الرفق والحنو

نتكلم اليوم عن صفة من صفات الله دعانا إليها، هي صفة الترفق والحنان…
الإنسان الروحي يكون دائمًا مترفقًا بعيدًا عن القسوة، بينما أهل العالم تملك عليهم القسوة والعنف. وعندما تكلم بولس الرسول عن المحبة، قال إنها: “تتأنى وترفق” (1كو13). وكذلك قال يعقوب الرسول عن الحكمة النازلة من فوق إنها: “مترفقة مذعنة مملوءة رحمة” (يع3).
فما هي إذن فضيلة الرفق والحنان؟
الرفق والحنو1
الإنسان الروحي دائما يترفق، في أحكامه، وفي معاملاته، يترفق على الكل: على الخطأة، على الصغار، على الحيوانات… على الكل.
لما أيوب الصديق أتعبه أصحابه، قال لهم في عبارة مؤثرة: ” تراءفوا تراءفوا عليَّ يا أصحابي، فإن يد القدير قد مستني”… قال ذلك لأنهم نزلوا عليه بشدة، بأحكام صعبة، وظالمة..
قال بولس الرسول في (عب 13): “اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضًا مثلهم واذكروا المذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد”.
من علامات رافات الله علينا، أنه يعطينا وصايا في مقدور احتمالنا.
قال الرسول: “سقيتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لا تحتملون”. وفي مجمع الرسل في أورشليم قالوا للأمم: “لا نضع عليكم ثقلًا أكثر، غير هذه الأشياء الواجبة: أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام، وعن الدم والمخنوق والزنا” (أع 15). ومن شفقة الرب أنه لام الكتبة والفريسيين لأنهم “يحملون الناس أثقالًا عسرة الحمل”(متى 23).
الضعفاء الذين لا يحتملون الوصية، أما أن الله لا يعطيهم الوصية، أو أنه يعطيهم معها نعمة وقوة للتنفيذ.
إن الرفق يشمل الكل، حتى الحيوانات. وأريد أن أبدأ بالرفق على الحيوان. حتى إذا كان الإنسان مترفقًا على الحيوان فبالأولى يكون على أخيه الإنسان.
الرفق بالحيوان وبالطبيعة:
كان اليهود يقدسون السبت تقديسًا كبيرًا لا يعملون فيه أي عمل، ومع ذلك يقول الرب: “إذا وقع حمارك في يوم سبت، ألا تقيمه؟!”. ووصية راحة السبت طبقها الرب على الحيوان أيضًا. فقال عن يوم السبت: “لا تصنع عملًا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك” (خر20 :10).
وهكذا أمر الله أن تستريح البهيمة، لأنها تتعب، كالإنسان. بل تراءف الله أيضًا على الأرض، فأمر لها بالراحة: ست سنوات يمكن أن تزرع الأرض، وفي السنة السابعة تستريح. ولكي لا يشعر الإنسان بخسارة، بارك الرب في غلة العام السادس حتى تكفي عامين.
مبارك الرب الذي تراءف على الأرض فأمر لها بالراحة…
ومن تراءف الله على الحيوان قوله: “لا تكم ثورًا دارسًا”.
وحتى الآن لا توضع كمامة على فم الثور وهو في الدراسة، فيأكل من الغلة كما يشاء، أثناء عمله.
ومن شفقة الله على الحيوان، أمر ألا تحرث على حمار وثور معًا، لأن الثور أقوى من الحمار، فإذا عمل معه يرهقه.
لذا تراءف الله على الحمار المسكين الذي لا يمكنه أن يعمل بقوة الثور. وتراءف على الحمار أيضًا في الرحلة إلى أورشليم.
فركب على أتان وجحش ابن أتان. تارة يستخدم هذا، وتارة تلك، لكيما يريح أحدهما الآخر أثناء الرحلة، فلا ينهكان..
