الخدمة والخادم الروحي الجزء الرابع

| الكتاب | الخدمة الروحية والخادم الروحي -الجزء الرابع |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | مارس 2014م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 978-977-85504-7-4 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
الخدمة الروحية والخادم الروحي - الجزء الرابع
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
صيادو الناس
صيّادو الناس[1]
لقد اختار الرب الرسل، وقال لهم: "ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يو15: 16).. اختارهم على الرغم من أنهم كانوا مشغولين بأمور أخرى غير الخدمة، وما كان أحد منهم يفكر في التكريس.
أتى إلى متى، وهو في مكان الجباية، قال له: "اتبعني" (مت 9: 9). وظهر لشاول الطرسوسي، وهو منشغل باضطهاد الكنيسة، "إذا وجد أناسًا من الطريق رجالًا أو نساءً يسوقهم موثقين إلى أورشليم" (أع 9: 2)، ودعاه إلى خدمته ك "إناء مختار" (أع 9: 15). ودعا بطرس وأندراوس، وكانا مشغولين بصيد السمك، وقد سهرا الليل كله ولم يصطادا شيئًا، وفيما هما مشغولان بأمور العالم وفاشلان فيها، قال لهما: "هلُمَّ ورائي، فأجعلكما صيَّادي الناس" (مت4: 19).
وصيد الناس، معناه ربح نفوسهم إلى الله وملكوته..
إن الرب يعرف عينات النفوس الصالحة لصيد الناس، حتى لو كانت مشغولة بصيد السمك أو بمكان الجباية.. يعرفهم ويدعوهم.
وكما قال الرسول: "الذين سبَقَ فعرفهم سبَقَ فعينهم.. فهؤلاء دعَاهم أيضًا" (رو8: 29، 30). وقال لهم: "هلُمَّ ورائي".
ساروا وراءه، بإيمان، وهم لا يعلمون إلى أين..
ما كان للمسيح مكان إقامة، بل لم يكن له "أين يسند رأسه" (لو9: 58)؛ بل كان يطوف المدن والقرى يكرز.. ولم تكن له مالية ثابتة معروفة.. ومع ذلك ساروا وراءه. وقالوا له: "ها نحن قد تركنا كل شيءٍ وتبعناك" (مت 27:19). قال لهم: "هلُمَّ ورائي"، ليس فقط من جهة المكان، وإنما أن يتبعوه أيضًا في كل شيء في أسلوبه ومنهجه وتعليمه كما سلك ذاك يسلكون أيضًا (1يو6:2).. وبهذا يجعلهم صيّادي الناس.
أنت لا تستطيع أن تجعل نفسك صيادًا للناس؛ بل هو الذي يجعلك.
ليس الذي يجعلك، هو ما عندك من ذكاء أو خبرة، ولا الناس يجعلونك؛ بل هو الذي يجعلك صيادًا.. قد تسهر الليل كله ولا تصطد شيئًا، حتى يأتي الرب ويعلمك كيف تلقي شباكك في الأعماق، ويقول لك: "هلُمَّ ورائي" وهكذا قال للرسل: "أنا أجعلكم صيّادي الناس".
أنا الذي سوف أصيد الناس، ولكن بكم.. بروحي الذي يعمل فيكم، بنعمتي المعطاة لكم (1كو10:15). "العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا" (في 2: 13). أنا سأعلمكم الصيد.. وأين تلقون الشباك.. أنا الذي خلقت البحر والبحيرة والنهر.. وأنا الذي خلقت الأسماك، وأعرف أين موضعها.. وأنا الذي سأرشدها إلى شباككم، فتأتي إليكم. وهكذا فعل الرب في قصة الصنارة والسمكة والإستار. قال لتلميذه بطرس: "اذهب إلى البحر، وألقِ صنارة، والسمكة التي تطلع أولًا خذها، ومتى فتحت فاها تجد إستارًا (ما يعادل 4 دراهم) فخذه وأعطهم عني وعنك" (مت 17: 27) وقد كان. كان يعرف أين توجد تلك السمكة، ومتى ستقترب من صنارة بطرس. وكان يعرف ما يوجد في داخلها. حقًا، ما أعجب هذا الصياد!
ونفس هذا الأمر، هو الذي يقوله للرسل عن صيد الناس.
لقد أرسلتكم لكي تعلموا الناس. وستفتحون أفواهكم بكلمة التعليم.. "لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت10: 19-20).. هذا من جهتكم أنتم كمتكلمين، أما من جهة السامعين فنعمتي هي التي تعمل في آذانهم؛ لتسمع الكلمة، وتعمل في قلوبهم؛ لتتأثر وتعمل بها. نذكر في هذا المجال قول القديس بولس الرسول لأهل أفسس: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح... ولأجلي لكي يُعطى لي كلام عند افتتاح فمي، لأُعلم جهارًا بسرِ الإنجيل" (أف6: 18، 19). أنتم الأواني، التي تحمل روحي فيكم، وتحمل تعليمي. وأنا المعلم، ولكني أعلم من أفواهكم.. وأنا الراعي، ولكني أرعى الناس بكم.. أنا فيكم أعمل معكم وبكم.. وصدق القديس بولس حينما قال: "فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غل2: 20).. هذا الذي يحيَا فيه، هو الصياد الذي يصيد السمك، والمعلم الذي يعلم الناس.
وهؤلاء الرسل – حينما اختارهم الرب – لم تكن لهم موهبة كلام، ولا قوة تقدر على الخدمة، بل كما قال الرسول: "اختار الله جُهَّال العالم ليخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" (1كو1: 27).. ومع ذلك انطبق عليهم قول المزمور: "لا قول ولا كلام، لا يسمع صوتهم، في كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصى المسكونة كلماتهم" (مز19: 3، 4). المهم إذًا أن يعمل الله فيك، ويجعلك صيادًا للناس. تتلمذ على حياته وعلى أقواله، كما تتلمذ الرسل، وتأخذ منه ما تعطيه للناس.. وتقول له نفس عبارته التي قالها للآب: "أنا أظهرت اسمك للناس. لأن الكلام الذي أعطيتني، قد أعطيتهم" (يو17: 6، 8).
كيفية الصيد
الصفة الأولى هي الحكمة.. "رابح النفوس حكيم" (أم 11: 30). انظروا كيف أنه في اختيار الشمامسة السبعة، كان الشرط هو أن يكونوا "مملوءين من الروح القدس والحكمة" (أع 6: 3). وعلى الرغم من أن الذي يكون مملوءًا من الروح القدس، لا بد أن يكون مملوءًا من الحكمة لأنه "روح الحكمة والفهم" (إش2:11)؛ إلا أن الآباء الرسل شددوا على عبارة "الحكمة" لأهميتها في صيد الناس. وهكذا نجد القديس بولس الرسول في ممارسة هذه الحكمة، يقول: "صرتُ لليهود كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس؛ لأربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس؛ لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء؛ لأخلص على كل حال قومًا" (1كو9: 20-22).
يجب أن يكون صياد الناس حكيمًا، ولكن بحكمة إلهية نازلة من فوق. حكمة إنسان اختبر الطريق الروحي، وسار فيه ويعرف طبائع الناس، كما يعرف الحروب الشيطانية وحيّل إبليس. ويعرف أن يقول الكلمة التي تناسب كل شخص، في الوقت المناسب. كل شخص تقابله في الخدمة، له نفسيته الخاصة ودرجته الخاصة. له ظروف معينة وله طبيعته التي ربما لا تكون صورة منك. اتركه في طريقه. أرشده إلى الحق الخالص، وليس إلى الطريق الذي تؤمن به أنت وتختاره لنفسك.. ربما أنت تحب الوحدة، وهو يحب الخدمة والحياة في المجتمع. ربما الوحدة التي تناسبك، لا تناسبه هو.
الصياد الحكيم، من صفاته البارزة أيضًا: الصبر.
إنه يلقي الشبكة أو الصنارة، ويصبر.. وربما ينتظر طويلًا إلى أن يأتي إليه السمك.. لا يملّ.. وهكذا أيضًا صيّاد الناس.. مثله مثل الزارع الذي يلقي البذارَ، وينتظر إلى أن تنمو وتظهر على وجه الأرضِ.. لا يمل.. هكذا أنتَ.. لا تكن ملولًا ولا قلقًا، ولا تفترض الثمرَ السريعَ في الخدمةِ، وإلاّ تركتها! إن قدمت نصيحة، ولم يعمل بها السامع، فلا تتضايق، ولا تمل النصح، ولا تقل في نفسك لا فائدة! إن الخدمةَ تحتاج إلى طول أناة على الخطاة حتى يتوبوا. وبخاصة لو كانوا يعانون من عادة مسيطرة أو طبع ثابت.. لذلك اصبر على التلميذِ المناكفِ في فصلك.. واصبر على الشاب المنحرف كما صبرَ الربُ على القديس أغسطينوس، حتى تاب بعد سنواتٍ طويلة.. وكما صبر على السامرة حتى آمنت، وكما صبرَ على شاول الطرسوسي المضطهد للكنيسة، حتى صار رسولًا تعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل (1كو10:15). وصبر على كبريانوس الساحر، حتى ترك السحر وصار قديسًا.. والأمثلة كثيرة.
الصياد الحكيم أيضًا يقدم طُعمًا يجذب به السمك.
وأنت أيضًا يجب أن تقدم في خدمتك مثل هذا الطُّعم، كلمة منفعة، نصيحة عملية مفيدة، عظة مؤثرة، آية عميقة في معناها، قصة هادفة في مغزاها، معلومة تشدّ أذهان السامعين، ولها تأثير يقود إلى الله. فإن لم تقدم شيئًا من هذا، قدم للناس قدوة صالحة في حياتك، تكون لهم مثالًا عمليًا عن إمكانية السير في الحياة المثالية. كن صيادًا ناجحًا في كل مكان تحلّ فيه. لا تقل أصيد فقط في النهر وليس في البحيرة، أو في البحيرة وليس في البحر.. وإنما في كل مكان ألقِ شباكك. أولًا في بيتك، في محيط عائلتك، لتكسب كل أقربائك للرب.. ثم في محيط جيرانك وأصدقائك، وزملائك في العمل أو في الدراسة، أو حتى في النادي أو الملعب.. كل مَن يقابلك احمل إليه رسالة. فيلبس – فيما هو سائر في الطريق – قابل الخصي الحبشي فتكلم معه، وفسر له ما كان يقرأه، وجذبه إلى الإيمان، وعمده في ذلك اليوم. ومضى في طريقه فرحًا (أع 8: 30-39). ومار مرقس مع إنيانوس، حينما كان يصلح له حذاءه. والتقط كلمة من فمه، استغلها ليحدثه عن الله. وآمن إنيانوس على يديه، وصار باكورة المؤمنين في الإسكندرية.
وبولس الرسول – وهو سجين مع زميله سيلا – استطاع أن يجتذب سجان فيلبي إلى الإيمان. وقال له: "آمن بالرب يسوع، فتخلص أنت وأهل بيتك" (أع 16: 31)، وعمده هو وكل الذين له. والقديس أثناسيوس الرسولي، فيما كان ينفي بواسطة اضطهادات الأريوسيين كان يتكلم بكلمة الله – وهو في المنفى – ويعلم الناس الإيمان الأرثوذكسي السليم، حتى يعود من منفاه.
والقديسة فيرينا – فيما كانت تخدم مع الكتيبة الطيبية – أمكنها بخدمتها لنساء سويسرا، أن تجذب الكثيرات إلى الإيمان، حتى اعتُبِرَت من أبطال الإيمان هناك، وبُنيت كنائس كثيرة على اسمها. وهكذا الشهيد العظيم مارجرجس، حينما أرسلوه إلى قصر الملك، استطاع أن يقنع الملكة بالإيمان المسيحي، فآمنت وصارت شهيدة. فلتكن أنت هكذا، نورًا - حيثما كنت - تنير للجميع، صيادًا ماهرًا تجذب إلى شبكتك كل من يقترب إليها.
الآباء الرسل كانوا صيادين مهرة، جذبوا إلى الإيمان أعدادًا وفيرة.
وفي يوم الخمسين – على أيديهم – آمن ثلاثة آلاف واعتمدوا جميعهم (أع 2: 41).. وبعد معجزة شفاء الأعرج عند باب الجميل، كثيرون آمنوا "وصار عدد الرجال نحو خمسة آلاف" (أع 4: 4).. وبعد سيامة الشمامسة السبعة، قيل: "وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان" (أع 6: 7).. ثم أقيمت مصائد أخرى في المدن، وقيل: "أما الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام وكانت تُبنَى وتسير في خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر" (أع 9: 31).
وأنت، ما هو صيدك، هل تقف أمام الله فارغًا؟!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 29 مايو2005م
اجتماع الخدام
اجتماع الخدام[1]
نود أن نتحدث في هذا الموضوع عن أهمية اجتماع الخدام وفائدته، وما هي أسباب ضعفه أو فشله؟ وما هي العوامل التي تساعد على تقويته وتنميته؟
أهمية اجتماع الخدام وفوائده
1- اجتماع الخدام يساعد على ترابطهم معًا، وعلى إيجاد الروح الواحدة في الخدمة، وإيجاد الفكر الواحد بينهم، بما يتلقونه جميعًا من معلومات واحدة في اجتماعهم.
2- هو أيضًا مجال للاستمرار في حياة التلمذة.. لأن فيه يتلقى المدرسون دروسًا، ويجلسون في موقف المستمعين وليس المتكلمين. ويساعد هذا الأمر على حياة الاتضاع.
3- كذلك فإن اجتماع الخدام وسيلة لنمو الخادم، ليس في المعرفة فقط، بل في الروحيات أيضًا.
4- بتوزيع الموضوعات على الخدام لتوزيعها في اجتماع الخدام، إعطاء فرصة جديدة للدراسة والقراءة والبحث؛ لأن الخادم الذي يلقي كلمة في اجتماع الخدام، إنما يحرص على أن يكون موضوعه على مستوى عالٍ يليق أن يستمع إليه الخدام.. بهذا يكون اجتماع الخدام مجالًا لتدريب الخدام على مستويات أعلى، ويكون مجالًا لإعداد متكلمين، لاجتماعات الشبان ولمؤتمرات مدارس الأحد أيضًا.
5- بل إنه كلما يقوّى اجتماع الخدام، يصبح مجالًا لإعداد قادة ومكرّسين؛ بل قد يكون مصدرًا لاختيار آباء كهنة في المستقبل.
6- واجتماع الخدام يدرب الخادم على الجدية في الخدمة والأمانة فيها، ويشعر أيضًا أنه في خدمته تحت مراقبة، وتحت توجيه.
7- ولاجتماع الخدام فوائد روحية كثيرة أخرى؛ إذا نَبَعَت منه اجتماعات صلاة للخدام، أو تدريبات روحية مشتركة.
8- وهو أيضًا مجال للقدوة، بما تظهر فيه من شخصيات لها تأثيرها الروحي على باقي الخدام، بأمثلة حياتهم ومعاملاتهم الطيبة ودقتهم في الخدمة. كل هذا نقوله عن اجتماع الخدام المثالي.. ولكن ليست كل اجتماعات الخدام مثالية، فهناك فروع في الخدمة، يكون اجتماع الخدام فيها ضعيفًا أو فاترًا.. فما أسباب ذلك؟
أسباب ضعف اجتماع الخدام
يضعف اجتماع الخدام، إذا لم يجد الخدام فيه أي فائدة روحية لهم، ولا أي معارف جديدة تضاف إلى معلوماتهم، أو إن كانت في اجتماع الخدام عثرات أو سلبيات.. فما أسباب ذلك؟
1- إذا فقد الاجتماع عنصر التحضير والإعداد، ولم يكن له هدف محدد.
2- وقد يضعف الاجتماع بسبب ضعف المتكلمين فيه، وضعف المعلومات التي يقدمونها.. وهكذا لا يجد الخدام دافعًا يجعلهم يواظبون على حضور الاجتماع.
3- إذا كان الاجتماع مجالًا للسياسات والأخبار، أو شرحًا لخلافات وصراعات، يشعر الخدام فيه أنهم يقعون في خطايا إدانة وتتشوه أفكارهم.
تنشيط اجتماع الخدام.. بأن
1- يوجد له برنامج مدروس، ومتكلمون أقوياء في معرفتهم وملتزمون.
2- يشمل البرنامج معلومات متعددة الجوانب، ليست تربوية فقط، وإنما تتنوع فيه الكلمات فتشمل أيضًا العقيدة، واللاهوت، وتاريخ الكنيسة، وسير القديسين، والطقس، والروحيات، وشرح الآيات العسرة الفهم، والرد على الشكوك المتداولة.. إلخ.
3- يكون ميعاد الاجتماع مناسبًا للكل، ولا يطول إلى الحد الذي تتعارض معه المسئوليات الأخرى للخدام، وبخاصة في أيام الامتحانات.
4- لا مانع من تبادل بعض المتكلمين مع فروع أخرى؛ لأنه لا شك سيجد الخدام لذّة، حينما يستضيف اجتماعهم متكلمًا مشهورًا من الخدام، يحدثهم في موضوع مشوق "من تخصصه"، ويجيب على أسئلتهم وتعليقاتهم، ولكن لا يجوز دعوة أحد الآباء الأساقفة، أو كهنة الكنائس الأخرى، بدون إذن، وبدون معرفة كهنة الكنيسة، "وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" (1كو14: 40).
