الخدمة الروحية والخادم الروحي (8)

الخدمة الروحية والخادم الروحي
رعاية الشباب1
في اهتمامنا بالشباب، يجب أن تكون رعايتنا له رعاية شاملة: رعاية روحية وثقافية واجتماعية ورياضية، وترفيهية أيضًا…
نتعامل معه غير متجاهلين نفسيته وعقله وطبيعة سنه.
وفي هذا المجال نضع أمامنا النقاط الآتية:
1- ارتفاع المستوى الثقافي الحالي.
نحن الآن في عصر الكمبيوتر والأنترنت، عصر ارتفع فيه المستوى الثقافي والفكري بالنسبة إلى الجيل كله. فلا يجوز أن تكون المناهج التي نقدمها للشباب في مستوى ما كنا نقدمه له قديمًا.
إن كانت الكنيسة لا تعطي الشباب ما يشبعه فكريًا وروحيًا، فإنه سوف لا يحضر إلى الكنيسة بحجة أنه لا يستفيد.
لذلك ينبغي أن نهتم بإعداد خدام الشباب.
فخادم الشباب له مواصفات معينة، منها أن تكون شخصيته جذابة يرى فيها الشباب أمثولة معينة، وأن يكون واسع الاطلاع عميق المعرفة في معلومات كثيرة، وليس في الموضوعات الروحية فقط، وأن يكون قادرًا على إجابة أي سؤال يوجه إليه، بأسلوب مقنع. وأن يكون دارسًا لنفسية الشباب، وعارفًا بمشاكلهم. وأن يكون واسع الصدر لا يضيق بما يصدر أحيانًا عن شبابنا في سن المراهقة. ولا يكون متزمتًا في أفكاره وفي معاملاته وفي فهمه للأمور…
والشباب في سن يناسبه المحاورة وليس التلقين.
التلقين قد يصلح لمرحلة الطفولة، ولو أننا الآن نجد أطفالًا أيضًا يتحاورون، ولا يقبلون كل شيء. فكم بالأولى الشباب…
الشباب يريد أن يقتنع بالمعلومات المقدمة إليه، حتى لو كانت من البديهيات أو المسلمات في نظر مدرسه. وهو يطابق الدين أحيانًا بما يعرفه من نظريات العلم، وخادم الشباب يلزمه أن يكون دارسًا للعلاقة بين العلم والدين، أو على الأقل يدرس بإتقان ما يُعرض عليه من مشاكل في هذا الشأن.
ونفس الوضع بالنسبة إلى المشاكل العقائدية التي تثيرها الطوائف المسيحية الأخرى، وتحتاج إلى ردود قوية مقنعة، وهنا ينبغي لخادم الشباب أن يكون دارسًا للاهوت المقارن، وللدين المقارن، ويضع أمامه الآية التي تقول: “مستعدين في كل حين لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم” (1بط3: 15). وبهذا يزود تلاميذه من الشباب بفهم عميق، وصمود راسخ أمام جميع الشكوك.
والشباب لا يحب مطلقًا الانغلاقية في التفكير.
بحيث تغلق عليه دائرة أنت مقتنع بها، وهو يريد أن يسأل، لا تستطيع أن تقول له: هذا حرام، وهذا غير مقبول روحيًا، دون أن توضح له لماذا هذا حرام، وهذا غير مقبول. وثق أن الشيء الذي تقنعه به عقليًا، يكون أكثر ثباتًا في عقله وفي قلبه…
خذ مثالًا: موضوع التليفزيون. إن قلت له إنه حرام، سيعرض عليك أنواعًا من برامج لا يمكنك أن تقول عنها إنها حرام، بل لا شك أن فيها فائدة. إذن عليه أن يميز بين ما يفيده من البرامج وما يضره. ثم أن يكون عنده ضبط نفس بحيث يقتصر على ما يفيده، ويبتعد عن الباقي. ثم تأتي مشكلة الوقت. وكم يأخذ التليفزيون من وقته الذي يحتاج إليه في أمور أخرى أكثر فائدة. وحينئذ تبحث معه مسألة التوازن في استخدام الوقت في ما هو أساسي وجوهري له، وما هو مفيد، وما قد يضر… بهذا الأسلوب تكون مقنعًا للشباب، وتكون في نفس الوقت عادلًا ومتفتحًا. ويشعر أنك لا ترغمه على الحياة في دائرة معينة أنت مقتنع بها. كما يشعر بأنك لا تبعده عما يقدمه العالم من علم ومخترعات يمكننا أن نأخذ النافع منها ونترك المضر. وبالمثل يمكن أن تناقش معه أمورًا أخرى مشابهة مثل الإذاعة، وباقي أنواع الفنون والقراءة… وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى وهي: الناحية الثقافية في حياة الشباب.
