التعب المقدس
| الكتاب | التعب المقدس |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2021م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم نبذة:
التعب المقدس
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
التعب المقدَّس .. ومفهوم الراحة والتعب
التعب المقدَّس .. ومفهوم الراحة والتعب[1]
قال بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو8:3).
فائدة التعب
لذلك كلما يتعب الإنسان في طريقِ البر وفي حفظ الوصايا، وكلما يتعب من أجل المسيح، يأخذ أجرًا عند الله، وهكذا قال الكتاب: "بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع22:14)، وقال السيد المسيح في آخر العظة على الجبل: "اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ. مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ" (مت 7: 13، 14). حتى التجارب يقول فيها معلمنا يعقوب الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2). ويشرح فائدة التجارب، وبولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس شرح الفوائد التي حصل عليها خاطئ كورنثوس من العقوبة التي وُقّعت عليه، استفاد منها كثيرًا وقادته إلى البر، ويقول الكتاب: "خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا"(2 كو 4: 17)، "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو 8: 17).
وإن كنا نتكلَّم عن التعب المقدس وفائدته، فلابد أن نذكر: أن هناك تعبًا باطلًا..
التعب الباطل
مثل تعب الشيطان وأعوانه، ومثل تعب من يسعى إلى الخطية. لا تعتقد أن الذي يسعى إلى الخطية لا يتعب، فالسارق مثلاً يتعب عندما يسرق لكي يضبط عمله. ولكي يرتكب إنسانٌ جريمة أيًا كانت يتعب حتى يتمِّمها.
وأيضًا من التعب الباطل: التعب من أجل أمور باطلة، مثل الرجل الغني الذي قال: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ" (لو12: 18، 19) هذا تعب باطل..
وكذلك التعب في الوصول إلى الكرامة. أيضًا التعب الباطل هو التعب الذي بدون معرفة أو بدون بركة مثلما قال بطرس الرسول: "قَدْ تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا" (لو 5: 5) لم يكن فيه معرفة ولا بركة.
أنواع التعب المقدس
ما دام الأمر هكذا فلنتكلم عن نواحي التعب المقدس:
أول نوع هو التعب في الخدمة.
قال القديس بولس في هذا المجال: "أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ" (1 كو 15: 10) وقال: "فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ"، وقال: "بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً" (2 كو11: 23-28) وشرح متاعبه في نفس الأصحاح من أجل الخدمة: كم مرة انكسرت به السفينة، وكم مرة لاقى أخطار في البحر، وأخطار في البرية، وأخطار من أخوة كذبة، وكم مرة جُلد، إلى آخره ، فكل تعبه هذا أخذ عليه أجرًا كبيرًا، إن قلنا هذا نذكر أيضًا قول السيد المسيح لملاك كنيسة أفسس: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ" (رؤ2: 2)، إن ربنا لا ينسى تعب أحد من أجله، ويقول الرسول: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1 كو15: 58) هذا التعب الذي من أجل الله له بركاته الكثيرة، حتى لو تعب إنسان من أجل اسم المسيح الذي دعي عليه، ربنا يكافأه على هذا التعب.
تعب الآباء الكهنة
إن كنا قد تكلمنا عن تعب الآباء الرسل وتعب بولس الرسول، 2- نتكلم أيضًا عن التعب الذي يجب أن يبذله الآباء الكهنة والآباء الأساقفة من أجل الرب، يوجد من الكهنة من يكتفي بالقداسات والعشيات ويستريح بقية الأسبوع بلا تعب، لكن يأخذ المكافأة من يتعب من أجل الرب. الذين يتعبون في التعليم، والذين يتعبون في الافتقاد، والذين يتعبون في حل المشاكل والسعي وراء الضالين، ويهتم الكاهن بكل أحد ليخلصه، وقال السيد المسيح: "أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ" (يو 15: 16).
فالكاهن الحقيقي هو الذي يكون له ثمر، الثمر الذي يكون في حياة المخدومين، وما أجمل ما قيل في إشعياء النبي عن الخادم الحقيقي من الإكليروس: "لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِين .َ.. لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1)، وأيضًا: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبّ وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ" (حز34: 15، 16) الكاهن الذي يسلك هكذا يطلب الضال ويسترِد المطرود ويُجبِر الكسير ويعصِب الجريح لا شك أنه يتعب لكي يصل إلى الأكاليل، أما الذي لا يعمل هذا فينطبق عليه أيضًا: "وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي.. غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً" (حز34: 8).
