكندرية وبطاركة أنطاكية، يتعاونون معًا في الرسامات. هذا في عصر أصحاب الطبيعتين (من سنة 451 إلى 641م) 190 سنة بدء دخول الإسلام في مصر...!
وعندما جاء عمرو بن العاص إلى مصر كان البابا بنيامين منفيًا عن كرسيه مدةٍ طويلة، ولكنه كان في نفيه يفتقد الكنائس ويفتقد الأديرة ويثبت الناس في الإيمان، وفي تلك الفترة كثير من بطاركة الإسكندرية رُسموا بطاركةً في دير الزجاج غربي الإسكندرية، وبعضهم لم يجلس على كرسييه في الإسكندرية يومًا واحدًا، طبعًا في هذه الفترة سُرق الكثير من رُفات القديسين، ومن المخطوطات، ومن الأيقونات لذلك احتاجنا في بعض من الأوقات أن نلجأ إلى أخذ رُفات مار مرقس أو رُفات القديس أثناسيوس الرسولي من الخارج.
[1] جزء من عظة "عصور الاضطهاد والاستشهاد"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 8 مارس 1999م.
الفصل الثاني الاستشهاد والشهداء
ما هو الاستشهاد؟[1]
1- الاستشهاد هو عملية بذل للذات: وقد قال السيد المسيح: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13). قد يعطي أحد بعض ماله في "العشور" أو يعطي كل ما له كما فعل القديس الأنبا أنطونيوس (مت19: 21) أما في الاستشهاد فإنه يعطي حياته، وهذا أعظم. وقد يعطي إنسان بعض وقته لله كخدام مدارس الأحد، أو يعطي كل وقته كالمكرسين أو الكهنة أو الرهبان. أما في الاستشهاد، فإنه يعطي عمره كله، وهذا أعظم.
2- الاستشهاد هو بالأكثر عطاء عن حب: فالشهيد هو إنسان أحب الله، فوهب حياته من أجله. وأحب ملكوته وسماءه، فاشتاق أن يذهب إليه. ومن هنا كان الاستشهاد عبارة عن ذبيحة حب.
3- والاستشهاد كما يرتبط بالعطاء والحب يرتبط أيضًا بالزهد: فالشهيد هو إنسان زهد العالم وكل ما فيه، ولم تعد له أي شهوة لأي شيء من العالم وهكذا كان مستعدًا أن يتركه بالجملة غير نادم على شيء. لأنه لو كان لا يزال في قلبه شيء من محبة العالم، لجذبته تلك المحبة بعيدًا عن الاستشهاد.
4- والاستشهاد قبل كل شيء يرتبط بالإيمان: فالتمسك بالإيمان كان هو الدافع الأول إلى الاستشهاد ونقصد بالإيمان أمرين: أولهما الإيمان بالله وبالعقيدة السليمة، الذي جعل الشهداء يعترفون باسم الرب، ويموتون من أجله. والأمر الثاني هو الإيمان بالحياة بعد الموت. فموتهم هو مجرد مرحلة مؤقتة يلتقون بعدها مباشرة بالله ويحيون معه إلى الأبد. بهذا الإيمان قال القديس بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 23).
بهذا الإيمان بالحياة بعد الموت استطاعت الأم أن تشجع أبناءها على الاستشهاد بأنه في اللحظة التي تقطع فيها رؤوسهم، يلتقون فيها بالسيد المسيح، كما نقول في الصلاة إنه: "ليس موت لعبيدك بل هو انتقال"... وظهرت صحة هذا الإيمان في أن القديس أغناطيوس الأنطاكي بعد أن افترسته الأسود في استشهاده ظهر في نفس اليوم لزملائه الذين كانوا معه في السجن يعزيهم ويشجعهم. فهو لم يمت إذًا موتًا كليًا، بل الروح لا تزال باقية وحية بعد موت الجسد، وتستطيع أن تتحرك وتتكلم.
5- الاستشهاد أيضًا تسّميه الكنيسة معمودية الدم: فالمعمودية هي موت مع المسيح، كما ورد في الرسالة إلى رومية (رو6: 3)، كما ورد في الرسالة إلى كولوسي: "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ" (كو2: 12)، وهكذا فإن موت اللص اليمين مع المسيح اُعتبر معمودية له. وهكذا فإن بعضًا من غير المسيحيين حينما كانوا يرون شجاعة وقوة الشهداء وبشاعة مضطهديهم، أو كانوا يرون معجزة تحدث أثناء عذاباتهم واستشهادهم.. حينئذ يدخل الإيمان إلى قلوب هؤلاء الوثنيين، ويعلنون إيمانهم بالمسيح، وبهذا يقودهم الاعتراف بالمسيح إلى الاستشهاد قبل أن ينالوا المعمودية بالماء والروح، فُيعتَبر استشهادهم معمودية هي معمودية الدم، إذ سفكوا دماءهم لأجل السيد الرب. وأحد الآباء تحدث عن عظمة معمودية الدم، فقال: "إن معمودية الماء لمغفرة الخطايا، ومعمودية الدم لنوال الأكاليل".
عظمة الاستشهاد
ما أعظم مركز الشهداء في الكنيسة: إننا نذكرهم قبل جميع القديسين: قبل آباء الرهبنة وآباء الرعاية. فالقديس اسطفانوس الشماس مثلًا نذكره في مجمع القديسين قبل جميع الآباء البطاركة أمثال القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس كيرلس الكبير، وقبل القديس أنطونيوس أب جميع الرهبان والثلاثة مقارات القديسين. وبالمثل القديس يوحنا المعمدان نذكره قبل كل هؤلاء.
والكنيسة تكرم الشهداء إكرامًا شديدًا: فهي تقيم لهم الأعياد، وتحتفل بذكراهم، وتنشر لهم المدائح والتراتيل والذكصولوجيات، وترسم لهم الأيقونات وتوقد أمامها الشموع، وتستشفع بهم في صلواتها، وتذكرهم في القداسات. والكنيسة أيضًا تبني بأسمائهم الكنائس والمذابح والأديرة.
أديرة الراهبات عندنا – ما عدا دير العذراء – كلها بأسماء شهداء مثل أديرة مار جرجس، وأبي سيفين، والأمير تادرس، والقديسة دميانة. وإن كانت غالبية أديرة الرهبان بأسماء آباء الرهبنة الأول، فإن هناك في الصعيد أديرة بأسماء شهداء كأديرة مار جرجس والقديس بضابا وغيرهما، وفي مريوط دير الشهيد مار مينا. وما أكثر الكنائس والمذابح بأسماء الشهداء والشهيدات. ومن محبة الكنيسة للشهداء تسمي أبناءها وبناتها بأسمائهم. بل يتسمى بأسمائهم بعض الآباء الأساقفة والكهنة والرهبان وأفراد كثيرون من الشعب يتسمون بأسماء جرجس ومينا وتادرس وغيرهم.
ومن إكرام الكنيسة للشهداء توقيرها الكبير لعظامهم: فعظامهم بركة في الكنيسة، تضُمخ بالأطياب في أعيادهم. وتعتبر كنوزًا حينما تحتفظ كنيسة بجزء منها...
ومن عظمة الشهداء أن الله يرسل بعضهم بعد موتهم: يرسلهم لإنقاذ بعض الناس، أو لإجراء معجزة معينة: لإثبات أن حياتهم لا تزال باقية بعد موتهم. وأن الله يمنحهم كرامة معينة بإرسالهم وبإجراء معجزات بأسمائهم... وما أكثر ما حدث ذلك مع قديسين شهداء مثل مار جرجس، ومار مينا، والأمير تادرس، وأبو سيفين.
محبة الاستشهاد
تحول الاستشهاد إلى شهوة عند المسيحيين... شهوة للانطلاق من سجن الجسد، واللقاء مع الله. وشهوة للتعبير عن محبتهم لله بالاعتراف به أمام الحكام والوثنيين. وشهوة للأكاليل التي تنتظر الشهداء. وكما قال الكتاب عن مجد الألم لأجل الرب: "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17)، واعتبروا أن السجن الذي يسبق الموت، إنما فترة خلوة روحية يقضونها مع الله؛ استعدادًا للوجود الدائم معه.
وكثير من الآباء كتبوا كتبًا أو مقالات عن الحث على الاستشهاد: يدعون فيها المؤمنين إلى التسابق في نوال المجد للشهادة للمسيح والاستشهاد لأجله. ويذكّرونهم بفناء العالم الذي يزول وشهوته معه. ويضعون أمام الوعود الإلهية الفائقة الوصف لمن يجاهد ويغلب.. كما يدعونهم إلى عدم الخوف من الموت، بل الفرح بالألم، ومن أشهر ما كتبوا في الحث على الاستشهاد: أوريجانوس من الذين كتبوا باليونانية وترتليانوس من الذين كتبوا باللاتينية. ولا ننسى ما فعلته القديسة دميانة في توبيخها لأبيها على إنكاره الأول للمسيح، وحثه على أن يعود فيعترف به ويقبل الاستشهاد. أو الأمهات اللائي كن يقمن بتشجيع أولادهن وحثهم على الموت لأجل الرب.
كان المسيحيون يفرحون بالاستشهاد: من أمثلة ذلك: القديس الذي لما طلبه الوالي ليقتله، لبس أفخر ثيابه، وقال: "إنه يوم عرسي". من أمثلة ذلك أيضًا بضعة آلاف خرجوا من دمنهور، ومضوا إلى الإسكندرية ليعترفوا باسم المسيح ويستشهدوا، وكانوا في طريقهم يرتلون ويسبحون الله في فرح، شاعرين أنهم ماضون إلى المجد. حقًا إنه من الفرح بالاستشهاد السعي إليه، وعدم الهرب منه. ومن الأمثلة الجميلة لرفض الهروب من الاستشهاد القديس أغناطيوس الأنطاكي. ذلك أنهم أرسلوه إلى السجن في روما تمهيدًا لإلقائه على الأسود المفترسة كإحدى وسائل الاستشهاد. فأراد أهل روما أن ينقذوه من ذلك بتهريبه من السجن. ولكنه أرسل إليهم رسالة مؤثرة قال لهم فيها: "أخشى أن محبتكم تسبب لي ضررًا". وقال لهم إنه قد وصل إلى نهاية رحلته في الحياة على الأرض، ولا يريد أن يجعلوه يبدأ شوط حياته من جديد.. رسالته هذه موجودة ضمن كتابات (الآباء الرسوليين) باعتباره أحد هؤلاء الآباء.
ومن أمثلة السعي إلى الاستشهاد أيضًا القديس يوليوس الأقفهصي كاتب سير الشهداء، وكان من الأشراف. ومن الأمثلة أيضًا الذين سمعوا باستشهاد مدينة أخميم، فسارعوا إلى تلك المدينة لكي ينضموا إلى مجموعة ممن كانوا قد استشهدوا فيها، حتى لا تفوتهم تلك الفرصة. ومن الأمثلة أيضًا تلك العجوز التي لم يرها مندوبو الوالي حينما هجموا على المسيحيين وقتلوهم. فصاحت بصوت عالٍ حتى يسمعوها، ويقتلوها هي أيضًا ضمن جماعة الشهداء.
ومن الأمثلة أيضًا تلك القديسة التي ألقاها المضطهدون في بيت (لغير العفيفات) إذلالاً لها كلون من التعذيب الروحي. فأراد أحد المسيحيين إنقاذها، فدخل إليها بملابس جندي، وأعطاها ملابسه فخرجت بها. ولما اكتشف الأمر، اقتادوه إلى الاستشهاد. فرأته تلك القديسة فجرت وراءه وقالت له: "لا تسرق مني إكليلي". وتقدمت معه إلى الاستشهاد، فنالت الإكليل معه. هذه القديسة تذكرنا بما يسمى (شهداء العفة).
سواء من القديسين أو القديسات، أولئك الذين كانوا بدلاً من تعذيبهم في أجسادهم، يلقونهم إلى الخطية لتعذيب أرواحهم على الرغم منهم، فكانوا يجاهدون بكل قواهم لكي يموتوا بدلاً من فقد عفتهم.
لقد كان الاستشهاد على أنواع: منه الاستشهاد لأجل الإيمان المسيحي مثل الشهداء الذين قاوموا الوثنية، وماتوا لأجل إيمانهم. ثم الاستشهاد لأجل الأرثوذكسية، كالذين استشهدوا في الجهاد ضد الآريوسية، قتلهم أباطرة آريوسيون. هناك أيضًا استشهاد لأجل العفة مثل الذي ذكرناه.
في هذا الموضع نذكر أيضًا المعترفين: وهم الذين اعترفوا بإيمانهم المسيحي ونالوا عذابات كثيرة بسبب اعترافهم. ولكنهم لم ينالوا إكليل الشهداء وبقوا أحياء وفارقوا العالم بميتة طبيعية. ومن أمثلتهم القديس يوحنا الرسولي أحد الاثني عشر.
ومن عظمة الاستشهاد أن الرب لم يمنعه عن أحبائه: فالقديس يوحنا المعمدان قُبض عليه وسجن وقطع هيرودس رأسه. كل ذلك في فترة تجسد السيد المسيح على الأرض الذي لم ينقذه من الموت، ذلك لأنه اختار له إكليلًا أفضل يضُاف إلى أكاليله الأخرى: إكليل الكهنوت، وإكليل النسك، وإكليل الجهاد. وبنفس الوضع لم ينقذ الرب من الاستشهاد القديس اسطفانوس أول الشمامسة، والقديسين بطرس وبوبس، وباقي الآباء الرسل. بل قال في دعوته لبولس (شاول الطرسوسي): "سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" (أع9: 16). وفي مجال الاستشهاد نحب أن نذكر حقيقة مهمة هي: بالاستشهاد انتشر الإيمان، لم ينقص عدد المؤمنين بل زادوا.
واجب الكنيسة
هنا ونسأل كيف أعدت الكنيسة أبناءها للاستشهاد؟
أعدتهم بأنواع وطرق شتى، لعل في مقدمتها عدم الخوف من الموت ومن العذاب. وكانت تشجعهم جدًا في هذه النقطة. وقدمت لهم في ذلك القدوة الصالحة في الآلام التي تحملها آباء الكنيسة. ومن أمثلتها ما قيل عن الآباء الرسل بعد جلدهم وسجنهم: "وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أع 5: 41). وأعدتهم الكنيسة أيضًا بحياة النسك وقولها: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (1يو2: 15،17) وتكرر لهم هذه العبارة في كل قداس. وفي نفس الوقت تعمق فيهم محبة الله وسماءه وملكوته، وتذكرهم بالمواعيد الإلهية التي أعدها الله للذين يحبونه.
وأعدتهم كذلك بالكتب والمقالات في "الحث على الاستشهاد". كما أن الكنيسة اهتمت بأسر الشهداء والعناية بأفرادها من كل ناحية. وذلك حتى لا يدرك المتقدم إلى الاستشهاد قلق على أسرته من بعده.
