الخدمــــــــــة

الخدمــــــــــة
الكلمة التي القاها قداسة البابا في اجتماع خدام وخادمات الزقازيق
+ الخدمة ليست مجرد تدريس أو تعليم. ليست مجرد معلومات، وإلا كانت عملًا عقليًا. إنما هي محبة تملأ قلب الخادم نحو ملكوت الله ونحو الناس جميعًا…
ومن فرط محبته، يريد أن جميع الناس يخلصون، ويسيرون في طريق الملكوت. الخدمة إذن هي تعبير عن الحب الموجود في القلب. هي شهوة الخادم أن يهتدي كل إنسان إلى الله…
+ الخدمة هي اختبار روحي، ينتقل من إنسان إلى آخر. هي حالة انسان امتلأ، ومن ملئه يفيض على الآخرين.
ولا يستطيع أن يفيض، إلا الذي امتلأ…
الخادم إنسان ذاق حلاوة الرب في حياته. ومن جمال هذا الاختبار، ينادي الناس قائلًا: “ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب”.
+ الخدمة هي شركة مع الروح القدس في بناء الملكوت…
الروح القدس يعمل في الناس لأجل خلاصهم، ونحن لأجل هذا نعمل مع الروح. مثلما قال بولس الرسول عن نفسه وعن سيلا: “نحن عاملان مع الله”، نشترك معه في العمل، أو نصبح آلة الله التي يعمل بها…
+ الخدمة واجب روحي على كل إنسان…
كل إنسان يحب الله ويحب الناس، لابد أن يخدم. لا يستطيع أن يرى أناساً يهلكون أمامه، وهو صامت… المرأة السامرية لما عرفت المسيح، بشرت به… فهي لم تتحول من خاطئة إلى تائبة فحسب، بل إلى خادمة أيضًا. ذهبت مباشرة، مبشرة الناس بقولها: “تعالوا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت”…
كل إنسان لابد أن يخدم، وإن تنوعت الخدمة بحسب المواهب:
فإنسان يخدم بالتعليم، وآخر يخدم الفقراء، وثالث يخدم بالقدوة الصالحة. فإن قصرت في الخدمة، ينبغي أن تعترف بهذا أمام الأب الكاهن. إذ أن تقصيرك في الخدمة، يدل على أن محبتك غير كاملة نحو الناس ونحو الملكوت ونحو الله وأولاده…
+ الخدمة هي غيرة مقدسة تملك القلب…
كما قال داود: “غيرة بيتك أكلتني”. كما قال بولس الرسول: “فويل لي إن كنت لا أبشر”.
+ الخدمة ليست عمل البشر فقط، إنما أيضًا عمل الملائكة:
إذ قال الرسول عن الملائكة: “أليسوا جميعهم أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 14:1). لذلك يسميهم الكتاب خداماً “الذي خلق ملائكته أرواحاً، وخدامه ناراً تلهتب”.
+ الذي يخدم، إنما يقدم جزءًا من الدين الكبير الذي عليه.
إنه مديون للكنيسة التي علمته وهذبته، وأرشدته إلى طريق الله، واعطته روح الخدمة، وملأته بالحب الذي به يخدم.
+ الخادم ليس موظفاً رسمياً في الكنيسة، إنما هو قلب ملتهب بمحبة الله والناس. لا تحكمه الرسميات، إنما يحكمه ضميره.
+ الخادم المحب هو نوع من المغناطيس الشديد الجاذبية، كل من يدخل مجاله ينجذب إليه. وأولاده يبادلونه حبًا بحب…
+ إلى جوار المحبة والغيرة، يتميز الخادم الحقيقي بالإخلاص والأمانة. وهذا الخادم الأمين، يكون دقيقاً في كل شيء. أميناً في تحضير الدروس، وفي تفهيم الأولاد، وفي افتقادهم. أمينًا في محبته لهم، ينمو في الحب وفي العمل، وخدمته تنمو في العدد وفي النوع.
+ الخادم النامي في خدمته، غالبًا ما يصل به النمو إلى التكريس.
إنه لا يشاء أن يعتبر الخدمة عملًا إضافياً في حياته، يعطيه وقت فراغه. إنما الخدمة في حياته هي الأساس، وباقي أعماله يعتبرها أموراً جانبية إلى جوار الخدمة.
+ الخادم المحب للخدمة، يعتبر الخدمة من الوسائط الروحية، مثلها مثل الصلاة والصوم والتأمل والقراءة.
يري أن الخدمة تنميه في محبة الله، وليست لتنمية حياة أولاده فقط. ويرى أنه في الخدمة يأخذ أكثر مما يعطي.