لذلك أرجو أن كلَّ واحد يتعب، وبقدرِ ما يتعب بقدرِ ما يُكافأ.
وأذكر مرة في سيامة اثنين من الأساقفة قلت لهم: "أمامنا طريقان في الخدمة لا ثالث لهما: إما أن نتعب نحن لكي يستريح الناس أو نستريح ويتعب الناس، وأنا دعوتكما إلى التعب"... أدعوكم إلى البركة، إلى الاهتمام بالذين ليس لهم أحد يهتم بهم، الذين ليس لهم أحد يذكرهم.
عبارة موجودة في تحليل الأب الكاهن في صلاة نصف الليل: "أُذكر يا رب العاجزين والمنطرحين والذين ليس لهم أحد يذكرهم"، هؤلاء الذين ليس لهم أحد يذكرهم مفروض أن يهتم بهم الأب الكاهن والأب الأسقف.
أحيانًا يتبع البعض سياسة التحويل. الأب البطريرك يعتمد على المطارنة والأساقفة، والأساقفة يعتمدون على القسوس، وهؤلاء معتمدين على الشمامسة والخدام. لا يليق هذا الكلام، بل كل واحد بدون استثناء يأخذ بركة التعب، لذلك ينبغي على الأب الكاهن أن يعرف الشعب وعناوينهم واحتياجاتهم ويوجِد نشاط لكلِّ أحد، والخادم الناجح هو الذي يجهِّز آخرين ليخدموا معه..
وأيضًا يتعب في الواجبات الاجتماعية التي قال عنها الكتاب: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو 12: 15)، عندما يُقصِّر في هذه الخدمة يلومه الناس قائلين: لنا سنوات لم يفتقدنا أحد، ولم يشاركنا مشاعرنا.
خلاصة الكلام أن كل أب كاهن وكل أب أسقف لا بد أن يسعى لإراحة الناس مهما تعب. أيضًا نقول عن خُدَّام مدارس الأحد وخُدَّام الشباب لابد أن يتعبوا أيضًا، يتعبوا في تحضير الدروس. يوجد فرقٌ بين من يخدم بدون تحضير وآخر يحضّر الدرس ويتعب فيه ويملأه بالمعلومات والأدلة والبراهين والمعلومات التي تجعل له جاذبية في عقول الناس، ويتعبوا في وسائل الإيضاح، وفي افتقاد الغائبين ويُرجِعوهم.
الخادم الحقيقي يبحث عن كل الأطفال والشباب الذين في المنطقة ويهتم بكل واحد، أذكر حينما كنت أسقفًا للتعليم منذ حوالي 38 سنة جلست مع شاب في إحدى البلاد، وأخبرني عن خدمته بأسماء المخدومين وعناوينهم. لدينا كنائس في مصر بها 300 أو 400 خادم، من الممكن توزيع العمل بينهم بحيث لا يتركوا إنسانًا محتاجًا للخدمة. التعب مطلوب وله بركته، لكن مَن يُهمل وضميره مستريح أن فصله به ثلاثين أو أربعين ويقول هذا يكفي، سيُدان أمام الله عن هذه النفوس.
الكتاب يُعطي كرامة للذين يتعبون في الكلمة، تكلَّمنا عن الآباء الكهنة والأساقفة وخدام مدارس الأحد وخدام الشباب.
تعب الآباء والأمهات
3- نتكلم أيضًا عن الأسرة، كل أب وأم يجب أن يتعبوا في تربية أولادهم، يجب أن يدرسوا نفسيتهم ومشاكل المرحلة العمرية لهم ويراقبوا حياتهم في محبة، فلا يتحول (الأب أو الأم) إلى ضابط شرطة أو وكيل نيابة، بل يتعامل مع أولاده بلطف، ويكون صديقًا لهم ويكسبهم، وخصوصًا الأولاد الذين في سن حرجة، يلاحظهم ويرعاهم ويتعب في إنقاذهم واجتيازهم هذه السن. العجيب أن غالبية الأسر عندنا من آباء وأمهات يتعبوا في تربية أولادهم ماديًا، وكيف يكبر الطفل ويحافظ على صحته ويتعلم، لكن روحياته لا يوجد اهتمام بها! المفروض أننا نتعب من أجل أولادنا من جهة روحياتهم.
اشتكت بعض السيدات طالبات الصلاة من أجل أولادهن لأنهم يسببون لهنّ أتعابًا، فقلت لهنّ هذا بسبب أنك لم تهتمّي بهم عندما كانوا عجينة في يديك، تتركي طفلك حتى يكبر ويسبب التعب لعدم وضع أساس في الطفولة ... يتكلَّم الكتاب عن تعب المحبة الذي لا ينساه الله.