سؤال: هنا ولا أنسى سؤالًا وجهه البعض إلى القديس أغسطينوس: وأجاب القديس عليه أما السؤال فهو "أريد أن أكون شهيدًا، ولكن الاستشهاد غير متوافر حاليًا. فماذا أفعل؟". وكانت إجابة القديس أغسطينوس هكذا: الذي تكون له نفسية الشهيد يحسبه الله مع الشهداء. وطبعًا تلحق هذه الإجابة سؤال آخر وهو: ما هي نفسية الشهيد؟
ونفسية الشهيد تشمل بلا شك الزهد الكامل وعدم التصاق القلب بأي شيء ولا بأي أحد فيه. مع المحبة الكاملة لله والإيمان العميق به. كذلك الشجاعة والجرأة، كما ظهرت في قصة مار جرجس وأبو فام الجندي. يضُاف على نفسية الشهيد: القدرة على الاحتمال. هو يبدي احتماله، ثم يمنحه الله نعمة أكبر للاحتمال تقويه على كل شيء.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، "الاستشهاد والشهداء، بمناسبة عيد النيروز"، نُشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 28 سبتمبر 2001م.
الفصل الثالث كرامة الشهداء
كرامة الشهداء[1]
بعد يومين نحتـفل بعيد النيروز، وعيد النيروز معناه (عيد أول السنة بالنسبة للشهداء)، والأقباط وضعوا لهم تقويم قبطي يسمّى "تقويم الشهداء" يبدأ من سنة 284م عندما اشتد الاضطهاد جدًّا وكثر الاستشهاد إلى أبعد حد في عهد دقلديانوس. لكنيسة تحب الشهداء وتحب الاستشهاد فنحن نحتفل بالشهداء في كل يوم تقريبًا، والشهداء لهم عندنا مقام كبير جدًا، وتُبنى الكنائس على أسمائهم، والأديرة أيضًا على أسمائهم خصوصًا أديرة الراهبات، دير أبو سيفين على اسم الشهيد "مرقريوس أبو سيفين"، ودير الأمير تادرس على اسم الشهيد "الأمير تادرس"، ودير "مار جرجس" في مصر القديمة، ودير مار جرجس في حارة زويلة، على أسماء شهداء. ودير القديسة دميانة على اسم الشهيدة "دميانة"، فنحن نحب الشهداء، ونحتفظ بأيقوناتهم، ونُقَدِّس رفات أجسادهم، ونسمي أولادنا بأسمائهم ونسمي الكنائس بأسمائهم.
والاستشهاد في الكنيسة بدأ من أول نشأة الكنيسة، آخر شهيد في العهد القديم هو "يوحنا المعمدان" وأول شهيد في العهد الجديد هو "اسطفانوس رئيس الشماسة" الذي نضع اسمه في المجمع قبل الآباء البطاركة وقبل كثير من الرسل، والاستشهاد بدأ في الكنيسة في العهد الجديد من أول القديس اسطفانوس واستمر على طول الزمان.
جميع الآباء الرسل انتهت حياتهم على الأرض بالاستشهاد ما عدا "يوحنا الحبيب" الذي تعذب عذابات كثيرة، ولكنه لم يمت شهيدًا.
والاستشهاد شمل الأعداء أيضًا مثل "لونجينوس" الجندي الذي طعن السيد المسيح بالحربة، صار شهيدًا في المسيحية، وله يوم في السنكسار نذكره فيه.
و"أريانوس" الذي كان أقسى ولاة مصر في عهد "دقلديانوس" كانوا عندما يحتارون في شخص مسيحي يحضرونه له، أريانوس هذا حدثت له معجزة وصار شهيدًا، ونقول في السنكسار في مثل هذا اليوم تُعيّد الكنيسة بتذكار "القديس أريانوس والي أنصنا". والاستشهاد شمل أيضًا الأطفال والنساء ليس الرجال فقط، نسمع عن الأم دولاجي وأولادها، ونسمع عن القديسة يوليطة وابنها كيرياكوس، ونسمع عن الطفل أبانوب. الاستشهاد شمل الكل ليس الرسل فقط.
وأيضًا الاستشهاد صار شهوة في وقت من الأوقات...
شهوة الموت على اسم المسيح، يقول لا يهم؟!! خبطة سيف وأجد نفسي في الفردوس مع المسيح، هذا أقصر طريق، وأكثر طريق مضمون للسماء. أصبحت شهوة كما قال بولس الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في ٢٣:١).
وأصبح تاريخ الكنيسة هو تاريخ الاستشهاد، من العصر الروماني على يد نيرون الذي استشهد فيه "بطرس وبولس"، إلى أواخر العصر الروماني في أيام "دقلديانوس".
واستمر الأمر إلى سنة 313م وفي هذا العام صدر قانون قسطنطين الملك "بالحرية الدينية"، ولكن مع ذلك ومع الحرية الدينية استمر الاستشهاد حتى في الخلاف الديني بعد "مجمع خلقدونية"، آباء كثيرون استشهدوا. والسيد المسيح لم يقل لتلاميذه إنكم ستمشون في طريق مفروش بالورود
وهنا نتذكر قول السيد المسيح "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يو16: 33)، وقال أيضًا: "بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو16: 2) وبعض الترجمات "يقدم قربانًا لله كل من يقتلكم".
ولأن هذا يعتبر بركة، نحن نشكر القديس "يوليوس الأقفهصي" الذي كان يكتب أسماء الشهداء ويجمع أجسادهم، كان قديس وحفظ لنا تاريخًا عظيمًا جدًا.
الشهداء من أعظم القديسين، أعظم من الرهبنة، وأعظم من الكهنوت، لماذا؟ لأن السيد المسيح يقول: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا، أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).
فإذا كان يضع نفسه عن إيمانه فهذا أعظم حب. الكل يجاهد، لكن لا يصل لدرجة الاستشهاد، الاستشهاد هو أقوى شيء، والاستشهاد أيضًا كانت تصاحبه عذابات، وكان الله يعطي قوة على الاحتمال، حتى يقدم الإنسان نفسه في سلام.
الاستشهاد أيضًا يدل على عمق المحبة لله، المحبة التي يبذل فيها الإنسان نفسه. والاستشهاد يدل على عمق الإيمان بالله، وعمق الإيمان بالحياة الأخرى، لأن لولا الإيمان بالله وبالحياة الأخرى لم يكن الإنسان يبذل حياته. والاستشهاد هو شهادة للدين وهو أيضًا قدوة لكل الأجيال التي خرجت في عصور الشهداء.
الكنيسة أعدت أولادها الشهداء
أعدتهم بالإيمان الثابت، وأعدتهم بمجموعة من المدافعين عن الإيمان، يسموهم الـ apologists الذين كانوا يدافعون عن الإيمان ويردُّون على كل كلام الوثنيين ضد الإيمان المسيحي.
وأعدتهم أيضًا بالزهد في العالم، وعبارة "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ" (1يو2: 15)، وأعدتهم بعبارة "ماران آثا" أي الرب آتٍ، ماران: تعني ربنا، وآثا باللغة السريانية تعني: آتي، (ماران آثا) أي (ربنا آتٍ).
والكنيسة أيضًا شجعتهم بالاهتمام بعائلاتهم...
الاهتمام بعائلات الشهداء، بولس الرسول يتكلم على عدم الزواج وقال: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ..." (1كو7: 32)، يقصد المتزوج وخصوصًا أنه كان يتكلم وهو في العصر الروماني، فصعب عليه أنه يدخل في حياة الاستشهاد، يقول زوجتي وأولادي ماذا يفعلون، لذلك قال: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ، كما أنا" أي الانشغال بِهَم الزوجة والأولاد.
أحب أن أقول: إن الاستشهاد لم يُضعف الكنيسة، بل قوَّى الكنيسة...
الكنيسة تقوّت بالاستشهاد لذلك نقول: الكنيسة بُنيت على الدم وعلى الصمود، ليس مجرد حياة رعوية فقط.
نحن أبناء الشهداء، فكيف تكون لنا نفسية الشهداء؟ ليتنا نفكر في هذا الإيمان كيف تكون لنا نفس مشاعرهم؟ ونفس إيمانهم. وفي بداية عام جديد للشهداء ليت كل واحد يفكر كيف يبدأ هذا العيد بداية طيبة على الأقل يكتسب فضيلة تنمو معه ويدرب نفسه عليها طول العام.
[1] عظة "الشهداء وعيد النيروز"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 8 سبتمبر2010م.
الفصل الرابع الشهداء مثال في القوة والنصرة
الشهداء مثال في القوة والنصرة[1]
الشهداء لهم صفات كثيرة، غير أني أريد هنا أن أركز على صفتين اثنتين فقط وهما "القوة والانتصار"، فالشهداء انتصروا على كل التهديدات التي وجُهت إليهم وانتصروا على كل العذابات العجيبة التي قد تفوق احتمال البشر، وانتصروا على الإغراءات التي تريد أن تثنيهم عن الرب، وانتصروا على الموت.
بل الموت كان أخف شيء بالنسبة للشهداء.
لأن الموت كان أخف من التعذيب المُر الصعب. لدرجة إن الإنسان القريب من السلطات، كانوا يقطعون رأسه بالسيف لكي ينتهي من العذاب. أو لأنهم تعبوا منه، أو تكثر المعجزات أثناء تعذيبه فيرى الحكام أنه من الأفضل التخلص منه، فهم كانوا أقوياء لذلك استطاعوا أن ينتصروا وأعطونا مثالاً أو درسًا في القوة وفي النصرة.
وهذه هي صورة الإنسان المسيحي أن يكون قويًا ومنتصرًا، والسيد المسيح في سفر الرؤيا في الكنائس السبع التي في آسيا، في كل رسالة أعطى وعدًا للغالبين الذين انتصروا، الوعود كثيرة يمكن أن تقرأوها في سفر الرؤيا في الإصحاحين الثاني والثالث. لكن لعل من الأمثلة العجيبة من هذه الوعود قول السيد المسيح: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21). شيء عجيب من يغلب! وتكررت هذه العبارة كثيرًا من يغلب؟!
والإنسان الروحي يعيش في جو فيه محاربات...
من جهة المادة، ومن جهة العالم، ومن جهة الشيطان، وعليه أن يحارب وينتصر ويغلب، ويستحق الأكاليل، وكما يقول الآباء: "لا يُكلل إلا الذي انتصر".
السيد المسيح له المجد كان مثالًا في القوة والانتصار، انتصر في التجربة على الجبل، انتصر في الحوار مع الكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيين، ورؤساء الشعب... انتصر في كلامه وفي صمته.
انتصر في حياته على الأرض في تجسده، وانتصر على الصليب، وانتصر في المحاكمات التي حوكم بها، انتصر على العالم وانتصر على الموت، داس الموت بموته وداس الموت بقيامته، وانتصر وهو يقودنا أيضًا في موكب نصرته، ويعطينا القوة لكي ننتصر نحن أيضًا. الإنسان الذي لا ينتصر؛ لا يكون روحيًا بالحقيقة ولا مسيحيًا بالحقيقة. سأل أحدهم القديس أغسطينوس: أنا اشتهي أن أكون شهيدًا وعصر الاستشهاد قد مضى، فماذا أعمل؟ فقال له القديس أغسطينوس: إن الإنسان الذي له نفسية الشهيد يحسب مع الشهداء. ونفسية الشهيد تعني أنه لا يخاف شيئًا على الإطلاق، ولا يشتهي شيئًا على الإطلاق، الدنيا بالنسبة له انتهت، الشهيد يشتاق إلى العالم الآخر ويشتاق أن يكون مع المسيح فذاك أفضل جدًا. نفس القديس أغسطينوس في رفضه للعالم قال: "جلست على قمة العالم حينما أحسست في نفسي أني لا أخاف شيئًا ولا أشتهي شيئًا". الإنسان الذي يشتهي شيئًا يخاف أن شهواته لا تتحقق، وإن نال شهوته يخاف أنها تضيع منه، لكن الشهيد ما كان يشتهي شيئًا في العالم. فالذين تقدموا للاستشهاد كانوا قد انتصروا على العالم تمامًا. مات العالم في قلوبهم قبل أن يموتوا وهم في العالم.. هذه نفسية الشهيد.
والشهيد في نفسيته الشجاعة والقوة والأمثلة الكثيرة عن مقابلة الشهداء للحكام... كانت في منتهى العجب.
لعل من أمثلتها "أبو فام الجندي" حينما زار أريانوس والي أنصنا بلدته، وقابله وقال له: السلام لك يا أبو فام، فرد عليه قائلًا: "لا سلام قال الرب للأشرار، أنت رجل وثني فلا يمكن أن يكون لك سلام". قال هذا الكلام لكي يستشهد... كان يستطيع أن يقول كلامًا آخر؛ لكن كانت له الشجاعة العجيبة. فالشهيد انتصر على العالم وكان قويًا، وكان شجاعًا، وكان لا يهاب الموت، وكان يشتهي الحياة الأبدية.. إلخ.
والشهيد شخص قوي، والقوة تأتي من الله، والقوة تأتي من صلته بالله، نحن نستطيع أن نقول إن الله قادر على كل شيء وهذه صفة من صفات الله: "وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ" (مت19: 26)، آية أخرى في إنجيل معلمنا مرقس يقول فيها ربنا يسوع المسيح: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23). عندما نقول إن كل شيء مستطاع عند الله أمر معقول، لكن كل شيء مستطاع للمؤمن هذا عجيب؟! ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13) فالمسيح يمكن للإنسان أن ينتصر، مثلما قال: "يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا" (رو8: 37). وممكن بالإيمان يستطيع الإنسان كل شيء كما يقول السيد المسيح. فنحن على الأرض نجاهد، ويسموننا الكنيسة المجاهدة، لكن عندما نصعد إلى السماء يسموننا "الكنيسة المنتصرة"، لأنه لا يستطيع أحد أن يصعد إلَّا الذي انتصر، ونحن نعيش في العالم والملائكة القديسون يراقبون جهادنا، ويفرحون بخاطئ واحد يتوب، يراقبون جهادنا ويصلَّون من أجلنا لكي ننتصر. فلا يظن الشخص أنه يجاهد وينتصر وحده، لأنه يوجد ملائكة وقديسين يصلون من أجله، وهناك قوة تُمنح لهم، قوة إلهية، حتى لو وقع؛ الوقوع ليس هو الهزيمة، لأنه جائز أنه وقع في دورة أو معركة من دورات الحرب، مثلما يقول الكتاب: "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُوم" (مي7: 8). ويقول: "لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ.." (أم24: 16) المهم أنه يجاهد. حتى الجندي الذي يحارب، ويصاب وينجرح، وتُقطع بعض أعضائه، المهم أنه يُكمل جهاده في الحرب، ولا يُسلَّم سلاحه ويُعتبر بطلًا على الرغم من جروحه؛ يجب إن الشخص يحارب حروب الرب وينتصر.
أولاد الله أقوياء
لا أقصد أن أقول لكم أن نكون في العالم بهذا الشكل، ولكن يحارب حروب الرب وينتصر. الشهداء كانوا أقوياء ومنتصرين، ولا بد أن الشخص المسيحي أن يكون قويًا، وإن لم يكن قويًا لا يكون مسيحيًا، لماذا؟
لأن الشخص المسيحي مخلوق على صورة الله ومثاله، والله قوي إذًا لا بد هو أيضًا أن يكون قويًا، والذين يحيطون بالله هم أيضًا أقوياء، وقيل عن الملائكة "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً" (مز103: 20).
