السيد المسيح جاء ينشر الحب والسلام

السيد المسيح جاء ينشر الحب والسلام1
ليتنا نبدأ عامنا الجديد بالشكر
أهنئكم يا أخوتي جميعًا بعيد الميلاد المجيد، وبهذا العام الجديد، مصلين أن يكون عامًا سعيدًا على الكل، يحمل إلينا الخير والبركة… أهنئكم جميعًا-مسلمين ومسيحيين-بعيد ميلاد السيد المسيح، لأن المسيح قد جاء للكل، وما قدمه للبشرية من قيم ومُثل سامية، إنما هو لنا جميعًا، لكي ننتفع به في حياتنا العملية، ونرفع به مستوانا الروحي، حتى نصل إلى القداسة والكمال.
وما أجمل ما قاله لنا عن مجيئه، في نبوءة إشعياء…لأبشر المساكين، لأعصب منكسري القلوب، لأنادي للمسبيين بالإطلاق (إش61: 1) نعم لقد جاء المسيح خلاصًا… عونًا لمن لا عون له، ورجاء لمن ليس له رجاء، عزاء لصغيري النفوس، رجاء للذين في العاصف.
جاء ينشر الحب والسلام في كل موضع… ويعلمنا أن نحيا في حب وفي سلام مع الكل، “وكان يجول يصنع خيرًا” (أع10: 38) جاء ليمنحنا سلامًا في قلوبنا، وسلامًا مع الله والناس، ولذلك غنت الملائكة في وقت مولده بتلك الأنشودة المحبوبة “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة” (لو2: 14) حقًا ما أجمل عبارة “السلام على الأرض”…ليتها تكون نبوءة تتحقق في أيامنا، ويكون على الأرض سلام.
سلام لأهل فلسطين، سلام لأهل العراق، وسلام لأهل السودان، وسلام لأهل لبنان، وسلام لأهل أفغانستان، بل وسلام في كل مكان.
نصلي من أجل الشعوب التي لم تنل حقوقها، نصلي من أجلها أن تنال الحرية والمساواة، وتتخلص من التمايز العنصري البغيض، فهذه هي المبادئ التي نشرها السيد المسيح، لا فرق بين شعب وشعب، الكل أمام الله سواء، كلهم أبناء آدم وحواء.
ولكن قبل أن نبدأ عامنا الجديد، بطلبات نقدمها إلى الله، ينبغي أن نشكره أولًا، على ما أعطانا من قبل، وعلى ما وهبنا إياه في العام الماضي، ونشكره أيضًا، لأنه منحنا هذا العيد، لنجتمع فيه معًا: نتقابل ونتلاقى، ونفرح معًا، ونتبادل عبارات المحبة والود، ونشكره لأنه منحنا الأعياد بوجه عام، كأوقات فرح لنا، لأن الله من محبته لنا، يريد لنا أن نفرح، على أن يكون فرحنا فرحًا مقدسًا فيه.
ليتنا نشكر الله، على كل عطاياه، ويكون الشكر لنا منهج حياة، ونبدأ عامنا الجديد بالشكر، نجلس إلى أنفسنا ونحاول أن نذكر كل إحسانات الله إلينا، كل الخير الذي قدمته عنايته الإلهية لنا كأفراد وهيئات، ولنا كأمة واحدة وشعب واحد، سواء في هذا العالم أو ما قبله، نتذكر كل خير لم نشكر عليه بعد، ولا شك إننا سنجد الكثير، وكما قال داود النبي في المزمور: “باركي يا نفسي الرب، وكل ما في باطني فليبارك اسمه القدوس، باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته” (مز 103).
عيبنا إننا نفرح بالخير، ولكن لا نشكر عليه، يغمرنا الفرح، فينسينا الشكر!……والله يريدنا أن نفرح، ولكن ينبغي أيضًا أن نشكر، لأن شكرنا يربطنا بالله أكثر وأكثر، ويشعرنا بكم هو إله محب وعطوف، فتزداد محبتنا له… وهكذا الشكر يعمق علاقتنا بالله، ويفيدنا أيضًا داخل قلوبنا، إذ نتعود الوفاء والعرفان بالجميل، وبذلك يزداد أيضًا خير الله لنا، وكما قال أحد الآباء : ليست موهبة بلا زيادة إلا التي بلا شكر… على أننا لا نشكر من أجل طلب الزيادة، إنما نشكر حبًا لله وعرفانًا بجميله علينا، أما زيادة الخير فتأتي وحدها من عنده، ونحن أيضًا نشكر، لأن ضمائرنا تلومنا إن لم نفعل ذلك، ونبدو أمام أنفسنا مقصرين، وإن كنا نشكر البشر على ما يفعلونه لأجلنا، فكم بالأولى الله، تبارك اسمه… ينبغي أن نتعود الشكر، حتى يصبح طبع من طباعنا، ويكون الشكر من قلبنا فعلًا، وليس مجرد ألفاظ تعودناها بدون معنى.