5- ينجح اجتماع الخدام أيضًا، إن كان هناك افتقاد لمن يغيب من الخدام، ومجاملة للخدام في ظروفهم الخاصة والاجتماعية.. فإن هذا يزيد الترابط، ويساعد على الانتظام في الاجتماع.
6- يحسن أن يكون للاجتماع نظام روحي، ولا يكون مجرد كلمات تلقى فيه؛ فبالإضافة إلى ابتدائه بصلوات الأجبية، تختار التراتيل أو الألحان التي تقال فيه بدقة، وما يمكن أن يقال أيضًا من تأملات، أو ما يقرأ من قراءات.
7- يمكن أن يكون هناك تدريب روحي يشترك جميع الخدام في ممارسته معًا.. فإن هذا يساعد على توحيد قلوبهم في روحيات مشتركة.
8- يمكن أيضًا أن ينبثق عن اجتماع الخدام، اجتماع صلاة في الكنيسة، في موعد مناسب.
9- يمكن أن يحدد اجتماع الخدام يومًا يتناول فيه الخدام جميعهم معًا. فإن هذا يساعد على ارتباطهم روحيًا، وإن أمكن أن يجتمع خدام بعض الفروع معًا في قداس واحد يسهل ترتيبه ليتناولوا معًا، تكون لهذا فائدة كبرى.
10- لكل ما قلناه يلزم أن يكون لكل اجتماع خدام جانب تنظيمي، يقوي روحياته ومعلوماته، كما يقوي تواجد الخدام فيه.
11- ويمكن في ضوء هذا التنظيم، توزيع الاختصاصات والمسئوليات على الخدام.. فيكون أحدهم – مثلًا - مسئولًا عن تحضير التراتيل والألحان بطريقة منظمة ومشوقة، وآخر يكون مسئولًا عن تسجيل الحضور، وفرقة مسئولة عن الافتقاد، ومجموعة تكون مسئولة عن وضع برنامج محاضرات الاجتماع، لكل ثلاثة شهور مقبلة، مثلًا، مع الاتصال بالمتكلمين وتأكيد المواعيد معهم.
12- يحسن أن يشتمل الاجتماع على أكثر من موضوع، وبتركيز.. فمن لا يناسبهم موضوع معين، يستفيدون من الموضوع الآخر.
13- يجب عدم إرهاق الخدام باجتماعات كثيرة، لا يتسع لها وقتهم؛ بحيث أن البعض يضطر إلى الموازنة بين وقته ومتطلبات حياته، أو أن يتغيب عن هذه الاجتماعات، وقد يكون اجتماع الخدام هو ما يعتذر عن حضوره! كذلك يجب تحديد موعد الابتداء، وموعد الانتهاء أيضًا، والالتزام بذلك.
14- ولا تكون هناك مجاملة في دعوة المتكلمين، وإنما في موضوعية، لا يُدعى للتكلم في اجتماع للخدام، إلا القوي في موضوعاته، والملتزم في مواعيده.
15- يمكن للفائدة تسجيل الكلمات، ووضعها في مكتبة الخدام. ولا مانع من توزيع نسخ منها عليهم، حتى يكون عند كل منهم ملف كامل لكل ما ألقي في اجتماعات الخدام من محاضرات.
16- لتكن اجتماعات الخدام موضع صلوات منهم، لكي يعطي الرب كلمة للمتكلمين، واستجابة وتأثرًا للسامعين.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، بتاريخ 8 يوليو1994م
إعداد الخدام
إعداد الخدام[1]
إعداد الخدام هو أمر حيوي في مدارس التربية الكنسية. لأنه على قدر الاهتمام بإعداد الخادم، يكون نفعه للخدمة، ويكون تأثيره الروحي على الطلاب، وكذلك صحة تعليمه. وبالتالي لا توجد عثرات في الخدمة.
ويتوقف نجاح إعداد الخدام على أمور ثلاثة وهي
1- شخصية الذي تقوم الكنيسة بإعداده للخدمة.
2- نوعية المعلومات والدراسات التي يتلقاها، والتدريبات العملية التي يمارسها، ومنهج إعداد الخدام في الكنيسة.
3- نوعية المُدرس أو الموجه لفصول إعداد الخدام، وباقي المحاضرين ومدى كفاءتهم وتأثيرهم.
وفي إعداد الخدام نعرض للنقاط التالية
من أي فئة يتم إعداد الخدام؟ وما مؤهلاتهم؟
أصلح شخص هو الذي تربى في مدارس التربية الكنسية منذ صغره، وتلقى التعليم الروحي منذ طفولته في حضن الكنيسة، وفي ممارسة طقوسها والانتفاع بروحانية أسرارها، ونما حتى وصل إلى فصول إعداد الخدام.
بعض الفروع تختار أشخاصًا من بين المواظبين على اجتماع الشبان في الكنيسة والمشتركين في أنشطته، بغض النظر عن طفولتهم وكيف قضوها.. وسواء اختير الشخص المعد للخدمة عن هذا الطريق أو ذاك، ينبغي أن يتصف بالروحانية، وحسن السيرة والسمعة، ورضى أب اعترافه عن عمله في خدمة التربية الكنسية. كما ينبغي أن يكون قادرًا على التعليم، وعلى القيادة وضبط الأولاد في الفصل، كما يشترط أن تساعده معلوماته على التعليم، وسواء ما يتلقاه في المنهج المنشط لما كان يعرفه من قبل. وينبغي أن يستمر إعداد المدرس حتى بعد أن يبدأ خدمته. فيتلقى دروسًا جديدة في اجتماع الأسرة "للمستوى" الذي يخدمه في مدارس الأحد، ودروسًا أخرى في اجتماع الخدام، كما يحضر الدروس التي تلقى في اجتماع الشباب بالكنيسة. بالإضافة إلى دراساته الخاصة. والمدرس الجيد في التربية الكنسية، يحسن أن يبدأ مشتركًا مع مدرس له خبرة في نفس الفصل، لكي يتدرب عمليًا تحت قيادة المدرس القديم، فيما هو يساعده في التدريس، ولا يعطىّ فصلًا يتولى تدريسه بمفرده من بدء خدمته.
مدرسو إعداد الخدام
فصول إعداد الخدام تحتاج إلى مدرسين من نوعٍ عميق، قادرين على تكوين الخدام وإعدادهم، والأفضل ألاّ يتولاهم مدرس واحد، يصبغهم بصورته وحده وبأسلوبه الخاص؛ إنما يحسن أن يتلقوا الدروس من مجموعة من المدرسين يتناوبون على إعدادهم، أو يتقاسمون المنهج فيما بينهم. ويمكن أن تتعاون مجموعة من فروع مدارس الأحد معًا، في مدينة واحدة، أو في أحد أحياء مدينة كبيرة، على إنشاء فصل مشترك لإعداد خدام لكل تلك الفروع بروح واحد.
منهج إعداد الخدام
ويحتاج الأمر إلى إيجاد منهج واحد لفصول إعداد الخدام.. على أن يشمل هذا المنهج الجانب التربوي، وما يلزم من علوم التربية والاجتماع وعلم النفس، ومراحل النمو عند الأطفال. إلى جوار ما يلزم من العلوم الدينية، من جهة القواعد الأساسية في اللاهوت والعقيدة والطقس وتاريخ الكنيسة وسير القديسين. وأيضًا إعداد الخادم روحيًا، ليكون في المستوى اللائق بالخادم، في وضع القدوة وحسن المعاملة، وضمان مواظبته على الاعتراف والتناول والصلاة بالأجبية وقراءة الكتاب المقدس. ولا يكفي مجرد إلقاء المنهج، إنما يجب التأكد من استيعابه. ولا مانع من إجراء امتحان لإشعاره بجدية الدراسة. وربما يكون هناك إعداد عملي بجوار الإعداد النظري. ويلاحظ أننا في فصول إعداد الخدام لا نستطيع أن نعطيهم كل المعلومات الدينية اللازمة، فهذه ستستمر معهم طوال حياتهم حيث ينمون في المعرفة، إنما يلزمنا في هذا الموضوع ثلاثة أمور:
أ- أن نشجعهم على القراءة والدراسة.
ب- أن نعرفهم بالمراجع والمصادر السليمة للتعليم.
جـ- أن نحذرهم من الأخطاء العامة، بحيث لا يعتنقون كل فكر يسمعونه أو يقرأونه، إنما تكون لهم روح الإفراز تجاه كل ما يطرق أذهانهم من أفكار.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 25 فبراير2007م
تدريس العقائد في مراحل السن المختلفة
تدريس العقائد في مراحل السن المختلفة[1]
المرحلة الابتدائية هي مرحلة التسليم..
الطفل يتقبل فيها العقائد، دون أن يجادل أو يسأل، يقبلها بالتسليم.. ولذا فإن هذه المرحلة نافعة لغرس العقائد بعيدًا عن جو المناقشة.. هي إرساء للأساس العقيدي، الذي يترسب في أعماق النفس.. نقدم الإيمان والعقيدة فيقبلهما الطفل بدون نقاش، وليس المدرس محتاجًا أن يشرح أو يثبت.
ولهذا أيضًا نعطي فيها كثيرًا من العقائد عن طريق الحفظ: يحفظها الطفل حتى لو لم يفهمها، يفهمها فيما بعد.. فالطفل مستعد أن يتقبل كل شيء، ولكن ليس له نضوج فكري للتعمق فيما يسمع.
المرحلة الإعدادية هي مرحلة التعليم والشرح..
فالعقل قد بدأ ينضج، وأصبح يتقبل الشرح، وإرساء الأساس الفكري، بطريقة إيجابية تحمل البراهين والأدلة والإثباتات.. فلذلك تعتبر المرحلة الإعدادية من أحسن المراحل لغرس العقائد والمبادئ. وفي المرحلة الإعدادية نقدم التعليم ومعه قسط من التفهيم.. نشرح بطريقة إيجابية، ونثبت دون أن نتعرض للنقاط المعارضة.. إنها مرحلة وضع الأساس الإيجابي.
المرحلة الثانوية هي مرحلة الجدل والمناقشة..
وهذا الجدل يناسب سن المراهقة.. وفي هذه السن يظهر الشك أيضًا، وتكون التربية الكنسية قد استعدت له بما أرسته في سن الطفولة من تسليم، وما قدمته في سن الإعدادية من تعليم وتفهيم.. في مرحلة المراهقة نناقش الآراء المضادة ونرد عليها. والمرحلة الثانوية تتميز بالجدل والنقاش، وربما تحدي الأفكار والثورة عليها.. أما المرحلة الإعدادية، فهي تقبل الفكر، مع نضوج أكثر من المرحلة الابتدائية، وعدم وجود الرغبة في التحدي والجدل. لذلك في المرحلة الثانوية فإننا نفسح مجالًا للردود والمناقشة.. لأنها مرحلة المراهقة، التي لا يقبل فيها الطالب من المعلومات إلا ما يقنعه ويرضي عقله وتفكيره.. كما أن في الرد على الخصوم ما يشبع بعضًا من غرائزه أيضًا.
درس المعمودية كمثال
نقدم المعمودية في المرحلة الابتدائية كمدخل للإيمان المسيحي، ويناسب هذا الدرس بيان الطقس، وحبذا لو كانت معه وسائل إيضاح مشبعة، مثل فيلم أو Video Projector.. ويمكن تحفيظ الأولاد آية أو آيتين، لتثبيت الفكرة اللاهوتية. وفي المرحلة الإعدادية يمكننا أن نشرح موضوع المعمودية، من الناحيتين العقيدية والطقسية، مع بيان الرموز وعمقها، وتحفيظ بعض نصوص كتابية، أطول وأشمل.. في المرحلة الثانوية نشرح بعمق أكثر، ونبين الفروق العقائدية والطقسية ونرد عليها ردًا مشبعًا، ونقرأ فقرات من الكتاب، ونشير إلى بعض المراجع.
المثالية وبطل الأحلام
لما كانت المرحلة الإعدادية تتميز بتركيز العواطف والأفكار في الصور البطولية، والصور المثالية، والسوبرمان، وفتى الأحلام، وكل فتى وفتاة، تتفتح أحلامه على المستقبل، يضع أمامه صورة معينة يجب أن يقتدي بها ويجعلها مثله الأعلى، وقد ينحرف فيتخذ له مثلًا دنيوي الاتجاه. لذلك نستعد من المرحلة الإعدادية فنقدم المثاليات الصالحة من سير القديسين، وأبطال الإيمان ورجال الكتاب.
منهج المرحلة الابتدائية
† محبة الله أولًا، قبل العقوبة والدينونة..
لم يكن من المناسب مطلقًا أن يبدأ تعريف الطفل بالله في هذه السن المبكرة، بقصص العقوبة والدينونة التي تخيف الطفل وتنفره من الله. لذلك لم نشأ أن يوجد فى المنهج خلال السنوات الثلاث الأولى أي ذكر لهذه العقوبات؛ بل ركزنا الاهتمام على القصص الدالة على محبة الله وعنايته ورعايته.. ففي قصة الفلك راعينا أن يكون الهدف هو عناية الله بنوح البار وإنقاذه دون التعرض مطلقًا لأسباب نزول المياه.. إن عناية الله ومحبته عنصر متكرر في منهج جميع سنوات المرحلة الابتدائية، مستندًا إلى قصص من العهدين القديم والجديد ومن تاريخ القديسين.. أما العقوبة فتأتي فيما بعد كمظهر من صلاح الله وكراهيته للخطية، مع محبته للخاطئ وسعيه لإصلاحه.
† قوة المسيح أولًا، قبل ذكر آلامه..
يخطئ بعض الخدام فيدرسون للطفل الصغير آلام المسيح وما تحمله من إهانات ومتاعب.. يجب أن يتأكد الطفل أولًا من قدرة السيد المسيح وقوته ولاهوته، لذلك أعطيناه فكرة واضحة عن قوة الرب من كل ناحية قبل أن نذكر آلامه.. قوة الرب على الطبيعة، قوته في الشفاء، قوته في سائر معجزاته.. أما الآلام فتأتي فيما بعد، حينما يدرك الطفل معنى المحبة والبذل والتضحية.
† الصليب في المنهج..
ولكن هل تأجيلنا لشرح آلام المسيح يمكن أن يحرم الطفل من حديث الصليب وبركاته؟ كلاَّ، بل يتعلم الطفل في السنة الأولى رشم الصليب، وفي الثانية استعماله، وفي الثالثة قصة عن قوة الصليب في حياة القديسين.. ثم تأتي قصة الصلب، ولكن كيف تُعرض؟ نذكر أولًا قوة الرب عند القبض عليه: وقوع الناس، وشفاء أذن العبد.. وأيضًا قوة الرب أثناء صلبه: الزلزلة، والظلمة، وشق حجاب الهيكل، ثم قصة الصلب.
† متى تدرس قصص الشهداء؟ وكيف؟
الطفلُ الصغيرُ يليق به أن يعرف أن الله منبع كل خير، وأن من يتبعه يعيش سعيدًا؛ لذلك لا نستطيع أن نقول له في بدء دراسته أن الذين آمنوا بالمسيح تعرضوا للذبحِ والرجمِ، والصلب والحرق وتقطيع الأعضاء.. كلاَّ، إن هذا يأتي فيما بعد عندما يتدرب الطفل على البذلِ من أجل الله.
ولكن هل إجراء هذا معناه أن نحرم الطفل من قصص الشهداء؟ كلاَّ، بل نَقُصُّ عليه أولًا معجزات الشهداء، وما أجراه الله على أيديهم من آيات، وما وهبه لهم من كرامة، ثم نتدرج إلى قصص آلامهم، مبتدئين بالمعجزات التي حدثت أثناء اضطهادهم؛ فمثلًا القديس مارجرجس – في منهج السنة الثالثة – نروي كيف قدموا له كأس السم فرشم عليها بعلامة الصليب وشربه فلم يؤذه، وكيف أدخلوه ليبخر للأصنام فسقطت كلها محطمة بصلواته، وكيف آمنت الملكة وكثيرون بسببه.. وأخيرًا نتكلم عن آلام الشهداء ومعجزاتهم.
† معجزات إقامة الموتى وإخراج الشياطين، وموضعها في المنهج..
هذه ناحية مخيفة بالنسبة للطفل، لم نتعرض لها في السنوات الثلاث الأولى، ثم تدرجنا في ذكرها، فمن جهة معجزات إقامة الموتى ذكر الكتاب ثلاثًا منها: أخفها إقامة ابنة يايرس لأنها طفلة نائمة في البيت، وهذه درست في السنة الرابعة.. أما في السنة الخامسة فوضعت معجزة إقامة ابن أرملة نايين، لأنه في نعش في موكب في الطريق.. أما في السنة السادسة فيأخذ الطفل إقامة لعازر لأنها أصعب القصص عليه، فهي إقامة ميت مربوط بأكفان داخل مدفن عليه حجر كبير.. كذلك قصص إخراج الشياطين وردت في السنوات المتأخرة.
† محبة الطفل لقصص الملائكة..
في نفس الوقت الذي تحاشينا فيه قصص الشياطين، ملأنا المنهج بقصص الملائكة والسماء لمحبة الطفل الفائقة لهذا اللون، الذي يرضي روحه وخياله. كذلك روعيت الحوادث الأخرى التي ترضي خيال الطفل، مثل معجزة التجلي، وصعود الرب إلى السماء، وصعود إيليا في مركبة نارية.
† الأعياد في المنهج..
