الشعُور بالمسئوليّة

الشعُور بالمسئوليّة[1]
بمناسبة عودتي من السفر إلى الخارج، أود أن أحدثكم اليوم عن [الشعور بالمسئولية]. فهذا الشعور هو السبب في كل أسفارنا.
المسئولية أمَام مَن؟
على كل إنسان منا أن يشعر بالمسئولية: أمام الله أولًا، ثم أمام الكنيسة، وأمام المجتمع، وأمام نفسه.
* يشعر بالمسئولية أمام الله، لأنه سُيدان أمامه.
كما نقول في كل ليلة في صلاة النوم: “هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل، مرعوبًا ومرتعدًا بسبب كثرة ذنوبي..”. وكل إنسان سيعطي حسابًا لله، ليس فقط عن ذنوبه وخطاياه، وإنما أيضًا عن أعمال البر التي كان بإمكانه أن يعملها ولم يعملها. وعن ذلك قال القديس يعقوب الرسول (يع4: 17).
“مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ“.
معنى كل هذا أن يشعر الإنسان بالمسئولية سلبًا وإيجابًيا. في كل ما يفعله، وكل ما كان عليه أن يفعله.
* يشعر أيضًا بالمسئولية حيال المجتمع الذي يعيش فيه.
مسئولية في طاعة القوانين والنظام العام، ومسئولية في الحفاظ على سلامة البلد ونظافته وسمعته، والحرص على بيته. وأيضًا مسئوليته من جهة العمل الذي يقوم به، ومدى أمانته فيه واستحقاقه للأجر الذي يتناوله عنه.
* المسئولية أمام الكنيسة.
وهذا ما سوف نتكلم عنه بالتفصيل في هذا المقال.
* مسئولية الإنسان أمام نفسه (أمام ضميره).
لأن الضمير هو أيضًا حاكم وديان. وكثيرًا ما يوبخ ويؤدب. بل قد يزعج صاحبه فلا يستريح. ولعل من الأمثلة البارزة للمسئولية أمام الضمير، يهوذا الإسخريوطي، الذي لم يتعرض له أحد بالإدانة أثناء محاكمة وصلب المسيح. ولكنه هو حكم على نفسه، وشعر بالمسئولية الخطيرة لعمله، وذهب إلى رؤساء الكهنة، وأعاد إليهم المال الذي أخذه منهم قائلًا: “قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا”، وإذ لم يحتمل ثقل ضغط ضميره “مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ” (مت27: 4، 5).
نتائج الشعور بالمسئولية
*الإنسان الذي يشعر بالمسئولية، يكون أمينًا لمسئوليته، ويسلك حسنًا في كل ما يعمله. يكون مدفوعًا بدافع من الداخل، من قلبه وضميره، ولا يحتاج إلى مراقبة من الغير ومراجعة.
*والذي يشعر بالمسئولية، يكون أمينًا في اعترافاته، ويحاول في توبته أن يعالج نتائج أخطائه …
*والذي يشعر بالمسئولية يكون جادًا باستمرار. لا يهمل إطلاقًا في كل ما يعهد إليه من عمل، ولا يستهتر، ولا يلتمس لنفسه الأعذار لأنه يدرك تمامًا مقدار ما واجبه.
وفي الشعور بالمسئولية، نسأل سؤالًا هامًا وهو:
المسئولية عَن مَن؟
عمن تكون مسئوليتنا، أن تعرضنا للتفاصيل؟
إنها مسئولية عن واجبات، وعن أشخاص…
مسئولية الشخص عن نفسه، وعن أولاده وكل أسرته، وعن عمله.
إننا مسئولون عن هذا الجيل الذي نعيش فيه.
بل إننا مسئولون عن الإعداد للجيل المقبل أيضًا
مسئولون عن هذا الجيل كيف يسلك حسنًا من كل ناحية. وهذا هو واجب الرعاية، ومسئولية القادة والكهنة والخدام.
ونحن مسئولون عن الجيل المقبل في العناية بالأطفال والشباب، لأنهم هم الذين سيكونون الجيل المقبل. فعلينا أن نعدهم كما ينبغي أن يكون الإعداد روحيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
وهذا هو واجب الآباء والأمهات، وواجب خدام مدارس التربية الكنيسة، وواجب الآباء الكهنة والكنيسة بكافة أنشطتها. ليس هذا عن الجيل المقبل في مصر فقط. بل في المهجر أيضًا.
مسئوليتنا عن المهجر
عندما بدأت مسئوليتي في الكنيسة وجدت أمامي أقباطًا في المهجر، شعرت بمسئوليتي نحوهم، خوفًا من أن يضيعوا في بيئة غريبة عليهم.
