الحيـاة مع الله

كثيرون لهم علاقات بالكنيسة وبالآباء الكهنة وبالممارسات الدينية، ولكن ليست لهم علاقة بالله ولا حياة معه!! فما هي إذن:
الحياة مع الله1
إنهم يصلون، ومع ذلك ليست لهم علاقة بالله!… وكما قال الرب عنهم “هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا” (مر7: 6) … صلاتهم مجرد كلام وألفاظ، بلا حب ولا إيمان ولا عاطفة، ولا علاقة حقيقية بالله…إنها صلاة بغير صلة!!!
ومن الجائز أيضًا أن إنسانًا يصوم… وفي صومه تكاد له علاقة بالأطعمة، ولكن لا علاقة له بالله!!!
أقصد أن كل ما يدريه عن الصوم، هو فترة الانقطاع من الأكل، كم تكون؟ … وكيف تزيد؟ … وكذلك نوع الطعام… وكيف يتغير إلى طعام نباتي؟ … وهذا هو كل شيء، ولا علاقة بالله!… ولا حياة معه!… فما المقصود إذن بالحياة مع الله، والعلاقة به؟
المقصود هو أن تحس وجود الله في حياتك، وتحيا حياة الشركة معه، في حب حقيقي له…
تحس أن كل ما تعمله، إنما تعمله به، ومن أجله، وأنه يشترك معك في العمل، ويراك وأنت تعمل، ويكون أمامك في كل خطوة تخطوها… ويكون هو هدفك، ووسيلتك، وتشعر أن هناك علاقة شخصية بينك وبينه فإن لم تجد، تبدأ في تكوين هذه العلاقة… انظر إلى إيليا النبي مثلًا وهو يقول:
“حي هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه” (1مل18: 15).
إنه يشعر أنه واقف أمام الله، كل أيام حياته، وأن الله يراه وهو شاهد عليه في كل ما يفعله… فهل نحن كذلك؟ وهل في كل عمل نعمله يكون الله أمامنا وفي فكرنا أثناء العمل؟ … أو على الأقل يكون الله كلامه ووصاياه أمامنا؟ … أم نحن في طريق، والله في طريق آخر، ولا علاقة؟ متى نفكر أن نحيا مع الله؟ متى نبدأ؟ هوذا داود النبي والملك في كل عظمته، يطرح هذه العظمة جانبًا، ليقول: “أما أنا فخير ليَّ الالتصاق بالرب…” (مز73: 28).
ليتنا نتأمل عبارة “الالتصاق بالرب”… نفهمها ونعيشها، ونضع أمامنا أمثلة من القديسين الذين عاشوا الحياة كلها ملتصقين بالرب، لا يفارقونه لحظة واحدة… ولا طرفة عين… ولنتأمل أيضًا قول القديس بولس الرسول:
“خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح، وأوجد فيه” (في3: 8، 9) …
إنه لا يريد فقط أن يحيا معه، وإنما أيضًا أن يوجد فيه… هنا نقف لندرك أعماق عبارة “وأوجد فيه”… نعم، نوجد فيه، كما يوجد الغصن في الكرمة، يحيا بثباته فيها، ويتغذى بعصارتها… وحسب العبارة التي قالها القديس بولس الرسول “لأننا نحيا ونوجد ونتحرك”
(أع17: 28) … وكما قال السيد المسيح لله الآب “أنا فيهم، وأنت فيَّ” (يو17: 23) …هذا هو الثبوت في الله تبارك اسمه.
في ضوء هذا الكلام، ما علاقتك الشخصية بالله؟ ما مركز الله في حياتك؟ ما نوعية صلتك به؟
مناقشــة عــلاقات
1- إنسان يظن أن له علاقة بالله: لأنه يخدم
وهنا نسأل هل كل خدمة، فيها علاقة بالله؟ كثيرون يخدمون، وليست لهم علاقة بالله، ولا وجود لله في حياتهم! كل ما يعرفونه عن الخدمة، أنها مجموعة من الأنشطة! افتقاد، تحضير دروس، اجتماعات، إلقاء كلمات… بل بعضهم يجدها إدارة، وتنظيمات، واشباع للرغبة في الإحساس بالذات!! ونبحث عن الله في الخدمة فلا نجده! بل أحيانًا تجد في الخدمة اصطدامات وعثرات وأخطاء، تجعل البعض يبعدون حرصًا على خلاص نفوسهم… أتراك تبعد أنت أيضًا؟ كلا، بل لتكن خدمتك روحية.