هذا العنصر من العناصر المهمة التي تربط الطفل بالكنيسة وطقوسها وصلواتها.. وقد وضعنا في المنهج جملة أعياد في كل سنة هي: (عيد النيروز – عيد الصليب – عيد الميلاد – عيد الرسل – عيد العذراء – عيد قديس الكنيسة أو قديس الفصل، وأحيانًا نضيف عيد البشارة أو عيد حلول الروح القدس). وقد وزعنا ما يقال في كل من هذه الأعياد على السنوات الست بحيث نتحاشى التكرار الممل.
† العقيدة والطقوس والحقائق الإيمانية..
نبدأ تدريسها بطريقة بسيطة، تكون أحيانًا عملية مثل تعليم رشم الصليب واستعماله، وأحيانًا عن طريق الترنيمة مثل ترانيم الصليب والأجراس والقربان والقنديل، وأحيانًا عن طريق الحفظ مثل الصلاة الربانية.
ثم دروس بدائية مثل محبة الكنيسة، وآداب الحضور فيها، واحترام الكهنة، والشموع والأنوار، والصور والأيقونات.
ولما كانت السنوات الأخيرة من هذه المرحلة هي سنوات الإيمان في حياة الطفل، يتسلم فيها أي شيء بتصديق دون نقاش؛ لذلك وضعنا فيها – بطريقة مبسطة – بعض الدروس عن أسرار الكنيسة وطقوسها، وحقائق إيمانية عن الصلب والفداء، وبعض العقائد الأخرى.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 25 مارس2007م
طفل الحضانة والطفولة المبكرة
طفل الحضانة والطفولة المبكرة[1]
فصول الحضانة، هي ما تسميها بعض فروع مدارس التربية بفصول (الملائكة).. وهذه السن تتميز بالأمور الآتية..
القدرة العجيبة على الحفظ
الطفل له ذاكرة بيضاء بكر، يمكن أن تستقبل معلومات كثيرة جدًا، ينطبع فيها كل شيء بعكس الكبار الذين تكون ذاكرتهم مشغولة بأمور عديدة، وليست لديها القدرة على استيعاب الكثير. وكما قال أحد علماء التربية: إن الطفل في السنوات الأربع الأولى من عمره، يحفظ قاموسًا كاملًا، لأنه بدأ بلا شيء من مفردات اللغة، ثم بدأ يعرف مئات المفردات التي يستخدمها في التعبير عن احتياجات حياته كلها.
إذًا واجب المدرس نحو الطفل في هذه السن أن يعطيه أكبر قدر من المحفوظات، سواء أن يحفظه الصلاة الربانية، أو باسم الآب والابن والروح القدس، أو تراتيل، أو ألحان، أو آيات من الكتاب. وفي هذه السن لا يهم الطفل إن كان يفهم أو لا يفهم ما يحفظه، فهو عمومًا لا يعي كثيرًا معاني المحفوظات، ولكنه قادر أن يحفظ وربما تعجبه موسيقى ما يحفظه. لا يجوز للمدرس أن يحتقر عقلية الصغار وقدراتهم، ويمتنع عن إعطائهم شيئًا يحفظونه، فهو إن امتنع عن هذا، سيملأون ذاكرتهم بحفظ أشياء أخرى، من البيت، من الأصدقاء، من الراديو والتليفزيون، ومن الأناشيد والأغاني.. إلخ.. ويكون المدرس بهذا قد فوت على الأطفال فرصة الحفظ، وحينما يكبرون سوف لا يجدون نفس الإمكانية.
إلى جوار القدرة على الحفظ يتميز طفل هذه المرحلة بخاصية أخرى هي التسليم والقبول.
التسليم والقبول
الطفل في هذه السن يقبل كل ما يقال له، ويسلم به بدون نقاش أو جدال، لذلك سِنَّه من أصلح فترات العمر التي تُغرس فيها العقائد والمبادئ والقيم. وفيما بعد، إن سأل أو طلب الفهم أو جادل في سن متقدمة، إنما يكون ذلك على أساس راسخ موجود، من إيمان ثابت فيه منذ طفولته المبكرة. وليس من الصالح أن يُفَوِّت المدرس على الطفل هذه الفرصة، ويحشو ذهنه بتفاهات لا تفيده بشيء، محتقرًا عقليته وقدراته.
ولكن هذا لا يعني أن تقدم له عقائد معقدة، كلاَّ؛ بل الإيمان البسيط في كلمات بسيطة، يتسلمها الطفل ويحفظها، ثم في سن متقدمة تُشرح له أعماقها.
الخيال
من مميزات هذه السن أيضًا سعة الخيال، ومحبة القصص التي على لسان الحيوانات والطيور، والأسماك والأزهار وقوى الطبيعة، يقبلها ويحبها.. في هذه السن يمكن أن تُعطَى قصة مثل حمار بلعام، فلا يناقشها، وباقي قصص المعجزات التي تحتاج إلى تسليم، والتي يقبلها خياله، وكذلك تعجبه قصص الملائكة.
محبة القصص
في هذه السن، يحب الطفل أن يسمع الحكايات، ويستزيد من سماعها، ويحب من يقصها عليه.. والمدرس الناجح هو الذي يحفظ قصصًا كثيرة، ويمكن أن تكون قصصًا من الكتاب أو من التاريخ، أو من سير القديسين، أو من قصص الحيوانات.
لذلك فتدريس أطفال هذه المرحلة يحتاج إلى كفاءة في المدرس ومعلوماته، وعمق في استعداده للدرس، ومهارة في طريقة عرضه.. وليس كل من دَرس يصلح لتدريس الأطفال.
التقليد
الطفل في هذه السن شغوف بالتقليد، فهو يقلد والديه، ويقلد مدرس مدارس الأحد، ويقلد أصوات الطيور والحيوانات، ويقلد الحركات والكلمات.. لذلك يلزم لمدرس هذه المرحلة أن يكون قدوة في كل تصرفاته وكلماته وحركاته، بل وحتى ملامحه؛ لأن الطفل قد يأخذ منه كل هذا بدلًا من الدرس.
فالمدرس الذي له أخطاء معينة، ولو عن غير قصد، يكون ضارًا بالنسبة إلى هذه السن.. فينبغي- ليس فقط - أن يكون خاليًا من الأخطاء التي يمتصها الطفل، وإنما من الناحية الإيجابية، يلزم أن يكون مثالًا يقتدي به الطفل في كل فضيلة.
ويجب أن يكون المدرس وديعًا يحبه الأطفال؛ فلا يستخدم طرق الضرب، أو الانتهار الشديد، أو معاقبة الأطفال بأسلوب يخيفهم، أو ينفرهم من الكنيسة وخدامها.
الطفل المشاكس في الفصل
ماذا أفعل مع طفل مشاكس في فصلي؟ وما الأسباب التي تدعو الأطفال للمشاكسة؟ وما علاجها؟
1- الأسباب التي تدعو إلى مشاكسة الطفل في الفصل، قد ترجع إلى عيوب في الطفل، أو في المدرس أو في التدريس، أو قد يجتمع كل ذلك معًا.
2- ربما يكون وجود الطفل غير الهادئ في فصلك، شهادة صريحة على أن الدرس غير مشوق وغير ممتع، لم يستطع أن يجذب انتباه الطفل، فكلنا نعلم أن القصة اللطيفة الجذابة، قادرة على إسكات أشد الأطفال شوشرة.
3- أو قد يكون الدرس ممتعًا، ولكنه لا يتناسب مع سن الطفل.
4- وأحيانًا يلجأ الطفل إلى المشاغبة بدافع الملل، إما لأن الدرس مكرر، وإما بسبب طول الدرس.. إن الطفل لا يستطيع أن يركز انتباهه مدة طويلة في موضوع واحد، إلا إذا استطاع الموضوع أن يملك جميع حواسه، إن الدرس القصير مناسب جدًا للأطفال.
5- ربما يكون سبب مشاغبة الطفل، أن المدرس لا يشرك الطفل معه في الدرس، بل يلقي درسه بطريقة المحاضرة، وليس بأسلوب الأخذ والرد والأسئلة والإجابات.. إن الطفل يريد أن يتكلم ويتحرك أثناء الدرس، لا يمكنه أن يبقى صامتًا لمدة طويلة. فإذا لم تعطه فرصة للكلام والحركة عن طريق كثرة الأسئلة والإجابات، والمراجعة والمناقشة والتسميع؛ فإنه سيتحرك ويتكلم لأي سبب دون ضابط.
6- وأحيانًا يرجع السبب إلى ازدحام الفصل بالأولاد؛ حيث لا يستطيع المدرس أن يضبط الفصل، وتؤدي كثرة العدد إلى الضوضاء، قد يكون الطفل غير مستريح في جلسته، أو قد يكون تائهًا وسط مجموعة لا يشعر معها بكيانه الخاص، أو قد يظن أنه ليس تحت المراقبة لكثرة العدد.
7- وربما يكون سبب ضوضائه هو إهمال المدرس له، أو عدم تشجيعه. فلكي يشعر بشخصيته ويلفت الأنظار إليه، يلجأ إلى المشاغبة.
8- وقد يكون السبب هو عدم وجود علاقة عاطفية بين المدرس والتلميذ.. أحيانًا ينسى المدرس الاهتمام الفردي، ويكون غريبًا بالنسبة للطفل لا تربطه به صلة خاصة، وإن وجدت هذه الصلة يُحَلُّ الإشكال.
9- على أي الحالات، لا نستطيع أن ننكر مطلقًا أن شخصية المدرس لها دخل كبير في هدوء الفصل.. فالمدرس المحبوب الخبير بالنفوس، الخبير بطريقة التدريس، الشخص الروحي الذي يكون موضع ثقة وقدوة، لا بد أن يقدره تلاميذه ويحفظوا الهدوء أثناء درسه.
9- وقد يكون الله قد ألقى هذا الطفل في طريق المدرس لفائدته الروحية؛ إما ليعطيه فضيلة الاحتمال وسعة الصدر، أو فضيلة الحكمة وحسن تدبير النفوس، أو ليمرنه على الصلاة حيث يسكب نفسه أمام الله لأجل هذا الطفل، أو لكي يعلمه الاتضاع.. ربما ظن ذلك المدرس في نفسه أنه شيء، فأراد الله أن يعرف المدرس أنه ضعيف أمام قيادة طفل.
10- وقد يكون السبب راجعًا إلى الطفل لا إلى المدرس؛ كأن يكون الطفل شرس الطباع، أو مدللًا مثلًا، أو محبًا للظهور، أو ثرثارًا كثير الكلام، أو ذا طاقة زائدة لا يعرف كيف يستغلها.. ومثل هذا الأخير يمكن الانتفاع به إن استغل نشاطه استغلالًا مفيدًا.
11- وقد يرجع السبب إلى القدوة السيئة في فصول التربية الكنسية، أو في المدرسة التي يتعلم فيها الطفل.
12- وقد يرجع السبب إلى مشاكل عائلية تحتاج إلى حل.
وأيًا كان السبب، يلزمنا أن نعالجه، سواء كان في المدرس أو التلميذ أو الأسرة، أو القدوة السيئة.. عالمين أن عملنا ومسئوليتنا تتجه إلى مثل هذا الطفل بالأكثر: لأن الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب بل المرضى. إن السيد المسيح ترك التسعة والتسعين، وبحث عن الواحد الضال.
ولكن احذر أن تلجأ إلى طريقة خاطئة في معاملة الطفل المشاكس؛ كأن تصب عليه جام غضبك، وتعامله بالضرب والطرد والشتيمة، والإهانة وكثرة التوبيخ، وعنف التأديب. إنك بذلك تنفس عن أعصابك المتعبة، ولكنك لا تعالج الطفل؛ بل على العكس تقدم له ولغيره قدوة سيئة. تذكر أنك أيضًا، ربما كنت في يوم ما، أو ما زلت، تلميذًا مشاكسًا وسط تلاميذ يسوع المسيح.
إننا نصلي أن يلهمنا الرب حكمة لمعالجة هؤلاء الأطفال، وأن يبارك الرب حياتهم، ويستخدمهم في كرمه كالباقين.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 15 أبريل 2007م
رعاية الشباب
رعاية الشباب[1]
في اهتمامنا بالشباب، يجب أن تكون رعايتنا له رعاية شاملة: رعاية روحية وثقافية، واجتماعية ورياضية، وترفيهية أيضًا.. نتعامل معه غير متجاهلين نفسيته وعقله وطبيعة سنه.. وفي هذا المجال نضع أمامنا النقاط الآتية:
ارتفاع المستوى الثقافي الحالي
نحن الآن في عصر الكمبيوتر والإنترنت، عصر ارتفع فيه المستوى الثقافي والفكري بالنسبة للجيل كله، فلا يجوز أن تكون المناهج التي نقدمها للشباب في مستوى ما كنا نقدمه له قديمًا.
إن كانت الكنيسة لا تعطي الشباب ما يشبعه فكريًا وروحيًا، فلن يحضر إلى الكنيسة بحجة أنه لا يستفيد.
لذلك ينبغي أن نهتم بإعداد خدام للشباب.
فخادم الشباب له مواصفات معينة، منها أن تكون شخصيته جذابة يرى فيها الشباب أمثولة معينة، وأن يكون واسع الإطلاع، عميق المعرفة في معلومات كثيرة، وليس في الموضوعات الروحية فقط، وأن يكون قادرًا على إجابة أي سؤال يوجه إليه، بأسلوب مقنع، وأن يكون دارسًا لنفسية الشباب وعارفًا بمشاكلهم، وأن يكون واسع الصدر، لا يضيق بما يصدر أحيانًا عن شبابنا في سن المراهقة، وأن يكون متزمتًا في أفكاره وفي معاملاته وفي فهمه للأمور.
والشباب في سن يناسبها الحوار وليس التلقين...
التلقين قد يصلح لمرحلة الطفولة، ولو أننا الآن نجد أطفالًا أيضًا يتحاورون، ولا يقبلون كل شيء؛ فكم بالأولى الشباب.
الشباب يريد أن يقتنع بالمعلومات المقدمة إليه، حتى لو كانت من البديهيات أو المسلمات في نظر مدرسه، وهو يطابق الدين أحيانًا بما يعرفه من نظريات العلم، ولذلك خادم الشباب يلزمه أن يكون دارسًا للعلاقة بين العلم والدين، أو على الأقل يدرس بإتقان ما يعرض عليه من مشاكل في هذا الشأن.
ونفس الوضع بالنسبة إلى المشاكل العقيدية التي تثيرها الطوائف المسيحية الأخرى، وتحتاج إلى ردود قوية مقنعة. وهنا ينبغي لخادم الشباب أن يكون دارسًا للاهوت المقارن وللدين المقارن، ويضع أمامه الآية التي تقول: "مُستعديّن دائمًا لمجاوبةِ كلَّ من يسألكم عن سببِ الرَّجاءِ الذي فيكم بوداعةٍ وخوفٍ" (1بط 3: 15).. وبهذا يزود تلاميذه من الشباب بفهم عميق، وصمود راسخ أمام جميع الشكوك.
والشباب لا يحب مطلقًا الانغلاقية في التفكير...
بحيث تُغلق عليه في دائرةٍ أنتَ مقتنع بها، وهو يريد أن يسأل، لا تستطيع أن تقول له: هذا حرام، وهذا غير مقبول روحيًا، دون أن توضح له لماذا هذا حرام وهذا غير مقبول.. وثق أن الشيء الذي تقنعه به عقليًا، يكون أكثر ثباتًا في عقله وفي قلبه. خذ مثلًا موضوع التليفزيون.. إن قلت له إنه حرام، سيعرض عليك أنواع برامج لا يمكن أن تقول عنها إنها حرام، بل لا شك أن فيها فائدة.. إذًا عليه أن يميز بين ما يفيده من البرامج وما يضره.. ثم أن يكون عنده ضبط نفس؛ بحيث يقتصر على ما يفيد ويبتعد عن الباقي.. ثم تأتي مشكلة الوقت، وكم يأخذ التليفزيون من وقته الذي يحتاج إليه في أمور أخرى أكثر فائدة، وحينئذ تبحث معه مسألة التوازن في استخدام الوقت في ما هو أساسي وجوهري له، وما هو مفيد، وما قد يضر.. بهذا الأسلوب تكون مقنعًا للشباب، وتكون في نفس الوقت عادلًا ومنفتحًا.. ويشعر أنك لا ترغمه على الحياة في دائرة معينة أنت مقتنع بها.. كما يشعر بأنك لا تبعده عما يقدمه العالم من علم ومن مخترعات يمكننا أن نأخذ النافع منها ونترك الضار.. وبالمثل يمكن أن تتناقش معه أمور أخرى مشابهة مثل الإذاعة، وباقي أنواع الفنون والقراءة.. وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى وهي الناحية الثقافية في حياة الشباب.
إن الشباب أمانة في أعناقنا، وهو مستقبل الكنيسة، وعلينا أن نهتم به من كل ناحية؛ نهتم بصحته وفكره ونفسيته وروحياته، ونهتم أيضًا بمواهبه وتنميتها.. وكثيرًا ما قلنا هذه العبارة:
"كنيسة بدون شباب، هي كنيسة بدون مستقبل".
فعلينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: ماذا فعلنا لأجل الشباب.. لا نحكم عليه؛ إنما نعمل لأجله.. لأنه جيلنا القادم.
رعاية الشباب تلزمنا أن نتأكد من رعايته قبل مرحلة الشباب..
