الشــــــــــك

تكلمنا في الأسبوعين الماضيين عن عمل الله في الإنسان، ووعده له القائل “ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب”. وشرحنا كيف أن الله هو الذي يبدأ العمل من أجل خلاص الإنسان.
غير أنه على الرغم من عمل الله ووعوده، يوجد شيء يحارب الإنسان، وهو الشك
الشــــــــــك1
يشك الإنسان في معونة الله في حفظه، وفي وعوده…
بل قد يشك أحيانًا في قدرة الله على إنقاذه…!
هذا الشك له جذوره من بدء البشرية، من قصة الإنسان الأول، إذ غرس الشيطان هذا الشك في قلب الإنسان: كيف تكون الشجرة شجرة المعرفة، ويمنع الرب عنكما هذه المعرفة؟! هل هذه محبة من الله لكما؟، أم هو لا يريدكما أن تكونا مثله …؟!
في قصة جِدْعُونُ، نرى الشك في معونة الله وحفظه:
ظهر ملاك الرب لجدعون وقال له ” الرَّبُّ مَعَكَ يَا جَبَّارَ الْبَأْسِ” فرد جِدْعُونُ قائلًا: أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، إِذَا كَانَ الرَّبُّ مَعَنَا فَلِمَاذَا أَصَابَتْنَا كُلُّ هذِهِ؟ (البلايا) وأين كل عجائبه التي أخبرنا بها آباؤنا (قض6: 12، 13) …
أنه شك في وجود الله في حياة الإنسان، شك في عنايته واهتمامه. سببه المتاعب وصغر النفس وضغط الأعداء..
كثيرون شكوا في عمل الله معهم، فقادهم الشك إلى خطايا عديدة: مثال ذلك رفقه أم يعقوب. وعدها الله وهي حبلي بأن ابنها الكبير(عيسو) يستعبد للصغير (يعقوب) (تك25: 23). إلا أن المدة طالت، ولم يأخذ يعقوب البركة، وأوشك اسحق أن يمنح البركة لعيسو.. وهنا بدأ الشك في وعد الله يحارب رفقه، وتقدمت لتعمل بنفسها عملًا تنقذ به الموقف!
شك رفقه في وعود الله، سببه طول الانتظار دون أن تتحقق المواعيد وقادها الشك إلى الكذب والخداع والحيل البشرية.
طول المدة جلب الشك: الظاهر أن الله قد نسيني، أو نسيَ مواعيده؟! لا يبدو أنه سيعمل…!
طول المدة أيضًا، تسبب في الشك حتى لإبراهيم أبي الآباء:
وعده الله بنسل مثل نجوم السماء ورمل البحر، ومرت سنوات طويلة، ولم تلد سارة، فبدأ الشك يدخل إلى قلب إبراهيم. ولجأ إلى طرق بشرية، فأخذ هاجر التي ولدت له إسماعيل. ولما طالت المدة أيضًا ولم تلد سارة، قال إبراهيم للرب “لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ” (تك17: 18). ولكن الله أصر على وعده، فأجاب إبراهيم “بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ”.
يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟”. مهما طالت المدة، انتظر الرب” انظروا ماذا يقول المزمور؟ يقول “انْتَظِرِ الرَّبَّ. تقو، لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ”. وإلى متى ننتظر؟ “انتظر الرب من محرس الصبح حتى الليل” أي طول الوقت، حتى وصلت إلى الظلام، إلى الليل، لا تشك.
كثير من الناس كانت لهم مشاكل، استمرت سنوات طويلة، ثم حلها الرب أخيرًا.
إيمانك بالله، لا يصح أن يعتمد على الحواس، أو على الظروف الخارجية، إنما على ثقتك الداخلية بالرب.
إن ثقتك بالله، ومحبته وعنايته، وثقتك بمواعيده وصدقه، وثقتك بقدرته حتى على عمل المسيح.. هذه الثقة هي التي تجعلك لا تشك، مهما كانت الظروف، ومهما حاربتك الأفكار.