ثانيًا: التعب المقدس هي تعب الطريق الضيق.
أ) يقول السيد المسيح: "وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ" (مت 7: 13، 14)، مثلاً شخص يحلّ مشكلة برشوة، ويرفعها في ذهنه لمعنى الفضيلة والمساعدة، ليخدر ضميره! وآخر يعرف أن الكذب يُنجِّي ويقول أنا لن أكذب، ومهما كانت النجاة عن طريق الكذب أنا لا يمكن أن أنطق بكلمة كذب ولو كان فيها أي مكسب ... هذا تعبٌ مقدس.
ب) أيضًا الإنسان الذي يكون مُخلِص لعمله.. ولا يضيع الوقت في قراءة الجرائد والضحك والفكاهات مع باقي الموظفين، أو الحصول على إجازة مرضية بدون مرض حقيقي ... الطريق السهل يؤدي إلى الهلاك، لكن الطريق الضيق أنك ترفض هذا أيضًا.
جـ) الإنسان الذي يرفض التحايل والخداع كطريق للوصول إلى غرضه، أو من يرفض زواج غير شرعي، فأحيانًا يبحث إنسان عمن يزوِّجه زواجًا غير شرعي حينما يرفض المجلس الإكليريكي تزويجه لعدم وجود سبب شرعي يسمح بزواجه، وتزويجه ضد آيات الكتاب! طريق واسع يؤدي إلى الهلاك، هلاك الذي يتزوج وهلاك الذي يزوِّجه.
أو إنسان أمامه الطريق الواسع في الكسب غير المشروع؛ ولكنه لا يوافق أبدًا بأن يكسب بطريقة غير مشروعة، لا في رفع الأسعار، ولا في احتكار سلعة من السلع، مفضلاً الطريق الضيق من أجلِ حياته الروحية.
د) الإنسان الذي يبعد عن الرياء والتملُّق مهما جلب له مكسبًا في علاقاته مع الناس. ومن الناس من هو دائم التذمر والشكوى بطريقة مبالغ فيها. الشخص الروحي لا يقبل هذا الأسلوب. كلما كان الإنسان مستقيمًا في حياته الروحية مهما تعب، يكافأه الله على تعبه.
هـ) يوجد أيضًا تعبٌ مقدس: التعب في العبادة والصوم والصلاة والسهر والقراءات، وفي المواظبة على كل هذه النواحي الروحية، في عدم روتينية الصلاة والعبادة كأداء واجب، بينما يقول الملائكة أن هذا الإنسان لم يصلِّ اليوم!
الصلاة الروتينية كأنَّها لم تكن، أما الشخص الروحي فيتعب حتى لو استغرق وقتًا في الدخول إلى أعماق كل كلمة في صلاته، وهكذا أيضًا في قراءاته. ممكن أن يقرأ أحدهم أصحاحًا في الإنجيل ولا يستفد أي شيء لأنه لا فهم ولا تأمل ولا طبّق على نفسه، ولا أخذ تداريب روحية!!
التعب في العبادة مفيد للإنسان.
و) التعب أيضًا في التوبة، يعتقد أحدهم أن التوبة إنهاء لحساب قديم ولا نفكر فيه لنبدأ حسابًا جديدًا، داود النبي لم يسلك هكذا، قال: "تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُبلّ فِرَاشِي" (مز6: 6).. صارت دموعي لي "شرابًا وَمَزَجْتُ شَرَابِي بِدُمُوعٍ" (مز102: 9)، "اجْعَلْ أَنْتَ دُمُوعِي فِي زِقِّكَ" (مز56: 8)، مطلوب التوبة الحقيقية مهما كان التعب، إنما لو لم يتعب في التوبة فلن يستفيد منها.
ز) كذلك الذي لا يتعب في الاعتراف، مثل من لا يريد أن يعترف لئلا يخجل أمام أبونا! لو لم تخجل وتتعب في الخجل لئلا تعود وتخطئ مرة أخرى فكيف تستفيد؟
حـ) أيضًا الإنسان الذي يتعب في أداء واجباته المالية ناحية ربنا في أداء العشور والنذور والبكور، وفي العطاء بسخاء، وفي العطاء من العوز، طبعًا العطاء من العوز يسبِّب تعبًا لكن له بركته، والعطاء أكثر من العشور في الوقت الذي يشعر فيه الإنسان أن المبلغ كله لا يكفي فكم وكم لو خصمنا منه العشور، ماذا يحدث؟ يحدث أنك تأخذ بركة، والتسع أعشار زائد بركة أكثر من الواحد الصحيح.
