التربيـَــة الأُسَــريّـة (المنزليّــة)

التربيـَــة الأُسَــريّـة (المنزليّــة)[1]
التربية الدينية ليست هي مسئولية الكنيسة وحدها، من جهة الآباء الكهنة، وخدام مدارس الأحد وفصول الشباب. وإنما هي أولًا وقبل كل شيء هي مسئولية الأسرة. وعلى الأسرة أن تتعاون مع الكنيسة في هذا الأمر. وسأتناول معكم بعض نقاط في هذا الموضوع:
- أول نقطة هي الشعور بالمسئولية.
- يجب على الوالدين أن يشعرا بمسئوليتهما من جهة تربية أولادهما في كل مراحل العمر.
فلا يلقيان المسئولية على الكنيسة، ويتخليان تمامًا عن واجبهما.
فالأم مسئولة عن ابنها، إذ استلمته كأشبينة له في يوم عماده لتربيه في خوف الله. والطفل موجود معها باستمرار منذ رضاعته حتى يكبر. وهي التي تعلمه الكلام، وتتعامل معه. وهي مسئولة عنه روحيًا، وليس فقط من جهة صحته وتغذيته ونظافته وملابسه..
- وحتى بعد أن يكبر ويذهب إلى مدارس الأحد. وأتذكر أنني قلت مرة لإحدى الأمهات: إن طفلك قد يقضي في مدارس الأحد ساعة واحدة في الأسبوع، ولكنه يقضي معك 167 ساعة في كل أسبوع.
- أتذكر أننى حينما زرت روسيا سنة 1972 أثناء الحكم الشيوعي، قيل لي وقتذاك إن عدد المعمدين ثلاثون مليونًا وقتذاك. ولم يكن يسمح للكنيسة بتربية الأطفال، وما كان الرجال (الآباء) متفرغين لذلك. فكان عبء تعليم الدين للأطفال واقعًا على الأمهات والجدات. وكن هن اللائي يعددن الأطفال للعماد، ويعلمنهم الدين في البيت..
ويطيب لي أن أذكر أمثلة من الأمهات القديسات ربين أطفالهن:
- أذكر من بين هؤلاء يوكابد أم موسى النبي، التي تسلمت طفلها من ابنة فرعون لترضعه. وقضى معها ما يقرب من أربع سنوات أو خمس، ثم سلّمته للأميرة ليعيش في قصر فرعون وسط عبادات كثيرة كانت تعرفها مصر القديمة، ولم تؤثر عليه بفضل تربية أمه له في سني طفولته المبكرة. ولم يحتفظ بإيمانه فقط، بل صار بطل الإيمان في جيله.
ويوكابد هذه العجيبة في تربية أولادها، كان من بنيها موسى النبي العظيم، وهارون رئيس الكهنة، وأختهما مريم النبية (خر15: 20) التي كانت تحسن التسبيح. أيّ أم مثل يوكابد كان لها أبناء في روحانية أبنائها!.
نذكر أيضًا أم وجدة القديس تيموثاوس تلميذ القديس بولس الرسول، وأثرهما في تكوين إيمانه، إذ يقول له القديس بولس: “أتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ افْنِيكِي” (2تي1: 5).
نذكر كذلك أم القديس باسيليوس الكبير، التي كان من أبنائها القديس باسيليوس رئيس أساقفة قيصارية كبادوكية، وأخيه القديس أغريغوريوس أسقف نيصص، وأخوهما القديس بطرس أسقف سبسطية، وأختهم القديسة ماكرينا المرشدة الروحية لأخوتها والتي صارت رئيسة دير.. أيّ أم مثل هذه يمكن أن تنجب أربعة من القادة والقديسين. لا شك أن تربيتها لهم كانت عميقة الأثر في حياة جميعهم، بل في حياة المجتمع عن طريقهم..
لعل إحدى الأمهات تقول لي إن نصيحتك جاءت متأخرة، فإن أبنائي قد كبروا وتزوجوا، وأنا أقول لها:
أمامك فرصة أن تقومي بنفس الرسالة الروحية مع أحفادك.