تخدم من أجل محبتك لله وملكوته، ولكي تجعل الناس يحبون الله معك…. فالله هو سبب الخدمة، وهو الداعي إليها، وهو العامل فيها. هو الذي يتكلم على لسانك، وهو الذي يعمل في قلوب سامعيك. وتشعر أن الخدمة تقربك إليه، وتقرب إليه المخدومين. وأن هذه الخدمة عطية من الله إليك، وفرصة ممنوحة لك، للتأمل وللصلاة، وللتعمق في الحياة مع الله…
نقطة أخرى نناقشها في موضوع العلاقة بالله وهي:
2- السلوك الطيب. وهل هو حياة مع الله؟
هناك من يسلك سلوكًا طيبًا، كمستوى اجتماعي سليم، يحيا فيه حياة طيبة مع الناس، دون أن يكون لله صلة بهذا السلوك… فهو يحيا في المستوى الاجتماعي، وليس في المستوى الروحي، لكيما يرضى عن نفسه، أو يرضى الناس عنه، أو ليحتفظ بقيم يحترمها أو يحترمها المجتمع. وهذا كل شيء!
ونحن نجد أحيانًا قيمًا بين الملحدين وغير المؤمنين!
وهذه القيم لا تدل على وجود علاقة بالله… لقد كان غاندي من أعظم الناس المتمسكين بالقيم السليمة. وكان له في ذلك مستوى عالً جدًا لم يصل إليه كثير من المتدينين. ومع ذلك لم يكن ذلك الزعيم العظيم إنسانًا مؤمنًا بالله كما نؤمن نحن.
إن الأخلاق الكريمة شيء، والحياة مع الله مستوى آخر. وشتان بين أخلاق كريمة قائمة بذاتها، وأخلاق كريمة نابعة عن الحياة مع الله، وعمل روحه فينا…
وهناك من يسلكون حسنًا، لمجرد الاهتمام بالمصير الأبدي
كل ما يشغلهم أنهم لا يذهبون إلى الجحيم. وكل آمالهم هي الفردوس، النعيم، الملكوت، دون أن يكون هدفهم من الملكوت هو الله ذاته…! إنما الهدف هو التنعم والأبدية وعدم الهلاك. والاهتمام بالملكوت فضيلة، لا شك في هذا. ولكن بشرط أن يكون التنعم بالله هو الهدف، أو يكون مفهوم الملكوت هو الحياة في الأبدية مع الله. كما يكون مفهوم الفضيلة هو محبة الله. أقول ذلك لأني أخشى شيئًا خطيرًا وهو:
كثير من الناس يحيون حياة دينية خارج الله!
يعيشون في وصايا، وليس في الله. حياتهم كلها مجرد ممارسات وفضائل، الهدف منها هو الطاعة وليس المحبة. وقد يحيون في فريسية مدققة جدًا، ومع ذلك ليست فيها محبة الله! هذا هو الناموس الذي حاربه القديس بولس الرسول، معلمًا أنه بدون المحبة لا يكون الإنسان شيئًا (1كو13).