غالبية الناس يشكرون الله في مناسبات معينة: يشكرونه في صباح كل يوم، وفي المساء قبل النوم، وفي مناسبات مثل رأس السنة، أو الأعياد، وعلى أسباب معينة في حياتهم، ومع أن الكنيسة تعلمنا أن كل صلاة من الصلوات السبع التي نصليها كل يوم، لابد أن نبدأها بصلاة الشكر… إلا أن الكتاب المقدس- بالإضافة إلى هذا- يعلمنا مبدأ روحيًا مهمًا، يحول حياتنا كلها إلى شكر، إذ يقول: “شاكرين في كل حين، على كل شيء” (أف5: 20).
حتى صلاة الجناز على ميت، نبدأها أيضًا بصلاة الشكر، فالموت ليس شرًا في ذاته، وإنما هو جسر ذهبي ينقل من الحياة الأرضية إلى الحياة الباقية في السماء، والإنسان البار يشتهي الموت كما يشتهي الحياة، لأنه الوسيلة التي تخلصه من عالم المادة إلى عالم الروح إلى فردوس الله.
إننا نشكر الله، لأنه صانع خيرات، دائمًا يصنع معنا خيرًا… وكما يقول الكتاب: “كل الأشياء تعمل معًا للخير، للذين يحبون الله” (رو8: 28) حتى الشر الذي يحاول البعض أن يفعله بنا، يقابله الله ضابط الكل في الطريق ويحوله إلى خير، كما حدث ليوسف الصديق في المتاعب التي لاقاها من إخوته ومن المرأة الخاطئة، لذلك فالمؤمنون بتدبير الله وحفظه، يشكرون على الدوام، ويكونون دائمًا فرحين.
في عمق إيمانهم يقولون “كله للخير”… إن كان ما يأتينا خيرًا في ذاته، سوف يصل إلينا خيرًا في طبيعته، وإن كان شرًا، سيحوله الله إلى خير في نهايته، ولذلك فهم لا يفقدون سلامهم القلبي على الإطلاق، ولا يضطربون، ولا يقلقون، ولا يفقدون ثقتهم بالله الحافظ والساتر والمعين.
الشكر في حياة الناس درجات:
1-أقلها هو الشكر على المعجزات، والمواهب الفائقة، والنعم العظيمة، وعلى الخيرات الوافرة والواضحة، التي لا يشك أحد في خيريتها وعظم نفعها، وربما في غير ذلك قد لا يشكر البعض!! وقد تمر عليهم النعم “البسيطة” مرورًا عابرًا، وخيرات أخرى قد يرونها طبيعية وعادية، لا تحتاج إلى شكر!!
2-هناك شكر أعلى قيمة، وهو الشكر على القليل، قد يكون مستوى عاديًا في حياة الشكر، أن يشكر إنسان على شفاء مريض من داء خطير كالسرطان مثلًا، أو من عملية خطيرة في القلب أو المخ، ولكنه إن شكر على الشفاء، من دور زكام أو برد، فإنه يدل بذلك على أنه متعود في حياته على الشكر، سواء على الكثير أو القليل.
3-هناك شكل آخر على الخفيات، على ما لا يرى… إنه شكر من أجل المتاعب والضيقات، التي كان ممكنًا أن تصل إلينا، ولم تصل بسبب حفظ الله وعنايته، أمور كانت تدبر لنا في الخفاء، وكان يمكن أن تصيبنا بأذى، ولكن الله منعها وأوقفها، ونحن لا ندري، كذلك لا شك أن الشيطان يبذل قصارى جهده للإضرار بنا فإن كنا الآن بخير، فذلك لأن الله قد منع الضرر عنا، ومع ذلك نحن لا نشكر، لأننا لا نعرف… لذلك كما نشكر على إنقاذ الله لنا من الضيقة التي نراها، ينبغي أن نشكره على حفظه لنا من ضيقات لا نراها.