ماذا أعددناه لثقافة الشباب؟
ينبغي أن تكون في الكنيسة مكتبة فيها من الكتب ما هو مفيد لثقافة الشباب، كما هو مفيد لثقافة الفتى والطفل…
الكنيسة بلا شك تهتم بالثقافة الدينية البحتة من جهة الروحيات ودرس الكتاب المقدس، وكتب التفسير والعقيدة واللاهوت، وتاريخ الكنيسة وسير القديسين، وكتب الطقوس… وما أشبه…
ماذا يمنع أيضًا من وجود كتب أخرى في الثقافة العامة؟
الشاب يريد أن يعرف وأن يقرأ، ولا يُغلق عليه في نطاق الثقافة الدينية وحدها. وإن لم نقدم له ما يمكنه قراءته من الكتب الثقافية الأخرى، فسيذهب إلى قراءتها من مصادر أخرى. وحينئذ سيخرج من ضبط الكنيسة وإشرافها. وعلينا أن نلاحظ أن الإكليريكية الأولى كانت تُدَرَّس فيها علوم الفلسفة والمنطق والطب والموسيقى، إلى جوار العلوم الدينية… فلماذا لا تحتوي مكتباتنا على كتب ثقافية؟
يمكن أن نقدم للشاب ثقافة في كثير من النواحي الطبية، نبدأ بالكتب التي تشرح مضار التدخين والمخدرات، والعادة السرية، وتتحدث عن الأمراض التناسلية، ثم أمراض السمنة والسكر والضغط، مع بعض الكتب الأخرى في الأمراض النفسية والعقلية، وما يتعرض للخوف والقلق، وكذلك كتب في علم النفس والاجتماع.
ما المانع أيضًا من وجود بعض دوائر المعرفة، ومجموعة كتب “المعرفة”
ودوائر المعارف الطبية، ودائرة معارف التكنولوجيا، وكتب “كيف تعمل؟” عن كثير من المخترعات والأجهزة، وكيف تعمل. كلها ثقافة نافعة ومسلية في نفس الوقت. بل إن قراءاته لمثل هذه الكتب تشغل ذهنه، وتمنع عنه الكثير من الأفكار الشريرة.
كذلك كتب عن الآثار وأبطال التاريخ، وعن الرحلات.
سواء الآثار القبطية أو أشهر الآثار في العالم، وكما يدرس الشاب تاريخ الكنيسة وأبطالها، لماذا لا يدرس مشاهير الشخصيات في العالم، وكيف نشأوا ونموا؟ وماذا كانت مميزاتهم وفضائلهم. وماذا كانت نواحي النقص في بعضهم مما أدى إلى سقوطه وضياعه؟
كذلك هناك كتب عن الغرائب والمسليات.
كتب عن الفراشات وأنواعها، وعن السمك الملون، وعن غرائب الحيوان، وعن أنواع الطيور، أو الحشرات. وعن فضائل بعض هذه المخلوقات، مثل الحمام، والجمل، والنحل، والنمل، وغرائب ما يوجد من حيوانات المناطق الحارة جدًا، والمناطق المتجمدة كالقطب…
خلاصة القول إننا نريد تكوين عقلية الشباب وشخصيته، بحيث يمكنه أن يتكلم في أي موضوع بفهم سليم وثقافة شاملة. ولا يجلس في المجتمع خارج الكنيسة، يتكلم كلامًا “كإحدى الجاهلات” (أي2: 10).