كما شك إبراهيم لطول المدة، هكذا شكت سارة. وحتى حينما أعلن لها الله أن وعده سيتحقق في العام المقبل، ضحكت في داخلها، وقالت “أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟” (تك18: 12).
لقد شكت سارة، لأن الظروف المحيطة، (السن.. والصحة.. والقوة) أقنعتها باستحالة تحقيق وعد الله “فنائي، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ”
وهكذا وبخها الله قائلًا “لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ هل يستحيل هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟!”
إن الله قادر أن يعطي، حتى بعد الفناء. إنه مستعد أن يأتي، ولو في الهزيع الرابع من الليل.
الله في عمله، لا تعوقه الظروف البشرية. بل على العكس، نرى أن قوته تظهر في الضعف.
إبراهيم بعد أن ولد له اسحق، مرت سنوات طويلة، ووجد أن عبارة “نجوم السماء ورمل البحر” لم تتحقق، فترك مواعيد الله، ولجأ إلى طرقه البشرية، وعاد وأخذ (قَطُورَةُ)، فولدت له بنين كثيرين (تك 25).
إن الشك في تحقيق وعود الله، يلجئ الإنسان إلى الحيل البشرية. فيعتمد على ذكائه، أكثر من اعتماده على الله.
وقد يعتمد على الغير، مثلما فعل يوسف الصديق…
طالت المدة به وهو مظلوم، ظلمه أخوته وألقوه في بئر، وباعوه كعبد. وظلمته امرأة فوطيفار، وألقيَ في السجن وطالت به المدة، ولم يتدخل الله، ولم ينقذه… وأخيرًا قال يوسف لرئيس السقاة ” إِذَا ذَكَرْتَنِي عِنْدَكَ حِينَمَا يَصِيرُ لَكَ خَيْرٌ، تَصْنَعُ إِلَيَّ إِحْسَانًا وَتَذْكُرُنِي لِفِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُنِي مِنْ هذَا الْبَيْتِ” (تك40: 14).
وفي اعتماد يوسف على ذراع بشري، كان رد الكتاب هو “وَلكِنْ لَمْ يَذْكُرْ رَئِيسُ السُّقَاةِ يُوسُفَ بَلْ نَسِيَهُ” (تك40: 22).
مهما طالت المدة، لا يصح أن نشك في تدخل الله، وفي معونته. إنه لابد أن يأتي، مهما تأخر، أو بدا متأخرًا.
وقد يكون سبب الشك هو الخوف، أو الخطر المحيط:
بطرس مشى مع المسيح فوق الماء، والمسيح ممسك بيده، ثم خاف وبدأ يشك، فوقع في الماء… واستحق توبيخ الرب له: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟!
ترينا حادثة بطرس، إنه ممكن للإنسان أن يشك والرب ممسك بيده!
الإنسان القوي، لا يعتمد إيمانه على الوسائط الخارجية، إنما على ثقة قلبه بالله وحفظه ومواعيده. حتى إن كان لا يري معونة الله، ولكنه يثق بوجودها. إن الله يعمل، حتى لو لم نشعر.
قال بولس عن الإِيمَانُ أنه “الإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى”.
فلنبعد إذًا عن الشك، لأنه يلد خطايا كثيرة.
لما عصفت الشكوك بالشعب في البرية، وقع في تذمرات عديدة جدًا وقال لموسى ” هَلْ خْرَجْتَنَا مِنْ أرض مِصْرَ، لتهلكنا في البرية؟!” وفكروا في عزل موسى، وتعيين آخر.
وهكذا قادهم الشك إلى التذمر، وإلى الثورة على الله وعلى نبيه، بل قادهم الشك إلى عبادة الأصنام.. كما قاد إبراهيم إلى الطرق البشرية، وقاد رفقه إلى الكذب والخداع، وقاد حواء إلى العصيان.