ط) التعب في الاتضاع وفي الانسحاق كل هذا تعب له أجرته عند الله.
يـ) الإنسان أيضًا المفروض يتعب في الجهاد الروحي وفي النمو الروحي. نلاحظ نمو أي شجرة يوم بعد يوم وسنة بعد سنة نجدها قد كبرت وارتفعت، بل هي تنمو سواءً شعرت أو لم تشعر. من أعظم الأمثلة في النمو الروحي والجهاد الروحي قول بولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة إلى الفردوس: "أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ" (في3: 13)، ماذا يوجد يا بولس قدَّام أكثر من الصعود إلى السماء الثالثة؟ يوجد كثير، فالإنسان الروحي يمتد إلى قدَّام باستمرار مهما حدث، يا ليت كل إنسان يتعب تعب مقدس ويأخذ مكافأته.
مفهوم الراحة
موضوع الراحة ذُكِر في أول قصة الخليقة، أن الله استراح في اليوم السابع من عمله خالقًا "فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ" (تك2: 2)، يوجد ما يسمّى الراحة لإتمام العمل أو لإكمال العمل، أي شخص يُكمل عمله يشعر براحة من الداخل، لقد استراح الله في اليوم السابع من عمله خالقًا، واستراح في يوم الأحد بالقيامة من عمله فاديًا ومخلصًا للناس من الخطية والموت.
الراحة الأبدية
ويوجد راحة أخرى ينتظرها العالم كله، وهي الراحة الأبدية. الراحة الأبدية التي لا يكون بعدها تعب ولا وجع ولا مرض ولا ألم، وتنتهي كل أسباب التعب، توجد راحة فيما بينهما وهي راحة الإنسان بعد الموت، يستريح من تعب هذا العالم ويستريح من شغب الجسد، ويستريح من الجو الشرير الموجود في البيئة، وكما يقول الكتاب: "يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ" (رؤ 14: 13)، من أجل هذا عندما يموت إنسان نقول أنه: "تنيَّح" تعني استراح.
أنواع الراحة
طبعًا الراحة لها أنواع كما أن التعب له أنواع. توجد راحة للجسد، راحة للفكر، راحة للقلب والشعور، راحة للنفس، راحة للضمير، كل هذه أنواع من الراحة، وتوجد راحة نفسية وراحة روحية، كل هذا سنتكلم عنه بالتفصيل.
† راحة الجسد
هل راحة الجسد مفيدة أم خاطئة؟
ربنا نفسه أراد أن يستريح الجسد، الله الذي خلق هذا الجسد ويعرف طبيعته أو هو الذي وضع طبيعته أمَرَ الإنسان أن يستريح يومًا في الأسبوع، وقال: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ" (خر 20: 8)، أو يوم الرب، وقال: "السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ" (مر 2: 27). يوم راحة يحتاج إليه جسد الإنسان، ويتعب لو لم يسترح جسده، بالإضافة إلى عطلات أخرى وضعها الله بالنسبة للأعياد والمواسم قائلًا: "لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا" (خر20: 10). لا بد أن تعطي الجسد راحة، فراحة الجسد ليست خطية، هي وصية إلهية، إن تصرّف فيها الإنسان بعقل.
أثناء زيارة رعاية إلى لندن في إنجلترا، وبعد الكشف الطبي من طبيب أمراض باطنية وقلب، قال الأستاذ الطبيب الكبير لي: "أنا لا أستطيع أن أنصحك بالامتناع عن العمل الشاق، لأن طبيعة مسئوليتك تستوجبه، لكن أتكلَّم عن الـoverwork ، ومعناه الوصول إلى درجة الإرهاق، متى أصبحت exhausted يكون بعدها العمل overwork، معناه عمل فوق الطاقة بعد ما وصلت إلى درجة الإرهاق". هكذا تكون راحة الجسد واجبة إذا وصل الإنسان إلى الإعياء أو الإرهاق، فمن الخطأ أن يعمل أكثر، لأن هذا سيكون على حساب صحته ويضرُّه.