فالملائكة أقوياء، والقديسون أيضًا أقوياء، السيد المسيح أيضًا كان قويًا على الرغم من وداعته واتضاعه، يقول: "وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت11: 29)، ولكن على الرغم من وداعته واتضاعه كان قويًا، مجرد هيئته لها قوة.
أيضًا موسى النبي كان قويًا أمام فرعون، ومع ذلك قيل عن موسى في سفر العدد: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد12: 3). كان وديعًا إلى أبعد حدود الوداعة، وكان قويًّا أيضًا. الإنسان الروحي يكون قويًا في الروح لأنه هيكل الله وروح الله يحل فيه، والسيد المسيح يقول: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُم، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا" (أع1: 8)، تكونوا أقوياء ويقول: "أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي..." (لو24: 49) فهي قوة من الله وليس من ذات الإنسان.
والرسل أيضًا قيل عنهم إنهم أقوياء، قيل: "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ" (أع4: 33) كانوا أقوياء، بطرس الرسول كان قويًا حينما قال: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29).. بولس الرسول كان قويًا حينما وقف أمام الوالي "أغريباس" وتكلم عن الدينونة، والتعفف فارتعد الوالي عندما سمع هذا الكلام.
تصوروا الوالي الذي في إمكانه أن يحكم عليه بالسجن يرتعد أمامه، أمام مَن؟ أمام قوة الكلمة الخارجة من فمه. الإنسان الروحي قوي في كلماته، كلماته تخرج بقوة لأن كلمة الله "لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً" (إش55: 11)، "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ" (عب4: 12) تكون قويًا... أنا أخشى أن سماع الناس كثيرًا عن الوداعة والاتضاع يفقدهم قوتهم كأولاد الله.
الكنيسة كانت قوية جدًا، قوية حينما وقفت ضد الوثنية وانتصرت عليها، وقوية حينما وقفت أمام الاضطهاد الروماني وانتصرت عليه، وقوية حينما قال لها الله في سفر النشيد: "لَقَدْ شَبَّهْتُكِ يَا حَبِيبَتِي بِفَرَسٍ فِي مَرْكَبَاتِ فِرْعَوْنَ" (نش1: 9) وحينما قال عنها: "مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ" (نش6: 4) وألوية جمع لواء، واللواء مجموعة كتائب والكتائب مجموعة سرايا، والسرايا مجموعة فصائل، مرهبةٍ كجيشٍ بألوية.
الكنيسة لم تكن في يوم من الأيام ضعيفة، إنما كانت قوية، وكانت لها قوة من فوق، قوة من الله ذاته، كما يقول النبي: "الرَّبُّ قُوَّتِي تَسْبِيحَتِي، وَقَدْ صَارَ خَلاَصِي" (خر15: 2)، ونحن نكرر هذه العبارة كثيرًا في الجمعة الكبيرة وأسبوع الآلام... قوتي وتسبيحتي هو الرب وقد صار لي خلاص، وكثير من أولاد الله كانت لهم هذه القوة العجيبة.
قوة شخص مثل يوحنا المعمدان الذي وقف أمام الملك هيرودس وقال له: "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ" (مر6: 18) ألقي في السجن، قُطعت رأسه، لكنه كان قويًا في الشهادة لوصايا الله، كما قال داود النبي: "وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى" (مز119: 46).
داود أيضًا كان قويًا مع أنه قيل عنه إنه: "َكَانَ أَشْقَرَ مَعَ حَلاَوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ" (1صم16: 12) أي أنه شاب صغير، ولد أشقر مع حلاوة في العينين، لكن عندما قدموه لشاول الملك قالو له: "يُحْسِنُ الضَّرْبَ، وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ" (1صم16: 18). ولذلك استطاع أن ينتصر على جليات الجبار، انتصر بقوة الرب التي فيه، لذلك قال له: "الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي" (1صم17: 46) تصوروا هذا الفتى الصغير يقول لجليات الجبار: "الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي"! ماذا تكون يده هذه التي يمُسك فيها الجبار؟! هي يد الله العاملة فيه، لذلك قال يحبسك الرب في يدي؛ لكي يكون الإنسان قويًا، لا بد أن يكون قويًا في الداخل قبل أن يكون قويًا في الخارج. قوته الداخلية هي التي تستطيع أن تعطيه قوة في الخارج... تصوروا مثلًا الملاك يظهر لجدعون في سفر القضاة الإصحاح 6 يقول له: "الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ" (قض١٢:٦) الملاك يقول له أنت جبار بأس، شيء لا يعُقل!
الإنسان القوي لا يخاف إطلاقًا، لا يعرف الخوف، لماذا؟ لأن قوة الله التي فيه تجعله قويًا في قلبه لا يخاف. الشعب كان وقف أمام البحر الأحمر خائفًا، لكن موسى النبي الذي لا يخاف قال للشعب: "... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر١٤:١٤) لذلك أولاد الله لا يخافوا.
"جحزي" كان خائفًا عندما كانت جنود العدو تحيط بمدينة السامرة، لكن إليشع النبي لم يكن يخاف قال: "يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ" (2مل6: 16) وفتح الرب عيني الغلام فرأى جنود الرب محيطة بالمدينة، افتح يا رب عيني الغلام، لأن هناك أناسًا حينما يقعون في تجارب أو في حروب أو منازعات يخافون لأن عيونهم لا تُبصر، لا تُبصر أن الذين معنا أكثر من الذين علينا، لذلك نطلب من أجل الخائفين ونقول عنهم افتح يا رب عيني الغلام ليرى "أَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ" (2مل6: 16).
الله قال لبولس الرسول: "لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18: 10). وقال "لإرميا" الطفل عندما قال: "آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لأَنِّي وَلَدٌ" (إر1: 6)، قال له: "هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ عَلَى كُلِّ، فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 18، 19).
الإنسان الذي يشعر أن قوة الله معه، لا يخف.. يحارب حروب الرب بقوة ولا يخف، يتشبه بالسيد المسيح الذي قيل عنه في المزمور: "لَبِسَ الْجَلاَلَ. لَبِسَ الرَّبُّ الْقُدْرَةَ، ائْتَزَرَ بِهَا" (مز93: 1)، الذي قيل عنه أيضًا في المزمور: "تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ، جَلاَلَكَ وَبَهَاءَكَ" (مز45: 3) ونقول عنه: "هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا" (رؤ5: 5) وكما غلب هو يعطينا الغلبة أيضًا من عنده، لأنه يغلب العالم فينا، لم يغلب العالم بشخصه فقط بل وفي قلب كل مؤمن، ليغلب العالم. فلا بد أن أولاد الله يكونون مؤمنين بالقوة التي تعمل معهم، فداود النبي عندما وقف أمام جليات قال له: "أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْك بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ" (1صم17: 45). القوة التي نريدها لكل إنسان تكون قوة في الشخصية، يكون شخصًا قويًا، فيه عناصر الشخصية القوية.
يكون قوة في الإيمان، الإيمان بعمل الله فينا، الإيمان بعمل الله في الكنيسة، تكون قويًا من الداخل... تكون هناك قوة في الإيمان الذي قيل عنه إنه يزلزل الجبال، يقول: "انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ.." (مت17: 20). أيضًا تكون له قوة في الصلاة؛ الصلاة التي تأتي بالاستجابة، يكون الإنسان... كما قيل عن الرسل في سفر أعمال الرسل إنهم صلوا، وأن الشعب صلى من أجلهم صلاة فتزعزع المكان من هذه الصلاة. الإنسان القوي في الصلاة؛ يستطيع أن يعمل كل شيء باستجابة الصلاة. عيبنا أننا نصلي كثيرًا ولكن ليست لصلاتنا قوة. إن كانت لنا قوة الصلاة، كل شيء يسهل أمامنا تمامًا، هذا لا يعني أننا عندما تكون لنا قوة الصلاة أن الله لا يسمح لنا بالتجارب... لا أبدًا، بل ندخل من الباب الضيق وتكون لنا الحروب، لكن يعطينا الرب نوعًا آخر من القوة. الإنسان الذي لديه قوة في الصلاة، لديه قوة في انتظار ربنا لا ييأس بسرعة إطلاقًا.
أولاد الله تكون لهم قوة في الكلمة.
الكلمة التي تأتي بتأثير، أولاد الله تكون عندهم قوة في الحب، قوة في البذل، القوة في العطاء... أكثر موقف كان فيه السيد المسيح قويًا وهو على الصليب!! قوته بلغت قمتها؛ لأنه "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13). قوته على الصليب كانت في عمقها، لدرجة أنه على الصليب أعطى للص وعدًا بالفردوس، وهو على الصليب أظلمت الشمس، والأرض تزلزلت، وانشق حجاب الهيكل، لذلك نحن في تسبيحتنا في أسبوع الآلام نقول له: لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد. آمين. عمانوئيل إلهنا وملكنا، ثوك تى تى جوم، نيم بي أوؤو، نيم بي أزمو نيم بي آماهي شا إينيه آمين. إممانوئيل بين نوتى بين أورو.
Qwk te ;jom nem pu`wou nem pi`cmou nem pi`ama\i ]a `ene\ Emmanouhl pennoul oenouro.
لك القوة وأنت على الصليب... القوة التي حطمت الشيطان... والقوة التي غفرت آثام الناس، وخطاياهم ونجاستهم من أقدم العصور وإلى آخر الأيام والقوة التي غفرت آثام الناس، وخطاياهم، ونجاستهم، من أقدم العصور إلى آخر الأيام ذلك للتائبين المؤمنين. القوة التي نريدها للمؤمن قوة ليست للعنف ولا للتهور ولا للعصبية ولا للصياح، لأن الصياح ليس دليلاً على القوة إنما دليل على الضعف.
القوة ليست في البطش بالآخرين، بل أعظم قوة هي في الانتصار على النفس لذلك قال الكتاب: "مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" (أم 16: 32). هذه هي القوة التي نريدها لكل أحد، لكي يكون منتصرًا، والتي نريدها أيضًا للكنيسة، لكي تكون منتصرة.
أما كيف ينتصر الفرد؟ وكيف تنتصر الكنيسة؟ هذه النصائح كتبها لنا بولس الرسول في الإصحاح الثالث من الرسالة إلى أفسس فقال إن الإنسان يكون له سلاح الله الكامل، "الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا.." (أف6) أي يحارب بسلاح الله.
[1] عظة لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 15 سبتمبر1999م.
الفصل الخامس الحب والبذل في حياة الشهداء
الحب والبذل في حياة الشهداء[1]
أحب أن أهنئكم من كل قلبي بعيد النيروز، وكل عام وأنتم بخير، عيد النيروز هو عيد الشهداء في الكنيسة، والشهداء هم الذين قدموا لنا أعظم الأمثلة عن حياة المسيحي الكامل، لدرجة أن الكنيسة تضع الشهداء في مقدمة قديسيها. نذكر أسماء الشهداء في الكنيسة قبل أن نذكر أسماء الآباء المطارنة والبطاركة، ونذكر أسماء الشهداء في الكنيسة قبل أن نذكر أسماء الرهبان والمتوحدين والسواح، فالشهداء في الكنيسة أعظم من الخدام الذين عاشوا حياة الخدمة وأعظم من الذين عاشوا حياة التأمل، لماذا؟
أقوى علامات الحب
لأنهم هم الذين عاشوا حياة الحب، "ولا يوجد حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13)، علامة الحب هي البذل، أتريد أن تعرف محبة أحدهم لك انظر إلى مقدار بذله وعطائه من أجلك، هل يبذل من أجلك أم لا؟ وآخر ما يعطيه الإنسان هو أن يعطي الحياة.
عندما أراد الله أنه يختبر محبة "إبراهيم" سأل ما الذي يمكن أن يتركه إبراهيم من أجله؟ قال له: "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْض الَّتِي أُرِيكَ" (تك ١:١٢)، فإبراهيم ترك الأهل والوطن، العشيرة من أجل الله، ثم قال له: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ"(تك٢:٢٢) لماذا يا رب؟ أريد أن أعرف ماذا سيفعل إبراهيم من أجلي؟ هل يعطي من أجلي أم لا؟ فعندما أخذ إبراهيم ابنه ورفع السكين ليذبحه كأمر الله، رأى الله أن إبراهيم قد وصل إلى هذا الحب العجيب، أن يترك أعز ما عنده، يترك ابنه وحيده الذي يحبه إسحاق. والسيد المسيح قال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا، وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا، فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو14: 26-33)
إذًا علامة الحب هي أنك تترك من أجل الله، لذلك قال الرسل للسيد المسيح: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (لو18: 28)، تركنا كل شيء وتبعناك، وبولس الرسول قال للسيد المسيح: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في3: 8)، فالسيد المسيح يريدنا أن نبذل من أجله ونترك من أجله، ولكن الإنسان ممكن أن يترك البلد والعشيرة والأهل والأولاد وكل شيء، والمال أيضًا، مثلما قال المسيح للشاب الغني: "اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ" (مر10: 21) فلم يستطع.
أما الشخص الذي يستطيع أن يترك كل شيء حتى نفسه من أجل الله، فهذا قد وصل إلى كمال الحب. يبذل نفسه من أجل الله، وقد يصل إلى أعلى درجة في الكمال إذا كان يعطي بسرور، الكتاب يقول: "لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ" (2كو9: 7)، فالشخص الذي يعطي حياته، ويعطي حياته بسرور هذا هو المحب لله.
الترك بسرور
الشهداء تركوا حياتهم من أجل الله، وتركوها بسرور كانوا يحبون الموت من أجل الله: لا تظنوا أن الشهداء قتلوا على الرغم منهم... قبضوا عليهم بقوة أو بشدة، وقتلوهم من أجل المسيح أبدًا. الشهداء كانوا يقدمون أنفسهم من تلقاء أنفسهم، كانوا يحبون الموت من أجل الله، أمثلة عجيبة في تاريخ الشهداء عن هذا الأمر... نسمع أنهم كانوا يذهبون بأنفسهم إلى الولاة، ويعترفون بالسيد المسيح، كانوا يرون موكب الوالي في الطريق، فيعترضون طريقه ويصيحون: "نحن مسيحيون"، "نحن مسيحيون".
كانوا يدخلون إلى المحاكم حيث يحاكم المسيحيون، ويشجعونهم ويثبتونهم، وينضمون إليهم في الإيمان، كانوا يصرخون في وجه كل والٍ مهما كانت مكانته: "نحن مسيحيون". وكانوا يحبون الموت.
نسمع عن القديس "أندراوس الرسول" أنه في وقت استشهاده وكان مصلوبًا على صليب حدثت زلزلة، فهرب صالبوه من أجل الزلزلة ولم يبق أحد من أعدائه فأتى أصدقاؤه لكي ينزلوه من على الصليب، فاحتضن الصليب ورفض أن ينزل من عليه ومات من أجل السيد المسيح، لم يخاف الموت!