ومن تراءف الله على الحيوان، قيل عنه في المزمور:
“الذي يعطي البهائم طعامها، ولفراخ الغربان التي تدعوه”.
كلها خليقته، يشفق عليها، ويعطيها طعامها، حتى فراخ الغربان: بينها وبينه صلة، لأنها تدعوه. كذلك أمر بعدم ذبح عجل بلبن أمه.
أشفق الله على حمارة بلعام، لما ضربها بلعام ظلمًا، حينئذ ظهر له ملاك ووبخه. وأظهر الله شفقته على العصافير الصغار.. فقال: “أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منهما لا يسقط بدون أبيكم”. وقال إن هذه العصافير: “لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها”. إن الله يقوت حتى الدودة التي في باطن الأرض أو في عمق البحر..
وفي مثل الخروف الضال، أظهر شفقته عليه، فترك الكل وراح يبحث عنه.
ولما وجده حمله على منكبيه فرحًا، ودعا أصدقاءه ليفرحوا معه. تدريب جميل، أن تتأملوا في شفقة الرب على الحيوان، سواء في الكتاب المقدس أو سير القديسين. ومن أمثلة سير القديسين:
قصة أندرو كليس الذي أشفق على أسد يئن من شوكة في قدمه. فأخرجها من قدمه وأراحه، وصارت بينه وبين الأسد صداقة. كذلك الصداقة التي كانت بين الأنبا رويس وجمله، وبين برسوم العريان والثعبان.
ومن الحنو العجيب على الحيوان، شفاء القديس مكاريوس الإسكندراني للدب الصغير الأعمى الذي أحضرته أمه للقديس وهي تبكي لعماه..
لقد امتلأ قلب القديس حنانًا على الدب الصغير، فشفاه.. مثال آخر، هو نوح في الفلك، الذي كان يتراءف على جميع الحيوانات بكل أنواعها، ويهتم بها جميعًا، ويعطيها طعامها..
إن الله يعطي طعامًا لكل ذي جسد، كما نقول في الصلوات. حتى للدودة الحقيرة، وللحشرة التي تبدو ضارة.. يهتم بالكل.
ومن شفقة الله على الحيوان، أنه منحه طبيعة يقاوم بها الضرر..
الدب القطبي مثلًا، لأنه يعيش في جو بارد جدًا، منحه الرب فروة جميلة لتدفئته، فراءً تشتهيه أثرى السيدات لفخامته… وعكس ذلك نجده عند الحصان مثلا، بجسم أملس، بلا فراء، إذ أنه يعيش في مناطق حارة.
الغزال المسكين الذي يمكن أن يفترسه الأسد، وهبه الله سرعة جريان يستطيع بها أن يهرب من الأسد إذا هاجمه…
والأرنب الخائف، وهبه الله قدرة على الحفر، لكي يختبئ… والعصفور الذي يمكن أن يبتلعه الوحش، منحه الرب القدرة على الطيران. يقف على رأس الأسد، ثم يطير، فلا يقدر عليه.
إن الله يمنح كل كائن في طبيعته، ما يحفظ كيانه…
الإنسان الذي بلا أنياب ولا مخالب، وليست له قوة جسدية أمام الوحوش المفترسة والحيوانات الضارية، منحه الله في طبيعته ذكاءً يستطيع به أن يمسك الأسود والفهود والنمور، ويحبسها في أقفاص، ثم يخرجها من أقفاص، ويجعلها تلعب أمام الناس في السيرك، وفق مشيئته وتوجيهه…!
إن الله عجيب في ترأفه على كل طبيعة خلقها، إذا تأمل الإنسان كل ذلك يسرح عقله ويتوه. نعود إلى الحيوان.
من رأفة الله بالحيوان، أعطاه صفات يشتهيها الإنسان ويقلدها..
خذوا النملة مثلًا في اجتهادها العظيم ومثابرتها حتى يقول الكتاب: “تعلم من النملة أيها الكسلان”.