فالشاب الذي ينحرف انحرافًا خطيرًا، إنما يقدم دليلًا عمليًا على أن القيم الروحية لم تغرس فيه غرسًا عميقًا أثناء طفولته، أو أنه لم يجد الرعاية الكاملة حينما كان فتى أو صبيًا؛ إذ يندر أن يصيبه الانحراف فجأة، ويجده مستعدًا لهذا الانحراف دون مقاومة من مبادئ راسخة.. إذًا العناية بالشباب تبدأ من فترة الطفولة، وتستمر وتتتابع في فترة الصبا، وتتطور إلى أن تصل إلى مرحلة الشباب.
علينا أيضًا أن نلاحظ المؤثرات التي تؤثر على الشاب...
المؤثرات الخارجية
الشاب يخرج من بيته إلى مجتمع أوسع، فيه مؤثرات تختلف وتتنوع عن جو المنزل والأسرة: منها محيط الصداقة، والدراسة، والبيئة، والنادي، ووسائل الإعلام، وجو المجتمع كله. ما أعمق تأثير الصداقة عليه، وبخاصة لو كان أصدقاؤه لهم شخصيات أعمق، يشعر نحوها بنوع من الجاذبية، فيدخل في نطاقها، وقد يصير صورة منها.. وما أصدق العبارة الآتية لأحد الأدباء: "قل لي من هو صديقك، أقل لك من أنت".
ولأننا لا نضمن نوعية الصداقات التي يتعرض لها شبابنا في المجتمع الواسع، ليتنا نوجد لهم صداقات في مجتمعنا الروحي: في الكنيسة، في اجتماعات الشباب، في الأنشطة الروحية، في نادي الكنيسة، في محيط مدارس الأحد، في الأسرات الجامعية.. ونشكر الله أن هذه الأسرات تحت رعاية الكنيسة وتوجيهها.
وهنا نسأل في صراحة تامة.. ما تأثير جو مدارس الأحد على الشاب؟ نلاحظ أن عدد تلاميذ مدارس الأحد يكون كبيرًا في المرحلة الابتدائية، ثم يأخذ في التناقص في المرحلة الإعدادية، ويقل بالأكثر في المرحلة الثانوية.. فما أسباب كل هذا؟
المناهج والمتكلمون
لعل سبب التناقص يرجع إلى: المناهج، أو المتكلمين، أو المستوى؛ إذ أننا قد لا نحترم عقلية الشباب أو سنه فيما نقدمه له من مناهج ومن معلومات، وكأنه ما زال أمامنا في مرحلة الطفولة!
علينا ألاّ ننسى أننا في عصر الكمبيوتر، وفي عصر الإنترنت، وما قدمته التكنولوجيا من معلومات واسعة، رفعت المستوى الفكري ومستوى المعلومات عند الشباب إلى حد بعيد.. وما كنا ندرسه في الأربعينيات عن مراحل السن وخصائص كل مرحلة، أصبح يختلف اختلافًا كبيرًا عن مستوى هذه المراحل في التسعينات، فلا بد أن تتطور المناهج وطرق التدريس حتى تتناسب مع هذا التطور الفكري.
إن الشاب يحضر إلى الكنيسة، ليجد ما يشبع عقله وروحه.. وهذا الإشباع لا تناسبه طريقة التلقين القديمة؛ فهو يريد أن يقتنع بكل ما يسمع والاقتناع تناسبه طريقة الحوار.. لذلك على قادة اجتماعات الشباب أن يقسموا وقت تواصلهم مع الشباب إلى جزء خاص بالمحاضرة، وجزء آخر خاص بمناقشة ما سمعوه. ويكون النقاش حرًا، لأن التلقينات والمسلمات قد تغير وضعها أيضًا.. وحتى مجرد الإقناع بقول لأحد الآباء، أو حتى بآية من الكتاب، لم يعد كافيًا؛ إذ يحتاج الشباب أن يدرك الأسس الروحية والعقلية والمنطقية، التي بُنيت عليها هذه الآية أو هذا القول من الآباء.
يؤسفني أن أقول إنه حتى مبادئ الفضيلة – وبخاصة في بلاد الغرب – لم تعد من الأمور المسلم بها، إنما تحتاج أيضًا إلى إقناع.. الوصايا العشر أيضًا تحتاج إلى إقناع فكري.. لماذا أمر الرب بهذا؟ ما حكمته فيه؟
حدود الحرام والحلال، والخطأ والصواب، تحتاج إلى شرح.. لا يكفي أن تقول أن التدخين حرام، إنما يلزم أن تثبت ذلك. كذلك في حديثك عن التليفزيون وعن الأغاني، وعن الأفلام السينمائية، وسائر ما تكتبه المجلات، ونفس الوضع بالنسبة إلى كل وسائل الترفيه.
وهذا يجعلنا ننتقل إلى نقطة مهمة تتعلق بالموضوع، وهي:
النوعية اللازمة من المتكلمين وخدام فصول الشباب
ليس كل خادم يصلح أن يكون أحد المتكلمين في اجتماعات الشباب، أو أحد المدرسين لفصل من فصول الشباب.. فقيمة خادم الشباب تتوقف على شخصيته، وكمية ونوعية معلوماته، وقدرته على الإقناع وعلى إجابة ما يوجه إليه من أسئلة، وطريقة معاملته للشباب، وجاذبية أسلوبه، ومدى تقدير الشباب له.
فإن لم تتوفر فيه هذه الصفات، ما أسهل أن يتناقص عدد الحاضرين ويكون السبب في ذلك أن الاجتماع لم يعد يشبعهم!
إذًا خدام الشباب يلزمهم أن يكونوا من نوعية متميزة مختارة، كما يحتاجون إلى توعية، ودراسات، وتدريب، وفهم لنفسية الشباب.
يفهمون عقلية الشباب ومشاكلهم، وما يحتاجون إليه؛ بحيث يكلمهم الخادم بما يناسب ما في داخلهم، وليس بفرض أمور عليهم من الخارج بعيدة كل البعد عنهم! إذ قد يكون الخادم في جو معين، وما يسمعه من الشباب في جو آخر.
ولا يجوز أن يغلق الخادم على الشباب في دائرة اقتناعه الخاص!
أما الخادم غير المتطرف في أفكاره، فإنه يكون عادلًا وسليمًا فيما يصدره من أحكام ويميز بين النافع والضار.
أما الحكم بأن كل شيء يعجب الشباب هو حرام، فأمر لم تعد عقليته تقبله! ويشعر أن الخادم لا يريد التفاهم! وأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا جوًا نسكيًا يفرض عليهم.
معرفة مواهب الشباب وتنميتها...
أحيانًا يعاني الشباب المتدين من مشكلة "وقت الفراغ"، لأن شباب العالم يقضي أوقاته في كثير من الملاهي والمتع التي يبعد عنها المتدين من شباب الكنيسة، فيجد نفسه في فراغ يحتاج أن يستفيد منه، بدلًا من أن يكون من دواعي مشاكله. وهنا تأتي مسألة المواهب:
علينا أن نكتشف مواهب الشباب، ونشغلها بما يفيده.
ماذا أعددنا لثقافة الشباب؟
ينبغي أن تكون في الكنيسة مكتبة فيها من الكتب ما هو مفيدٌ لثقافة الشبابِ، كما هو مفيدٌ لثقافة الفتى والطفل.
الكنيسة بلا شك تهتم بالثقافة الدينية البحتة من جهة الروحيات ودرس الكتاب المقدس، وكتب التفسير والعقيدة واللاهوت، وتاريخ الكنيسة وسير القديسين، وكتب الطقوس، وما شابه. ماذا يمنع أيضًا من وجود كتب أخرى في الثقافة العامة؟
الشاب يريد أن يعرف وأن يقرأ، ولا يغلق عليه في نطاق الثقافة الدينية وحدها.. وإن لم نقدم له ما يمكنه قراءته من الكتب الثقافية الأخرى، فسيذهب إلى قراءتها من مصادر أخرى. وحينئذ سيخرج من ضبط الكنيسة وإشرافها..
وعلينا أن نلاحظ أن الإكليريكية الأولى كانت تدرس فيها علوم الفلسفة والمنطق والطب والموسيقى إلى جوار العلوم الدينية؛ فلماذا لا تحتوي مكتباتنا على كتب ثقافية؟ مثلًا يمكن أن نقدم للشاب ثقافة في كثير من النواحي الطبية.
نبدأ بالكتب التي تشرح مضار التدخين والمخدرات، والعادة السرية وتتحدث عن الأمراض التناسلية، ثم أمراض السمنة والسكر والضغط، مع بعض الكتب الأخرى في الأمراض النفسية والعقلية، وما يتعرض للخوف والقلق، وكذلك كتب في علم النفس والاجتماع.
ما المانع أيضًا من وجود بعض دوائر المعارف، ومجموعة كتب "المعرفة" ودائرة المعارف الطبية، ودائرة معارف التكنولوجيا، وكتب "كيف تعمل"؟ عن كثير من المخترعات والأجهزة، وكيف تعمل.. كلها ثقافة نافعة ومسلية في نفس الوقت؛ بل إن قراءته لمثل هذه الكتب تشغل ذهنه، وتمنع عنه الكثير من الأفكار الشريرة.
كذلك كتب عن الآثار وأبطال التاريخ وعن الرحلات، سواء الآثار القبطية أو أشهر الآثار في العالم.. وكما يدرس الشاب تاريخ الكنيسة وأبطالها، لماذا لا يدرس مشاهير الشخصيات في العالم، وكيف نشأوا ونموا؟ وماذا كانت مميزاتهم وفضائلهم؟ وماذا كانت نواحي النقص في بعضهم مما أدى إلى سقوطه وضياعه؟
كذلك هناك كتب عن الغرائب والمسليات، كتب عن الفراشات وأنواعها وعن السمك الملون، وعن غرائب الحيوان، وعن أنواع الطيور، أو الحشرات.. وعن فضائل بعض هذه المخلوقات، مثل الحمام، والجمل، والنحل، والنمل، وغرائب ما يوجد من حيوانات المناطق الحارة جدًا، والمناطق المتجمدة كالقطب.
خلاصة القول إننا نريد تكوين عقلية الشباب وشخصيته، بحيث يمكنه أن يتكلم في أي موضوع بفهم سليم وثقافة شاملة، ولا يجلس في المجتمع خارج الكنيسة، يتكلم كلامًا كإحدى الجاهلات (أي10:2).
النشاط الصيفي
بحلول الصيف، ووجود فترة الفراغ، تفكر فروع التربية الكنسية في كيف تشغل وقت الطلبة والمدرسين فيما يفيدهم.
وينقسم هذا النشاط الصيفي إلى عدة برامج: منها برنامج روحي، وبرنامج ثقافي، وبرنامج فني، وبرنامج رياضي، وبرنامج ترفيهي، وبرنامج حرفي، إلى جوار أنشطة النساء والفتيات.. وسنتكلم عن كل هذا بشيء من التفصيل.
البرنامج الروحي
ويشمل حفظ آيات من الكتاب المقدس سواء بالطريقة الأبجدية، أو في موضوعات معينة.. يضاف إلى ذلك مسابقات في الكتاب المقدس أو في سير القديسين.. ويمكن أن تصحب كل هذا جوائز توزع على الفائزين.. كذلك من البرامج الروحية استلام وحفظ ألحان الكنيسة بالقبطية وبالعربية.
وبالنسبة إلى الخدام وللكبار، يمكن الدخول في تدريبات روحية عامة، كما تقام أيضًا اجتماعات للصلاة وللتأمل في الكتاب المقدس، وكذلك برنامج لقراءة الكتب الروحية وسير القديسين، وقد يكلف البعض بتلخيص كتاب روحي أو جزء منه ليلقيه في اجتماع للخدام أو للشباب.
البرنامج الثقافي الديني
ويدخل هذا البرنامج في نشاط المكتبة من جهة قراءة كتب معينة، في اللاهوتيات والعقائد والطقوس، وتاريخ الكنيسة وسائر المعارف الدينية المهمة.. وتكون هذه القراءات تحت إرشاد.
وربما يدخل في هذا الفرع أيضًا، تقديم دروس في اللغة القبطية تساعد على فهم القداس الإلهي والألحان، وإن لم يوجد من يدرس اللغة القبطية؛ يمكن تقديم هذه الدروس عن طريق الفيديو.
البرنامج الفني
ويشمل اكتشاف المواهب وتنمية هذه المواهب في كافة فروعها.. ويدخل في هذا المجال الرسم. وكما يدخل فيه أيضًا التصوير، مثل تصوير الأيقونات القديمة في الكنائس الأثرية، أو الأيقونات الحديثة التي توجد فيها خصائص الفن القبطي وتناسب الطقس والعقيدة.. ومن كل ذلك عمل ألبومات تعرض في مدارس الأحد، أو يمكن تسويقها لمن يعجب بها ويحب اقتناءها.
ومن النواحي الفنية التدريب على رسم الصلبان، التي نبغ فيها من قبل قداسة المتنيح البابا مكاريوس الثالث.. وحاليًا يوجد بعض رهبان الأديرة الذين نبغوا في هذا المجال، ومن الممكن التلمذة على أيديهم.
من النواحي الفنية أيضًا أعمال الجبس التي تقدم بها صور للقديسين، والتي تصلح للبيع أو كجوائز في مدارس الأحد، ويمكن بالجبس عمل ماكيتات "نماذج" لبعض الكنائس والأديرة وما أشبه.. كذلك أعمال الأركيت وهي كثيرة وإلى جوار فائدتها تمثل تسلية لتلاميذ مدارس الأحد وللخدام أيضًا.
والبعض - من الناحية الفنية – كان يقوم بعمل نموذج لخيمة الاجتماع بكل أجزائها وما تحويه، مع شرح كل ذلك والرجوع إلى تفاصيله في سفر الخروج، أو عمل نموذج لهيكل سليمان بدراسة كل التفاصيل، مع تفصيلها "أي صنعها" وصنع كل محتوياتها من مذابح، وأدوات كنسية، وملابس الكهنة، ومن الأواني، مع مراجعة كل ما ورد في الكتاب المقدس عن ذلك ودراسته فيمتزج الكتاب بالفن، وكلاهما يشغل الوقت فيما يفيد، في نطاقين: الدين والتسلية. وكل ذلك يمكن أن يكوّن معرضًا للتربية الكنسية.
ومن مجموعة معارض الفروع يمكن عمل معرض عام في صالة العرض بالكاتدرائية، التي عرضت فيها كتب أساتذة وخريجي الإكليريكية بمناسبة عيدها المئوي.
ويدخل في النشاط الفني أيضًا عزف بعض التراتيل على آلات موسيقية، فبعض الشباب تكون لهم مواهب في الموسيقى أو في الرسم، أو في الشعر، أو في التمثيل، أو في كتابة القصص، ومواهب أخرى.
ونحن لا نستطيع أن نقول للشاب إن الموسيقى حرام. فداود النبي كانت تصحبه جوقة موسيقية كبيرة تعزف مزاميره، وكان منهم أساف وهيمان ويدوثون يسبحون الله قائلين: "سبحوا الله... سبحوه بربابٍ وعودٍ. سبحوه بدُفّ ورقصٍ. سبحوه بأوتارٍ ومزمارٍ. سبحوه بصنوج التصويتِ. سبحوه بصنوج الهتافِ" (مز 150) وداود نفسه كان يحسن الضرب على العود، وعلى المزمار والعشرة الأوتار. وكان يعزف لشاول الملك فيهدأ (1صم23:16). إذًا لا مانع أن نعلم الشباب الموسيقى، أو أن أصحاب المواهب الموسيقية منهم يكونون خورس الكنيسة، وينشدون الترانيم الكنسية أو بعض الألحان على الآلات الموسيقية في الحفلات وشتى المناسبات، خارج الطقس الكنسي.. فنشبع بذلك مواهبهم، بدلًا من اتجاههم إلى الخارج!
النشاط الترفيهي
ويشمل ما تقوم به بعض الفروع من حفلات للشباب أو للأطفال.. وهناك فروع تقيم تمثيليات مسرحية لبعض شخصيات الكتاب المقدس، أو لبعض قديسي وقديسات الكنيسة.
كذلك أصحاب المواهب في التمثيل.. يمكن أن تتكون منهم فرقة في الكنيسة تقوم بتمثيل بعض الروايات الدينية وما يصلح منها للتصوير، يمكن تصويره على أفلام الفيديو أو أفلام سينمائية؛ وقد نجحت فعلًا بعض الأفلام الدينية وانتشرت، مثل فيلم مارجرجس، وفيلم الأنبا أنطونيوس، وفيلم الطفل أبانوب، وغيرها.. والتمثيليات الناجحة يمكن أن تنتفع بها الفروع الأخرى. وبهذه المناسبة أنصح أن تبتعد أفلام الاستشهاد عن تصوير أنواع العذابات التي يتعب الأطفال من رؤيتها، بل بعض الكبار أيضًا.
وهذه الأفلام تقدم مجالًا للشابات في تفصيل الملابس المناسبة؛ لأن تصوير فيلم تدور أحداثه في القرن الرابع مثلًا، تحتاج إلى دراية بمعرفة الملابس التي كانت تستخدم في ذلك العصر، سواء للملوك أو الفرسان، أو عامة الشعب.. ويمكن أن تقوم فتيات الكنيسة بتفصيلها وصنعها، بدلًا من إنفاق آلاف الجنيهات على شرائها.