إنهم جيل جديد، وفرصة تمارسين فيها عملك مع الطفولة في تلقينها مبادئ الدين، وتنشئتها تنشئة روحية.
إن كنا قد ذكرنا واجب الأمهات، نعرض إلى واجب الآباء.
يقول الرب في سفر التثنية “َلتَكُنْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ عَلى قَلبِكَ. وَقُصَّهَا عَلى أَوْلادِكَ وَتَكَلمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ..” (تث6: 6، 7)
فهل تنفذ هذه الوصية؟ وهل تقص على أولادك قصصًا من الكتاب، وتعلمهم وصايا الرب وتعليمه؟ أم تقصر في ذلك كله؟!
عجيب أن أطفالنا يرون أن مدرس الدين الذي يتلقون من فمه وصايا الله، هو في الكنيسة وليست في البيت! هو فقط الأب الكاهن أو مدرس مدارس الأحد، وليس الأب الجسدي الذى لا يسألونه في أمور دينهم، لأنهم لا يتوقعون منه جوابًا!!
إن الأب عليه واجب ديني حيال أبنائه، وحيال أمهم أيضًا، لأن “الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ” (أف5: 23).
أول واجب للوالدين في التربية الدينية لأولادهم هو القدوة.
فالأبناء يقلدون الأباء والأمهات ويتبعونهم، إن رأوهم يصلون، سيصلون هم أيضًا. وإن رشمت الصليب، يرشمونه مثلهم. وإن ركعوا يركعون هم أيضًا. كذلك يقلدونهم في الكلام وفي نوعية الألفاظ، وفي الحركات، وفي التعامل. ويقلدونهم أيضًا في العطاء. وهكذا إن سلك الأباء في الفضيلة، يسلكون مثلهم.
وهكذا صدق من قال “إن الدين هو تسليم، وليس مجرد تعليم” فانظروا ماذا يتسلم أبناؤكم منكم.
كذلك فالأطفال يحبون الحكايات. ويحبون من يحكيها لهم.
ويمكن أن يستخدم ذلك في أن تجلسوا إلى أطفالكم، وتقصون عليهم حكايات من قصص الآباء والأنبياء، ومن شخصيات الكتاب، ومن سير القديسين، وأبطال الإيمان، وسير الشهداء والرهبان والسواح، وقصص عن الفضيلة بأنواعها. بل حتى من قصص الحيوانات التي تغذي خيالهم، إن كانت تحمل معنى ساميًا، أو حتى تدل على نوع من الذكاء أو من الطرافة. وهناك قصص تغرس فيهم بعض المبادئ والقيم، وتشجعهم على عمل الخير.
وثقوا أن الأطفال يحبون القصص جدًا ويطلبونها، ويلتفّون حولها بإصغاء شديد. وحتى الكبار أيضًا يحبون الحكايات.. وإن لم تقصوا على أطفالكم القصص المفيدة، سيتلقفهم العالم ويحكي لهم أنواعًا أخرى قد تضرهم أو تزعجهم من قصص الجان أو من الخرافات، أو يلتمسون القصص من الروايات التي تعرضها السينما أو التليفزيون..
فإن كنتم لا تعرفون قصصًا تحكونها، هناك قصص كثيرة نشرها الأستاذ جرجس رفلة، ومكتبة اسبورتنج، وجريدة وطني، والأستاذ الشاروني، وغيرهم. فاقرأوا واحكوا لأطفالكم.
وهذا الأمر يقودنا إلى نقطتين: إحداهما الجلسة الروحية مع الأبناء. والأخرى هي ثقافة الآباء والأمهات.
فما أجمل أن يجلس أحد الوالدين مع أطفاله، جلسة محبة بعيدة عن الرسميات، يتبادلون فيها الأحاديث، والحكايات، والأسئلة من جانب الأطفال، والإجابات من جانب الأب أو الأم. وتكون جلسة ممتعة يشتاق إليها الأطفال ويتابعونها.