فرح القديسين بالاستشهاد
نسمع أنه في استشهاد القديسة "أربسيما"، أربسيما ومعها اثنان وسبعون عذراء قتلوهن جميعًا، قطعوهن إربًا إربًا، ولكن واحدة من العذارى كانت مريضة وجالسة في كوخ، وعز عليها أن يفوتها هذا الإكليل، فنادت على الجند الذين نسوها وتركوها، فلما سمعوا صوتها أتوا وأخذوها أيضًا إلى الموت، كانت تعتبر أن تركها للموت هو ناحية من نواحي الجُبن والخوف، لا تستحق من أجله السيد المسيح.
القديس "أبي فام الأوسيمي" عندما ذهب إلى الاستشهاد كان يومًا عجيبًا، نظر إلى غرفته وودعها وقال لها: "أودعك يا غرفتي التي عبدت فيكِ الله إلهي"، ثم لبس أفخر ثيابه وتمنطق بمنطقة من ذهب وركب حصانًا وذهب وقال: "أنا اليوم في يوم عرسي، ألبس أفخر ثيابي وأفخر زينتي، لأني ذاهب إلى يوم عرسي"، وقابلته أمه وكانت تبكي قال لها: "لا تبكي يا أمي لأن هذا هو يوم فرحي"، وعندما أخذوا أمه لكي يلقوها في النار مع بعض الشهداء قال لها: "الوداع يا والدتي اسبقيني إلى النعيم وأنا آتي وراءك" في كل شجاعة دون أن يخاف في فرح.
كان القديسون يلاقون الموت في فرح، نسمع عن ثلاثين ألف مسيحي، ذهبوا في موكب كبير من دمنهور إلى الإسكندرية، لكي يستشهدوا وهم يرتلون ويسبحون، ويغنون الأغاني الروحية في الطريق.
السجون تحولت إلى كنائس
حتى السجون أيها الإخوة حولوها إلى كنائس، وكانت أصوات الترتيل والفرح تنبعث من السجون، وكان السجانون يندهشون، ما هذا الفرح العظيم؟ يحولون السجون إلى كنائس، أحد الكُتاب الروحيين تكلم عن السجون، في تشجيع للمسيحيين وقالوا: "السجن مجرد خلوة روحية، يبتعد فيها الإنسان عن العالم"، قال للمسجونين: "أنتم في السجن في حرية أكثر من الذين في العالم؛ أنتم حرركم المسيح أما هم فمقيدون بأغلال الشهوات، أنتم في نور وهم في ظلمة العالم".
القديس "باسليوس الكبير" عندما هُدد، بالنفي والسجن، ومصادرة الأملاك، قال: "أما عن النفي فللرب الأرض وملؤها لا يمكن أن ينفوني في مكان لم يخلقه الله، كلها أرض غربة، أما عن السجن فلم أحبس فيه حرية روحي، وأما عن مصادرة الأملاك فأنا لا أملك شيئًا في العالم، قد مت عن الأشياء التي في العالم ولا أملك فيه شيئًا"، فتضايق منه الوالي وقال له: "أنا لم أسمع إطلاقًا من أحد الأساقفة مثل هذا الكلام"، فرد عليه قائلًا: "ذلك لأنك لم ترَ أسقفًا حقيقيًا حتى الآن"...
أناس لا يخافون من الموت ولا يخافون من أي عقوبة من العقوبات!
عندما قال الوالي للقديسين "قزمان ودميان": فكرا في الموضوع، قالا له لا حاجة بنا إلى التفكير، هذا الأمر انتهينا منه، وقررناه منذ مدة طويلة"... هكذا كان الآباء القديسون يشتهون الموت من أجل المسيح، يشتهونه ويفرحون عندما يُقبض عليهم، وإذا لم يقبض عليهم يقدمون أنفسهم للولاة...
نسمع عن القديس "مويسيس وأخته سارة" هذا القديس عندما ذهب إلى الرهبنة أراد أن يزوج أخته أولًا، فقالت له: "لا يا أخي أنا أريد أن أفعل مثلما تفعل أنت"، فأخذها وأودعها ديرًا للعذارى، وبعد عشر سنوات عندما قام الاستشهاد ترك مويسيس ديره لكي يذهب ويستشهد لأن بعض الناس يظنون أن هناك رهبانًا ذهبوا إلى الأديرة خوفًا من الاستشهاد.
القديس مويسيس الراهب سمع عن الاستشهاد، فترك الدير وذهب ليستشهد، فذهب إلى أخته سارة يودعها قبل أن يمضي إلى الموت، فاستأذنت سارة من رئيسة الدير وقالت له: "أنا أمضي معك"، وذهب الاثنان إلى والي الإسكندرية، واعترفا أمامه بالإيمان وعذبهما عذابًا شديدًا، ثم نالا إكليل الشهادة. من تلقاء أنفسهم لا أحد قبض عليهم، ولا جرهم ولا أخذهم للسجن، هم قالوا: "نحن نشتهي أن نستشهد".
الأنبا أنطونيوس على الرغم من أنه ذهب إلى الرهبنة وترك العالم، في وقت من الأوقات اشتهى أن يستشهد؛ فنزل إلى الإسكندرية لكي ينال الاستشهاد وكان ينزل يشجع المسجونين من أجل السيد المسيح علنًا أمام الناس، كان يعترض موكب الوالي في الطريق، ويصرخ أنه مسيحي، ويذهب إلى السجون ويشجع الناس، يريد أن يموت من أجل المسيح، لكن الله لم يسمح له، لأنه كان يحفظه إلى أسباب أخرى.
كل واحد يريد أن يموت من أجل المسيح، كانت رغبة الموت رغبة عنيفة تملأ قلب كل أحد، كل أحد يريد أن ينال إكليل من أجل المسيح، حتى لو كان مختفيًا يترك مكان اختفائه.
القديس "بفنوتيوس المتوحد" ظل أريانوس والي أنصنا يبحث عنه بلا جدوى، يبحث عنه في كل مكان ولم يجده، وفي يوم من الأيام نظر أريانوس والي أنصنا فإذ أمامه بفنوتيوس المتوحد، قال له: "أنا هو بفنوتيوس الذي يبحث عنه جنودك دون جدوى، اسمع أيها الإمبراطور إن قتل الإمبراطورية الرومانية للمسيحين معناها أنها ستفقد أكبر دعامة تعتمد عليها في بقاء الإمبراطورية، إنني أشفق عليك لأنك تسلم نفسك للشيطان وقد جئت لأكلمك كلامًا به تخلُص نفسك"، طبعًا أريانوس والي أنصنا أمر بالقبض عليه لكي يعذبوه.
هؤلاء لم يخافوا، كان قلبهم مثل الحديد، كانوا يضعون أمامهم جميع ألوان التعذيب فلا يخافون. وكثير من المسيحيين كانوا يذهبون إلى أقسى الولاة شدة لكي يقدموا أنفسهم لهم، القديس "أبادير" كان وزيرًا ومعروفًا عنه من عائلة وزراء، وأخته "إيريني" وشقيق والدته كان "واسليديس" الوزير فأرادوا أن يستشهدوا، ولو ذهبوا إلى الوالي سيعرفهم فتنكر أبادير هو وأخته، تنكرا وذهبا إلى أريانوس والي أنصنا، وبعد أن عذبهما عذابًا شديدًا عرف شخصيتهم أنه أبادير الوزير، فأوقف التعذيب وأمر بقطع رأسيهما فنالا إكليلي الشهادة.
هؤلاء الشهداء كانت محبة المسيح، في قلوبهم تطغى على كل شيء، لم يتقدموا إلى الاستشهاد إلا بعد أن كان العالم قد مات في قلبهم. ولذلك قبل استشهادهم كانوا يبيعون كل أملاكهم ويعطونها للفقراء، أو يوزعونها على أسر الشهداء، أو يصرفونها على العناية بالمسجونين. ويعتقون عبيدهم أيضًا وكانوا يذهبون لملاقاة الرب في شجاعة كاملة. لأن الشهداء كانوا يمتازون بالشجاعة.
شجاعة الشهداء
نسمع عن القديس "مار جرجس" كمثل من أمثلة الشجاعة، عندما أصدر الإمبراطور دقلديانوس قراره المشهور، ووضع فيه بعض بنود خطيرة، كان بند منهم يقضي بحرق الكتب المقدسة كلها، وبند آخر منهم يقضي بفصل جميع المسيحيين من وظائفهم الحكومية، وبند يقضي بغلق الكنائس، وإحراقها وهدمها إلى آخر بنود دقلديانوس.. وعندما سمع "مار جرجس" بهذا ورأى المنشور؛ تقدم في شجاعة كاملة وأمسك بمنشور الإمبراطور ومزقه إربًا ورماه في الطريق، فذهل الناس، كيف يتقدم قائد من القواد بأن يمزق منشور الإمبراطور، فقبضوا عليه؛ وذهب إلى الإمبراطور وكلمه بكل شجاعة دون خوف، وتعرض لكل أنواع التعذيب ولم يهمه شيء، أمامه الإمبراطور مجرد تراب خلقه الله، مملوء من عبادة الأصنام. لا يهمه شيء لأن حياته في يد المسيح.
هؤلاء الناس الذين يضطهدون المسيحية إنما يضطهدون المسيح نفسه، والمسيح نفسه قادر أن يعمل عملًا.
السيد المسيح نفسه عندما ظهر لبولس الرسول قال له: "شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" (أع٤:٩)، فكان الشهداء يعرفون أن هؤلاء الولاة والأباطرة إنما يضطهدون السيد المسيح، وكانوا يعرفون أن السيد المسيح قوي، كانوا في حمايته، وكانوا لا يخافون الموت، الموت بالنسبة لهم لا يخيف، صدقوني الموت كان أخف شيء في أيام الشهداء، التعذيب كان أصعب، فكروا أن الاستشهاد معناه أنه يذبحوا رأس الشهيد بالسيف.
إنما المهم أنواع من أنواع التعذيب المرعب، الذي كان بالنسبة إليه يشتهي الناس الموت فلا يجدونه. يشتهون الموت فلا يجدونه، ومع ذلك كانوا يتقدمون إلى هذا التعذيب المُرّ في شجاعةٍ وبسالة، القديس أبيماك المتوحد سمع عن الفظاعات العجيبة التي يعذبون بها المسيحيين، فماذا كانت النتيجة؟ ذهب إلى المحكمة بنفسه، ودخل في جرأة إلى ساحة المحكمة، موجود الوالي والقضاة وكل الناس الكبار وموجود الصنم والمذبح، ويقولوا للشخص المسيحي: "بخر له"، فإذا بخر ينجو بحياته، فدخل بأقدام ثابتة إلى مذبح الأصنام وبضربة واحدة كان قد ألقى المذبح بالصنم على الأرض وكسرهم، والناس في مفاجأة العمل انذهلوا.
ووقف أمام القاضي ووبخه توبيخًا شديدًا على ظلمه للمسيحيين وعلى قسوته وفظاعته وعلى أعمال التعذيب التي يعملها، إلى أن استفاق الوالي من دهشته فأمر بالقبض عليه وإلقائه في السجن ليحاكمه، وهناك في السجن أخذ يشجع المسجونين ويذكرهم بالمسيح، ويحببهم في الاستشهاد، إلى أن تحول السجن إلى كنيسة، وتضايق منه الوالي عذبه بعذابات شديدة جدًا، فلم يهتم، ظلوا يضربونه حتى تناثرت أشلاء لحمه، فماذا كانت النتيجة؟
فتاة عمياء وقعت عليها جزء من الدماء التي تتساقط من الشهيد فانفتحت عيناها! فنطق الناس باسم المسيح، فظل يعظهم هذا القديس وهو معلق على العمود، حتى تضايق الوالي والناس يؤمنون ويصيحون: "نحن مسيحيون"، فقال الوالي: ما هي الطريقة التي نصمت بها هذا الثرثار لئلا يؤمن أهل المدينة كلهم؟ فأنزله من على العمود ووضعه على حجر، وأمر بقطع رأسه.
كانوا في منتهى الشجاعة، لا يخافون أحدًا من الناس، الإمبراطور يسأل الشعب هل أنتم مستعدون لتنفيذ الأوامر؟ يقولوا: "لا.. يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29)، ما دامت الأوامر تتعارض مع الله، فطاعة الله أهم، هؤلاء ناس كانوا لا يخافون شيئًا، الشيء الوحيد الذي يخافونه أنهم يحرموا من الله لكن الموت يوصلهم لربنا.
القديس "تيموثاوس" الشماس طلب منه أريانوس الوالي أن يسلمه الكتب المقدسة، فرفض وعذبه فلم يبالِ، فأرسل إليه زوجته[2]، فأتت زوجة الشماس تيموثاوس، وأخذت تتوسل إليه ستتركني أرملة؟ فوبخها على عدم إيمانها، وكان من شدة التوبيخ أنها تأثرت فذهبت واعترفت بالإيمان، فصلبوها هي وزوجها الشماس، صلبوهما متواجهين، وجه كل واحد للآخر لكي يرى آلامه بنفسه وسلَّما الروح ونالا إكليل الشهادة.
كلمة "أنا مسيحي" كان لها ثمنًا كبيرًا في ذلك الزمان، كلمة "أنا مسيحي" تعني أنا مستعد للعذاب، أنا مستعد للألم الذي لا يطاق، لو أردنا أن نعرف أمثلة لشجاعة الشهداء، لوجدنا الأمثلة كثيرة جدًا في تاريخ الآباء...
أمثلة عن شجاعة الشهداء
"مار بقطر بن رومانوس" كان قائدًا قويًا كبيرًا، وهو الذي كفَّن جسد "أُمّ قزمان ودميان"، وكفن جسد الأنبا بيجول في شجاعة نادرة، كان أنبا بيجول ذاهبًا للاستشهاد فقابله "مار بقطر" وعانقه أمام الجميع وقال له: "طوباك اذكرني أمام المسيح" وبعد أن مات كفَّن جسده فأتوا به إلى الإمبراطور قال له: "كيف تتجاسر أن تكفن جسد هذا المخالف؟" فقال له: "إنه ليس مخالفًا بل هو عبد حقيقي ليسوع المسيح، أما المخالف فهو أنت أيها الإمبراطور، لأنك تركت عنك عبادة الإله الحقيقي وعبدت الأصنام"، وخلع منطقته ورماها في وجه الإمبراطور، وقال له: "لست جندي لك، بل أنا جنديًا ليسوع المسيح"، عذبه بكل أنواع التعذيب فلم يبالِ، ومات من أجل المسيح.
"أنبا كلوج" سأله الوالي ما اسمك وما هي مدينتك؟ قال له: "اسمي مسيحي، ومدينتي هي أورشليم السمائية".
"مار أبي فام الأوسيمي" كان من أوسيم، من أسرة غنية مشهورة فلما أتى أريانوس الرجل الوالي المتوحش إلى أوسيم قابل "مار أبي فام" وقال له: "السلام لك أبي فام"... فرد عليه أبي فام وقال له: "كيف تقول السلام؟! وأنت لست رجل سلام، لا سلام قال الرب للأشرار، أنت لا تستحق السلام لأنك رجل شرير"، فقبض عليه وذاق الموت في شجاعة نادرة.
