الزواج بامرأة الأخ مُحَرَّم بأمر إلهي

الزواج بامرأة الأخ مُحَرَّم بأمر إلهي[1]
لقد ورد هذا التحريم مرتين متتابعتين في سفر اللاويين. إذ أمر الله قائلًا:
أ– “إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةَ أَخِيهِ، فَذلِكَ نَجَاسَةٌ. قَدْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ. يَكُونَانِ عَقِيمَيْنِ” (لا20: 21).
ب– ورد ضمن زيجات القرابة المحرمة “عَوْرَةَ امْرَأَةِ أَخِيكَ لاَ تَكْشِفْ. إِنَّهَا عَوْرَةُ أَخِيكَ” (لا18: 16). هذه نصوص مقدسة، وردت في سفر من أسفار الشريعة، كلم بها الرب موسى ليقولها للشعب، ونحن ملتزمون بالأمر الإلهي الواضح المقدس. وكيف يمكن محاللة مثل هذا الزواج الذي وصفه الرب بأنه نجاسة؟!
الاستثناء الوحيد غير موجود حَاليًا، ورد هذا الاستثناء في سفر التثنية (تث25: 5-9)، بشروط ثلاثة وهي:
- أن يتوفى أخ، وليس له ابن.
- يأخذ أخوه امرأته، ليقيم لهذا الأخ الميت نسلًا، وذلك بأن الابن البكر الذي تلده المرأة يُنسب لا إلى الأخ الحي، وإنما إلى أخيه الذي مات بدون نسل.
- السبب في هذا هو “لِئَلاَّ يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيلَ”. فإن كان الأخ المتزوج قد مات وله نسل، حينئذ يكون محرمًا على أخيه أن يأخذ امرأته، حسب الأمر الإلهي في (لا20: 21)، (لا 18: 16).
إذًا زواج الأخ بامرأة أخيه ليرعى أولاد أخيه الذي توفي، أمر ضد تعليم الكتاب المقدس تمامًا، الذي لم يسمح بمثل هذا الزواج إلا بقصد إقامة نسل للأخ المتوفي بدون نسل، ولهذا أمر بأنه “لاَ تَصِرِ امْرَأَةُ الْمَيْتِ إِلَى خَارِجٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ” (تث25: 5). وقد شرح القديس يوحنا ذهبي الفم هذا الأمر في شرحه (مت14)، بأن أي رجل أجنبي (غير الأخ) ليس ملزمًا بأن يقيم نسلًا لهذا الزوج المتوفي، بل أخوه أن يفعل هذا: ينجب نسلًا وينسبه لأخيه.
وحاليًا، لا يمكن أن ينجب أحد ابنًا، فينسبه إلى أخيه المتوفي، ولا القانون يسمح بهذا، ولا مصلحة لأحد في ذلك. وقد انتفت عبارة “لِئَلاَّ يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (تث25: 6).
لاَ يجوز التزوج بأخت الزوجة… ولا يجوز التزوج بأخي الزوج.
إذا تزوجت امرأة بأخي زوجها، فمعنى هذا أن هذا الرجل يكون قد تزوج بامرأة أخيه. والزواج بامرأة الأخ أمر محرم كتابيًا بأمر إلهي في سفر اللاويين، ومن غير المعقول أن تحرم زيجة في العهد القديم، ثم تحالل في العهد الجديد الذي فيه ارتفع المستوى في كل شيء وطالب الناس بالكمال.
- وإلهنا الصالح الذي حرم على الرجل أن يتزوج بامرأة أخيه. لم يجعل أية أهمية لصلاحية الأخ في رعاية أولاد أخيه المتوفي!! بل ذكر الوحي الإلهي صراحة أن هذا الزواج نجاسة (لا20: 21).
- ويوحنا المعمدان قد وبّخ هيرودس على التزوج بامرأة أخيه. وإن كان البعض يظن أن سبب التوبيخ هو أنه أخذ امرأة أخيه اغتصابًا أثناء حياته، لكان الأولى أن يقول له يوحنا “لا يحل لك أن تأخذ امرأة في حياة رجلها”. لأنه هنا يتساوى الأخ وغير الأخ، فالاغتصاب لا يحل بالنسبة لامرأة أي رجل قريبًا كان أو غريبًا، ولكن المعمدان ركز على عبارة “امرأة أخيك”، مذكرًا بالتحريم الإلهي الوارد في (لا 18: 16).
وهذا التحريم الإلهي كان قبل حكم جستنيان بحوالي عشرين قرنًا من الزمان، فالقول بأن تحريم هذا الزواج كان بواسطة قانون مدني وليس بقانون كنسي، هو قول لا يقبله عقل. فتحريم هذا الزواج كان بأمر إلهي أيام موسى النبي الذي عاش في القرن الخامس عشر قبل المسيح.
- ومع ذلك فالقانون الكنسي حرم هذا الزواج أيضًا لأن القوانين الكنسية تشرح الشريعة للناس، وقد ورد مثل هذا التحريم في القانون الثاني من قوانين مجمع قيصرية الجديدة الذي عقد سنة 314 أو سنة 315م. أي قبل حكم الإمبراطور ثيئودوسيوس وقبل حكم الإمبراطور جستنيان، وقد ورد في هذا القانون:
“إذا تزوجت امرأة أخين، فلتطرح خارجًا من الشركة حتى وفاتها”.
أي تفرز من جماعة المؤمنين، والاستثناء الوحيد لهذا القانون، هو قبولها مع التائبين إذا تعهدت أنها إذا شفيت تحل رباط هذه الزيجة. ويقول هذا القانون أيضًا “أما إذا توفي أحد الزوجين قبل حل رباط هذه الزيجة، فإن توبة الباقي على قيد الحياة تصبح شاقة وعسرة القبول”.