4-درجة أخرى من الشكر، هي الشكر كل حين، على كل شيء… نشكره على عنايته وحسن تدبيره، نشكره على الحياة التي يهبنا إياها يومًا بيوم، نشكره على الصحة والقوة، نشكره على هذه الأيام التي نعيشها والتي يمكننا فيها أن نفعل خيرًا، فنرضي الرب بذلك ونسعد الناس، نشكره على الشمس المشرقة، فهناك بلاد تعيش في ضباب كثيف، وإن أشرقت الشمس فيها يومًا، يصبح كعيدٍ!
أتراك يا أخي لا تشكر الله، إلا إذا وجدت كنزًا، أو عُينت في منصب كبير، أو نلت جاهًا أو شهرة!! وما أدراك ربما هذا الكنز يتلف حياتك، وربما بسبب المنصب أو الشهرة يرتفع قلبك وتفقد أبديتك؟! أشكر الله على الحال الذي أنت فيه، فإن الله صانع الخيرات لو كان يرى حالًا أفضل لك لنقلك إليه… إلا لو كان الله يريد لك الخير وأنت لا تريده لنفسك بسبب تصرفاتك!!
أشكر الله على كل عمل صالح أنت تعمله… واعرف تمامًا أنه لولا معونة الله لك، ما كنت تستطيع أن تعمل صلاحًا ولا أن تقدم خيرًا لأحد، أشكر الله إذن الذي يعمل بك، ويعمل معك أليس هو القائل في الإنجيل “بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا” (يو15: 5)، ولعل شخصًا يقول إنني فعلت ذلك بعقلي وذكائي وجهدي… نحن لا ننكر هذا، ولكن الله هو الذي وهبك العقل والذكاء والجهد، وكان ينبغي أن تشكره على هذه الهبة… كما أن العقل وحده لا يكفي بدون نعمة الله معك، فيجب أن تشكره على نعمته.
فلنشكر الله أيضًا لأنه أعطانا أن نعرفه، إننا نصلي إلى الله في القداس الغريغوري ونقول: “أعطيتني علم معرفتك”. نشكره لأنه يكشف لنا ذاته، ويعلمنا طرقه ووصاياه، وهو الذي أرسل لنا أنبيائه ورسله وعرفونا بالوحي الإلهي ما لم نكن نعرف، وأعطانا الرب فكرة عن سمائه وعن ملائكته وكشف لنا كثيرًا عن العالم غير المرئي مما نشكره عليه.
نشكره أيضًا من أجل وعوده لنا… من أجل الأبدية السعيدة التي أعدها لنا، حسب قول الكتاب: “ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو2: 9)، ونشكره على وعده لنا أن يكون معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت28: 20) وقوله: “حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي هناك أكون في وسطهم” (مت18: 10).
نشكره أيضًا لأنه جعل علاقته بنا علاقة حب، لا علاقة خوف… وقال إن الوصية الأولى هي “تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك” (مت22: 27) وبالحب دعانا أبناء له، كما يقول داود النبي في المزمور: “كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه” (مز 103) وكما يقول الكتاب: “لا خوف في المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج” (1يو4: 18).
ما أكثر الأمور التي يمكن أن نشكر الله عليها لأنها لا تحصى.
ننتقل إلى درجة أخرى من درجات الشكر، وهي:
درجة عالية جدًا في حياة الشكر، وهي الشكر على التجارب والضيقات… إننا نشكر الله على الضيقات التي أنقذنا منها، وهذه درجة من أقل الدرجات في حياة الشكر، ولكن الأعظم من هذا أن نشكر الله في الضيقات القائمة التي ما زلنا نعيش فيها ونحتملها، وبالإيمان نثق أنها لخيرنا فنشكره عليها.
إن الصبر على الضيقة واحتمالها فضيلة، والرضى بالضيقة وقبولها فضيلة أكبر، وأعظم من هذا كله الشكر على الضيقة… صدقوني أننا إن شكرنا على النعم فقط، يكون حبنا هو للنعم، وليس لله معطيها!!
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة أخبار اليوم بتاريخ 7-1-2009م