نقطة أخرى مهمه شرحها لي هذا الأستاذ: "العمل الذي تعمله وأنت تحبه لا يُتعِبك، لكن العمل الذي تعمله وأنت متضرِّر منه يُتعِبك". هنا يتدخَّل العامل النفسي أيضًا بالنسبة للجسد، هل أنت تعمل بنفسٍ راضية أم لا، أي إرهاق لجسدك من غير راحة نفسية يتعبك جدًا. لكن كثيرًا ما يكون الإنسان متلذذًا بعمله وفرحًا به ويعمل كثيرًا بدون شعور بالتعب، لأن اللذة التي في الداخل تريحه، لأنَّه توجد علاقة كبيرة بين راحة النفس وراحة الجسد. لو استراحت النفس تستطيع أن تحتمل الجسد، لكن لو أُرهِقت النفس تُرهِق الجسد معها، حتى لو العمل خفيف.
ولأن الجسدَ محتاجٌ إلى راحةٍ، ففي كل الأعمال يوجِدون هذا القدر من الراحة. كثيرٌ من الأطباء والعلماء يقولون: "وسط كل تعب طويل اكسر حدة هذا التعب براحة". من أجل هذا نجد في المدارس بين كل حصة وحصة خمس دقائق راحة، ومن الممكن أن تكون حصتين بعدها break (فسحة)، ويليها حصتيْن أخريتيْن، وهكذا لا بد من راحة في الوقت بين عمل وعمل، لأن العمل المرهق المتتابع يمنع التركيز.
الجسد أيضًا يُتعِبه المرض، الإنسان المريض من الممكن أن يتعبه الكلام والزيارة. أحيانًا عندما تكون الصحة معتلَّة لا يحتمل الإنسان سماع أي كلمة، ومجرد الكلام يتعبه أيضًا، يحتاج إلى استرخاء كامل، راحة كاملة. لذلك كثيرٌ من المستشفيات، حِرصًا على راحةِ المريض يمنعون الزيارة أحيانًا، أو يحددون لها وقت معيَّن على حسب احتياج المريض، لا تعتقدوا أنكم تريحوا المريض عندما تجلسون بجواره وتتحدَّثون معه.
† الفرق بين الراحة والكسل
الراحة غير الكسل، الكسل معناه وجود القدرة على العمل ولا يعمل، ومن الجائز أن يقود إلى الوخمِ، نجد أن بعض البلاد التي تزيد فيها الحرارة والرطوبة، مثل المناطق الاستوائية مثلاً تجد الناس لا يميلوا أن يعملوا كثيرًا، ولذلك تجدوا هناك بلاد خصبة جدًا من جهة الزراعة ولا تزرع، فالكسل تحوَّل إلى طبع، والكسل ممكن يجلب البدانة، لأنه لا توجد حركة، لذلك عندما تجد إنسانًا أُحيل إلى المعاش وجلس في كسل بالمنزل أو بأي مكان، يترهَّل ويتبدَّن، ولا يستطيع الحركة، لكن إن استمر في أي عمل إضافي تجده يحتفظ بحيويته. ويشترك في هذا النساء اللائي يجلسن بلا حركة، كثيرًا ما يُصبْنَ بنفس الوضع، الحركة دائمًا تُنشِّط الجسد.
هنا أريد أن أنبِّه إلى شيء، يا ليتكم تتنبهوا له، قد يكون الإنسان نائمًا بعمق، ومع ذلك قلبه يعمل، يأخذ الدم ويدفعه ويوصله، والمخ يعمل وجهاز التنفس والجهاز الدوري وأجهزة كثيرة تعمل في جسمه، فلا تعتقدوا أن الراحة معناها عدم العمل إطلاقًا، إنَّما تكون عمل بعقل وهدوء وبعدم إرهاق. فالقلبُ يعمل ونحن نيام بهدوء وعدم إرهاق، والتنفس والرئتين يعملون بهدوء وبعدم إرهاق، بهذه يُظهر الله لنا في الطبيعة كيف أن الطبيعة تعمل وتظل أيضًا مستريحة. تعبُ القلب في إرهاقه وليس في إيقاف عمله، لو توقَّف عمله يكون الإنسان في خطر، وتعب المخ في عدم إرهاقه لأن لو توقف المخ مات الإنسان، وهكذا باقي الأعضاء، فالراحة قد تكون معناها عدم الإرهاق وليس عدم العمل على الإطلاق.
غير أن الإنسان أحيانًا تمتزج في حياته الراحة مع التعب، يعملان معًا ويقوِّيان بعضهما بعضًا. إنسان مثلاً قد يحتاج صحيًا إلى تداريب رياضية معيَّنة كالجري أو السير وتحريك اليدين والقدمين، يمكن أن يتعب بعض الوقت لكن هذا التعب يكون لراحة الجسد، ولصالح الجسد.