وكل ما تتم صناعته من لوازم التمثيل يمكن الاحتفاظ به في مخزن فرقة التمثيل بالكنيسة، لإعادة استخدامه في روايات أخرى.
وبهذا نشغل الوقت، ونستغل المواهب، ونُشعر الشباب بأن الكنيسة يمكن أن تحتضن مواهبهم وتستخدمها وتنميها، وتعطيها مجالًا للظهور.
يضاف إلى هذا استخدام مواهب أخرى في نطاق التمثيل، مثل استخدام مواهب الشباب في التصوير، لتحويل المسرحية إلى فيلم، واستخدام مواهب من يتقنون مواهب في الكهرباء لتوزيع الأضواء أثناء التمثيل، كذلك استخدام مواهب الرسم في تحضير المناظر اللازمة، وبخاصة في خلفية المسرح. يضاف إلى هذا مواهب في تنسيق المسرح وأثاثاته.
نادي الكنيسة وانضباطه الروحي
كثير من الكنائس تقيم نوادٍ في أفنيتها، لخدمة الشباب، وبخاصة في فصل الصيف.. وقد يستمر النادي أثناء العام الدراسي أيضًا.. ويهمنا هنا أن نتحدث عن رسالة النادي، وكيف تؤدى.
أولًا: النادي هو وسيلة وليس غاية
النادي مهم من الناحية الرياضية، حيث تفرغ فيه طاقاتهم ورغباتهم في محبة ألوان متعددة من الرياضة، تزودهم بها الكنيسة، ووسيلة ترفيهية بعيدة عن الأخطاء التي تقع فيها النوادي الأخرى، وهو فرصة للتعرف على تصرفات الشباب خارج نطاق الكنيسة؛ حتى إذا عرفت أخطاؤهم يمكن معالجتها روحيًا.. وهو أيضًا ليس لعبًا خالصًا؛ إنما يمتزج فيه الترفيه بالعمل الروحي.
إذ كل فترة من فتراته تبدأ وتنتهي بالصلاة، كما تتخلله بعض الألحان والترانيم، وأحيانًا بعض المسابقات الكتابية أو بعض الدروس الروحية والألحان والمسابقات.
وإذا لم يتصف النادي بالروحانية، لا يكون قد أدى رسالته! والنادي بدون إشراف روحي، يكون ضرره أكثر من نفعه، لأنه بذلك يتعود الشباب الخطأ في حضن الكنيسة، ويستهينون بكرامة الكنيسة..
وإذا اكتنفته أخطاء، مثل الضوضاء والشوشرة، أو اصطدامات الشباب مع بعضهم البعض، مع أخطاء في الكلام، أو عثرات أخرى؛ فإن هذا يكون خطرًا جدًا، لأنه يحدث في أرض الكنيسة، وفي جو من رعايتها!!
لهذا يشترط لقيام النادي وجود إشراف روحي دقيق وحازم، ويجب أن تكون للنادي لائحة ومواعيد يعرفها المشرف والطالب، ويلتزم بها الكل؛ لأنه كثيرًا ما تصلنا شكاوى ضد النوادي، وما تُحدثه من شوشرة يتأذى منها الجيران، بل تتأذى منها أيضًا اجتماعات الكنيسة الروحية، بسبب صياح الأولاد وصراخهم بطريقة غير لائقة بالجو الروحي..
وكثيرًا ما يشكو الآباء والأمهات من عودة أبنائهم من النادي في ساعة متأخرة من الليل.
ويبرر الأولاد ذلك بأنهم كانوا في النادي! ويتساءل أولياء الأمور: وهل تسمح إدارة النادي في الكنيسة، بأن يخرج الشباب في منتصف الليل؟! وقد تكون بينهم فتيات..! أم أنه لا يوجد إشراف على المواعيد!! ألا نستطيع أن نعلم أولادنا أن يلعبوا في هدوء؟ كما نعلمهم أن يحترموا مشاعر جيرانهم، وأن يلتزموا بالمواعيد، ولا يعودوا إلى منازلهم في ساعة متأخرة من الليل، وأن يحترموا جو الكنيسة..
وهنا نسأل: من المسئولين عن رسالة النادي وروحانيتها؟
الآباء الكهنة مسئولون، وكذلك أمناء التربية الكنسية، والمشرفون.. ولجنة النادي.. ولا بد أن تكون للنادي لجنة تشرف على تنفيذ لائحته، وعلى مدى تواجد المشرفين، ومدى قيامهم بواجبهم، والتزامهم بقواعد روحية.
ولذلك لا بد للنادي من إشراف روحي دقيق. سواء من جهة الوقت "المواعيد"، فلا يخرجون منه في ساعة متأخرة من الليل، أو من جهة الهدوء فلا تعلو أصواتهم فيه وتتحول إلى ضجيج قد يشكو منه الجيران، كذلك من جهة معاملاتهم مع بعضهم البعض.
ولأنه في النادي يكون الشباب على سجيتهم، لذلك يمكن ملاحظة ما يبدر منهم من أخطاء، لتكون مجالًا للمعالجة.
البرنامج الرياضي
تقوم به بعض الكنائس التي تملك أرضًا صالحة لذلك أو تستطيع أن تستأجر الأرض.. وأسقفية الشباب تشرف على مثل هذا النشاط في كل صيف، مع توزيع الجوائز على الفائزين من شتى الإيبارشيات.
كذلك نضيف بأن هواة التصوير، يمكن أن يعطوا فرصة لتصوير بعض آثارنا القبطية كالأديرة والكنائس القديمة، وبعض الأسرار الكنسية.. وبهذا نشغل وقت الشباب، ونستفيد من مواهبهم وننميها.
من نواحي رعاية الشباب ما يقام لهم من النوادي والحفلات والندوات. والرحلات أيضًا من البرامج الترفيهية المفيدة للشباب.. ويتوقف نجاحها على نوعية الرحلة، إلى أي مكان؟ وأيضًا برنامج الرحلة سواء في الأتوبيس أو في مكان الرحلة، كذلك الانضباط في أثناء الرحلة، حتى لا تحدث أخطاء تكون موضع انتقاد.
ويحسن أن تساهم الكنيسة بشيء من تكاليف الرحلة، حتى لا تصبح ثقلًا ماليًا على والدي الشاب، وحتى يصبح الاشتراك فيها مكفولًا للكل.
بالإضافة أيضًا إلى النوادي والرحلات، توجد أيضًا الندوات والمناظرات والبحوث؛ فالندوة يشترك فيها أكثر من متكلم، فتعرض أكثر من فكر، أو أكثر من أسلوب لعرض الفكر.. والمناظرات يقف فيها فكر أمام فكر آخر، والمستمع يحكم.. وفي كلا الأمرين تنشيط لفكر الشباب، وتدريب له على عدم الاعتماد على فكر واحد أو أسلوب واحد. أما البحوث فهي ما يقوم به الشباب من استخراج المادة الموضوعية اعتمادًا على المكتبة والمراجع.. ويمكن أن تنشر هذه البحوث أو أجزاء منها في مجلة الشباب التابعة للكنيسة.
النشاط الحرفي
بعض الكنائس تدرب أولادها خلال الصيف تدريبًا مهنيًا على حرف معينة تنفعهم ماديًا.. على أن يتخلل هذا التدريب برنامج روحي.
والتدريب ليس فقط على أعمال الحرف اليدوية، إنما قد يكون أيضًا على مستوى أعلى من ذلك كتدريس الكمبيوتر مثلًا، وبرامجه المتعددة.
أنشطة النساء
في أعمال المشاغل، وصنع الملابس والتطريز.. وتعرض هذه الأعمال في معارض في كنائس متعددة. وبعض الكنائس يوجد فيها فرع لتفصيل الملابس الكهنوتية، وما يوضع عليها من صلبان.
أنشطة أُخر
وفي اجتماع أمناء التربية الكنسية عرض البعض أنواعًا من الأنشطة الأخرى، منها التدريب على أعمال الكشافة وتكوين فرق لها لحفظ النظام، والثقافة الصحية، ومنها مسرح العرائس، والرحلات، ومؤتمرات الخدام.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 15 مايو 2005م
مشكلة العدد
مشكلة العدد[1]
شهوة العدد الكبير
بعض خدام التربية الكنسية يقيسون نجاحهم في الخدمة بعدد الطلبة في فصولهم، وليس بمدى الاستفادة الروحية التي يستفيدها هؤلاء الطلاب.. ولذلك فهم في أول عهدهم بالتدريس، يجتهدون في زيادة العدد بكافة الطرق. وحسنٌ أن يزيد عدد التلاميذ، ليتمجد الله فيهم، وليس لكي يفتخر المدرس بعددهم ويتباهى!
مشاكل بسبب كثرة العدد
1- حينما يكثر العدد جدًا، حتى يصل أحيانًا إلى 50 تلميذًا، يحدث أن لا يستطيع المدرس ضبط النظام في الفصل، وبالتالي لا يستطيع أن يفيد الأولاد روحيًا.. فربما لا يستطيع أن يوصل إليهم المعلومات، ولا أن يعطيهم فرصة للحوار، للسؤال والجواب، وللتأكد من استيعابهم للمعلومات.
2- ومع العدد الكبير، يصبح الافتقاد مشكلة.
3- وأيضًا يصبح من الصعب أن يقوم المدرس بعمل فردي وسط أولاده، في جلسات خاصة، للإلمام بظروفهم ومشاكلهم واحتياجاتهم الروحية والشخصية، فيتحول إلى مجرد محاضر!
4- ومع العدد الكبير، يحدث أحيانًا للأسف الشديد، أن المدرس لا يعرف أسماء تلاميذه، إلا من خلال الدفتر؛ وبهذا تضيع العلاقة الشخصية بين المدرس وتلاميذه، وينتفي الاهتمام.
5- ويحدث أحيانًا أن المدرس لا يشعر بغياب بعض التلاميذ، خلال العدد الكبير، وإذا أراد أن يتأكد بقراءة الأسماء ومراجعتها على الحاضرين، يضيع جزء كبير من وقت الدرس.
6- وفي نفس الوقت قد يدخل بعض الأطفال الجدد، ويتوهون وسط المجموعة، ولا يشعر هو بهم، أو هو قد يشعر بذلك ولا يهتم، ويصبح الفصل مجالًا للتغيرات الداخلية.
7- وتبدو حالة من الفتور من جهة الاهتمام بالعدد، بعد أن وصل المدرس إلى حالة من الإشباع الداخلي، وتتحول مسألة العدد إلى موضوع إشباع نفسي، وليس بناء الملكوت!
8- وعمومًا كلما يزيد العدد في الفصل، كلما يعلو صوت المدرس، وتزداد ضوضاء الأولاد، حتى يتحول فصل التربية الكنسية إلى صخب وضوضاء، ولا يعطي صورة مثالية عن الخدمة، كما أنه قد يعطل على الفصول الأخرى، التي يضطر مدرسوها إلى تعلية أصواتهم للتغطية على ضوضاء زملائهم!
9- وقد يسبب كل هذا، تضايقًا يظهره الأب الكاهن أو مجلس الكنيسة، أو أي زائر يلمح هذا الضجيح. أما المدرس الذي يتميز فصله بقلة العدد، فإنه يلقي درسه في هدوء.. ويظهر هذا الهدوء أيضًا في صوته وملامحه، وفي وداعته، ويظهر الهدوء في تلاميذه الذين يقتدون به.
مناقشة المشكلة لحلها
إننا لا نستطيع أن نمنع الأولاد الكثيرين من المجيء إلى مدارس التربية الكنسية؛ بل نشعر بفرح عظيم عندما يمتلئ بيت الله من المصلين والعابدين والموعوظين. ولكننا نفرق بين كثرة الأولاد في فرع من فروع التربية، وبين كثرة الأولاد في الفصل الواحد. فمن الممكن أن يزداد العدد جدًا في الفرع الواحد، ولكن بتوزيع هذا العدد الكبير على فصول كثيرة، بحيث لا يزيد عدد التلاميذ في الفصل الواحد عن عشرين تقريبًا، فهذا هو العدد الذي يمكن للمدرس أن يهتم به، ويعطيه عناية خاصة. ومن الطبيعي أن الفصل سينمو.. لا مانع من نمو العدد، على أساس أنه كلما تكبر الفصول، يعاد تقسيمها مرة أخرى، وهكذا تزداد الفصول، وتبقى محدودة العدد.
والإكثار من عدد الفصول، يدخلنا في مشكلة أخرى وهي كفاية عدد المدرسين لخدمة هذه الفصول. وهذا الأمر ينقلنا إلى موضوع آخر هو إعداد الخدام. فكلما كثر عدد الخدام لم تعد هناك مشكلة. وما أسهل أن يكون هناك خادمان لفصل واحد؛ فإذا تم تقسيمه، يأخذ كل من هذين المدرسين مسئولية فصل، ويكون الأولاد قد تعودوا عليه، ثم يضم إليه مدرسًا جديدًا وتستمر دائرة العدد في سيرها.
أهمية قلة العدد في الفصل
هناك أضرار عديدة لازدحام فصول مدارس التربية الكنسية بالطلبة وخاصة بالنسبة إلى الأطفال، لذلك ننصح بقلة عدد الطلبة في الفصول على قدر الإمكان.. وذلك للأسباب الآتية:
- إمكانية حفظ النظام
فكثيرًا ما يعجز المدرس عن حفظ النظام في الفصل المزدحم بالأطفال، خاصة وأن طبيعة السن تساعد على الحركة والكلام والتنقل.
- تسهيل الاهتمام بكل طالب على حدة
من الصعب على مدرس أن يهتم بعشرات الطلبة كل منهم على حدة.. في الفصل القليل العدد، يمكن أن توزع الأسئلة على الطلبة جميعهم، ويمكن أن يهتم المدرس بتفهيم كل طالب منهم، ويستطيع أن يجعلهم يعيدون عليه ما تلقوه من معلومات فيطمئن إلى استيعابهم وفهمهم.. أما إذا ازدحم الفصل؛ فكثيرًا ما تضيع الاهتمامات الفردية في ذلك الخضم الواسع، وينطبق ذلك على مراقبة حياة الطفل الروحية.
- تسهيل الافتقاد
العدد القليل يمكن افتقاده، ويمكن أن يعرف المدرس أسماء تلاميذه فردًا فردًا، وحالة كل منهم، ولا يصعب عليه افتقادهم.
- إمكانية النمو
المدرس الذي يوجد في فصله من 10-20 طالبًا يهتم أن ينمي عددهم حتى إذا زادوا وصاروا من 30-40 مثلًا، يمكن توزيعهم على فصلين في تنظيمات أول العام.. أما إذا كان في الفصل أربعين أو خمسين أو أكثر، فمن غير المعقول أن يسعى المدرس إلى تنمية عدد الطلبة، بينما هو متعب من عددهم الحالي.
- حفظ الهدوء
إن كان عدد الطلبة قليلًا، يمكن للمدرس أن يشرح بصوت هادئ منخفض، وبنفس الصوت المنخفض يجيبه تلاميذه.. أما إذا زاد العدد، يضطر المدرس أن يرفع صوته ليسمعه التلاميذ، وهم أيضًا يصيحون معه، فتعم الضوضاء ذلك الفرع من التربية الكنسية، خاصة إن كانوا في كنيسة محدودة المكان.
- حفظ اتضاع المدرس
فلا يفتخر بكثرة العدد، بينما تكون حالة الفصل الروحية ضعيفة، والمدرس لا يقوم بعمله في أمانة.
- الأمانة في الخدمة
في الفصل القليل العدد يمكن للمدرس أن يعطي واجبات للطلبة، وينظم لهم كراسات خاصة يستطيع أن يراجعها جميعًا، بينما من الصعب أن يفعل ذلك مع كثرة العدد، وهذا أيضًا ينطبق على نواحي النشاط المتعددة التي يمكن أن يقوم بها التلميذ تحت إشراف مدرسه: كالحفظ مثلًا، واستلام الألحان، وإجراء المسابقات المتنوعة، والإشراف على كل أنشطة الأولاد؛ الفنية والدراسية والروحية...
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 1 أبريل 2007م
تداريب الحفظ للتربية الكنسية ولكل المؤمنين
تداريب الحفظ للتربية الكنسية ولكل المؤمنين[1]
ماذا تحفظ؟
تدريب الحفظ نافع جدًا، سواء في محيط التربية الكنسية للخدام والطلاب والأطفال، كما أنه نافع بالمثل لجميع المؤمنين. ونقصد به حفظ المزامير، وحفظ الصلوات، وحفظ التراتيل والألحان، وحفظ آيات أو قطع من الكتاب المقدس.
ويمكن أن يضم إلى برنامج الحفظ أيضًا: حفظ بعض أقوال مشهورة للآباء، وحفظ بعض كلمات باللغة القبطية ومعناها.
فمن جهة الآيات
يمكن حفظ آيات حسب الحروف الأبجدية، واستخدامها في مسابقات.. وقد وضعنا لكم كتابًا يساعدكم على ذلك.
ويمكن حفظ آيات تخص كل أسرار الكنيسة وعقائدها، وكل المعلومات اللاهوتية اللازمة، ومنها الآيات التي تصلح في الحوار اللاهوتي، وفي الرد على الشكوك وعلى البدع والهرطقات.
ومنها أيضًا حفظ آيات تخص الفضائل والحياة الروحية، ومن الناحية السلبية الآيات التي ترد على خطايا معينة.