ولذلك لأنه استمر مرتبطًا بزيجة خاطئة طول حياة الطرف الآخر، دون أن يستيقظ ضميره ويفك الزيجة.
والزواج بأخت الزوجة محرم أيضًا كنسيًا.
- وقد ورد هذا التحريم في قوانين القديس باسيليوس الكبير.
نعم في قوانين باسيليوس الذي نصلي بقداسه في كنائسنا ونأخذ الحل من فمه في صلاة التحليل. وقد ورد هذا التحريم في القانون 23 من قوانين باسيليوس.
“لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت امرأته. ولا يجوز للمرأة أن تتزوج أخا زوجها”.
إنه قانون كنسي صريح وواضح. ورد في الرسالة القانونية الثانية التي أرسلها القديس باسيليوس الكبير إلى أمفيلوخيوس أسقف أيقونية.
- وقد أكد القديس باسيليوس تحريم هذه الزيجات في القانونين 76، 78 وذلك بمعاقبة من يتزوج امرأة أخيه أو كنّته. وكذلك من يتزوج أختين واحدة بعد الأخرى.
وهذه العقوبة بالإضافة إلى ضرورة فك هذه الزيجة غير القانونية إذ يقول في قانونه رقم (23) “الذي يتزوج بزوجة أخيه، لا يقبل في الشركة حتى يخلي سبيلها”.
- ويكرر القديس باسيليوس هذا التحريم في القانونين 87، 88 في رسالته التي أرسلها إلى ديودورس أسقف طبسوس، وأرسل نسخة منها إلى الأسقف أمفيلوخيوس أسقف أيقونية، وقد ورد فيها عدم جواز هذه الزيجة، مع قوله:
“من يتزوج بأخت امرأته، لا يعتبر زواجه شرعيًا، ولا يسمح للرجل والمرأة بدخول الكنيسة، إلا بعد فسخ زواجهما.
كل هذه القوانين كنسية وليست قوانين مدنية أصدرها ملوك مثل ثيئودوسيوس أو جستنيان. بل صدرت قبل حكم هؤلاء الملوك.
- 7. وقد حرّمها أيضًا القديس تيموثاوس الإسكندري (البابا 22).
وذلك في قانونه رقم 11 حيث سئل “هل يجوز لأحد رجال الإكليروس إذا دُعيَ لمباركة زواج، أن يقوم بالخدمة إذا عرف أن الزيجة غير جائزة بسبب القرابة، كأن تكون المرأة أخت زوجة الأرمل؟
فأجاب “لا، لا يجوز لرجل الإكليروس أن يمالئ القوم في مخالفتهم للشريعة”.
- ولأن هذه الزيجة محرمة، كانت قوانين الرسل تحرم أن يقبل في درجات الإكليروس من سبق له الوقوع فيها.
لقد ورد في القانون 19 من قوانين الآباء الرسل “كل من تزوج بأختين، أو بامرأة وبنت أختها، أو بنت أخيها، لا يحوز أن يصير إكليريكيًا”. طبعًا مهما تاب وفسخ هذه الزيجة.
- 9. وقد حرمت الزيجات في القوانين التي أصدرها المجمع المقدس أيام البابا كيرلس بن لقلق في القرن 13.
وقد كان هذا المجمع من أهم مجامع الكنسية في العصور الوسطى التي نادت بالإصلاح ووضعت قواعد له. وقد حضره آباء علماء قديسون مثل القديس الأنبا بولس البوشي، ومن ضمن القواعد التي وضعها هذا المجمع:
تحريم الزواج بأخت الزوجة وكل محارمها.
فورد فيه “لا يتزوج أحد ببنت زوجته ولا بنسل أولادها، ولا بأختها ولا بنسل أختها وأخواتها، ولا بعمتها ولا بزوجة عمها، ولا بخالتها، ولا بزوجة خالها، ولا بأمها، ولا بزوجة أبيها، ولا بجدتها ولا بزوجة جدها”. كما ورد في هذه القوانين أيضًا:
ولا يتزوج أحد بزوجة أخيه ولا بنسلها، ولا بأمها ولا بجدتها.
- وهكذا نرى أنه ليست فقط أخت الزوجة محرّمة، وإنما أيضًا قريباتها اللائي في مستوى المحارم. ونفس الكلام يُقال في تحريم الزواج بامرأة الأخ.
هنا نود أن نقول ملاحظة أخرى وهي:
في كل ما ذكرناه نحن نتكلم عن أمر إلهي يمنع زواج امرأة الأخ، وقوانين كنسية تمنع الزواج بامرأة الأخ وأخت الزوجة. ولا شأن لنا بالقوانين المدنية التي أصدرها الملوك والأباطرة، ولا بأسبابها واستثناءاتها. موضوعنا هو القوانين الكنسية.
فإن حدث أن بعض قوانين الأباطرة قد وافقت القوانين الكنسية. تكون القوانين الكنسية هي السابقة وهي الأصل، وهي دعامتنا في بحثنا. وما موافقة قوانين الملوك لها سوى تديّنًا منهم يتمشون فيه مع الشرع الكنسي، وإن كانت قوانين أولئك الأباطرة تخالف قوانين الكنيسة، فلا تكون قوانين مسيحية.
وفي كلا الحالين لا دخل لنا بها. ونحن نتحدث عن تحريم الزواج بامرأة الأخ وبأخت الزوجة من داخل القوانين الكنسية.
وفي داخل القوانين الكنسية وحدها نناقش الموضوع.
ونحن مستعدون لأي سؤال حول تحريم الزواج بامرأة الأخ وبأخت الزوجة، وبأخت زوجة الأب، وفي باقي ما ذكرناه من موانع القرابة في الزواج.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة والثلاثون – العددان 5، 6 (22-2-2008م)