أحيانًا يُنصِح الأطباء إنسانًا بعمل مجهود لراحة جسده وخصوصًا في العلاج الطبيعي، ويُنصِح الطب في بعض الأحيان بالسير بضع فترات يوميًا، السيرُ يريح صحيًا. نلاحظها كثيرًا في أمريكا وبعض بلاد أوروبا أن نجد بعض الشباب بلباس الرياضة يركضون في الطريق لمسافات طويلة، وأحيانًا في الصباح الباكر يذهبون للحدائق للسير، في خطوة صحية. فلا تظنوا أن راحة الجسد معناها خمول الجسد، لا بد من التمييز، راحة الجسد غير خمول الجسد وكسله، فقد تكون راحة الجسد في عمله.
في الجيش عندما يَدَّعي أحدٌ المرض كذبًا يكتب له الطبيب الضابط أن دواءه عمله، فيسلموه لأومباشي المذنبين يكلِّفه بطابور إضافي، يجعله يركض في الشمس، ويحمل أحمالاً، لأن دواءه عمله، ما دام متكاسلاً. فعندما نتكلَّم عن الراحة نقصد الراحة وليس الخمول والكسل، والتهاون.
† راحة الضمير
هناك نوعٌ آخر ونحن نتكلَّم عن راحة الجسد: كيف يتعب الإنسان جسده ليريح ضميره؟ أو يريح روحه؟
مثلاً كلمة الحق لها ثمن، وكلمة الحق تُريح وتُتعِب. المعمدان مثلاً، حتى يريح ضميره قال كلمة الحق، وقال لهيرودس: "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ" (مر 6: 18)، كانت النتيجة أنه أُلقيَ به في السجن وقُطِعت رأسه، وأخذ تعبًا كثيرًا، ولكنه كان في تعب الجسد راحة للضمير وراحة للنفس.
قد يكون الإنسان في ضبطه لنفسه وبُعده عن الخطية في تعب له بركته، مثل يوسف الصديق، كان من الممكن أن يُعطي الجسد لذاته وشهواته، لكن ضميره يتعب، فقال: "كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ" (تك 39: 9)، فأراح ضميره وأتعب جسده، لأن جسده أُلقي في السجن، وأخذ عقوبات طويلة... أيضًا شخصٌ يُتعب نفسه في البذل والعطاء في الخدمة، في أمانة العمل، فيتعب الجسد لكن يستريح الضمير. ونسأل هنا: "أي راحة تطلبها أنت؟ هل تطلب راحة الجسد أم تطلب راحة الضمير؟"
هذه مسألة يجب على الإنسان أن يتنبَّه لها، كل آبائنا الشهداء والمعترفين، لم يبحثوا إطلاقًا عن راحة الجسد إنَّما كانوا يبحثون عن راحة الروح في التمسُّك بالإيمان، تعرَّضوا لعذابات عديدة وكثيرة جدًا، تعرَّضوا للجلد والسجن وتقطيع الأعضاء وألوان من العذاب تفنَّن فيها المضطهدون، ومع كل هذه العذابات كانت أرواحهم مستريحة.
هناك بُعدٌ آخر: إنسان من أجل أمانته في العمل يتعب لكن ضميره يستريح، تلميذ من أجل نجاحه وتفوقه، ومن أجل مستقبله، يسهر الليل ويتعب، يتعب جسده لكن تستريح نفسه من الداخل، وكلما تعب واستطاع أن ينهي استذكار جزءًا من المقرَّر يشعر بالفرح، فرحًا بتعبه.
أين تكون الراحة والتعب هنا؟
راحة النفس أهم من راحة الجسد، راحة الضمير أهم من راحة الجسد، عندما نبحث عن الراحة نبحث عن الأولويات، ولذلك فإن المجاهدين الكبار الذين وصلوا إلى درجات عظيمة وشُهرة أتعبوا أجسادهم لكي يصلوا...
يقول المثل:
إذا كانت النفوسُ كِبارًا | .:. | تعِبت في مرادِها الأجسادُ |
إذا كانت النفس كبيرة يتعب معها الجسد، ولم يصل أحدٌ لمرادِه إلاَّ بالتعب، إنما لا يمكن لأحدٍ إدراك غايته وهو نائمٌ معتمدٌ على عمل النعمة بالخير والبركة. يعلِّمنا الكتاب أن نجاهد وتساعدنا النعمة، هذا في الحياة الروحية وأيضًا في الحياة العالمية.