لم تكن لنا سوى كنيستين في أمريكا، واثنين في كندا، واثنين في استراليا، وواحدة في أوروبا كلها. وماذا عن باقي الدول والأقطار والمدن؟ لا شيء!! وهنا كان لا بد من الشعور بالمسئولية.
كان لا بد من إنشاء كنائس في كل مكان يوجد فيه أقباط.
وكان لا بد من إرسال آباء كهنة لإقامة القداسات وللتعميد ولأخذ الاعترافات، ولباقي الأسرار الكنسية.
وهكذا بدأ مشوار طويل وجهد جبار تسنده نعمة إلهية للقيام بهذه المسئولية: إعداد الكهنة الصالحين لهذا العمل سواء من مصر أولًا ثم من شباب المهجر.. ولم يكن الأمر سهلًا. والآباء الكهنة الدين أرسلناهم من مصر، كان لا بد من سيامة آخرين يحلون محلهم.. وهكذا وصل عدد الآباء الكهنة الذي رتب لهم إبننا ماجد الديري تأمينات في أمريكا 106 من الآباء الكهنة.
ووصل عدد الآباء الذين يخدمون في استراليا أكثر من ثلاثين غير الآباء الذين يخدمون في أوروبا وفي نيوزيلند وفي الشرق العربي وفي إفريقيا التي وصل عدد كنائسنا فيها إلى 27 كنيسة، من لا شيء!!
إلها نعمة ربنا العاملة مع الشعور بالمسئولية.
وكان علينا أيضًا أن نوحد القوانين الخاصة بأنظمة كنائسنا:
وهي ما يسمونه بــ By Lawsأو Constitutions. ولم يكن الأمر سهلًا، لوجود بعض اختلافات في القوانين المحلية للولايات وللدول. وما أشق المجهود الذي بذل في سبيل ذلك في توحيد كنائسنا في أمريكا، وفي ألمانيا، وفي سيدني باستراليا. والباقي في الطريق.
ولكنه أمر لازم يدفع إليه الشعور بالمسئولية.
وتأسيس الكنائس كانت تتبعه جهود واسعة في عمل الترجمة.
بدأت أولًا بترجمة الكتب الطقسية، كالخولاجي المقدس، والأجبية، والسنسكار، والقطمارس بأنواعه، والأبصلمودية، وليتورجيات الأسرار الكنسية كالعماد والميرون والزواج، وتدشين الكنائس والمعموديات والمذابح والأواني الكنسية، وما إلى ذلك. ثم بعد ذلك ترجمة الكتب الروحية وسير القديسين ومناهج التعليم…
وعملية الترجمة لم تكن سهلة لتعدد اللغات.
إن كانت أمريكا فيها لغة واحدة هي الإنجليزية. وكندا تستعمل لغتين: الإنجليزية والفرنسية.. فإن أوروبا تكاد كل دولة تكون فيها لغة خاصة: فبالإضافة إلى الإنجليزية والفرنسية، توجد الألمانية، والإيطالية، واليونانية. ولغات خاصة في هولندا، والسويد، والدنمارك، وغيرها.. وعلينا أن نترجم كتبنا الطقسية والروحية إلى كل تلك اللغات.
ونفس المشكلة في أفريقيا السوادء، مأ أكثر اللغات فيها، تكاد تكون لكل قبيلة لغة خاصة.. وعلينا أن نترجم لهم.
مجهود شاق، ولكن يدفع إليه، الشعور بالمسئولية.
المسئولية حيال أفريقيا
تعتبر الكنيسة القبطية هي الكنيسة الأم في كل أفريقيا.
هي أقدم كنيسة تأسست فيها، في العصر الرسولي، منذ القرن الأول. وهي التي أسست الكنيسة في ليبيا وفي أثيوبيا وأريتريا، وفي النوبة والسودان.
وبدأنا نعمل في باقي أفريقيا، من الصفر، بلا إمكانيات.
في كينيا، وفي زامبيا، وزيمبابوي، وزائير (الكنغو)، وفي جنوب أفريقيا، وحاليًا في تنزانيا وأوغندا. ويسألني نيافة الأنبا بولس عن العمل في ساحل العاج.. وتسأل: ما السبب في كل هذا؟ والجواب هو الشعور بالمسئولية.