يمكن حفظ آيات عن الحياة اليومية، وما نستعمله فيها، ثم آيات خاصة بالكنيسة وما فيها.
بالنسبة للأطفال وللصغار عمومًا، يمكن حفظ آيات قليلة الألفاظ: مثل "الله محبة" (1يو4: 8، 16)، "أنا هو نور العالم" (يو 8: 12)، "أنا هو الراعي الصالح" (يو10: 11، 14)، "من آمن واعتمد خلص" (مر16: 16)... وتتدرج الآيات في الطول، حسب نمو الطفل في العمر.
كذلك يمكن أن يحفظ الطفل صلوات من الكتاب
مثل "أبانا الذي في السموات" (لو11: 2)، وأيضًا "اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك" (لو 23: 42)، و"ارحمني يا الله كعظيم رحمتك" (مز 50: 1)، و"علمني يا رب طرقك".
أما الكبار فبالإضافة إلى الآيات الفردية، يمكن حفظ فصول معينة، مثل التطويبات (مت 5) المحبة في (1كو 13) فضائل معينة كما في (رو 12)، (1تس 5: 12-28)، (في 3: 7-14)، وأناجيل ساعات الأجبية.
وما يحفظه الكبار، يمكن أن يكون مجالًا للتأمل.
حفظ المزامير والصلوات
† يمكن البدء بالمزامير القصيرة مثل
في صلاة باكر: مزمور "طوبى للرجل"، "يا رب لماذا كثر الذين يحزنونني؟!"، ومزمور "إلى متى يا رب تنساني؟".. وفي صلاة الساعة الثالثة "الرب يرعاني فلا يعوزني شيء". وفي صلاة الساعة السادسة "ليتراءف الله علينا"، "اللهم التفت إلى معونتي"، "الرب قد ملك".. وفي صلاة الساعة التاسعة "قال الرب لربي"، "سبحوا الرب أيها الفتيان".. وفي صلاة الغروب "رفعت عيني إلى الجبال"، "لولا أن الرب كان معنا"، "مرارًا كثيرة حاربوني منذ صباي"، وفي صلاة النوم "من الأعماق صرخت إليك يا رب"، "هوذا ما أحسن وما أحلى"، "ها باركوا الرب يا عبيد الرب".. وبالتدريج يمكن حفظ مزامير أكثر وأطول من هذه.
يدخل في تدريب الحفظ أيضًا: حفظ أناجيل الأجبية وتحاليلها. وأيضًا حفظ قطع كل صلاة من الصلوات السبع.
كذلك حفظ الصلوات المشتركة، في كل الساعات: مثل صلاة الشكر، والمزمور الخمسين، وقدوس الله قدوس القوي، وقدوس قدوس قدوس، وارحمنا يا الله ثم ارحمنا، في آخر كل صلاة، وقانون الإيمان ومقدمته.
ويمكن أن يحفظ الصغار من صلوات الأجبية ومن المزامير على قدر مستواهم.
المحفوظات الأخرى
يمكن تحفيظ الأطفال بعض تراتيل ملحنة، مثل: "دقي يا أجراس، وادعي كل الناس لحضور القداس"، ومثل "كنت مريض وهزيل، وعملنا قنديل" وهي ترتيلة تشمل طقسًا. ومثل "أيا مؤمنين، ألا تصحبونا، بناي وعود، إلى بيت لحم".. مع بعض الألحان البسيطة القصيرة، أو أجزاء منها.. وكثير من الكنائس تكَون فرق شمامسة من الأطفال الصغار، الذين يستطيعون أن يحفظوا بعض مردات العشية والقداس.. والطفل عنده قدرة كبيرة لحفظ التراتيل والألحان.
أما عن الكبار، فيتدرج تحفيظهم من الألحان العادية، إلى الألحان الكبيرة، وألحان المناسبات والأعياد.. مع حفظ بعض التراتيل، وبعض التسابيح أيضًا، وقطع من الإبصلمودية.
فوائد الحفظ
1- لا شك أن للحفظ فوائد كثيرة، مجرد عملية الحفظ يقضي بها الإنسان وقتًا روحيًا، ويكون في حالة تأمل وتفهم الكلام الذي يحفظه، ويشعر أنه في جو روحي.
2- وبالحفظ يستطيع أن يكمل صلواته، في أي وقت، وفي أي وضع، وفي أي مكان، وفي وسط الناس دون احتياج إلى كتاب يفتحه فتنكشف صلواته للآخرين.
3- بالحفظ يستطيع أن يصلي وهو سائر في الطريق، أو وهو في المواصلات، أو وهو وسط جماعة من الناس يتحدثون في أمور لا تعنيه؛ فيجلس صامتًا يحسبونه منصتًا لهم، بينما هو في الواقع يصلي بقلبه دون أن يشعر به أحد.
4- بالحفظ يستطيع أن يصلي في الظلام، ويستطيع أن يحفظ فكره مقدسًا بالصلاة، أثناء رحلة أو سفر، أو في سير طويل.. ويفيده الحفظ في صلواته، إن كان يبيت مع أحد آخر، أو إن كان يجد انتقادًا
5- وكثيرًا ما قلنا ورددنا هذه العبارة لعظم فائدتها: احفظوا المزامير، تحفظكم المزامير.. واحفظوا الإنجيل، يحفظكم الإنجيل.
6- بالحفظ تغرس في عقلك الباطن وفي ذاكرتك أفكارًا روحية، تنفعك فيما بعد حينما تستعيدها ذاكرتك.
7- بالحفظ وترديد ما تحفظه، تشغل نفسك عن العثرات التي تصادفها في المجتمع، وتحفظ ذهنك باستمرار في نقاوة وفي عمل روحي.. وتحصل على فائدتين: نمو في الناحية الإيجابية وحفظ من الناحية السلبية.
8- وبحفظك آيات الكتاب، تستطيع أن ترد على كل فكر يحاربك، احفظ له الآيات التي ترد بها عليه.
9- وبالحفظ تنال استنارة قلب في الأمور الإلهية، وفي الدراسات الدينية أيضًا، ويصبح كلام الله في داخلك، وفي قلبك وفكرك.
10- بالحفظ يمكنك أيضًا أن ترد على الشكوك العقائدية وفي الحوار اللاهوتي، ذلك إن حفظت الآيات المتعلقة بذلك.
11- بالحفظ تستغل وقت فراغك فيما ينفعك، وتنقذ نفسك من الملل الذي يصيب من لا يحسن استخدام الوقت في صالحه، ويصبح وقتك سبب متعة روحية لك.
12- يفيد الحفظ كبرنامج روحي في العطلة الصيفية، وفي أثناء الرحلات، وفي نادي الكنيسة.
ملاحظات مهمة
1- يجب أن يكون الحفظ جزءًا أساسيًا في برنامج مدارس الأحد؛ بحيث أن الدرس المعطى لتلميذ مدارس الأحد يشمل حكاية، ويشمل آية.. وتكرر له الآية ليحفظها، ويراجعها الخادم عليه.
2- لا تضيعوا على الأطفال سن الحفظ، أعني سن الطفولة المبكرة، التي تكون لهم فيها ذاكرة لم تمتلئ بعد، مستعدة لتلقي كل ما تسمعه وتحفظه.. واعلموا أن ذاكرتهم إن لم تشحنوها بما يفيد، سيتولى المجتمع شحنها بما عنده!!
3- ليس الحفظ هو تدريب للأطفال فقط، وإنما للخدام أيضًا. فهم ليسوا مجرد مصدري روحيات!! فالكتاب يقول: "لاحظ نفسك والتعليم".. وخادم التربية الكنسية، بالإضافة إلى ما يقوم بتحفيظه للأطفال وما يحفظه معهم، له برنامج آخر في الحفظ أعلى مستوى منهم.
4- كذلك برنامج الحفظ تدريب للآباء الكهنة في افتقادهم للعائلات، حيث يحفظونهم أيضًا آيات، وأقوالًا مشهورة للآباء، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا كانوا هم أيضًا حافظون.
5- وواجب تحفيظ الأطفال هو أيضًا من مسئولية الوالدين؛ فقد قال الرب: "ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك" (تث 6: 6-7).
6- وتحفيظ الأطفال يأتي بالتكرار والتشجيع والمديح، وبتوزيع الجوائز على من يحفظون.. ويمكن إقامة مسابقات للحفظ في الكنائس.
7- والحفظ ينفع أيضًا غير المتعلمين، وينفع الأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، كما ينفع أيضًا الضرير الذي لا يرى.
8- وحفظ الآيات يرتبط باستخدامها أيضًا، والتدريب عليها.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 4 مارس 2007م
العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته
العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته[1]
في مساء الخميس الكبير أو الخميس الأخير، حينما كان السيد المسيح في الطريق إلى جثسيماني، ومنه إلى المحاكمة والصلب، ففي مناجاته مع الله الآب، وكأنه يقدم تقريرًا عن خدمته على الأرض، قال: "أنا مجدتك على الأرض". وقال أيضًا: "العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" (يو17: 4).
لم يقل قد عملته، بل أكملته
أي قد وصل في عمله إلى مستوى الكمال.. كان المسيح كاملًا في تنفيذ مشيئة الآب.. بكل كمال عرّف الناس بمشيئة الآب.. وعلى الصليب قال عن العمل الخاص بالفداء: "قد أُكمل" (يو 19: 30).
وأنت، هل تستطيع أن تقول للرب نفس العبارة: "العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته"؟ وإن قلت عبارة "قد أكملته"، فلا يمكن أن تقصد بها أنك قد وصلت إلى الكمال الذي عمل به المسيح مشيئة الآب.. لعلك تقصد بعبارة "قد أكملته" أنت يا رب بنعمتك بدأت العمل، وأنت أكملته.
لأني بمعرفتي لا أستطيع أن أعمل شيئًا، كما قلت أنت لنا: "لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5).. وكما قال رسولك القديس بولس: "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة" (في2: 13). فأنت الرب الذي دفعتني لأعمل، وأنا أكملت هذا العمل، بك أيضًا.
أو أنت يا رب قد أكملت هذا العمل بنفسك، ثم نسبته إليَّ، من تواضعك.. وهذا الحنو الذي به تنسب عملك لأولادك، نراه فيك باستمرار.. لقد أعطيتني الناموس والوصايا، ومع ذلك نراك تقول باستمرار: "ناموس موسى" (يو 7: 23)، وتقول: "أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق"، "موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم" (مت 19: 8)، بينما أنت يا رب الذي أوصيت وأذنت، ولكنك تنسب عملك إليَّ، أو كما تسمح لأحد شهدائك أو قديسيك أن تجري معجزة على يديه، ليحبه الناس، بينما القوة منك أنت..
أو لعلي يمكنني أن أقول: "العمل الذي أعطيتني لأعمل، أنا كنت شريكًا معك في إكماله... عملت فيَّ شركة الروح القدس.
ليعمل روحك فيَّ، أو يعمل بي، أو يعمل معي. كما قال معلمنا القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زميله أبلوس: "فإننا نحن عاملان مع الله"(1كو 3: 9). "أنا غرست وأبلوس سقى لكن الله كان ينمي. إذًا ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي ينمي" (1كو3: 6-7).
فإن كان هذا هو حال العمل الذي أكمله قديسان عظيمان مثل بولس وأبلوس، فماذا يقول الواحد منا؟
يقول العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته أنت، أما أنا فكنت مجرد أداة في يدك.
نعم "ليس لنا يا رب ليس لنا لكن لاسمك أعطِ مجدًا" (مز 115: 1).. من أنا الذي أقول إنني قد أكملت عملًا ما، أي عمل؟! أنت الذي تبدأ معي، وأنت الذي تكمل. أنت الذي تعطي الرغبة والإرادة والقوة، وأنت الذي تشترك في العمل مع عبيدك، في كل عمل صالح. إن هذه العبارة التي قالها المسيح: تعني الأمانة الكاملة في العمل وفي الحياة.
فما هو حقًا العمل الذي أعطانا الله إياه؟
جزء منه أعطاك الله إياه عن نفسك، لكي تقدس هذه النفس له.. والجزء الآخر هو من أجل الآخرين، لكي تقودهم إلى الله. وعليهما كليهما تنطبق العبارة التي قالها بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1تي 4: 16).
إذًا نفسك والتعليم هما الذي أعطاك الرب إياه لكي تعمله، فهل أنت أمين كل الأمانة تجاه هاتين المسئوليتين وهما: الكمال في جميع مسئوليات حياتك، وكذلك الكمال في عمل الخدمة؟
هل كل مسئولياتك قد أكملتها: مسئولياتك العائلية والشخصية، الدراسية والاجتماعية، ومسئوليات عملك؟ وفي نفس الوقت لم تنسَ روحياتك، وحياتك الخاصة في صلتها مع الله.
أضرب لك مثلًا عاليًا هو يوسف الصديق.. من جهة نفسه كان رقيبًا عليها وأمينًا على طهارتها، وهكذا قال: "فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله" (تك 39: 9). ومن جهة خدمة الآخرين، كان كاملًا، إذ كان سبب حياة لجميع الناس في عصره.. عمله كوزير تموين لمصر، هو عمل أعطاه الله إياه "لاستبقاء حياة" (تك 45: 5). وكان كاملًا أيضًا في عمله في بيت فوطيفار: "وأن كل ما يصنع كان الرب ينجحه بيده" (تك 39: 3).. كذلك وهو سجين. وهكذا يقول المزمور الأول عن الإنسان البار: "وكل ما يصنعه ينجح" (مز1: 3)، ولا يكفي نجاحك في الحياة، إنما الكمال في كل عمل تعمله.
هل أكملت أيضًا عملًا تجاه أسرتك؟ ليست فقط واجباتك الاجتماعية، إنما الروحية أيضًا؟ ماذا عن وصايا الله التي قال عنها: "وقُصَّها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك" (تث 6: 7).
ونحن نتدرج هنا إلى العمل الذي أعطانا الرب إياه في محيط الخدمة، نتذكر بعض التفاصيل التي قالها السيد المسيح في العمل الذي أكمله. قال:
أنا قد أظهرت اسمك
"أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني من العالم. كانوا لك وأعطيتهم لي وقد حفظوا كلامك" (يو 17: 6). ما أكثر من كلمهم السيد المسيح عن الآب السماوي، وعن رعايته ومحبته. فكلمة الآب مكررة كثيرًا جدًا على فمه في الأناجيل:
فهل أنت أيضًا أظهرت اسم الله للناس؟ أم أنك تستحي أحيانًا من ذكر اسمه، وتختفي عند ذكر اسمه؟! بعكس داود النبي الذي قال: "أتكلم بشهاداتك قدام ملوك ولا أخزى" (مز119: 46).
أنا فخور بك يا رب، اسمك هو تلاوتي، هو لهجي، هو أنشودتي الحلوة: "باسمك أرفع يدي ، كما من شحم ودسم" (مز 63: 4، 5).
اسمك يا رب هو مركز حديثي المفضل مع الناس، أجد لذة في أن أحدثهم عنك. كلما أقابلهم، كلما أزورهم، يكون اسمك على لساني باستمرار معهم: "محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي" (مز119: 97). أنا أظهرت اسمك للناس، لأني أحبك وأحبهم، وأريد لهم أن يحبوك.
كثيرون إذا تزاوروا يتحدثون في موضوعات عديدة جدًا من شئون المجتمع ومشاكله. والوحيد الذي لا يتحدثون عنه هو الله..! ليت الناس يذكرون أو يتذكرون اسم الله في مشاكلهم، فيحل الله لهم تلك المشاكل.
مثال داود النبي في قصة جليات الجبار
كان كل الناس يتحدثون عن ذلك "الرجل الصاعد" وجبروته، وطوله وعرضه وسلاحه، وتهديداته وخوف الجيش منه، ووعود الملك شاول بمكافأة لمن يقتله (1صم 17: 25).. أما اسم الله فلم يذكره أحد!! ثم جاء الصبي داود، فأظهر اسم الله للناس ولجليات، بطريقة مملوءة بالإيمان فقال: "من هو هذا الفلسطينى الأغلف حتى يعير صفوف الله الحي؟!" (1صم 17: 26)، ولما أظهر له الملك شاول صعوبة محاربته بقوله: "لأنك غلام وهو رجل حرب منذ صباه" (1صم17: 33)، حكى قصة معونة الله له، لما هاجمه أسد ودب أثناء رعيته للغنم. وقال: "الرب الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب، هو ينقذني" (1صم 17: 37) وسار إلى جليات وقال له: "أنت تأتي إليَّ بسيف وبرمح وبترس. وأنا آتي إليك باسم رب الجنود.. هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك.. فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله" (1صم17: 45، 46).. وكرر اسم الرب فقال: "وتعلم هذه الجماعة كلها: أنه ليس بسيف ولا برمح يخلص الرب لأن الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا" (1صم17: 47). وهكذا أظهر داود اسم الرب. وباسم الرب قد غلب، لأن الحرب للرب.
ومن أهمية اسم الرب، أننا نجعله في مقدمة طلباتنا في الصلاة الربية. وهكذا علمنا الرب أن تكون أول طلبة لنا في الصلاة، هي "ليتقدس اسمك".
وكيف نقدس اسمه؟
بأن نظهره للناس في علوه وسموه، في أزليته وعدم محدوديته، في قداسته وكماله وقدرته، في أعاجيبه ومعجزاته، في حبه لنا وفي رعايته.. هذا الاسم الحلو الذي نقول عنه في تسابيحنا: اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك.