والشك يتحول داخل الإنسان إلى جحيم.. بطرس وكان محكومًا عليه بالإعدام، نام في السجن نومًا عميقًا، حتى لكزه الملاك ليوقظه أما الإنسان المحارب بالشك، فلا يستطيع أن ينام. تضغطه الأفكار حتى تحطمه..
فالشك يورث القلق والاضطراب، ويورث التعب والأرق، ويفقد الإنسان سلامه الداخلي، وسلامه مع الناس، ومع الله.
أما الإيمان فيعطي راحة للنفس، وفرحًا، وهدوءً داخليًا. “إن يحاربني جيش، فلن يخاف قلبي. وإن قام على قتال، ففي هذا أنا مطمئن”. “إن سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي”.
الشك قد يكون سببه الخوف، ونتيجته الخوف أيضًا.
لما خاف التلاميذ شكوا، وأنكروا المسيح. ولما شكوا، خافوا، واختبأوا في العلية.. الشكوك تجلب مخاوف، وبها يتوقع الإنسان أخطارًا وأخطاءً غير موجودة الشك عذاب. وكما قال البعض “إنه بسهولة يدخل الشك إلى قلب الإنسان، ولكنه بصعوبة كثيرة يخرج منه”.
وقد يكون سبب الشك، الوسط المحيط، كما حدث للمجدلية. لأن الشك قد ينتقل بالعدوى من إنسان إلى آخر.
إذا عاشرت المحاربين بالشك، قد ينقلون إليك شكوكهم.
مريم المجدلية رأت المسيح بعد القيامة، وسجدت له، وأمسكت بقدميه، وسمعته يقول لها “اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي” (متى 28) ولكنها لما أخبرت التلاميذ بالقيامة ولم يصدقوها كما لم يصدقوا تلميذي عمواس (مر 16). ولما ذهبت مع النسوة وأخبرن التلاميذ بالقيامة، “فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ” (لو24: 11). حينئذ دخلت أفكار الشك إلى قلب المجدلية. عدوى الشك انتقلت إليها، وأفكار الشكوك التي نشرها الكهنة انتقلت إليها، وضاع إيمان المسكينة وقالت “أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ”(يو20: 2، 13، 15).
الشك يعمي الإنسان، ينسيه الحقائق، ينسيه وعود الله، بل يغلق ذهنه حتى عن المنطق السليم.
فبالنسبة إلى المجدلية، أنساها القبر الفارغ، وبشرى الملائكة، ورؤيتها للمسيح، وكلامه لها، وكلامه السابق عن قيامته. أنساها الشك كل شيء.
على أن الكتاب المقدس كما قدم لنا أمثلة من أشخاص وقعوا في الشكوك، قدم لنا أمثلة لآخرين ثبتوا في الإيمان:
مثل موسى النبي، الذي ضرب البحر بعصاه، ومشي فيه دون أن يشك. ومثل داود النبي الذي تصدي لجليات الجبار، ولم يشك في أن الله سيحبسه في يده..
ساعد هؤلاء على عدم الشك، خبراتهم الإيمانية السابقة.
نلاحظ أيضًا أن الإنسان الذي يشك في محبة الله ومعونته، ما أسهل أن يشك في الناس… كما نلاحظ أن هناك أشخاصًا لهم طبيعة شكاكة يدخلون الشك في كل أمر.
إن لم يأتهم خير، يشكون في مراحم الله. وإن أشبعهم الرب خيرات، يشكون في دوامها وثباتها…
العجيب أن هناك أناسًا طالما عمل الله معهم رحمة، ومع ذلك فإنهم يشكون. ينسون أعمال الله السابقة، وتغلبهم مشاعر الشك، وتتركهم في قلق وخوف.
والشك نقص في الإيمان، ونقص في المحبة، وضعف في الطبيعة البشرية، ونسيان للماضي وما فيه من حب ومن بركة.
ليت الله الذي وهبنا معونته، يهبنا أيضًا الثبات وعدم الشك.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة – العدد 25 (24-6-1977م)