الحياة الروحية معناها أن تكون روحك متصلة بروح الله
وعن طريق هذه الشركة بينك وبين الروح القدس، تتغلب روحك على جسدك وتقوده، وتحيا حياة روحية، هي مجرد ثمر لعمل روح الله فيك، وليست هي مجرد ممارسات. وفيها يكون تنفيذ الوصايا نابعًا من محبتك لله، وبالتالي محبتك لوصاياه، وليس مجرد تنفيذ عن خوف أو طاعة يسببها الخوف! ذلك لأن محبتك لله تستطيع أن تطرح الخوف إلى خارج (1يو4: 18). وهكذا تحيا بمحبته…
وهكذا في الروحيات السليمة تتغير أهدافك ووسائلك:
فتصبح الوسيلة هي تسليم ذاتك تمامًا لعمل روح الله فيك، وتصبح إرادتك البشرية مجرد أداة يستخدمها الله لتنفيذ مشيئته. وهكذا تصير شريكًا للطبيعة الإلهية (2بط1: 4)، في العمل شريك للروح القدس في كل ما تعمله لأجل نفسك ولخدمة الآخرين.
أخشى ما أخشاه، أن تحيا حياة مستقلة عن الله!
مهما كانت حياة فاضلة…! أو رأيتها أنت كذلك، أو رآها الناس كذلك. فالحياة الفاضلة المستقلة عن الله، تكون دائمًا مجالًا للبر الذاتي، وتؤول إلى الكبرياء، لأنك لا ترجع الفضل فيها إلى الله وحينئذ تكون تسميتها بحياة فاضلة هي تسمية خاطئة… إن الحياة الفاضلة بمعناها السليم، هي حياة الشركة مع الله…
حيث تحس وجود الله، وعمله فيك، ونعمته معك وتقول مع الرسول “لا أنا، بل نعمة الله التي معي” (1كو15: 10) “فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ” (غل2: 30).
إذن عبارة “لا أنا” هي بداية الطريق، التي تمهد لحياة الله فيك، ولنعمته التي تعمل معك. وحينئذ تكون وسيلتك بشرية. أما الهدف، فلا يكون سوى الله وحده، الذي به تحيا وتوجد وتتحرك…
3- وحينئذ تكون طاعتك للوصايا تعبيرًا طبيعيًا عن محبتك لله:
لأن هناك من يطيع الوصية عن خوف من عقوبة، وليس عن رضى واقتناع. وهناك من ينفذ الوصية عن خجل أو رياء، أو ينفذها اضطرارا، أو مجاراة للوسط والبيئة ومجاملة للناس!
أما الإنسان الروحي، فإنه يطيع الوصية لأنه يحب الله معطيها، ولأنها هي التي تحفظه داخل محبة الله. فهو لا يحيا حياة روحية، لأن هذه الحياة تجعله إنسانًا فاضلًا، وإنما لأن الحياة الروحية تجعله يتمتع بالله أكثر، وتقربه إليه. وبهذه تصير الروحيات عماد حياته، لا يستطيع الانفصال عنها…
4- ومن هنا ننظر إلى الصلاة نظرة حقيقية:
الشخص الروحي يصل، لأن الصلاة تشبع قلبه حبًا، بالوجود في حضرة الله والتحدث إليه، كما يقول داود النبي في مزاميره “باسمك ارفع يدي، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم”
“كلماتك حلوة في حلقي، أفضل من العسل والشهد في فمي” “محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي” (مز119).
هنا الصلاة عن حب عكس الذي يصلي مزاميره، لكي يرضى عن نفسه أنه أدى قانونه!! حتى لا يشعر بالنقص، أو يبكته ضميره على أنه لم يؤد واجبه دون أن تكون هناك علاقة بينه وبين الله في هذه المزامير، التي هي في واقعها أغنية يغنيها في سمع الله، كما قال في ذلك داود النبي “أسبح الرب في حياتي. وأرتل لإلهي ما دمت موجودًا” (مز145: 1). ولذلك يقول أيضًا “سبحوا للرب تسبيحًا جديدًا” (مز95، 97). أتراك إذن تصلي مزاميرك، لأنها تشبع روحك بمحبة الله؟ …
5- وبنفس الوضع نتحدث عن الألحان:
كثيرون يرددون الألحان، ولا علاقة لهم بالله. إنها مجرد أنغام وموسيقى وهزات صوتيه متناسقة… أما الإنسان الروحي، فإن اللحن يرفع روحه إلى فوق، ليلتقي مع الله.