كما قال عنه المرتل في المزمور: "محبوبٌ هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي" (مز 119: 97). ولكن ليس الأمر هو مجرد إظهار اسم الله للناس، وإنما هناك ملاحظة مهمة وهي: تُظهر اسم الله للناس، بطريقة تجعلهم يحبونه. وتجعلهم يحبون طرقه ويتبعونه ويحفظون وصاياه.. وهكذا قال الرب: "وعرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم" (يو17: 26).. وقال: "أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني.. وقد حفظوا كلامك" (يو 17: 6).
الذين أعطيتني
فمن هم أولئك الذين أعطيتني؟ كل إنسان دفعته إلى طريقي، قد أظهرت اسمك له.. كل من سمحت لي أن أتقابل معه، أو يأتي إليَّ ليس فقط الاثنى عشر، خاصتي الذين أحببتهم حتى المنتهى (يو 13: 1)، وإنما أيضًا الجموع التي على الجبل، والجماهير المزدحمة، وزكا العشار الصاعد على الشجرة (لو 19: 4)، ونيقوديموس الخائف من اليهود (يو3: 1-2)، ومرثا المهتمة بأمور كثيرة بينما الحاجة إلى واحد، هو أنت (لو 10: 41).
هو درس إذًا لكل خادم، أن يظهر اسم الرب للناس، كل الناس.. ليس فقط في أورشليم وكل اليهودية، وإنما أيضًا في السامرة وإلى أقصى الأرض (أع 1: 8). وقال لبولس الرسول: "اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيدًا" (أع 22: 21).. وكما شهدت بما لي في أورشليم، هكذا ينبغي أن تشهد في رومية أيضًا (أع 23: 11).
عملك هو أن تُظهر اسم الله للناس. ولكن احترس.. ومن أي شيء تحترس؟ احترس لئلا أعمالك تجعل الناس تُجدَّف على الاسم الحسن الذي تظهره لهم!! فتظهر اسم الله لهم، وأنت بعيد كل البعد عنه!! كما يقول القديس بولس موبخًا أهل رومية: "لأن اسم الله يجدَّف عليه بسببكم بين الأمم" (رو 2: 24).
ينبغي إذًا أن حياتك العملية هي التي تظهر اسم الله، وليس مجرد كلامك، لأن الناس لا يتأثرون بكلام لا تسنده حياة مرتبطة بالله. وعن هذا قال القديس يوحنا الرسول: "بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس" (1يو 3: 10).
هنا وأسأل سؤالًا صريحًا:
كم شخصًا عرف اسم الله عن طريقك؟
ما حصادك من الناس الذين عرفتهم اسمه، والذين قدتهم في طرقه؟ وحينما يذكرون أي لقاء لهم معك، يذكرون اسم الله الذي كان موضوع اللقاء.. وبخاصة أولئك الذين لم تكن لهم صلة مع الله من قبل، الذين قال عنهم المزمور: "لم يسبقوا أن يجعلوا الله أمامهم" (مز 54: 3).
هوذا الرب يقول: "أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني" (يو 17: 6). ويقول معها أيضًا: "كنت أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني. حفظتهم ولم يهلك منهم أحد" (يو 17: 12). إذًا الأمر لا يقتصر فقط على أن تظهر اسم الله للناس، وإنما أيضًا أن تحفظهم في اسمه.. أي تُتابع عمل الله في حياتهم: "ليكون فيهم الحب الذي أحبك به، ولكي لا يهلك منهم أحد" (يو17).
كان السيد المسيح يظهر اسم الله للناس، وكان يحفظهم في اسمه. وكان أيضًا يطلب من أجلهم فيقول: "أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن" (يو 17: 11). احفظهم داخل هذا الاسم، فلا يخرجون منه.. كما سبق وقال عن خرافه: "وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدي.. ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي" (يو10: 28، 29). هل أنت تفعل كذلك من أجل الذين قد أعطاك الرب إياهم؟ هل تصلي من أجلهم؟ وهل تقدم من أجلهم محرقات، كما كان يفعل أيوب الصديق كل الأيام من أجل أولاده؟ (أي 1: 5).. يا أخي افعل هكذا فتحيا.
هؤلاء الذين أعطاك الرب إياهم هم أولاده.. إنهم له.
يقول السيد المسيح في ذلك: "كانوا لك وأعطيتهم لي وقد حفظوا كلامك" (يو17: 6).. ومن جهتك أنت، احفظ هذه العطية.. إنهم له وهم أمانة في عنقك؛ لذلك احفظهم في اسمه. من هم؟ إنهم ليسوا فقط أهل بيتك.. إنما قد أعطاك الرب أيضًا أصدقاء، وزملاء، ومعارف، وجيرانًا، وكثيرين غيرهم. هل تحرجت من أن تذكر اسم الرب لهم؟! وأي حرج في هذا؟! هل رأيت أن اسم الرب قد يكدر الذين يحبون أن يحيوا في لهو وعبث؟ كلا، إنه فقط يوقظهم.
عملك هو أن تلقي بذارك على الأرض. على كل أرض حتى على الأرض التي فيها أشواك، أو التي لا عمق لها (مت 13: 3-9).. ما أدراك: ربما تصادف بذارك أرضًا جيدة، فتعطي ثمرًا، ضع أمامك باستمرار قول الرب: "أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني" (يو17: 6). "عرفتهم اسمك، وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم" (يو17: 26). وليكن الرب معك: في كلامك وفي خدمتك، وفي كل البذار التي تلقيها على الأرض. وليقل لك: "مباركة تكون.. ثمرة أرضك" (تث 28: 4).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 11 مارس 2007م
أنا مجدتك على الأرض
أنا مجدتك على الأرض[1]
هوذا السيد المسيح يقدم تقريرًا عن خدمته لله الآب، في نهاية فترة تجسده على الأرض. فيقول له: "أنا مجدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" (يو 17: 4).
هنا السيد المسيح يمجد الآب، ليس بالكلام، وإنما بالعمل: إنه يعطينا مثالًا أن هذا التمجيد لا يكون باللسان، إنما بالعمل. كما قال: "طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمِّم عمله" (يو 4: 34).. وكرر هذا الكلام مرارًا، كما في (يو 6: 39).. وهنا نراه يقول: "العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" (يو 17: 4). وهنا نسأل من الناحية اللاهوتية:
ما معنى أن شخصًا يُمجد الله؟
بديهي أنك حين تمجد الله، لا تمنحه مجدًا.. لا تعطيه مجدًا؛ لأن الله لا ينقصه مجد. وهو ليس محتاجًا إلى مجد يأخذه منك. والسيد المسيح نفسه قد قال: "مجدًا من الناس لست أقبل" (يو 5: 41). يذكرني هذا بقول البعض إن الله قد خلق البشر لكي يمجدوه!! كلا بلا شك، فالله ليس محتاجًا إلى مجد يناله من البشر.. وقبل أن يخلق البشر كان ممجدًا من ملائكته.. وقبل أن يخلق الملائكة كان ممجدًا. وكيف؟
الله ممجد من صفاته اللاهوتية
ممجد في أزليته، ممجد في قدرته على كل شيء، ممجد في عدم محدوديته إذ لا يحده مكان ولا زمان، ممجد في عظمته، في جماله الذي لا يوصف، في قداسته، في حكمته، في معرفته التي لا تُحد في قدرته على الخلق.. وباختصار: مجد الله في لاهوته.
إذًا فما معنى عبارة "أنا مجدتك على الأرض"؟
معناها: أظهرت مجدك للناس، أعلنته لهم عرفت الناس بمجدك. وليس معناها منحه مجدًا ليس له.. أقول صراحة: إن لم يكن مجد الشخص في ذاته، فالمجد الذي يمنحه الآخرون له من الخارج، ليس شيئًا.
صدق المرتل في المزمور حينما قال: "كل مجد ابنة الملك من داخل" (مز 45: 13)، مع أنها مشتملة بأطراف موشاة بالذهب، ومزينة بأنواع كثيرة.
وهنا نسأل كمثال: ما معنى أن إنسانًا ينال شهادة علمية؟ هل معنى هذا أن الكلية أو الجامعة قد منحته شيئًا ليس له، أم أنها شهدت بمستواه العلمي، سواء كان بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراه؟ لذلك سميت شهادة.. شهادة علمية، أي شهادة بما له من علم.
إن كان هذا مع البشر، فلماذا نقول إذًا عن الله تبارك اسمه. نمجده، أي نعترف بمجده. ولعل هذا أيضًا كان المقصود من قول اليهود للرجل المولود أعمى: "أعطِ مجدًا لله" (يو 9: 24).. أي اعترف بمجد الله ولا تنكره، ولا تجدَّف عليه.. وبالمثل حينما نقول في المزمور: "ليس لنا يا رب ليس لنا لكن لاسمك أعطِ مجدًا" (مز 115: 1) أي أظهر مجدك للناس. ويظهر هذا المعنى واضحًا في المزمور: "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1).. طريقة تمجيدها لله، أنها تحدث بمجده، تعلنه، تخبر بعمل يديه. وهكذا نحن حينما نمجد الله، إنما نخبر بمجده، نعلنه، نظهره للناس، نتحدث عنه.
وبهذا المعنى نفهم قول السيد المسيح لله الآب: "أنا مجدتك على الأرض" (يو17: 4).. أي أظهرت مجدك.. حدثت الناس عنك عرفتهم به لذلك يقول: "أنا أظهرت اسمك للناس الذين أعطيتني من العالم" (يو 17: 6).
أظهرت لهم اسمًا جديدًا لك: إنك الآب.. أنت أبوهم السماوي الذي تحبهم...
ما كانوا يعرفونك من قبل كما عرفتهم، ربما كانت علاقتهم بك علاقة خوف، منذ أن اختبأ أبوهم آدم منك، وقال: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت" (تك 3: 10).. أما أنا فعرفتهم اسمك "الله محبة" (1يو 4: 8 و16).. عرفتهم أنك أبوهم، وأنك تسكن فيهم بروحك القدوس. "عرفتهم اسمك، وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم" (يو17: 26).
نعم، هكذا مجد المسيح الله الآب، إذ عرف الناس به، إذ لم يكونوا يعرفونه المعرفة الحقيقية، ولذلك قال: "أيها الآب البار إن العالم لم يعرفك. أما أنا فعرفتك" (يو17: 25). وتمجيدي لك، هو أن أعرفهم بك، أجعلهم يعرفونك: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك" (يو 17: 3).
وهذه هي رسالتك يا أخي الخادم، أن تجعل تلاميذك وكل من حولك يعرفون الله...
ليس الله فقط الذي في الكتب، إنما الله الذي في الحياة، الله الذي فيهم: الله الذي معهم، وهم لا يرونه، ولا يدركون وجوده.. وكما قال له القديس أغسطينوس: "كنت معي. ولكني من فرط شقاوتي لم أكن معك". الله الذي قيل عنه في إنجيل يوحنا: "النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه" (يو 1: 5)..هذا الذي بشر به المعمدان قائلًا: "في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه"(يو1: 26).
هكذا نمجد الله، أي نجعل الناس يعرفونه، فيحبونه وهذا ما فعله المسيح فقال: "عرفتهم اسمك، وسأعرفهم" (يو 17: 26).
أنت الآب المحب، الذي تعلم ما يحتاجونه، فتعطيهم دون أن يطلبوه "أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها... وهذه كلها تزداد لكم" (مت 6: 32، 33).. أنت الآب السماوي، الذي كتبت على باب سمائك: "اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم" (مت 7: 7).
أنت الذي تهتم بطيور السماء فتقوتها، دون أن تزرع أو تحصد أو تجمع إلى مخازن.. وأنت الذي تهتم بزنابق الحقل، وتلبسها من الجمال ما لم يكن يلبسه سليمان في كل مجده (مت 6: 26-29).
أنت الآب السماوي الذي هكذا أحب العالم "حتى بذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).
أنا أعرف يا أخي الخادم أنك تُعرف الناس بالله.. ولكن من الله الذي تعرفهم إياه؟ هو الصورة التي في ذهنك بلا شك.. ليتها تكون صورة حقيقية. لأنك لو أعطيتهم صورة خاطئة عن الله، فلا تكون خدمتك تمجد الله.
إذًا لا بد أن تعرفه لكي تُعرف الناس به...
وهكذا قال السيد المسيح: "أما أنا فعرفتك.. وعرفتهم اسمك" (يو17: 25-26).. فهل أنت يا أخي قد عرفته؟
ما أكثر الخدام الذين لم يعرفوا الله بعد.. ومع ذلك يحاولون أن يعرفوا الناس به. فهل أنت قد عرفت الله، قبل أن تُعرف الناس به؟ هل عرفته المعرفة الحقيقية العميقة التي جعلتك تحبه، وتثبت فيه؟ هل قلت مع القديس بولس الرسول: "ما كان لي ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي" (في 3: 7، 8).. نعم هل عرفت الرب هذه المعرفة الاختبارية القلبية؟ وهل المعرفة التي تعطيها للناس عنه، هي معرفة تقودهم إلى محبته؟ أم هي مجرد معرفة تقف عند حدود الذهن، ولا تتخطاه إلى القلب، وإلى الحياة مع الله؟
إن كان الأمر هكذا، فاعرف أن الخدمة ليست مجرد معرفة. والمعرفة وحدها لا تمجد الله.. انظر ماذا يقول الرب للآب: "عرفتهم اسمك وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم" (يو17: 26). بهذا الحب، يدخلون إلى ملكوت الله، إذ يملك الله على قلوبهم ويتمجد فيهم:
بالحب يحيون مع الله، وتظهر حياتهم إنها عمل الله ويرى الناس أعمالهم الحسنة، فيمجدون أباهم الذي في السموات (مت 5: 16).
فهل أنت هكذا في حياتك وفي خدمتك؟ هل يتمجد الله في حياتك؟ وهل يتمجد الله في خدمتك؟
هل الله هو مركز الخدمة التي تخدمها، في كل ما تعمله وفي كل ما تقوله، تُظهر اسمه للناس، وتربطهم بمحبته، وتجعلهم يشتاقون إليه ويسعدون بعشرته؟
أما أن خدمتك منفصلة عن الله. مجرد معلومات ومعرفة، أو مجرد أنشطة واجتماعات! ولقاءات وثقافة ودراسة، تسميها خدمة! وهؤلاء الذين تخدمهم، لا يكون فيهم الحب الذي أحبك به وأحبهم!! هل تستطيع في كل هذا، أن تقول له مع المسيح: "أنا مجدتك على الأرض"؟!
اسأل نفسك: في أي شيء تمجد الله بك؟ هل انتشر ملكوت الله عن طريقك؟ هل عرف الناس الله؟ وهل أحبوه وثبتوا فيه، بواسطتك؟ هل كنت الإناء الذي يعمل به الله، والفم الذي يتكلم به روح الله؟ وهنا نسأل:
كيف أمكن للمسيح أن يمجد الآب؟
قلنا إنه عرّف الناس به وجعلهم يحبونه.. وماذا أيضًا؟ لقد قدم للناس صورة الله الجميلة؛ إذ هو "صورة الله غير المنظور" (كو15:1).. "بهاء مجده ورسم جوهره" (عب3:1) "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر" (يو18:1).
وهكذا رأوا كل القداسة فيه؛ بل رأوا الله الآب، وقال لهم بكل وضوح: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو14: 9). نعم، رأوا فيه صورة الله الجميلة بكل ما فيها من كمال، ومن ثم أحبوا الله فيه، أحبوا هذا القدوس الذي "انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب7: 26).. أحبوا هذا الذي تحدى أعداءه قائلًا: "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46).
فهل حياتك هي صورة الله؟ يتمجد الله بها.
هل يتمجد الله بحياتك، كما يتمجد بكلامك؟ أم أنك سبب عثرة للآخرين، وبسببك يجدف الناس على اسم الله.. كما قال بولس لأهل رومية: "لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم" (رو 2: 24).
ما أجمل أن يكون أولاد الله سببًا لتمجيد اسمه القدوس، بحياتهم المثالية التي يعجب بها الناس، فيعطون للكل صورة جميلة عن تعاليم دينهم وسموها.
إن السيد المسيح مجَّد الآب بهذه الصورة الجميلة التي قدمها للناس. وماذا أيضًا؟ كما مجد الآب بكرازته، مجده أيضًا بمعجزاته.
أظهر لهم قوة الله، إذ هو نفسه "قوة الله وحكمة الله" (1كو 1: 24).. أراهم الله القادر على كل شيء، الذي عمل أعمالًا لم يعملها أحد من قبل (يو 15: 24)، ونسب هذه الأعمال إلى الآب، فقال: "الآب الحال فيَّ، هو يعمل الأعمال" (يو14: 10)، وقال: "الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها" (يو 5: 36). وبأعماله أظهر للناس قدرة الآب، فتمجد الآب فيه.
لست أطالبك بأن تكون هكذا، صانع معجزات كالمسيح.. فليس الجميع أصحاب قوات (1كو 12: 29).. ولكنني ببساطة أقول إن الخادم صاحب الصلاة المستجابة، يتمجد الله به.. بماذا يمكن أن يتمجد الآب أيضًا:
إن السيد المسيح مجد الآب على الصليب
حينما دفع ثمن العدل الإلهي، وصار ذبيحة خطية كما صار محرقة وفصحًا، وذلك حينما قدم أمجد صورة للحب وللبذل والفداء: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).