لم يكتفوا بهذا إنما كانوا أيضًا يوبخون الولاة، كانوا في هذا التوبيخ لا يبالون بنتائج، وكان الولاة يشعرون بتصاغر كبير أمام هؤلاء المسيحيين، كان الأسير له قوة أكثر من الوالي الذي أسره، هؤلاء كانوا مأسورين بالجسد أما نفوسهم فكانت طليقة، لم يكتفوا بهذا إنما كانوا أيضًا يوبخون الولاة، يوبخون الولاة على الرغم من أن الولاة كانوا في هذا التوبيخ، كانوا في هذا التوبيخ لا يبالون بنتائج، كان الولاة يشعرون بتصاغر كبير أمام هؤلاء المسيحين، كان الأسير له قوة أكثر من الوالي الذي أسره، هم كانوا مأسورين بالجسد أما نفوسهم فكانت طليقة.
القديس "بولس الرسول" وهو مكبل بالسلاسل وواقف أمام "فيليكس الوالي" كلم فيليكس "وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ" (أع24: 25)، ارتعب من بولس الأسير أمامه، وقال له: أَجَابَ: «أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ" (أع24: 25)، والي آخر الملك "أغريباس" كلمه بولس وهو مكبل بالحديد أمامه، كلمه كلامًا شديدًا عن المسيح، وعن النبوات، قال له: " أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ" فأجابه: "بِقَلِيل تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا" (أع26: 27، 28)، كان يشعر على الرغم من مُلكه أنه تلميذ صغير أمام بولس، كان بولس جبارًا وهو أسير كان عنده قوة عجيبة يتصاغر أمامها كل سلطان الولاة.
القوة أيها الإخوة ليست في السلطان، إنما القوة في الإيمان العجيب داخل القلب، الذي يستطيع أن يزحزح الجبال، وهؤلاء الشهداء كانوا أقوياء، وكانوا يشجعون بعضهم البعض على الاستشهاد.
"قزمان ودميان" كانا الأخان الكبيران ومعهما ثلاثة من الإخوة الصغار، وكانوا يشجعون إخوتهم على الاستشهاد... علقوا قزمان ودميان على صليبين والثلاثة الإخوة في الأسفل، وظلوا يضربون الجميع بالسهام، ومن فوق الصليبين، كان قزمان ودميان يشجعان إخوتهما الصغار على إكمال استشهادهم أمام المسيح.
"الأم دولاجي" لها كنيسة مشهورة في إسنا، عندما ذهب أريانوس والي أنصنا إلى إسنا، كان أولاد الأم دولاجي أول من قابلوه في الطريق، أخذهم لكي يبخروا للأوثان فرفضوا، وعندما سمعت أمهم أتت بسرعة وهي تجري، وظلت تشجع أولادها أن يموتوا من أجل المسيح، ثم ألقاهم في السجن وفي الغد جاء يحاكمهم، وسألهم الوالي.. فصاحت الأم: "أنا وأولادي جميعًا نعبد المسيح"، وظلت تشجع الأولاد فأخذوا أولادها الأربعة وذبحوهم على ركبتيها وهي تشجع كل ابن لها، وأخيرًا قطعوا رأسها فنالت إكليل الشهادة.
في أيامنا هذه أي أم تشجع ابنها على الحياة مع الله؟ إذا أراد ابن أن يصير كاهنًا أو أن يصير راهبًا أكثر الناس الذين يضايقونه هما الأب والأم، أما في أيام الشهداء فكانوا يشجعون الإنسان على الموت، وإذا رفض الموت يوبخونه.
القديسة "دميانة" عندما أنكر أبوها الإيمان وكان واليًا من ولاة البلاد، ذهبت إليه وبخته توبيخًا شديدًا وقالت له: "كيف تنكر المسيح إلهك، وتبخر للأصنام، لا أنت أبي ولا أعرفك، طالما أنت على هذه الحالة". وكان توبيخها شديدًا لدرجة أن مرقس ذهب إلى دقلديانوس، وقال له: "أنا مسيحي"، ما هذا الانقلاب الذي فعلته في حياتك حتى تنكر الله، واعترف أمامه باسم المسيح ومات، والقديسة "دميانة" أيضًا استشهدت ومعها أربعون عذراء. كانوا يشجعون بعضهم البعض، كل واحد يصرخ أنا مسيحي ويشجع المتعبين.
القديسة "أربسيما العذراء"، كانت موجودة في دير للعذارى ومعها اثنان وسبعون عذراء، وكانت جميلة جدًا، عندما أراد دقلديانوس الإمبراطور أن يبحث عن زوجة، أمر رجاله أن يفتشوا في كل الإمبراطورية الرومانية عن أجمل فتاة موجودة لكي يتزوجها، فوجدوا أربسيما أجمل من يتزوجها الإمبراطور، فأحضروا أربسيما لكي يتزوجها الإمبراطور فرفضت أن تتزوجه، وقالت: أنا لا أترك المسيح، وخرجت معها العذارى جميعهن، وهن يبكين ويصلين إلى الله أن يحفظ بتولية أربسيما، وعندما سمعت "أم أربسيما" بهذا الأمر أتت إليها، وظلت تشجعها أن تظل عروسًا للمسيح، ظلت تشجعها حتى صرخ الوالي، فأمر أن تكسر أسنانها وكسروها، وقطعوا رأسها.
وأخذ يلاطف أربسيما لكي تقبل فرفضت وشجعتها العذارى، فقطع العذارى إربًا إربًا، واستبقى أربسيما، ورفضت هي الأخرى، فأرسل إليها والي أرمينيا فوبخته على عدم إيمانه، ووبخت الإمبراطور على كفره ورفضت أن تتزوجه، فقطع لسانها، ثم فقأ عينيها، فلم تبالِي وأخيرًا قُطعت رأسها وذهبت عروسًا للمسيح، بدلًا من أن تكون عروسًا للإمبراطور الأرضي.
الشهداء تحملوا الكثير من أجل المسيح! كانوا يشجعون بعضهم بعضًا على الاستشهاد، حتى بعد أن يموتوا...
"بوتامينا العفيفة" نالت الاستشهاد في طريقها إلى الموت كان يقودها ضابط اسمه "باسيليدس" وكان باسيليدس لطيفًا جدًا معها، حتى أنه كان يمنع الأطفال من الاقتراب منها ويمنع الشعب الغوغاء من إيذائها، والتهكم عليها، فحفظت له هذا الجميل، بعد أن استشهدت بثلاثة أيام ظهرت له في حلم، وقدمت له إكليلًا، وقالت له كنت أصلي إلى الله من أجلك، لكي تأتي إلى وأنت ستموت من أجل المسيح، لأن صلواتي قد قبلت من أجلك. فذهب باسيليدس واعترف باسم المسيح، فعذبوه ثم نال إكليل الشهادة.
عبارة "لا تفعل هذا لئلا تموت" عبارة لم تكن موجودة أيام الشهداء، كان موجودًا أيام الاستشهاد هو أنك لا بد أن تموت على اسم المسيح، اذهب إلى الموت لأن الموت أفضل، حتى القديسون أيضًا كانوا يشجعون، القديسة "تكلا" عندما سمعت أن أخاها "إيسي" سيستشهد وكانت ذاهبة لمقابلة أخيها ظهرت لها في حلم "السيدة العذراء ومعها أليصابات"، وشجعتاها على الاستشهاد مع أخيها، قالت لها العذراء: "أنا كان لي ابن وصلبوه"، وقالت لها أليصابات: "وأنا كان لي ابن وقطعوا رأسه"، وشجعتاها أن تعمل مثلهما وبالفعل ذهبت واستشهدت مع أخيها "إيسي".
نسمع في قصص التشجيع إن عائلات بأكملها كانت تستشهد صغارًا وكبارًا، القديسة "صوفية" كان لها ثلاث بنات أسمتهن على أسماء الفضائل الثلاث الكبيرة الإيمان، والرجاء، والمحبة. فواحدة سُميت "بيستس" أي إيمان، والأخرى سُميت "هيلبيس" أي رجاء، والأخيرة سُميت "أغابي" أي محبة.. كن بنات صغيرات، الكبيرة عمرها اثنتي عشرة سنة، المتوسطة عشرة سنوات والصغيرة تسع سنوات، أخذتهن أمهن ورفضن أن يستمعوا إلى الوالي، وشجعتهن على الاستشهاد وماتت الثلاثة أمام عينها، قطعوا رأس الواحدة وحرقوا الأخرى، وضربوا الثالثة وأماتوها، والقديسة الأم صوفية ترى بناتها أمامها وتشجعهن أن يموتوا وأن يكملن جهادهن على اسم المسيح، ثم أخيرًا ماتت معهن الأسرة كلها. الأم دولاجي ماتت مع أولادها الأربعة، والقديسة صوفية ماتت مع بناتها الثلاثة.
و"سارة" زوجة "سوتارتس" القائد كان زوجها مسيحيًا، ثم أنكر الإيمان وصار وثنيًا لأنه قائد، فعمدت ابنيها جبرًا، وكان أبوهما قد رفض أن يعتمد الولدان فأخذتهما وذهبت إلى الإسكندرية لكي تعمدهما وعندما رجعت ثار عليها القائد وبلَّغ أمرها إلى الملك فلم تنكر إيمانها هي ولديها، فأخدوها وقيدوها وربطوها ووضعوا الطفلين على بطنها، وحرقوا الثلاثة بالنار، لكن الأسرة كلها كانت تستشهد.
الأم رفقة" لها كنيسة في "سنباط" استشهدت هي أيضًا هي وأولادها وكانت تبارك الرب وتقول: "مبارك هو الرب الذي جعلني مستحقة أنا وأولادي أن ننال إكليل الشهادة"...
ذهبت وباعت كل أملاكها ووزعتهم على الفقراء، وذهبت مع أولادها لكي يستشهدوا، وكانت فرحة جدًا وهي ترتل في الطريق، لدرجة أن الناس ذهلوا من ترتيل رفقة ومن فرحتها وانضموا للإيمان بسببها، هذا الكلام عن الاستشهاد لا تستطيعون إدراكه وأهميته إلا بعد معرفتنا بالعذابات، فالمسألة ليست مجرد شخص يموت على اسم السيد المسيح.
عذابات الشهداء
عبارة (يموت) كلمة بسيطة تقرأوها في السنكسار "وبعد أن عذبوه بعذابات شديدة مات"، لكن ما المقصود بعذابات شديدة؟ إنها كلمة لها معنى جبار. نذكر أمثلة من بعض هذه العذابات الشديدة التي تعرض إليها كثير من القديسين:
الهنبازين عبارة عن معصرة يضعون فيها القديس لكي يعصروه عصرًا. من ضمن القديسين الذين وضعوا في الهنبازين "القديسة دميانة" وضعوها في الهنبازين، وظلوا يديرونه حتى اختلط عظمها بلحمها وأصبحت كتلة من عجين، دولاب أو آلة تخرج منه آلات حادة بارزة مثل السيوف ويُدار مثل المفرمة التي تفرم اللحم، الهنبازين آلة مثل المفرمة لكن أكبر.
والقديسان "قزمان ودميان" جروهم على دواليب بارزة حتى ترضّضت عظامهم وبعد ذلك ألحقهم الجنود وطرحوهم في البحر وأنقذهم ملاك الرب فآمن الكثير بسببهم، القديسة صوفيا ضربوها بسياط مصنوعة من أعصاب البقر وكوي مفاصلها حتى ظهرت عظامها ثم علقوها وكانت في كل ذلك تصيح وتقول: "أنا مسيحية" فقطعوا لسانها حتى لا تصيح، ولم ينفع فقطعوا رأسها.
القديسة التي ربطوا قدميها وظلوا يجرونها في كل المدينة على الشوارع المرصوفة بالحجارة ثم وضعوها على أحجار الطاحونة وجلدوها وأخيرًا رجموها حتى ماتت، و"القديس مار بقطر" أمروا بسحق أصابعه حتى ظهرت عظامه من الداخل، ثم وضعوه في آتون نار، فصلى إلى الرب فلم يمسسه شيء، ثم أرادوا شنقه فعلقوه منكس الرأس في عمود ثلاثة أيام وأخيرًا عندما تَعبوا منه عذبوه بطريقة أخرى هي طريقة السلخ، "طريقة السلخ" أي مزقوا جزء في جلده ويفصلوا الجلد عن اللحم بمشارط! عذاب لا يُطاق! فقال مار بقطر للوالي وهو ينزع جلده: "إن نزعت جلدي فلا يمكن أن تنزع رداء روحي لأنه منسوج من الإيمان والمحبة".
أثناء تعذيب مار بقطر آمنت امرأة اسمها "كورونا"، كانت زوجة أحد الجنود، وهم يعذبونه هذا العذاب الشديد صرخت "كورونا" وقالت: "أنا مسيحية أنا مسيحية"، قالوا لها: "ما بكِ؟"، فقالت لهم: "لقد رأيت ملاكين في يد كل ملاك إكليل؛ الأكبر لمار بقطر والإكليل الأصغر لي" فأخذوها، وكانت هناك شجرتان بجوار المدفنة فأمال الجنود غصنًا غليظًا من كل شجرة، وربطوا يدًا ورجلاً من جسد القديسة في أحد الغصنين، واليد والرجل الأخرى في الغصن الثاني، وتركوا الفرعين يرجعان كل غصن إلى شجرته ورجع الفرعان ومع كل فرع نصف القديسة، شقوها نصفين بهذه الطريقة، ونالت إكليل الشهادة، مَن يحتمل مثل هذا العذاب؟ الموت بسيط ما أسهل أن يموت الإنسان!
القديس بفنوتيوس المتوحد الذي بسطوا جسده على الأرض ومرروا فوق جسده عجلات مسننة حتى تطايرت أشلاء جسده، أيضًا القديس أبيماك الذي دخل المحكمة وألقى المذبح والصنم على الأرض، علقوه على عامود وظل الجلادون يضربونه بالعصي حتى تطايرت أشلاء لحمه، وحتى تعب الجلادون وقال لهم الوالي: "لماذا سكتم عن الضرب؟"، قالوا له: "قد تعبنا من الضرب دون أن يتعب هذا المضروب"، وثم أكملوا تعذيبه بطريقة أخرى، بعد ما الضرب طير أجزاء من لحمه، أتوا بأمواس وظلوا يقطعون بها باقي العضلات والأنسجة الأخرى الموجودة في جسده حتى اقشعر الحاضرون من هذا المنظر.
أما القديسة دميانة فأزادوا عليها العذاب، إذ بعد الهنبازين، أمسكوا أمواسًا وقطعوا جسدها وبعد ذلك أتوا بسياط من شعر الخنزير وشرطوا بها الجروح، وبللوا خرقًا من الخل المُعتق والجير الحيّ وضغطوا بها على هذه الجروح، تصوروا خل مُعتق وجير حيّ! (الجير الحي أي غير مطلي) حتى أصبح جسد القديسة يفوح بالدخان. وكانوا إذا وجدوا أنه على الرغم من كثرة العذابات أن الرب يشفي الشهيد، ويؤمن الكثيرون، فخوفًا من إيمانهم، يقطعون رأس الشهيد وأوقات من محبة الناس للشهيد كانوا يترجون الوالي أن يقطع رأسه ويستريح.