ومثل النملة في نشاطها نرى النحلة في نظامها وقدرتها وتدبيرها:
كيف يختار النحل ملكاته، وكيف ينظم عمله، وكيف يبني خلاياه، وكيف يجمع الرحيق ويحوله شهدًا، وكيف ينظف مسكنه، وكيف ينقل موتاه؟ أشياء تذهل.. مواهب عجيبة منحها الله لهذه الحشرة!
لقد تعجب شوقي أمير الشعراء من مملكة النحل، فقال:
مملكة مدبرة، بامرأة مؤمرة
تحمل في العمال والصناع عبء السيطرة
أعجب لعمال يولون عليهم قيصره
هذه القيصره المؤمرة، يعد لها أتباعها طعامًا عجيبًا يدعوه علماء التغذية “غذاء الملكات”، ويعمل الصيادلة على خطفه من الملكات، لتغذية الناس. ويباع حاليًا تحت اسمRoyal Jelly.
أليس من رأفة الله على النحل، منحه القدرة أن يصنع لملكاته غذاء، يشتهيه ملوك البشر، ويحار علماؤهم كيف صنع؟!
ومن رأفة الله بالحيوان الجمال الذي وهبه لكثير من أنواعه.
أنظروا الفراشة في ألوانها العجيبة الجميلة المتناسقة، وأنواع الفراشات والزهور المتنوعة الأشكال والألوان. وأنظروا الطاووس في جمال ريشه، والطيور في جمال أصواتها، والحمام في جمال طبعه… بل أنظروا الطبيعة كلها كوحدة متناسقة الجمال، متكاملة الصفات، ثم تحدثوا عن رافات الله بطبيعة مخلوقاته…!
إن تراءف الله يشمل الطبيعة الجامدة في نواح متعددة…
تأملوا النباتات في طريقة تغذيتها، تروا عجبًا… الصحراء المقفرة، التي لا ماء فيها ولا غذاء، يتراءف الله عليها بالواحات، ويهب حيواناتها ونباتاتها خاصية الصبر العجيب والاحتمال.
فمثل الجمل في صبره واحتماله، نرى النخلة أيضًا بنفس الصفات.
كلاهما يعيشان في الصحراء رفيقين في النسك والزهد، كالرهبان. تستطيع النخلة أن تحتمل العطش، وتستطيع أن تستخلص الماء العذب حتى في الأرض المالحة، وتعيش على القليل، وتثمر.
بل إن رأفة الرب قد أدركت الشوكة، فبمنظرها الإبري تنجو من البخر والنتح، وتحتمل قلة الماء، وتعيش.
ومن رافات الله أنه أوجد الندى، ترتوي منه كائنات…
ومن رأفاته أنه جعل الطبيعة مختلفة الفصول والأوقات.
فإن كان الله قد تراءف على الطبيعة والحيوان، فكم بالأولى الإنسان الذي خلقه على صورته ومثاله، وكم ينبغي أن نكون مترائفين.
إن رأفة الله شملت الكل، حتى الشيطان، الذي ما يزال قائمًا!
لم يفنه الله، بل سيعطيه فرصته الأخيرة في نهاية الأيام، فيحاول أن يضل حتى المختارين، بقوة آيات وعجائب. ولكن من رافات الله على المختارين أنه سيقصر تلك الأيام…
إن الله لا يتراءف على الأحباء فقط، إنما على الأعداء أيضًا.
لذلك قال: “إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه” وطلب إلينا أن نحب أعداءنا، ونحسن إلى مبغضينا. وعلى الصليب غفر لصالبيه. وتراءف على يهوذا الخائن فأنذره مرات، ووقت القبلة الزائفة كلمه بلطف. وتراءف الرب على خطاه تابوا، وهو يعلم يقينًا أن توبتهم غير ثابتة وأنهم سيرجعون إلى خطيئتهم مرة أخرى… مبارك الرب إله كل رأفة…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد التاسع والثلاثون) 26-9-1975م