وكما تمجد الآب على الصليب، تمجد الابن أيضًا، وأرانا أن الألم هو الطريق إلى المجد. وهكذا قال الرسول: "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17).
السيد المسيح تمجد بالألم. وأمجد صورة له هي صورته وهو على الصليب.. هي صورة الحب، في عمق مجده.. أحبها القديس بولس الرسول فقال: "مع المسيح صلبت. فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غل 2: 20).
المسيح مجد الآب على الصليب بالطاعة: "أطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 8).. ونحن أيضًا نستطيع أن نمجد الآب بالطاعة، وبالحب والبذل، كصورة المسيح على الصليب. نمجده بالخدمة وبناء ملكوته، وتعريف الناس به وجذبهم إلى محبته، وتقديم صورته للناس عمليًا.
ولكن أسوأ ما في الخدمة، أن الخادم يحاول أن يمجد نفسه وليس الله! وهنا لا نسمي الخدمة بهذا الوضع خدمة حقيقية، لأن الله لم يعد هو الهدف، بل حلت محله الذات!!
وبذلك أصبح الخادم يسعى إلى أن يظهر ويكبر، ويتمجد من الآخرين، ولا يكون آخر الكل وخادمًا للكل وعبدًا للكل كما قال المسيح (مر 9: 35). والسيد المسيح نفسه "لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28).
يوحنا المعمدان أعطانا مثالًا نبيلًا عن كيف تختفي الذات ليكون المجد لله وحده، فقال: "ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص" (يو 3: 30). وقال القديس بولس الرسول: "ليكون فضل القوة لله لا منَّا" (2كو 4: 7).
والقديس بطرس الرسول لما شفى الرجل الأعرج على باب الهيكل: الجميل، وتراكض الناس متعجبين، حول أنظارهم إلى المسيح وقال: "كأننا بقوتنا أو بتقوانا جعلنا هذا يمشي" (أع 3: 12).
وعكس ذلك هيرودس الملك حيث قبل كلمات المديح ولم يعطِ مجدًا لله، ضربه ملاك الرب فصار يأكله الدود ومات (أع 12: 21-23).
أخيرًا، أقول كلمة ختامية وهي: إننا إن مجدنا الله على الأرض، يمجدنا الله في السماء، وهنا أيضًا: "لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم... هؤلاء مجدهم أيضًا" (رو8: 29، 30).. "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17). وقد "دعانا إلى مجده الأبدي" (1بط 5: 10)، لنكون شركاء المجد العتيد أن يعلن. وننال إكليل المجد الذي لا يبلى (1بط 5: 1، 4). هذا المجد الذي أراده لنا "وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد" (عب 2: 10). نعم، ما أكثر ما أعطانا الله من مجد، ويعطينا.. فهل نحن نمجد الله على الأرض، وهو الذي مجدنا نحن التراب والرماد، وخلقنا على صورته ومثاله، وجعلنا هياكل لروحه القدوس، ووهبنا مواهب الروح!!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، 18 مارس 2007م
لقاءات رعوية عابرة في الطريق
لقاءات رعوية عابرة في الطريق[1]
هناك خدمات مركزة في دور العبادة. من أمثلتها خدمة السيد المسيح في بعض مجامع اليهود. مثلما قيل إنه في كفر ناحوم: "دخل المجمع في السبت وصار يعلم" (مر1: 21). وقيل: "ولما جاء إلى وطنه، كان يعلمهم في مجمعهم حتى بهتوا" (مت 13: 54) وقيل أيضًا: "وجاء إلى الناصرة.. ودخل المجمع حسب عادته وقام ليقرأ" (لو 4: 16) "وكان يعلم في مجامعهم ممجدًا من الجميع" (لو4: 15).
ومن الخدمات وسط الجموع
عظة السيد الرب على الجبل (مت5- 7)، وتعليمه للشعب حتى الغروب في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال (لو9: 11-17). كذلك مثل عظته في البيت الذي نقبوا سقفه ودلوا المفلوج (مر2: 3-12) أو عظته للجموع من السفينة (مر3: 7، 9).. وعلى الرغم من خدمة الجموع كانت له خدمات عابرة في الطريق.
في الطريق
يمكن أن تسميها خدمة (على الماشي) أي فيما يمشي الشخص يقوم بخدمة، غير مقتصر على الخدمات الرسمية أو التي تكون داخل الكنيسة.
وإنما هي خدمة عابرة، مع أي شخص، في أي مكان. "جال يصنع خيرًا" (أع10: 38). كما قيل إنه كان "يطوف كل الجليل، يعلَّم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرضٍ وكل ضعفٍ في الشعبِ" (مت 4: 23).
كان يقوم بعمل الرعاية أحيانًا في البيوت
في بيت بطرس حيث شفى حماته (مت 8: 14، 15) في بيت يايرس، حيث أقام ابنته من الموت (لو8: 51- 55). كذلك دخل بيوتًا كثيرة، مثل بيت سمعان الفريسي الذي منح فيه المغفرة لامرأة خاطئة، وقدم تعليمًا لسمعان (لو7: 36- 48). ومثلما دخل بيت مريم ومرثا واستمعت مريم لتعليمه، وقدم نصيحة لمرثا (لو 10: 38- 42). كذلك دخل بيت لاوي (متى) العشار، حيث اجتمع هناك كثيرون من العشارين والخطاة، فاجتذبهم إلى التوبة (مر2: 14- 17).
وكان يمشي في الطريق، فيقوم بعمل محبة للناس
ففي الطريق، عند بركة بيت حسدَا، رأى مريضًا منذ ثمانٍ وثلاثين سنة مضطجعًا. فتحنن عليه وشفاه.. ولما رآه بعد ذلك في الهيكل، قال له: "ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضًا، لئلا يكون لك أشر" (يو5: 5-14).
وفي الطريق أيضًا "وفيما هو مجتاز، رأى إنسانًا أعمى منذ ولادته" (يو 9: 1). فتحنن عليه ومنحه البصر. ولما سمع أن اليهود أخرجوه خارج المجمع، وجده ودعاه إلى الإيمان فآمن وسجد له (يو9: 35- 38).
في الطريق أيضًا، في أريحا، على الرغم من زحام الجمع، تطلع فرأى زكا العشار وكان رجلًا قصير القامة، صعد إلى جميزة ليراه، فقال له: "أسرع وانزل، لأنه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك" (لو19: 5). ولم يبالِ بتذمر الجميع قائلين: إنه دخل ليبيت عند رجل خاطئ! واستطاع أن يقتاد زكا إلى التوبة. وقال: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم" (لو19: 9).
أريدكم أن تتعلموا هذه الخدمة العابرة، كل إنسان يلقيه الله في طريقك، قم بعمل من جهته. ولا تقتصر على مجرد خدمتك الرسمية في الكنيسة.
لا تقل أنا مسئوليتي هي خدمة فصل مدارس الأحد، أو خدمة اجتماعية أقوم بها نحو إخوة الرب، أو خدمة في جمعية خيرية، أو عضوية في مجلس كنيسة. وتظهر أنه لا شأن لك بتلك الخدمة العابرة!! كلا، إنها من عملك.
ومن الخدمات العابرة للسيد، هداية المرأة السامرية
كان سائرًا في الطريق. مرّ في طريقه على قرية سامرية اسمها "سوخار". كان قد تعب من المشي، فاستراح عند البئر (بئر يعقوب). "وكان نحو الساعة السادسة" (يو4: 6). وجاءت امرأة سامرية لتستقي ماء. وكانت امرأة خاطئة، عاشت مع خمسة أزواج، والذي معها وقتذاك لم يكن رجلها، ووجدها الرب فرصة سانحة لهداية تلك المرأة. إنه لقاء عابر، ولكنه أيضًا فرصة لعمل روحي. وبدأ معها الحديث، وطلب منها ماء ليشرب. وحدثّها عن الماء الحيّ. واستدرجها في الاعتراف، وحل لها مشاكل عقائدية كانت أمامها في العلاقة بين اليهود والسامريين، وقادها إلى الإيمان. فتركت جرتها وذهبت لتبشر أهل القرية.. وذهب السيد فالتقى بهم، فآمنوا جميعهم أنّ "هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم" (يو4: 42). هذه النتيجة الرائعة كانت في استخدام لقاء عابر لعمل روحيّ.
بل في لقاءات عابرة أيضًا، دعا بعض رسله القديسين
فيما كان "ماشيًا عند بحر الجليل" (مت4: 18)، أبصر أخوين هما سمعان وأندراوس يصيدان. فقال لهما: "هلم ورائي فأجعلكما صيّادي الناس". كذلك مر عليهما من قبل، وقد تعبا الليل كله ولم يصطادا شيئًا، فنصحهما بإلقاء شباكهما في العمق "أمسكوا سمكًا كثيرًا جدًا" (لو5: 6) فتركا كل شيء وتبعاه.. وقصة مماثلة مع يوحنا وأخيه يعقوب (مر1: 19: 20) كل ذلك في لقاءات عابرة.
نفس الوضع تقريبًا مع متى العشار "فيما هو مجتاز.. رأى إنسانًا جالسًا عند مكان الجباية اسمه متى، فقال له اتبعني، فقام وتبعه" (مت9: 9).
بنفس الأسلوب دعا بولس الرسول (شاول الطرسوسي).
قابله في الطريق إلى دمشق، بنور عظيم. وعاتبه قائلًا: "شاول شاول، لماذا تضطهدني؟! صعب عليك أن ترفس مناخس" (أع 9: 4، 5). ودعاه لأن يكون إناءً مختارًا ورسولًا للأمم..
ونفس الأسلوب أيضًا في العهد القديم، مع موسى النبي
قابله الرب في الطريق، وهو يرعى الغنم عند جبل حوريب (خر3: 1-10). لفت نظره بعليقة تشتعل بالنار وهي لا تحترق. فلما مال ليراها، ناداه قائلًا: "اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة" (خر3: 5) ثم قال له: "أنا إله أبيك. إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" (خر3: 6).
خدمات أخرى في الطريق
أسلوب السيد الرب اتبعه بعض الملائكة أيضًا... حدث أن السارافيم كانوا يسبحون حول عرش الله قائلين: "قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملأ كل الأرض". فتأثر إشعياء من هذا المنظر المهيب وقال: "ويل لي، إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين". فلم يحتمل واحد من السارافيم أن يقول هذا الآدمي: "ويل لي قد هلكت". فطار وبيده جمرة أخذها من على المذبح ومسّ بها فم إشعياء وقال له: "إن هذه قد مست شفتيك، فانتزع إثمك، وكفر عن خطيتك" (إش6: 1- 7).
لقاء عابر، لم يقل فيه هذا الساراف: ما شأني؟! وما مسئوليتي؟! وإنما تحركت عاطفته، فقام بخدمة روحية عجيبة لإشعياء.
إنها خدمة في الطريق، على الماشي، طمأنت إنسانًا على مصيره، وجعلته هو أيضًا يتقدم إلى دعوة الخدمة. فلما قال الرب: مَن أُرسل؟ ومَن يذهب من أجلنا؟ قال إشعياء على الفور: "هأنذا أرسلني". فأرسله.
وهكذا رأينا ثلاثة مواقف، أو لقاءات، لها خطورتها، تمت على يديّ الله، وواحد من السارافيم، وإشعياء. وكلها في الطريق.
مثال آخر امتدحه الرب، وهو السامري الصالح
هذا كان مسافرًا. وفي طريقه رأى إنسانًا جريحًا ملقى بين الحياة والموت.. فتحنن عليه، وضمد جراحاته، وأركبه على دابته، وأوصله إلى فندق للعناية به على نفقته (لو10: 30- 35). بينما عَبرّ من قبل كاهن ولاوي، وجازا مقابله! لم يقل هذا السامري: ما شأني به، وأنا غريب بالنسبة إليه، ولا تعامل بين اليهود والسامريين (يو4: 9). لكنه تحنن عليه، وأنقذ حياته. وأنت أيها القارئ العزيز كم إنسانًا ألقاه الله في طريقك، وانتظر منك أن تقوم له بخدمة كهذه الخدمة العابرة العميقة في دلالتها؟
أتراك تعقد الأمور، بأنك لم تتلقَ دعوة إلهية، لكي تحثك على عمل الخير؟! وأي دعوة تلقاها هذا السامري الصالح؟!
أم أن كثيرين أرسلهم الله إلى طريقك. وكنت تتركهم في لا مبالاة وتجوز مقابلهم كما فعل الكاهن وكما فعل اللاوي مع ذلك الإنسان الجريح!! (لو10: 31، 32).
كم صديق لك، وكم جار، وكم قريب أو نسيب، وكم زميل لك في العمل، مرّت سنوات طويلة على علاقتك بهم، ولم تحدثهم في يوم ما عن الله، وعن أي موضوع روحي!! ولو في حديث عابر.
يا ليت كلًا منا يوبخه ضميره من جهة الذين ألقاهم الله في طريقه، ولم يقم لهم بالخدمة العابرة، خدمة الطريق.
والأسوأ من هذا، أننا بدلًا من خدمة هؤلاء، ننتقدهم!
وهذا هو الذي حدث في قصة الفريسي والعشار (لو18).
هذا الفريسي المدقق جدًا في حفظ الناموس، لم يؤدِّ أي خدمة روحية ينتفع بها العشار. واكتفى بأن يدينه في صلاته قائلًا: أشكرك يا رب أنني لست مثل سائر الناس الخاطفين الظالمين الزناة، ولا مثل هذا العشار.
عكس هذا السيد المسيح الذي جعل من متى العشار رسولًا، وبحبه قاد زكا العشار إلى التوبة، وحصل خلاص لذلك البيت.
من الخدمات العابرة العميقة، قصة فيلبس مع الخصيّ الحبشيّ
كان هذا الخصيُّ راجعًا من أورشليم، وجالسًا في مركبته يقرأ النبي إشعياء. وبإرشاد إلهي قام فيلبس ورافق مركبة الخصيّ، ثم سأله هل يفهم ما يقرأ، وعمن يتحدث إشعياء.. وانتهى الأمر بأن هداه إلى الإيمان المسيحي. وطلب ذلك الخصيّ أن يعتمد. وعمّده فيلبس. ومضى الخصيّ في طريقه فرحًا، بينما خطف روح الرب فيلبس، فوجد في أشدود (أع8: 27-40). إنه لقاء عابر في الطريق كان له تأثيره العميق في خلاص النفس.
بالإضافة إلى الكرازة الجماعية للآباء الرسل القديسين، كانت لهم أيضًا خدمات عابرة ذات تأثير واسع عجيب. ومن أمثلتها:
- شفاء المتسول الأعرج عند باب الجميل (أع3). كثيرون قدموا له إحسانًا، مالًا. أما بطرس الرسول فقدم له شفاء وإيمانًا ومع أنه كان حادثًا عابرًا، إلاّ أن تأثيره كان أوسع بكثير.
- شفاء إينياس المفلوج وتأثيره في إيمان كثيرين (أع9: 32- 35).
- إقامة طابيثا في يافا، وإيمان كثيرين بسببها (أع9: 36- 42).
- تعميد كرنيليوس في قيصرية (أع 10) وأثر ذلك.
- إيمان سجان فيلبي، وتعميده هو وكل أهل بيته. كلها أعمال تبدو فردية، وحدثت بلقاءات عابرة. وكان لها أثرها.
اللقاءات العابرة في حياتك
الإنسان الروحي لا يتمسك بالرسميات، ولا يحتج بها. إنما يؤدي خدمة في أي مناسبة، كلما فتح له الله بابًا.
للأسف فإن البعض يعتذر عن العمل بحجة الاتضاع، والبعض بحجة الدعوة، والبعض يكتفي بمجرد اختصاصاته الرسمية في الكنيسة، ويقول إنه: "لا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي" (رو12: 3).
أما صاحب الضمير الحساس، فيتحرك قلبه من الداخل...
يتحرك بالشفقة على الآخرين، والغيرة المقدسة على خلاصهم. ويلتهب قلبه بالنار في محيط الخدمة، ولا يحاول أن يقدم اعتذارات.. ولا تخوفًا من عدم قدرته، ومن عدم جدوى الخدمة. يضع أمامه مثل الزارع الذي ألقى بذاره هنا وهناك. ولم يكتفِ بالأرض الجيدة التي تنبت ثلاثين وستين ومائة. بل ألقى البذار حتى على الأرض المحجرة، والتي لا عمق لها، وعلى الأرض المليئة بالأشواك. عمله أن يبذر، ويترك الباقي لنعمة الله العاملة.
وصاحب الضمير الحساس يضع أمامه قول الكتاب: "من يعرف أن يعمل حسنًا ولا يعمل، فذلك خطية له" (يع 4: 17).
يضع أمامه أيضًا قول السيد المسيح لتلاميذه: "أقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم" (يو15: 16). "بهذا يتمجد أبي، أن تأتوا بثمر كثير، فتكونون تلاميذي" (يو15: 8).
يا أخي، هل أنت شجرة مثمرة في مكلوت الله؟
آباؤنا بدأوا من الصفر، وبدون إمكانيات، وأوصلوا الإيمان إلينا. هم تعبوا ونحن دخلنا على تعبهم (يو4: 38) ليتنا نكمل رسالتهم.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في مجلة الكرازة، 29 مايو 1998م