القديس "بيجول القس" وضعوه على سرير من حديد وأوقدوا النار من تحته، فقال للوالي: "إني ولو أقمت على هذا السرير المُحمى بالنار ثلاثة أيام فلا يمكن أن أترك إلهي وأعبد آلهتك النجسة"، ضربوه مائتي جلدة على فترات متتابعة وعلقوه على عامود مرتفع وقد ربطوا حجرًا على بطنه ولا في فائدة، "أنبا بيجول الجندي" أوثقوه وقلعوا أظافر يديه ورجليه من مواضعهم وكووا مكان الأظافر المقلوعة بالجير وبالخل، أتوا على ساري السفينة وعلقوه مُنكس الرأس لكي يشدوا الحبل فيسقط على رأسه، ولما تعب أريانوس الوالي من تعذيبه حلف وقال: "لن آكل طعامًا ولا أشرب ماءً حتى أرى هل يأتي المصلوب وينقذ هذا الإنسان من يدي؟"، وعلقوه على عامود على سارية السفينة، فأتى ملاك وأنزله وذهب وتراءى أمام أريانوس الوالي وقال له: "ها أنا بيجول الذي حلفت من أجله"، قال: "أنت ساحر"، تهمة من التهم التي يتهمون بها المسيحيين عندما ينقذهم الملائكة أو ينقذهم الرب.
"مار بقطر" ربطوه في ذيل حصان، وظل الحصان يجري به في المدينة وجسده يُرض في الأرض حتى تحطمت عظامه، وهكذا فعلوا مع مار مرقس الرسول ما يشبه هذا.
القديس الأنبا "قسطور القس" تعب منه الولاة!! والي القوس تعب منه فأرسله إلى والي البهنسا الذي تعب من تعذيبه فأرسله إلى والي الإسكندرية، وظل والي يحوله إلى والٍ آخر، وجربوا معه طرق العذابات الكثيرة وضعوه في الهنبازين وعصروه وضعوه في مستوقد حمام (مثل فرن)، وأتوا إليه بسمٍ، وربطوه في عجلة حديد مُحماة بالنار، وضعوه في قنين مُتقد بالجير، ونزعوا شعر رأسه ولحيته، وقلّعوا أظافره وضعوه في زفت مُتقد بالزيت وش شحم وخل وكبريت ومواد دهنية، وفي كل مرة كانوا يعذبون القديس كان الله ينقذه وكان كثيرون يؤمنون، عذابات القديسين كانت سبب إيمان كثيرين.
هذه هي ألوان من العذابات التي كان يتعرض لها الآباء ومع ذلك لم يتركوا إيمانهم وكانوا يحتملون كل شيء والعذاب كان سهلاً بالنسبة لهم.
الشهداء من كل الطبقات
هؤلاء الشهداء كانوا من جميع الطبقات؛ فيهم الكبير والصغير، فيهم الطفل والعجوز، فيهم الكاهن والأسقف والشماس، فيهم القائد والعسكري.
الشهداء الأطباء "قزمان ودميان" كانا طبيبين وكانا مسيحيين في طبهم يصليان على كل مريض قبل الكشف عليه، ويبشران كل مريض أثناء علاجه حتى انتشر أمرهم وكانا غير محبين للمال يعالجان جميع الفقراء مجانًا.
"القديس قُلتة" كان طبيبًا أيضًا، لوقا الطبيب أحد الإنجيليين الأربعة. يوجد أيضًا شهداء كانوا من الولاة ومن الأمراء ومن الملوك وهؤلاء أهم نوع، من طائفة الملوك والأمراء القديسة أدروسيس بنت الملك أدريان هذه أيضًا عاشت عفيفة للمسيح واستشهدت، من ضمن الولاة مرقس الوالي أبو القديسة دميانة الذي استشهد.
والقديس يوحنا الهرقلي كان واليًا، قال له الإمبراطور: "أقيمك ملكًا وألبسك التاج" فرفض، فلما رفض خاف دقلديانوس أن يقتله لأنه كانت له سلطة لأنه كان واليًا محبوبًا من كل البلد، فخاف منه فقال له: "أُرسلك لكي تجمع الخِراج (الضرائب) من الأقاليم وتجدد بناء البرابي (هياكل الأوثان)"، فذهب لكي يجمع الخراج من الولاة ومعه رسائل لجميع الولاة وكان فعلًا يُهدّم البرابي بحُجة أنه سيبنيها ثانيةً ولا يبنيها لغاية لما حطم كثير من المعابد، فاشتكاه البعض وقالوا: إنه يهدم المعابد ولا يبنيها! فاعترف باسم المسيح، وأخذوه وعذبوه وكانوا يغرونه بمركزه الكبير في الدولة وهو يرفض وظل هكذا حتى نال إكليل الشهادة.
من أعجب الشهداء من الملوك والأمراء "أسرة دقلديانوس"...
دقلديانوس الإمبراطور الذي كان أكبر وحش في عالم المضطهدين وهو الذي عذب مار جرجس، في يوم الأيام وجد ابنته توبخه على تعذيبه مار جرجس وقالت له: "هذا الرجل على حق وأنا من إيمان مار جرجس"، فانقض عليها أبوها وخنقها حتى ماتت، أمها "الإمبراطورة ألكسندرة" سمعت عن مار جرجس وأرادت أن تكلمه وتعرف قصته، وفعلًا أتى إلى قصر الملك والإمبراطور دقلديانوس.. قال له: "تعال بخر للأوثان واحضر احتفال لآلهتي"... قال له: "سأحضر احتفال لآلهتك وسترى ماذا أفعل بآلهتك؟"، فظن إنه فعلًا يبخر للأوثان، هذه الليلة قضاها مار جرجس في قصر الإمبراطور وتركه الإمبراطور طليقًا لا قيود ولا سلاسل، وجلست الإمبراطورة ألكسندرة مع مار جرجس وسألته عن إيمانه وكلمها عن المسيح وآمنت الإمبراطورة بالمسيح.
وفي اليوم الثاني، عملوا احتفالًا كبيرًا جدًا للأصنام وأتى الناس من كل مكان ليشاهدوا مار جرجس يبخر للأصنام أو يصلي لها، وأتى مار جرجس طليقًا حرًا لا قيود في يديه يسير مع الملك، حتى دخل معبد الأصنام وقالوا له: "صلِّ للأصنام.." فرفض، ورفع يديه بالصلاة لله لكي يُظهر قوته في هذا اليوم وإذا بالأصنام تقع جميعها وتتحطم أمام مار جرجس! فلما تحطمت الأصنام أمام صلاته صاح الناس: "نحن نؤمن بإله مار جرجس"، وصاحت الملكة ألكسندرة معلنةً إيمانها بالمسيح، فاضطر الإمبراطور أن يقتل الإمبراطورة، وقُطعت رأسها وذهبت شهيدةً للمسيح، وصار من بيت دقلديانوس شهداء هن ابنته وزوجته، وأيضًا العفيفة أربسيما الذي أراد أن يأخذها لنفسه زوجة صارت هي الأخرى شهيدة، هؤلاءِ لم يكن يهمهن الملك ولا أن يصرن ملكات؟!
من ضمن أيضًا هؤلاء "القديسة كاترين" صاحبة دير سانت كاترين في شبه جزيرة سيناء، كما أن أربسيما أراد أن يتزوجها دقلديانوس فرفضت، كذلك كاثرين أراد أن يتزوجها الإمبراطور مكسيميانوس ورفضت هي الأخرى محتفظةً ببتوليتها وأتت إلى مكسيميانوس ووبخته على عبادة الأصنام وطلبت إليه أن يعبد المسيح، ولما رآها مكسيميانوس ذُهل جدًا من جمالها، ولم يستطع أن يقتلها من فرط جمالها فقال لها: ماذا أفعل لكِ؟ فأتى إليها بخمسين فيلسوفًا من أعظم فلاسفة الدولة لكي يناقشوها في أمور الإيمان، فأفحمتهم في النقاش حتى آمن الخمسون فيلسوفًا واستشهدوا على اسم المسيح، فالناس قالوا له: "اقتلها معهم"، فخاف أن يقتلها حرصًا على جمالها فقتل الخمسين فيلسوفًا ورماها في السجن حتى يعود، وبعد غياب الإمبراطور مكسيميانوس عاد وجد زوجته الإمبراطورة قد آمنت بالمسيح هي والقائد فأمر بقتلهما معًا، زوجته وبخته على تعذيبه كاترين فقتل زوجته وقتل كاترين أيضًا لكي يستريح منها بعد عذاباتٍ كثيرة، الملكة تُستشهد والتي رُشحت تكون ملكة تُستشهد هي الأخرى تمامًا مثلما حدث لدقلديانوس زوجته الملكة استشهدت وأربسيما المُرشحة أن تكون ملكة استشهدت هي الأخرى.
كثير من الولاة آمنوا باسم المسيح... لعل أشهر والي في الإمبراطورية الرومانية كلها وفي العالم أجمع قد آمن بالمسيح هو الوالي أريانوس والي أنصنا، أكبر وحش في تعذيب المسيحيين، تقرأوا في السنكسار "في مثل هذا اليوم استشهد القديس العظيم أريانوس والي أنصنا"، الذي عذب المسيحيين ومات عشرات الآلاف على يديه أخيرًا لم يستطع وقبل الإيمان وصار مسيحيًا واستشهد.
من أشهر الطوائف الذين استشهدوا طائفة السحرة...
السحرة كانوا يأتون بهم من أجل أن يحضروا سمومًا للقديسين، القديس مار جرجس لما تعبوا منه آتوا بساحر اسمه أثناسيوس، هذا الساحر حَضر للقديس مار جرجس سُمًا زعافًا الذي يشرب منه نقطة واحدة يموت، حضر له كأسًا كبير، وضع فيه كل فنه وكل عبقريته من الأعشاب والمواد الصعبة، وفي شجاعة فائقة تقدم إلى النار واحترق ونال إكليل الشهادة، وساحر آخر جهز سمًا لمار بقطر ولم يصبه بضرر، فحضر سُمًا أشد منه فظاعة فلم يصبه بضرر فآمن بالمسيح واستشهد.
على أن أعظم ساحر عرفته المسيحية قديسًا عظيمًا وليس شهيدًا فقط هو الساحر "العظيم كبريانوس"، كان ساحرًا كبيرًا في قرطاجنة وله قصة عجيبة مع القديسة يوستينا، القديسة يوستينا كانت جميلة جدًا وأُعجب بها أحد الشبان وأراد أن يأخذها فلم يستطع ولم تستجب له، فذهب إلى الساحر كبريانوس وقال له: "أريدك أن تُحضر لي يوستينا بالسحر لكي تصير عروسًا لي"، واستخدم كبريانوس كل سحره وكان يُرسل شياطينه للقديسة يوستينا فيجدونها قائمةً تُصلي فيرتعشون منها ويرجعون، يرسل شيطانًا آخر فيجدها قائمةً تُصلي فيخاف منها ويرجع، فقال للشياطين: "إذا لم تأتوا إليَّ بيوستينا، سأصير مسيحيًا!"، فلما سمع شيطان منهم اسم القديسة يوستينا صار كالدخان هرب! فقال إذا كان اسم القديسة يوستينا يحرق الشياطين فما بال إيمان يوستينا؟!
وآمن كبريانوس بالمسيحية، وهذا الساحر الكبير كانت له قوته في المسيحية فرسموه شماسًا ثم رسموه قسًا على قرطاجنة، ثم رسموه أسقفًا على قرطاجنة، ثم صار رئيسًا للمجمع المُقدس الذي انعقد في قرطاجنة من أجل معمودية الهراطقة، ثم ألّف كُتبًا كثيرة في الحث على الاستشهاد، وأخيرًا قُبض عليه ومات شهيدًا وماتت معه القديسة يوستينا هذه التي عندما صار أسقفًا جعلها رئيسةً لديرٍ للعذارى، ومات الاثنين على اسم المسيح، وهذا الساحر العظيم اسمه القديس العظيم كبريانوس رئيس أساقفة قرطاجنة ورئيس أحد المجامع المُقدسة.
المسيحية لم يقف أمامها شيء بادت أمامها دول وملوك وولاة وفلسفات وسحر...
وظلت المسيحية المربوطة بالقيود وبالسلاسل قائمةً تتحدى الجميع حتى أصبحت ديانةً رسمية للدولة الإمبراطورية، ووجدنا أن المُضطهدين هؤلاء لم يستطيعوا أن يقفوا أمام المسيحية بل على العكس كان في الاستشهاد نوع من أنواع الكرازة والتبشير، وبواسطة الاستشهاد لم تنتهِ المسيحية وإنما انتشرت وانتصرت وزادت، كان القديسون الشهداء يصنع معهم الله معجزات كثيرة، يعذبونهم عذابات تقرب من الموت حتى يتركون القديس بين حي وميت وأخيرًا يعود إلى الحياة فيؤمن الناس، يوجد قديس من القديسين اسمه "منسى" كان واليًا على الإسكندرية وآمن بالمسيحية وكان من أعظم ولاة الإمبراطورية الرومانية ومن أكثرهم أمانة ودقة ومحبة، فلما سمع الإمبراطور بإيمانه بالمسيحية تعجب وأرسل له شخص اسمه هيرموجين ليصير واليًا بدل له ولكي يعذبه، وهيرموجين هذا كان قاسيًا وفظًا إلى أبعد الحدود كلم منسى عن المسيحية، وعن إيمانه وتأكد أنه مسيحي فعذبه عذابًا شديدًا، فقأ عينيه، وقطع لسانه، ومزق أعضاءه، وضربه ضربًا شديدًا حتى نزفت دماؤه، وتركه بين حي وميت وألقاه في السجن.
ثم تعب بعد ذلك وأرسل جنوده وقال لهم: "اذهبوا إلى السجن إن وجدتم منسى الوالي السابق قد مات فكفنوه واعملوا له جنازة لأنه كان واليًا للبلاد قبل مني، لكن إن وجدتموه حيًا، أرسلوا لي"، فذهبوا إلى السجن ووجدوا منسى صحيحًا مُعافى لا أثر لجروح فيه، فأخبروا هيرموجين الوالي الجديد فذهب بنفسه إلى السجن، فقابله منسى بالعناق وقبله وتعجب هيرموجين وبكى وآمن بالمسيحية، وصار الواليان القديم والجديد؛ الاثنان مسيحيين، واستحضرهما الإمبراطور وعذبهما آخر عذاب ثم قطع رأسيهما فنالا إكليل الشهادة، واجتمع الاثنان معًا المُضطهِد والمُضطهَد، اجتمع منسى واجتمع الذي عذبه أيضًا...
تمامًا مثلما اجتمع اسطفانوس وبولس الرسول في ملكوت الله.
كان أحيانًا يدخل الناس في الإيمان بسبب الرؤى والعجائب التي تحدث، وكانوا يدخلون في الإيمان أيضًا بسبب تأثير هؤلاء الشهداء، وكانوا يدخلون بالإيمان أيضًا بسبب فرح الشهداء.
"القديس يوستينوس" الشهيد كان أحد الفلاسفة الكبار الذي جذبه للإيمان فرح المسيحيين في مقابلتهم للموت فتعجب ولهذا السبب دخل إلى المسيحية، من ضمن أسباب إرادتهم الشجاعة الكبيرة التي يُقابلون بها الولاة حتى يتعجب منهم الناس، كانوا أبطالًا ليس في نظر المسيحيين فقط وإنما في نظر الوثنيين كذلك...