لذلك لا يستطيع إطلاقاً أن يستغني عن الخدمة في حياته. وهو يشكر الله الذي جعله مستحقاً أن يخدم. وفي الخدمة يستفيد من دروسه، ربما أكثر مما يستفيد تلاميذه. ويشعر أن الدرس الذي يلقيه، إنما هو له قبل أن يكون لتلاميذه. إنه يعلمهم، ويتعلم معهم.
الخادم الأمين يهتم بالنفس الواحدة، كما كان سيده يهتم…
مثلما اهتم الرب بنفس واحدة وجدها ضالة وسط قطيع يضم مائة. لذلك هو يهتم بالعمل الفردي. ولا يضيع الفرد منه في زحمة المجموع. وهو يهتم إهتماماً خاصاً بكل ولد، كما لو كان قد جاء خصيصاً من أجله، ويعرف إنه سيعطي حساباً عن كل نفس من أولاده.
+ لكي تعرفوا خطورة الخدمة، اعلموا أن الخادم منكم ربما يكون المصدر الوحيد للدين لهذه الفترة من حياة أولاده…
ربما لا يجدون في البيت أو في المدرسة أو في المجتمع، مصدراً آخر يغذيهم روحياً. فإن لم يجدوا هذا الغذاء الروحي في الكنيسة على يدي الخادم، قد تضيع حياتهم بسبب إهمال الخادم.
+ الخادم الحقيقي يضع أمامه هذه الآية كشعار له في خدمته:
“من أجلهم أقدس أنا ذاتي، لكي يكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق” (يو 19:17).
ذلك لأن قداسة الخادم، لها تأثيرها العميق في حياة تلميذه. إن التلميذ يأخذ من حياتك أكثر مما يأخذه من عظاتك.
+ الخادم الحقيقي هو وسيلة ايضاح لكل فضيلة يعلمها للأولاد.
إنه نموذج عملي للفضائل وللحياة المسيحية عامة. حتى لو لم يتكلم، فإنه يستطيع أن يعلم وهو في صمته.
+ الخادم الحقيقي معلم، واب، ومرشد، وصديق، ومحب…
إنه كل شيء من الناحية البشرية بالنسبة إلى تلاميذه. إنه القلب الواسع الذي يلجأ إليه تلميذه ويختبيء فيه. إن تلاميذه أسرة ثانية له، ربما الصق به من أسرته بالجسد…
+ الخادم الروحي يجول يصنع خيرًا، مثلما كان سيده…
الخادم الروحي ينمو باستمرار. ويشعر تلاميذه- مهما نموا- أنهم يأخذون منه شيئاً جديداً، وأنه ما يزال قدوتهم…
إنه لا يترك حياة التلمذة. وإنما باستمرار يقرأ ويتعلم، ويحتفظ بطفولته الروحية، ويرفض أن يفطم نفسه عن ثدي التعليم.
+إنه كالأشجار الدائمة الخضرة، لا يذبل أبدًا…
الخضرة تجري دائماً في عروقه. لذلك هو دائم الزهر والثمر، دائم الحياة، دائم النضرة.
+الخادم الروحي هو واسطة بين الله والناس.
لا يعطي من ذاته، إنما ما يأخذه من الروح فإياه يعطي لأولاده. هو راكع دائمًا، يطلب لهم من الرب غذاء يوم بيوم…
إنه يقول دائماً للرب: لست أريد أن أعطيهم من بشريتي ومن جهلي. بل الكلام الذي تضعه أنت في فمي، هو الذي أقوله لهم…
إنه أذن حساسه لفم الله.
يميز صوت الله، ويعلن مشيئته للناس.
لذلك ترتبط خدمته بالصلاة، لأنها ليست عملًا بشرياً.
ليست الخدمة اعتماداً على ذراع بشرية، إنما هي تعبير عن عمل الروح في الخدام. لذلك ما أجمل قول الكتاب: “من له أذنان للسمع فليسمع، ما يقوله الروح للكنائس” (رؤ 2).
إن التلميذ يذهب إلى الكنيسة، لكي يسمع “ما يقوله الروح للكنائس”… مسكين من يذهب لمجرد سماع إنسان…
ما يسمعه من المدرس، هو ما يقوله الروح على فم هذا المدرس. لذلك فالخادم الروحي يصلي لكي يأخذ الدرس من الروح، ويصلي لكي يعطي الروح فهما للأولاد، وقبولًا للدرس، وقدرة على تطبيقه. لأن الدروس ليست نظريات، إنما هي حياة عملية، كما يقول السيد الرب:
“الكلام الذي أقوله لكم، هو روح وحياة”
هل أخذتم هذا الروح، حتى تكون كلماتكم روحية، تعطي حياة للذين يسمعونها؟
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الرابع) 23-1-1976م