اللحن يهز مشاعره الروحية كلها. ليس اللحن عنده مجرد نغمات، لكنه روح تخفق أمام الله، تهتز أوتار قلبها. قبل أن تهتز أوتار صوتها. إنها نفس تغني لله بكل عواطفها، حزنًا أو فرحًا أو حماسًا أو تسبيحًا. الله هو مفتاح اللحن كله…
الصلاة والألحان إذن هما حديث مع الله
هما لقاء مع الله، يتحدث فيه القلب، حديثًا منغمًا أو غير منغم. اللحن هو صلاة. والصلاة هي لحن يسمعه الله، هي أنشودة قلب لها نغماتها السرية وإيقاعها الموسيقي، حسبما تحمل ألفاظها من معان. وفي الصلاة وفي الألحان، يشعر الإنسان أنه واقف أمام الله، يخاطبه بفهم وعاطفة وإيمان… وينفعل داخليًا بصلواته وألحانه، سواء بانفعالات الخشوع أو الحب أو الاشتياق أو الشكر… وما إلى ذلك…
وبالحب، تصبح الصلاة متعة روحية، لا مجرد واجب فهل أنت بهذا الشعور؟ وهل تشعر أيضًا بهذه المتعة الروحية في كل ممارساتك، في قراءة الكتاب، وفي التأملات والمطانيات والأصوام، وأيضًا في كل خدمتك واجتماعاتك؟ هل تشعر بوجود الله معك؟ وبمحبته لك، وبمعونته وعشرته. وهل ذقت كم الله حلو وطيب؟
وهل تشعر أن كل عمل تعمله، إنما هو عمل الله فيك، وليس مجرد إرادتك وتفكيرك؟
6- وعندما تحزن لسقوطك، أيكون لسبب إلهي؟
أيكون حزنك بسبب أنك هبطت من مكانك، أو أنك فقدت احترامك لنفسك أو احترام الناس لك؟ أو بسبب نتائج هذا السقوط وما سببه من خسارة لك؟ أو بسبب أنك محرج أمام أب اعترافك، كيف تخبره بهذا السقوط، أو لأسباب أخرى تتعلق بك أو بغيرك.
أم أنك تحزن لأنك أحزنت قلب الله بسقوطك
أو لأنك فصلت نفسك عنه بهذا السقوط، ولم تكن أمينًا له، ولم تحرص على استمرار شركتك مع روح الله؟ إن داود النبي يربط سقوطه بعلاقته مع الله، فيقول “لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت” (مز50). وهكذا حسب أن خطيته موجهة أصلًا إلى الله، ضد محبته، وضد طاعته، وضد علاقة العشرة معه. وهكذا قال يوسف الصديق “كيف أصنع هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله” (تك39: 9).
فهل أنت حينما تخطئ، تشعر أنك تقاوم الله؟
تفصل نفسك عنه، تخسره، تطفئ الروح، تحزن روح الله القدوس الذي به ختمت (أف4: 30)! تصلب لنفسك ابن الله ثانية (عب6: 6) إنها عبارة مؤثرة قيلت في قصة سقوط شمشون. قيل بعد قص شعره أنه انتبه من نومه وانتفض “ولم يعلم أن الرب قد فارقه” (قض16: 20).
ما أخطر هذا، أن الرب فارقه… ربما إنسان يبعد عن الله، ويظل الله يبحث عنه ويرجعه إلى علاقته به. ولكن هنا تعبيرًا عجيبًا:
حقًا، ما أخطر هذا: أن الرب فارقه!
احرص يا أخي على نفسك، أن تظل علاقتك بالله ثابتة، ودعامتها الحب والثبوت المتبادل، والعشرة الدائمة. ولا تفعل شيئًا بسببه يفارقك الرب…
ما نتائج حياتك مع الله؟ وما نتائج بعدك عنه أو بعده عنك، هذا موضوع طويل لست أظن هذه الصفحة تتسع له…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 3-7-1988م