ويوجد من يُتعِب جسده من أجل الخير، من أجل البر، من أجل علاقته بربنا، ويفرح بذلك. ويوجد من يُتعب جسده من أجل الخطية، ولا يربح لا في السماء ولا على الأرض، لا روحًا ولا جسدًا. هناك من يُتعب أعصابه بالغضب، ويُتعب جسده بالخطية، وأيضًا يُتعب فكره بطريقته الخاطئة في التفكير، أو يُتعب صحته بالتدخين والمكيَّفات، مفروض أن يكون الإنسان حكيمًا في معرفةِ ما يُريحه، وما يُتعبه.
الإنسان الروحي يتعب من أجل الله...
والإنسان الخاطئ تعبه باطل...
من يسير نحو اللذات واللهو تعبه باطل، يقول سليمان الحكيم: "عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ، عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ، قَنَيْتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ، اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ.. سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ"، وفي الآخر يقول: "ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ" (جا 2). ياليت الإنسان يحرص أن يكون تعبه له فائدة فلا يكون له التعب الباطل.
من التعب الباطل تعب الشياطين في إغواء البشر، ظهر شيطان لقديس وقال له: "أنا تَعِبت جدًا في محاربتك"، فأجابه: "وتعبك كله باطل"، تعبٌ باطل بدون نتيجة.
† راحة النفس
ننتقل للنفس والجسد، هناك أحيانًا من يبحث عن راحة النفس وليس راحة الروح، بل أحيانًا براحة النفس يُتعِبون الروح، مثلاً خِداع مريض في حالة ميئوس منها، بدلاً من أن يستعد لأبديته، يخدعونه بأمل الشفاء، فلا يستعد لأبديته وتهلك حياته، يريدون له الراحة. حدث منذ سنوات طويلة موقفًا لا أنساه، دعاني أحدهم لزيارة مريض في مستشفى هليوبوليس والصلاة من أجله، وأثناء خروجي دعاني آخر لأصلِّي لابنه، فوجدته في حالةٍ متأخِّرة (قد يكون تليُّف في الكبد)، ويحتاج إلى زرع كبد. وعندما دخلت لافتقاده، وجدت تلفازًا ومجلات متنوعة قد تكون بها مناظر مُعثِرة، فمن أجل اهتمامهم براحته النفسية يضيِّعوه روحيًا! من الأكثر فائدة له أن يأخذ فرصة للصلاة، أو كتاب تراتيل، لتصل إليه كلمة روحية تؤهِّله للنعيم الأبدي.
ومثلاً من أجل مجاملةِ إنسان مُخطئ، فيجامله صديقه بأنه له حق وباقي الناس مخطئين. يبغى إراحته نفسيًا ويُتعِبه روحيًا. وهكذا منع كلمة التوبيخ لإرضاء نفس الإنسان، التي قد تريحه نفسيًا لكن تتعبه روحيًا، وهكذا النفاق أيضًا مع المخطئين وعدم توبيخهم.
على الأقل إذا لم تستطع أن توبِّخ الخطية فلا تبرِّرها...
إن لم تستطع أن توبِّخ الخاطئ فلا تجامله مجاملة كاذبة تضيِّع نفسه في الجحيم. إيزابل امرأة آخاب الملك أرادت أن تُريحه نفسيًا وتوفِّر له حقل نابوت اليزرعيلي الذي أراده فضيَّعته روحيًا. رِفقة أرادت أن تُريح يعقوب وتُفرِّحه نفسيًا بأنه يأخذ البركة، فدفعته إلى خداعِ أبيه فأخطأ روحيًا ودفع ثمن هذا الأمر تعبًا كثيرًا في حياته.
وهناك من يكذب للخروج من مأزق..!
فبالكذب أراح نفسه لكن أضاع روحه، أو خدعة سلك فيها أحدهم ليصل إلى غرضه، فيستريح نفسيًا لكن في نفس الوقت يضيع روحيًا، أو يكتب طبيب لمريض شهادة طبية خاطئة تُتيح له إجازة مرضية فيريح نفسيته ويُتعِبه روحيًا.
بالنسبة للشخص نفسه الذي يبغي الراحة فلا يحاسب نفسه على خطاياه لئلا يتذكرها فيتعب، ولا يلوم نفسه لئلا يتعب، ويدَّعي أن اسمها sense of guilt. هذا التعبير خاطئ لأن العبارة تعني أن يشعر أحد بالخطأ حيث لا يوجد، ولكن إنسان فعلاً مذنب ويوبخ نفسه فهذا حسنٌ جدًا.