في مرة من المرات كان القديس الأنبا بفنوتيوس المتوحد مُلقى في السجن وبعدين السجانون رأوا نورًا باهرًا داخل السجن، فذهبوا إلى هناك ووجدوا القديس بفنوتيوس واقفًا يصلي في السجن والنور حوله فآمن أربعون جنديًا بالمسيح، وبعدين الجنود الذين يقتادون بفنوتيوس إلى الوالي لكي يقتله صاروا معه يهتفون ويقولون: "نحن مسيحيون"!
كثير من الجنود كانوا يعذبون الشهداء ويستشهدون بعدهم، وكثير من الشهداء كانوا يصلون من أجل الجنود الذين يُعذبونهم لكي يمنحهم الله الإيمان والاستشهاد، ولم يستطع الولاة أن يقفوا ضد هذه الإرادة، السجون أصبحت مجالاً للتبشير وانتصرت المسيحية على كل هؤلاء.
أما نهاية هؤلاء المُضطهدين فكانت نهاية شديدة...
بعضهم آمن مثل "أريانوس والي أنصنا" وبعضهم مات موتة أليمة، دقلديانوس الإمبراطور جُنَّ في آخر أيامه من كثرة الدم والذبح فقد عقله، وعزلوه عن إمبراطوريته ونُفيَّ خارج البلاد وقضى باقي أيام عمره ذليلًا مسكينًا تعطف عليه بعض المسيحيين في منفاه.
ليليانوس أصابه سهم من أعدائه ومات، نيرون أيضًا فقد مُلكه ومات ولم يُعرف قبره أين هو، دومتيان المُضطهد عُزل أيضًا ومُحيَّ اسمه من جميع الآثار ووصمه مجلس الشيوخ بالعار، داكيوس الملك حاصره البربر وقتلوه ولم يُحتفل بدفنه ولم تُصلى عليه طقوس دينية، وعُريَّ وصُلب وألقيَّ جسده للوحوش، فاليريان كانت نهايته صعبة وقع أسيرًا في يد الفرس وطابور ملك الفرس أذله إذلالًا لم يره في حياته، بكثرة إهانات وتعب لدرجة أن طابور ملك الفرس عندما كان يركب جواده كان يُحضر الإمبراطور فاليريان الذي صيره سائسًا لخيله ويجعله ينحني أمامه ويضع قدمه فوق رقبته ويركب الحصان، هذا هو الإمبراطور فاليريان قضى حياة كلها ذل خادمًا لطابور ملك الفرس يعتني بخيله حتى مات!
وهكذا ظلت المسيحية تنتشر الى أن اُضطر الأباطرة الرومان أن يعترفوا بها دينًا قائمًا في الدولة، شعروا بأنهم لا يستطيعون أن ينتصروا على المسيحية وأن يسوع المصلوب هو أقوى من جميع آلهتهم الموهومة، وهكذا تحولت البرابي "معابد الأوثان" إلى كنائس، وآمن الأباطرة وأتى قسطنطين وبنى الكنائس التي هُدمت وبنى كنائس جديدة على أسماء الشهداء، وأخذت المسيحية دورها من جديد. وأصبح عيد الشهداء هو عيد من أقوى أعياد المسيحية ويكون فكرة عن الشجاعة وعن البطولة وعن أن الله موجود مهما قام الأعداء فالله موجود، وفكرة عن أن الكنيسة لم تستطع أبواب الجحيم أن تقوى عليها.
فليُعطنا الله بركة هؤلاء الشهداء جميعًا وليُعطنا ما كان في قلوبهم من شجاعة ومن إيمان، ومن محبة لله، ومن استعداد للموت على اسم المسيح الذي له المجد الدائم الى الأبد آمين.
[1] عظة "عيد النيروز" لقداسة البابا شنوده الثالث في كنيسة الشهيد مار جرجس طنطا، بتاريخ 10 سبتمبر 1966م.
[2] القديسة الشهيدة مورا (الناشر).
كيف احتملوا صنوف العذاب
كيف احتملوا صنوف العذاب؟![1]
يا ابني العزيز: إذا دخلت شوكة في يدك أو قدمك، ألا تصرخ؟ ألا تتألم؟ إذًا كيف كان آباؤنا يحتملون العذابات المروعة؟! كانوا يجلدونهم بأعصاب الثيران حتى تدمى أجسادهم أو تتهرأ، ثم يمشطون لحمهم الممزق بالليف أو بالحديد.. كانوا يصبون في حلوقهم الفضة المحماة المذابة. وبعنف كانوا ينزعون أظافرهم أو يخلعون أسنانهم.. كانوا يعصرونهم في المعاصر، أو يحرثونهم بالمحاريث أو يضعونهم عرايا في الزيت المغلي أو وسط ألواح الثلج.. وكانوا يحرقونهم بالنار، أو يلقونهم للوحوش الجائعة المفترسة.. فكيف كانوا يحتملون ذلك كله في صبر عجيب. دون خوف مصممين على التمسك باسم المسيح، مهما فعلوا بهم؟! بل كيف كانوا يقابلون الألم بفرح عظيم، ويرتلون تراتيل الابتهاج وهم في طريق الاستشهاد؟!
إنها النعمة العجيبة التي كانت تشددهم وتقويهم. كانوا يتألمون من أجل الرب، وكان الرب لا يتركهم في ألمهم. في رجم اسطفانوس، "أبصر السموات مفتوحة"، و"ورأى مجد الله"، وأبصر الرب يسوع. أترى كان يحس ألمًا وهو يبصر هذا المنظر الروحاني ويتحدث إلى الله؟! وبولس الرسول - وهو في السجن - فك الرب أغلاله وفتح له أبواب السجن وأخرجه، فآمن حارس السجن هو وأهل بيته.
القديس يوحنا الإنجيلي الحبيب وضعوه في الزيت المغلي فلم يؤذه بشيء! وتلميذه القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، وضعوه وسط الحطب وأشعلوا النار فيه فلم يحترق، حتى ذكرنا بقصة الثلاثة فتية القديسين. ومار جرجس العظيم جهزوا له كأسًا من سم قاتل وأعطوه له، فرشم عليه بعلامة الصليب وشربه كله ولم يصبه ضرر. كل ذلك كان يجعل المتفرجين ينذهلون، ويؤمن منهم كثيرون، وفي بعض الأحيان كان آلاف من الوثنيين يؤمنون أثناء تعذيب أحد الشهداء بسبب الأعاجيب التي تحدث فيضطر معذبوه أن يقطعوا رأسه بالسيف ليتخلصوا منه. وهكذا قيل إن دماء الشهداء كانت بذارًا للإيمان.
روى سقراطيس المؤرخ أن الوثنيين عذبوا قديسًا اسمه تادرس وتركوا جسده كقطعة لحم مهرأ ظانين أنه يموت بعد دقائق، غير أن جماعة من المؤمنين أخذوه واعتنوا به وعالجوه حتى شُفي. ثم سأله المؤرخ كيف كان يحتمل الألم الذي لا يطاق. فأجابه القديس: "لقد تألمت في بادئ الأمر ثم أبصرت شخصًا منيرًا إلى جواري، ولم أشعر بألم قط حتى شفيت".
إن الله هو الذي أعطى الشهداء قوة إلهية عجيبة، احتملوا بها ما لا يطيق احتماله، وأعطاهم أيضا سلامًا داخليًا وفرحًا عظيمًا في القلب، وشجاعة نادرة أذهلت الأباطرة والقياصرة والملوك. تبارك اسم ربنا في كل نعمته العظيمة التي أحاطت بقديسيه.
[1] مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم، نشر في مجلة مرقس، بتاريخ أغسطس 1964م.
الفصل السادس كيف تعد أناسًا للاستشهاد؟ (دروس من حياة الشهداء)
كيف تعد أناسًا للاستشهاد؟[1]
منذ أيام بدأنا عامًا جديدًا في السنة القبطية، عامًا جديدًا من سنة الشهداء، والتقويم القبطي هو تقويم الشهداء، وسنته هي سنة الشهداء، نحن نعيد باستمرار بذكرى هؤلاء الشهداء، الذين جعلنا دمائهم بدء حياة جديدة لنا، وبدء تاريخ جديد لنا. في الحقيقة نحن نعيد لكل شهيدًا يستشهد نقول: (في مثل هذا اليوم تعيد الكنيسة بقطع رأس "يوحنا المعمدان")، أول توت بداية العام نعيد في كل يوم بقتل إنسان، بسفك دمه، بقطع رأسه، بعذابات نالها، كل هذا يكون عيدًا لنا؛ لأن أكبر عيد هو إن الإنسان يُكمّل أيام غربته على الأرض بسلام، ويكمل جهاده ويكمل سعيه على الأرض وينطلق إلى فوق. الكنيسة كنيسةٌ روحية، لا تعيد بميلاد إنسان دخل إلى العالم، إنما تعيد بنياحة إنسان، دخل إلى العالم الآخر، دخل إلى أحضان القديسين.
عيدنا هو أن نكمل جهادنا على الأرض، وأن ندخل إلى الراحة الأبدية التي لا تنتهي. هذا هو العيد، كل ما إنسان يكمل جهاده على الأرض نفرح ونسر، نفرح برائحة البخور، التي صعدت إلى السماء واشتم منها الله رائحة الرضا، لذلك يوجد عيد النيروز "عيد الشهداء" حيث نعيد بتذكار، عشرات الآلاف من الأنفس التي سكبت دمائها من أجل ملكوت الله ومن أجل محبة اسم المسيح... هذه الذكرى الطيبة تعطينا فكرة أننا أولاد الشهداء، وأن الإيمان وصل إلينا بالدم الذكي الطاهر، وأن آباءنا جاهدوا حتى الموت، لكي يقدموا لنا هذه الوديعة الغالية، "هذا الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ" (يه1: 3). لذلك أسهل شيء عندنا هو هذا الدم، نسفكه رخيصًا من أجل ملكوت الله، في أي وقت كأولاد الشهداء.
عيد النيروز يذكرنا بشيءٍ آخر هام جدًا، وهو كيف استطاعت الكنيسة أن تعد أولادها للاستشهاد؟ كيف أمكن أن يتقدم الآلاف إلى الموت في فرح، وفي رضا، وفي ترتيل، وفي تسبيح. هم يغنون ويفرحون، كيف أمكن أن يأتي جيل يتسابق فيه الناس إلى الموت؟ القديس "أبو فام" عندما دُعي إلى الاستشهاد، دخل إلى قلايته ولبس أفخر ثيابه وتزين بزينة كبيرة، وذهب إلى الاستشهاد. وقال: "هذا هو يوم عرسي..." فرحان مبتهج. كيف أمكن أن يصلوا إلى هذه الدرجة؟ أن جيلاً من ناس يحبون الموت بهذا العجب! ما المقدمات؟
الزهد
كان أول درس قدمته الكنيسة لتعد أولادها للاستشهاد، هو درس الزهد، لأن الشخص الزاهد في الدنيا هو الذي يستطيع أن يتركها، ولا يحزن عليها لكن الذي يحب العالم ويتمسك به، يصبح خروجه منه صعبًا، خائفًا من الموت، غير قادر عليه.
مثال بسيط، فتاة تعتني بأظافر يدها دائمًا، إذا طلبت منها أن تقصهم، سترتعب، وكأنك ستضع سيفًا على رقبتها! كيف يمكنها أن تحتمل فكرة الاستشهاد من أجل المسيح. لا يمكنها الاستغناء عن أظافرها كيف تتحمل أن تقطع رقبتها أو تستشهد من أجل السيد المسيح؟ أو شاب يطيل شعره، ويرفض أن يقصه كأنه كنز لا يقدر بثمن، ويظن أن جماله وجاذبيته، وتأثيره التي يليق به كرجل في شعره. إذًا لا بد من درس "الزهد"، والجهاد في الحياة، لا بد أن تكون آية "فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا١٤:١) شعارًا لجميع الناس لأن بهذه العبارة "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ" (جا2: 11)، استطاع القديسون أن يستشهدوا لأنهم زهدوا هذه الحياة الدنيا.
زاهدون، شعروا أن كل الذي في العالم باطل وليس له قيمة. والكنيسة لكي تعلمهم درس الزهد، جعلت هذه الآية تقال في قراءات القداس يتلوها الشماس بعد قراءة الكاثوليكون: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ... وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (1يو2: 15، 17).
الكنيسة بدأت مع الناس درس الزهد منذ أول المسيحية، حينما كان أصحاب الأملاك يبيعون أملاكهم ويأتون بأثمانها ويضعونها عند أقدام الرسل، وأصبحت الأموال باستمرار عند أقدامهم، لم تكن الأموال في جيوبهم أو في قلوبهم إنما كانت عند أقدامهم... درس في الزهد.
أول درس في الزهد نسمعه من بطرس الرسول عندما يقول للسيد المسيح: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (لو18: 28)، والسيد المسيح يقول: "وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولًا مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَة ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (مت19: 29).
"بطرس الرسول وأخوه أندراوس" عندما عرفا السيد المسيح تركا السفينة وتبعاه. المرأة السامرية تركت الجرة وتبعته، متى الرسول ترك مكان الجباية وتبعه. شاول الطرسوسي ترك الوظيفة، والمركز، والسلطة، وتبعه. الذي يريد أن يكون مسيحيًا وهو بعيد عن الزهد فقد أخطأ الطريق إلى المسيحية، ولم يفهم المسيحية بعد. المسيحية ديانة زاهدة تعلمنا: "أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4)، وتقول: "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15)، وأنه "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ... لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (مت6: 24).
أول درس قدمته المسيحية للناس هو درس الزهد والنسك. بهذا الدرس استطاعوا أن يكونوا شهداء. الزهد والنسك ليسا فقط في المأكل والمشرب والمال، بل في كل شيء، إنسان يحرص على المال لا يقدر أن يشهد شهادة للمسيح، يحرص على وظيفة لا يقدر أن يشهد شهادة للمسيح، يحرص على ترقية لا يستطيع أن يشهد شهادة للمسيح، الذي يريد أن يشهد شهادة للمسيح لا بد أن يكون زاهدًا في كل شيء... العالم بالنسبة له مثل سلة مهملات، هذا هو مبدأ الزهد الذي نريده لكل أحد، أنا أريد أن كل أحد يسأل نفسه: ما هو الشيء الذي يحرص عليه في العالم؟ ما هو الشيء الذي يملك قلبه، ولا يستطيع أن يستغني عنه، هنا تكون نقطة الضعف، إذا كنت حقًا ابنًا للشهداء، فلتكن لك نفسية الشهداء.
نفسية الشهيد هو إنسان زاهد في كل شيء...