معرفة مواهب الشباب وتنميتها:
أحيانًا يعاني الشباب المتدين من مشكلة “وقت الفراغ” لأن شباب العالم يقضي أوقاته في كثير من الملاهي والمتع التي يبعد عنها المتدين من شباب الكنيسة، فيجد نفسه في فراغ يحتاج أن يستفيد منه، بدلًا من أن يكون من دواعي مشاكله، وهنا تأتي مسألة المواهب:
علينا أن نكتشف مواهب الشباب، ونشغلها بما يفيده.
فبعض الشباب تكون لهم مواهب في الموسيقى، أو في الرسم، أو في الشعر، أو في التمثيل، أو في كتابة القصص، ومواهب أخرى…
ونحن لا نستطيع أن نقول للشباب إن الموسيقى حرام، فداود النبي كانت تصحبه جوقة موسيقية كبيرة تعزف مزاميره، وكان منهم آساف وهيمان. وهو في “مز150” يقول: “سبحوا الله. سبحوه برباب وعود، سبحوه بدف ورقص، سبحوه بأوتار ومزمار. سبحوه بصنوج التصويت، سبحوه بصنوج الهتاف…”. وداود نفسه كان يُحسن الضرب على العود، وعلى المزمار والعشرة الأوتار. وكان يعزف لشاول الملك فيهدأ (1صم16: 23).
إذًن لا مانع من أن نُعلم الشباب الموسيقى: أو أن أصحاب المواهب الموسيقية منهم يكونون خورس الكنيسة، وينشدون الترانيم الكنسية، أو بعض الألحان على الآلات الموسيقية في الحفلات وشتى المناسبات، خارج الطقس الكنسي. فنُشبِع بذلك مواهبهم، بدلًا من اتجاههم إلى الخارج!
كذلك أصحاب المواهب في التمثيل:
يمكن أن تتكون منهم فرقة في الكنيسة تقوم بتمثيل بعض الروايات الدينية وما يصلح منها للتصوير، يمكن تصويره على أفلام الفيديو أو أفلام سينمائية. وقد نجحت مثلًا بعض الأفلام الدينية وانتشرت، مثل فيلم مار جرجس، وفيلم الأنبا أنطونيوس، وفيلم الطفل أبانوب، وغيرها…
وبهذه المناسبة أنصح أن تبعد أفلام الاستشهاد عن تصوير أنواع العذابات التي يتعب الأطفال من رؤيتها، بل بعض الكبار أيضًا.
وهذه الأفلام تقدم مجالًا للشابات في تفصيل الملابس المناسبة…
لأن تصوير فيلم تدور أحداثه في القرن الرابع مثلًا، تحتاج إلى دراية بمعرفة الملابس التي كانت تستخدم في ذلك العصر، سواء للملوك أو الفرسان أو عامة الشعب، ويمكن أن تقوم فتيات الكنيسة بتفصيلها وصنعها بدلًا من إنفاق آلاف الجنيهات على شرائها.
وكل ما تتم صناعته من لوازم التمثيل يمكن الاحتفاظ به في مخزن فرقة التمثيل في الكنيسة، لإعادة استخدامه في رواية أخرى.
وبهذا نشغل الوقت، ونستغل المواهب ونُشعِر الشباب بأن الكنيسة يمكن أن تحتضن مواهبهم وتستخدمها وتنميها، وتعطيها مجالًا للظهور…
يضاف إلى هذا استخدام مواهب أخرى في نطاق التمثيل:
مثل استخدام مواهب الشباب في التصوير، لتحويل المسرحية إلى فيلم، واستخدام مواهب من يتقنون مواهب في الكهرباء لتوزيع الأضواء أثناء التمثيل. كذلك استخدام مواهب الرسم في تحضير المناظر اللازمة، وبخاصة في خلفية المسرح، يضاف إلى هذا مواهب في تنسيق المسرح وأثاثاته.