ولهذا السبب أيضًا، تمت سيامة أسقف للكرازة Mission
والبرازيل
شعرنا بالمسئولية حيال أولادنا الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية. فأرسلنا راهبًا ليخدم في البرازيل، وبدأ يتعلم اللغة البرتغالية المستخدمة هناك. ولم تكن له كنيسة يصلي فيها. وكان يصلي في إحدى الكنائس الشقيقة، ولم تكن خدمته مستقرة. لذلك اشترينا أرضًا عليها بيتان: يستخدم أحدهما سكنًا والآخر كنيسة وقد كان. وتسأل: لماذا كل هذا الجهد؟ إنه الشعور بالمسئولية. وهناك مناطق أخرى في أمريكا الجنوبية. تدفعنا المسئولية أن نخدمها.. المسئولية التي تعبر عنها عبارة وردت في الدسقولية وهي “ليهتم الأسقف بكل أحد ليخلصه”.
هل كان يمكننا أن نقول: نهتم بأولادنا في مصر، ونترك الباقين!! والباقون: أليسوا هم أولادنا أيضًا؟! وإن تركناهم وضاعوا، ألا يطالبنا الله بدمهم؟! إذن علينا أن نهتم بأولادنا من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها حسبما نتعلم من صلوات القداس الإلهي. وحسب قول السيد المسيح وتكونون لي شهودًا.. إلى أقصى الأرض (أع1: 8) وقوله أيضًا للخليقة كلها” (مر16: 15)
لا تتعجبوا إذن إن كنت قد سافرت إلى المانيا. ورأيت بعضًا من نشاط نيافة الأنبا دميان، في القرية القبطية، وفي ديرنا الجديد في هوكستر. ثم في ترير التي كانت مركزًا للقديس أثناسيوس الرسولي أثناء سبيه، والتي أرجو أن أرى نشاط كنيستنا فيها في رحلة مقبلة بمشيئة الرب، ولنا فيها الآن مركز قبطي من ثلاث بيوت.
الكنيسة القبطية بدأت من لا شيء في كل تلك الأقطار.
وصار لها الآن هذا العمار، وهذه الديار. وهذا الانتشار…
أقول لكم هذا، لتفرحوا بهذه الأخبار…
إنها نعمة الله العاملة في الشعور بالمسئولية.
بدأ العمل، كما أرسل الله تلاميذه بلا كيس ولا مزود ولا شيء للطريق (مت10: 9، 10)، (لو10: 4) ومع ذلك لم يعوزهم شيء.
وهنا أتذكر قصة تقديم اسحق محرقة، حينما قال اسحق لأبيه إبراهيم: “هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ وَلَكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟”. (تك22: 7). فأجابه أبوه…
إن الله الذي أمرنا أن نقدم له محرقة هو يرى له الخروف يا ابني.
نعم، إن الله الذي أمرنا أن نعمر له بيوتًا في كل مكان. هو يعرف كيف يصرف على تعميرها وصدقوني في كل قصة كنيسة وتعمير، يوجد ما يشبه المعجزات.
ونحن كلما نعمل في تعمير مكان، إنما نذكر قول المزمور: “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ فَبَاطِلًا يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ” (مز127: 1).
نحن نشعر بالمسئولية ونبدأ بالعمل، وهو يكمل بكل قوة روحه القدوس. ولا يبقى علينا سوى أن نرى عمل الله، ونفرح
إن قصة مار مرقس تتكرر مع أبنائه كل يوم. لقد جاء مصر بلا كيس ولا مزود، ولم يكن له شعب ولا كنيسة ولا أية إمكانيات ولكن كان له شعور بالمسئولية. متذكرًا قول الرب لمعلمه القديس بولس الرسول: “لاَ تَخَفْ بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ… لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ” (أع18: 9، 10).
ماذا أيضًا عن المسئولية
إن الشعور بالمسئولية ليس للكنيسة فقط، بل للكل.
ينبغي للوالدين أن يشعرا بالمسئولية تجاه تربية أولادهما روحيًا.
فليست مسئوليتهما هي الاهتمام فقط بصحتهم الجسدية، وتعليمهم، وغذائهم وملابسهم، وتوظيفهم وتزويجهم، بل أيضًا الاهتمام بروحياتهم، والقيام بالمسئولية كأشابين، ومتابعة ما يتلقونه في مدارس الأحد، وتدريبهم روحيًا في البيت.
كذلك الكل عليهم مسئولية في الخدمة.
روحية أو اجتماعية أو ثقافية، كل واحد حسب مواهبه وإمكانياته وعلينا مسئولية حيال إعداد الجيل المقبل، كل إنسان في نطاقه.
ولا يجوز لإنسان أن يقول كقايين: “أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟” (تك4: 9). ولا يغسل أحد يديه ويقول: “إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ.” (مت27: 24).
كثيرون يهربون من الشعور بالمسئولية، إما بإلقاء المسئولية على آخرين، أو بإدعاء الجهل. أو بالتبريرات والأعذار. فلا تكونوا هكذا.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: الشعور بالمسئولية، بمجلة: الكرازة 10/ 10/ 1997