ولذلك على الناس أن يمارسوا في حياتهم الآية التي تقول: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ..." (1يو2: 15). ذات مرة كانت أمّ متقدمة للاستشهاد وطفلها على كتفها، والطفل يبكي وخائفة عليه، فعندما وجدت أن هذا الطفل سيضعفها ألقت به عنها وقالت له: "اذهب مع أطفال بيت لحم" وتقدمت للاستشهاد، هذه الحادثة أثَّرت في أحد القواد تأثيرًا كبيرًا لدرجة أنه ذهب للإمبراطور وقال: "لا فائدة ما دام شعور الناس بهذا الشكل"، لأن الأم ألقت ابنها وقالت له: "اذهب مع أطفال بيت لحم". كان يوجد أمهات قديسات كن يذهبن لأولادهن ويشجعنهم ويقوونهم لكي يموتوا، زهدًا في كل شيء، وارتفاعًا عن المغريات البشرية التي تعطل عن الملكوت، ارتفاعًا فوق مستوى المحبة البشرية، فوق محبة الأم لابنها والأم لرضيعها.
العفة
والدرس الثاني الذي علمته الكنيسة لأولادها لكي يستشهدوا، كان درس "العفة". الشخص العفيف الطاهر، يستطيع أن يستشهد، الشخص الواقع في شهوات الجسد لا يستطيع، لأن شهوات الجسد تذله. والكنيسة منذ أن بدأت، بدأت طاهرةً عفيفة، توجد علاقات محللة في الزواج، لكن الناس ارتفعوا فوق مستواها لكي يعدوا أنفسهم لطريق الدم. كثيرٌ من الأزواج عاشوا مع زوجاتهم كأخوات، كثير من الناس عاشوا في بتولية.
بولس الرسول يقول: "فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ" (1كو7: 32) وكان بتولاً، وصلت هذه المسألة إلى عمقها وإلى علوها في عصر الاستشهاد بشكل لا مثيل له، وكثيرون عاشوا مع زوجاتهم كأخوات، لدرجة قامت هرطقات تحرم الزواج، وأكل اللحم، والخمر لأن الناس عاشوا في عفة كبيرة، بعيدين عن شهوات الجسد. الجيل الإباحي لا يمكن أن يكون جيل شهداء، إذا فسد الخُلُق أُغلق طريق الاستشهاد، لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يترك شهوة الجسد لا يستطيع أن يترك الجسد كله؟
المحبة
الدرس الأهم من كل هذا الذي أعطته الكنيسة للناس هو "المحبة الكاملة لله"، المحبة الكاملة لله هي التي استطاعت أن تنتصر على محبة العالم، وتنتصر على محبة وشهوة الجسد، ويصبح الله بالنسبة للناس هو الكل في الكل. الناس في عصر الشهداء كانوا يحبون الله بطريقة تفوق الوصف، وتسمو عن التعبير والشرح، الله يشغل كل القلب وكل الفكر، وكل الحياة، الله بالنسبة لهم هو الكل في الكل، وليس سواه. كانوا يشعرون بالله كأنه قائم معهم، مثلما يقول يوحنا الحبيب: "الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1يو1:1). محبتهم لله كان يصاحبها محبة للأبدية المكان الذي سيكونون فيه مع الله بلا عائق ولا مانع، ولذلك كان بولس الرسول يقول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في1: 21).
كانت شهوة الموت للتمتع بالأبدية، والتمتع بالوجود مع الله، تملأ كل قلب. كان العالم الآخر يشغل الناس بالفردوس، والنعيم الأبدي. كانوا ينشغلون بمجيء السيد المسيح، ويتحدثون عن مجيئه في كل وقت، كان أي شخص يقابل الآخر يقول له: "ماران آثا" كلمة "مار" يعني "سيد أو رب"، و"آثا" يعني "آتي" أي "الرب آتٍ". الكل مشغول بمجيء المسيح على السحاب، العالم الحاضر لم يكن هدفهم، كان هدفهم الحياة الأبدية، طوال مدة حياتهم على الأرض غربة ينتقلون منها إلى الأبدية السعيدة، هل هذا الشعور موجود لدينا الآن وكل ما يهمنا هو الأبدية؟
الشجاعة والجرأة
الكنيسة أيضًا أعدت أولادها بالشجاعة، والجرأة، والقلب القوي الذي لا يخاف، لم يكن أحد إطلاقًا يخجل أن يعلن إيمانه أمام الكل، بل كانوا يفرحون بإعلان إيمانهم بشجاعة، بلا خوف.
كما قال داود: "وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى" (مز119: 46)، ولم أخجل، كل إنسان مسيحي يُسأل ما اسمك؟ يقول اسمي مسيحي، ما هي بلدك؟ أورشليم السماوية. استطاعوا بهذه الشجاعة أن يحفظوا إيمانهم بلا إنكار، بلا إخفاء، يجاهروا باسم المسيح في كل مكان، لا يخجلون من اسم المسيح واضعين أمامهم قول الرب: "مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 33). سير الشهداء والقديسين عامرة بصور الشجاعة العجيبة التي كانت للآباء المسيحيين الشهداء في ذلك الزمان. بهذا الشكل استطاعوا أن يكونوا شهداء.
في الحقيقة أيها الإخوة إن هذه الأمور كلها يمكن أن تجتمع وتتحد معًا، الشخص الزاهد في الدنيا، الذي لا يعبأ بشهوات العالم ولا بمغرياته، يتعلق باستمرار بالحياة الأخرى، زهده في العالم يكون سببه محبته لله، وأيضًا إذا لم يحرص على شيء في هذا العالم يستطيع أن يكون شجاعًا، كل هذه العناصر تتحد ليصل الإنسان إلى الهدف الواحد.
بهذا الشكل صار آباؤنا شهداء واستطاعوا أن يعيشوا في قوة، وأن يحملوا هذا الإيمان بالدم حتى أوصلوه إلينا، نحن تسلمناه سهلًا، ولكنهم تعبوا كثيرًا حتى أوصلوه إلينا. كما يقول المسيح: "آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ" (يو4: 38). الدرس المهم لنا في ذكرى الشهداء أن نعيش بروح آبائنا ونعيش بالمسيحية الناسكة الزاهدة التي لا تحب العالم ولا الأشياء التي في العالم، التي تترك كل شيء من أجل الله، التي تتعلق باستمرار بالرب ومحبته وتتأمل وتفكر باستمرار في الحياة الأبدية، وتعيش في نقاوة قلب وفي طهارة، وفي عفة، وفي شجاعة.
****
أولاد الله كانوا في الاستشهاد يشعرون بقرب الفرح للقاء المسيح... [2]
وبلقاء السمائيين ويشعرون أن هذا أهم بكثير من الحياة الأرضية، والفرح بالسماء أكثر وبتسبيح الملائكة إلى آخره. وعندما يقولون عن القديس "بطرس" إنه خاتم الشهداء ليس معناها أن الاستشهاد انتهى، ربما يقصدون "بخاتم الشهداء" آخر بطريرك استشهد في العصور الرومانية، أو يمكن وصفه أنه هو آخر ما حدث في عهده الاستشهاد الجماعي، لأن أحيانًا الاستشهاد كان يحدث لأفراد، وأحيانًا يحدث لمدينة بكاملها، أو آلاف من الناس دفعة واحدة. مثل مدينة "إسنا" يسمونها مدينة الشهداء، المدينة بكاملها استشهدت، أو مثل الكتيبة الطيبية حوالي ستة آلاف أو أكثر، وبهذا الاستشهاد والصمود أحرجوا الدولة، إما أن الدولة تكسب هؤلاء الأقباط ويصبحوا سندًا لها بأن تكف عن اضطهادهم، أو تخسرهم بلا مقابل.
دروس إيمانية، وليس فقط أن نعجب بالشهداء في شجاعتهم وإيمانهم، وصمودهم ونفتخر بأننا أولاد الشهداء، إنما على الأقل نسير في طريقهم.
[1] عظة "عيد النيروز والشهداء"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 15 سبتمبر 1972م.
[2] جزء من عظة "عيد النيروز"، لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 13 سبتمبر 2006م.
الفصل السابع الحقّ وكلمتا البابا شنوده عن شهداء نجع حمادي وشهداء ماسبيرو
الحقّ[1]
الله دائمًا يحكم للضعفاء وفي المزمور يقول: "الْمُجْرِي حُكْمًا لِلْمَظْلُومِينَ" (146: 7)، قايين عندما قتل أخاه هابيل قال له الله: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10). والله اهتم بكل إنسان في حاجة إليه فقال: "..لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" (يش1: 5).
يوسف الصديق حينما اضُطهد من إخوته ثم من بيت فوطيفار وألقيَ في السجن، الله لم يتركه وأخذه وأقامه ثانيًا في الحكم على مصر، وموسى عندما تعب من فرعون لم يتركه الله وكان معه، والذي لا يستطيع عليه البشر، يستطيع عليه الله. وداود النبي عندما تعب مع شاول الذي كان يطارده من مدينة إلى مدينة ومن برية إلى برية، كان الله أيضًا معه.
فأنتم اطمئنوا، الله سوف لا يترككم، وسوف لا ينسى دماء شهدائكم وإصابة المصابين منكم. ونحن طلبنا أن التحقيق لا يأخذ مدة طويلة، وإنما بسرعة يتم ويُحكم على الجناة لأن الجو متوتر وقلوب الناس تتقد نارًا بهذا الشكل. وإن شاء الله يتم التحقيق بسرعة والقضاء يأخذ موقفه من الجناة وأحب أقول لكم إننا جميعًا ننادي بالحق... كيف يمكن أن الحق يأخذ مجراه. وكل إنسان له حقوق نسميها "حقوق الإنسان" في مقدمتها "حق الحياة". وربنا قال في سفر التكوين: "سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ" (تك9: 6).
وهكذا أُعطي للقضاة حق الحكم بالإعدام لقاتل النفس.. من حقوق الإنسان أيضًا أن تراعى سمعته واسمه، ومن حقوق الإنسان العبادة بحيث يعبد الله حسبما يؤمن، ومن حقوق الإنسان "المعيشة التي يتوفر فيها الأكل، والشراب، والمسكن"... وأتذكر أنه في أمريكا يوجد اهتمام بجماعة يسمونها الـ homeless أي الذين ليس لهم مسكن أي مشردين، كل أحد يعطونهم مأكلًا ومشربًا وراتبًا شهريًا ليستطيعوا العيش، ونحن نشكر الهيئات التي تدافع عن حقوق الإنسان.
وإذا تكلمنا عن الحقّ إنما نقول إن الحقّ له أكثر من معنى. كلمة حق تعني الصدق، وكلمة حق هي أيضًا اسم الله، اسم الله في المسيحية، وفي الإسلام، ونحن نرجو أن العدل يأخذ مجراه، وكل الذين اعتُدِيَ عليهم يأخذ حقهم، ليكن الله معكم جميعًا وليجعل أيامكم سبب بركة، لأن من بشاعة الحادث الذي حدث في نجع حمادي أنه حدث في يوم عيد، وصار حزن بدلًا من الفرح بالعيد. الحَقُّ يا إخوتي لا بد أن يؤخذ سواء على الأرض أو في السماء، ربنا يعطي عزاءً لكل أهل نجع حمادي، بل عزاءً لكل الأقباط، على أرض مصر، بل عزاءً للمصريين جميعًا الذين يعتبرون الشهداء إخوة لهم.
كلمة البابا شنوده عن شهداء نجع حمادي
نجع حمادي الآن دخلت في التاريخ وأصبحت مدينة للشهداء، فلا شك أن أبناءنا الأحباء الذين قتلوا، في ذلك الحادث يمكن اعتبارهم شهداء بالحقيقة... كانوا مؤمنين وأبرارًا تمتعوا بيوم صلاة، وتناولوا من الأسرار المقدسة، ثم انتقلوا إلى الله في هذا البر، فسعداء هم إذ وصلوا إلى الله في هذه الحالة، والله لا يمكن أبدًا أن ينسى دمائهم البارة التي سُفكت. نتذكر أن "قايين" حينما قتل "هابيل" أخاه قال له الرب: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10). فصوت دم هؤلاء صعد إلى الله ولا بد أن الله سيعمل عملًا من أجلهم. وفيما نحيي هؤلاء نُحيَّ معهم صديقهم الجندي المجند المسلم الذي أُطلق عليه الرصاص معهم، ومات معهم في العربة واختلطت دماؤه بدمائهم ونعزي أسرته.
دماء الشهداء لا شك أنها قدست الأرض التي سُفكت فيها.
أيضًا لا بد أن أحيي المصابين وقد وصلتني قائمة بأسماء هؤلاء المصابين من مستشفى سوهاج... أمامي ثمانية أسماء، تقريبًا السن من ستة عشر إلى واحد وعشرين، ما عدا شخص واحد زاد عن هؤلاء، وكلهم إصابات صعبة، الله يكمل شفاءهم، ويعطيهم صحة وقوة.
أريد أن أقول لنجع حمادي إن البلد كلها مهتمة بكم... جميع رجال الدولة الذين قابلتهم مهتمون بكم، ويقولون: "هؤلاء أولادنا". وأيضًا يوجد اهتمام بكم في كل أرض مصر خارج منطقة نجع حمادي، بل في الخارج أيضًا، الكل مهتمون بكم، والكل مشفقون على كل الذين قتلوا، والذين أصيبوا، أصبح اسم نجع حمادي على كل لسان.
أنتم كلكم في قلوبنا، نحس بأحاسيسكم، ونشعر بمشاعركم.
أنا أقرأ عن هذه الأحداث، وكأنني أنا الذي أصبت وأُّطلق الرصاص عليَّ وإن قلت إن الكل مهتمون بكم، أقول قبل الكل الله نفسه - تبارك اسمه - مهتم بكم وأصواتكم جميعًا، قد صعدت إلى الله، والله أخذ منها موقفًا.
[1]عظة قداسة البابا شنوده، بعنوان "الحقّ وشهداء نجع حمادي"، بتاريخ 21 يناير2010م.
كلمة البابا شنوده عن شهداء ماسبيرو
كلمة البابا شنوده عن شهداء ماسبيرو[1]
أحب أن أعزيكم جميعًا في استشهاد أبنائنا الذين قتلوا في ماسبيرو، هؤلاء الأبناء العُزل الذين لم يحملوا سلاحًا مطلقًا، حسب تعليم دينهم الذي يمنعهم إطلاقًا من العنف... وأيضًا قد جاءوا من شبرا إلى ماسبيرو مسافة طويلة، مكشوفين أمام الناس لو معهم سلاح لأظهروه! أولادنا هؤلاء الذين كان عددهم كبيرًا، قيل أربعة وعشرون من القتلى، وأكثر من ثلاثمائة من المصابين، وهذا لم يحدث من قبل، وقد نُشر في الصحف أن تقرير الطبيب الشرعي قال: "إن الثلثين ماتوا بالرصاص، والثلث مات مدهوسًا بالعربات...".
أولادنا هؤلاء محبوبون لنا ودمهم ليس رخيصًا علينا...
هؤلاء من محبتهم لله ومن محبة الله لهم سمح أن يسبقونا إلى السماء قبلنا. ولعلهم الآن ينظرون إلينا من فوق ويصلَّون من أجلنا، نودعهم جميعًا بصلوات جميع الآباء الأساقفة، والكهنة، والرهبان الحاضرين معنا، وبصلواتكم جميعًا. ونحن نعرف تمامًا أن الله قد رأى كل شيء، وأن الله سيعمل حسب مشيئته الصالحة الطوباوية.
[1] عظة قداسة البابا شنوده الثالث، عن "شهداء ماسبيرو"، بتاريخ 12 أكتوبر2011م.