في الفن الكنسي ودراسة الكتاب:
أتذكر ونحن خدام في التربية الكنسية، كنا نعطي الشباب فرصة في النشاط الصيفي، لعمل مشروع مثل “خيمة الاجتماع” مثلًا، بدراسة كل تفاصيلها، مع تفصيلها “أي صُنعها” وصنع كل محتوياتها من مذابح، وأدوات كنسية، وملابس الكهنة، ومن أوانٍ. مع مراجعة كل ما ورد في الكتاب المقدس عن ذلك ودراسته، فيمتزج الكتاب بالفن، وكلاهما يشغل الوقت فيما يفيد، في نطاقين: الدين والتسلية…
كذلك نضيف بأن هواة التصوير، يمكن أن يعطوا فرصة لتصوير بعض آثارنا القبطية كالأديرة والكنائس القديمة، وبعض الأسرار الكنسية. وبهذا نشغل وقت الشباب، ونستفيد من مواهبهم وننميها.
من نواحي رعاية الشباب ما يقام لهم من النوادي والحفلات والندوات.
– النادي مهم من الناحية الرياضية، حيث تفرغ فيه طاقاتهم ورغباتهم في محبة ألوان متعددة من الرياضة، تزودهم بها الكنيسة.
ولكن لابد للنادي من إشراف روحي دقيق. سواء من جهة الوقت “المواعيد” فلا يخرجون منه في ساعة متأخرة من الليل. أو من جهة الهدوء فلا تعلو أصواتهم فيه وتتحول إلى ضجيج قد يشكو منه الجيران. كذلك من جهة معاملاتهم بعضهم لبعض.
والنادي بدون إشراف روحي، يكون ضرره أكثر من نفعه، لأنه بذلك يتعود الشباب الخطأ في حضن الكنيسة، ويستهينون بكرامة الكنيسة.
ولأنه في النادي يكون الشباب على سجيتهم، لذلك يمكن ملاحظة ما يبدر منهم من أخطاء لتكون مجالًا للمعالجة. ويمكن أن تتخلل فترة الألعاب في النادي، بعض أوقات لبرامج روحية، فيها الكلمة الروحية، واللحن والمسابقة…
الرحلات أيضًا من البرامج الترفيهية المفيدة للشباب: ويتوقف نجاحها على نوعية الرحلة، إلى أي مكان؟ وأيضًا برنامج الرحلة سواء في الأتوبيس أو في مكان الرحلة، كذلك الانضباط في أثناء الرحلة حتى لا تحدث أخطاء تكون موضع انتقاد.
ويحسن أن تساهم الكنيسة بشيء من تكاليف الرحلة، حتى لا تصبح ثقلًا ماديًا على والدي الشاب، وحتى يصبح الاشتراك فيها مكفولًا للكل.
بالإضافة أيضًا إلى النوادي والرحلات، توجد أيضًا الندوات والمناظر والبحوث.
فالندوة يشترك فيها أكثر من متكلم، فتعرض أكثر من فكر، أو أكثر من أسلوب لعرض الفكر.
والمناظرات يقف فيها فكر أمام فكر آخر، والمستمع يحكم.
وفي كلا الأمرين تنشيط لفكر الشباب، وتدريب له على عدم الاعتماد على فكر واحد، أو أسلوب واحد.
أما البحوث فهي ما يقوم به الشباب من استخراج المادة الموضوعية اعتمادًا على المكتبة والمراجع. ويمكن أن تنشر هذه البحوث أو أجزاء منها في مجلة الشباب التابعة للكنيسة.
إن الشباب أمانة في أعناقنا، وهو مستقبل الكنيسة، وعلينا أن نهتم به من كل ناحية، نهتم بصحته، وفكره، ونفسيته، وروحياته، ونهتم أيضًا بمواهبه وتنميتها، وكثيرًا ما قلنا هذه العبارة:
كنيسة بدون شباب، هي كنيسة بدون مستقبل.
فعلينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: ماذا فعلنا لأجل الشباب. لا نحكم عليه، إنما نعمل لأجله. لأنه جيلنا المقبل.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 30-1-2000م