فالإنسان الذي لا يحاسب نفسه ولا يلوم نفسه ولا يعاقب نفسه ولا يؤدِّب نفسه بل يحاول أن يبرِّر نفسه، هو يبحث عن الراحة النفسية وليس الراحة الروحية. الراحة الروحية أن يُبكت نفسه، فتبكيت النفس يقوده إلى التوبة وبالتوبة يصل إلى الراحة الروحية.
من ضمن الأخطاء في الراحة أيضًا أن إنسانًا يجعل راحته على تعب غيره، ففي هذا نوعٌ من الأنانية، وحب الذات، وعدم محبة الآخرين، إنَّه يريح نفسه بأنه يُتعِب غيره!!
يوجد نوعٌ أفضل من الراحة والتعب، هو في الخدمة...
مفروض في الخدمة أن يتعب الإنسان، لكن عندما يتعب جسديًا يستريح روحيًا ويريح الناس، ولذلك نجد أن بولس الرسول قال: "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو 3: 8)، فيما كان يتكلم عن عمله هو وأبلوس، "أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 6).
التعب في الخدمة فضيلة وغالبيته تعب جسداني، وأحيانًا يتعرض الإنسان في الخدمة إلى متاعب من أعداء الخدمة، ويُتعبوه نفسيًا، ولكن روحه تكون مستريحة باستمرار، أمثال تعب الرسل والقديسين، المتاعب التي تحملها بولس الرسول، "بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ"؛ "خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ" (2 كو11: 26، 24، 25). لكنه كان مستريحًا، جسده تعب لكن نفسه مستريحة.
هل تعتقدوا أن من يخدم المسيح يأخذ مكافأة من الله بدون تعب؟
أبدًا، إن لم يتعب في الخدمة لا يأخذ مكافأة. الخادم الذي لا يتعب جسديًا لن يستريح روحيًا ولن تستريح الخدمة معه.
هناك ليس فقط من لا يحب التعب، إنَّما يُحِب أن يُتعِب غيره، حتى في الحياة العادية، إنسان يُتعب روحه ويُتعب أسرته ويُتعب المجتمع الذي يحيا فيه، ويُتعب الكنيسة، ويُتعب الله أيضًا! ويذهب إليه الكهنة لكي يتوِّبوه دون فائدة، وقد يذهب الكاهن إلى مشكلة معينة أكثر من 20 مرة دون أية استجابة، وقد تصل إلى المحاكم.
التعب الداخلي
هناك تعبٌ من داخل الإنسان، النفس المستقرة لا يوجد سبب يُتعِبها، لكن هنا نوعٌ من التعب يُسمَّى التعب الداخلي، مثلاً الغضب والانفعال، القلق والاضطراب والخوف، يتصوَّر أن مشاكل معيَّنة ومتاعب لا وجود لها سوف تحدث، يحتاج أن يستريح من الداخل، الاضطراب، القلق، الخوف، التشاؤم ... هناك من يتشائم من أقل سبب، لو سمع صوت بومة يتوقَّع الشر، إن حلم حلمًا يحيا في قلق، لو قرأ في التنبؤات التي للتسلية أي خبر على سبيل الفكاهة يتملَّكه القلق طوال اليوم ... هذا يجب عليه أن يبحث عن مصدر التعب الداخلي وكيف يعالجه. الناس الذين يُتعِبون أنفسهم لا يستفيدون شيئًا، لكن من يَتعب من أجل الرب ومن أجل الآخرين يأخذ أجرًا، هؤلاء من قال عنهم الكتاب: "الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ" (مز5:126).
التعب في الجهاد الروحي
يوجد من يتعب في الجهاد الروحي، وفي مقاومة الخطية، يتعب في الصلاة، في السهر، في قراءة الكتب المقدسة، في الميطانيات، في كلِّ أنواع العبادة، في التداريب الروحية، في ضبط النفس، كلُّ هذا تعبٌ يؤول إلى الخير.
مباركٌ هذا التعب، داود النبي في تبكيته لنفسه قال: "تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي"(مز 6: 6)، هذا هو التعب المقدس الذي يتعبه الإنسان من أجل راحة روحه ومن أجل راحة الآخرين، ويكون تعب له نتيجة وله بركة.
[1] محاضرتان لقداسة البابا شنوده الثالث، بتاريخ 13فبراير2008م، 26 مايو1993م