وكلما كان الأب أو الأم على مستوى كبير من الثقافة، وعلى عمق في المعرفة، كانت الجلسة أكثر متعة، ولها تأثير أكبر في تثقيف الطفل أو الصبي أو حتى الشاب دينيًا وروحيًا.
لذلك نرجو من الوالدين أن يقرأوا ويحكوا لأبنائهم، وأن يتعملوا ليعلموهم. فيزداد الوالدان ثقافة، ويزداد أبناءهم معرفة بالدين، سواء على مستوى القصص أو المعلومات.
وهذا يجعلنا نعرض لموضوع مكتبة البيت.
والمقصود بها أن تكون مكتبة صغيرة على كافة مستويات السن: من الطفل الذى تناسبه الصورة وتحتها سطر واحد بخط كبير، إلى الفتى والشاب، إلى مستوى الوالدين.
بالإضافة إلى الكتب الأساسية: كالكتاب المقدس، والأجبية، والأبصلمودية، ومردات الشماس، وكتب التراتيل.
ونشكر الله أن غالبية كنائسنا تلحق بكل منها مكتبة للبيع وأخرى للاستعارة تشمل العديد من الكتب. هذا وقد كوّنت لكم مكتبة للأطفال في منطقة الأنبا رويس، يمكن أن يضاف إليها كل جديد مفيد من الكتب النافعة للأطفال.
وعلى الوالدين في كل أسرة أن يقرأوا ليجدوا مادة روحية سهلة يتحدثون بها مع أطفالهم كلون من التسلية ومن التعليم.
هناك سن في حياة الطفل هي سن الحفظ.
وهي خلاف طفولته المبكرة، حيث يكون عقله مثل ريكوردر أو كمبيوتر جديد، مستعد أن تسجل فيه كمية كبيرة من المعلومات. فلا يصح أن تفوتكم هذه المرحلة من العمر، قبل أن يبدأ العالم في أن يشحن أذهان أطفالكم بالمعلومات التي قد تفيد وقد تضر.
- وليكن لدى الوالدين منهج للحفظ بالنسبة إلى أبنائهم. منه حفظ آيات، وتراتيل، ومزامير، وألحان.. بالتدريج، حسب مستوى السن.
- فمثلًا ممكن تحفيظهم آيات بالحروف الأبجدية، كل آية تبدأ بحرف معين. وليكن البدء بآيات على حروف اسم الطفل، ثم على حروف أسماء أخوته، واسمي والديه.
- وبعد ذلك آيات على أشياء في البيت مثل كتاب – قلم – كرسي – نور – مصباح – خبز – ماء – يأكل – يشرب – ينام.. إلخ. وثقوا أن الطفل سيفرح بهذا. وبمحفوظاته يفاخر زملاءه.
- وبعد ذلك يحفظ الطفل آيات عن فضائل معينة، أو عن عقائد هامة وأسرار الكنيسة، بالتدريج أيضًا.
- وقد نشرت لكم كتبًا عن آيات للحفظ.
من التسليات النافعة في تربية أولادكم دينيًا: الألغاز والمسابقات.
لأن فيها تنشيطًا لذاكرة الطفل ومحفوظاته ومعلوماته، واختبارًا له، وفرحًا بمعلوماته. وحبذا لو كانت معها بعض مكافآت ولو رمزية.. وتكون هذه الألغاز مثلًا في الكتاب المقدس، وفي أسئلة عن العقيدة أو عن القديسين، أو عن شيء من تاريخ الكنيسة. والذي سيعرفه الطفل في البيت، سينشره عند لقائه بأصحابه وزملائه في الكنيسة أو المدرسة أو النادي.
من التربية الدينية في محيط الأسرة، تعويد الأبناء على الحياة الدينية.
- تعويدهم على التناول مثلًا، وحضور القداسات، والاشتراك في الألحان والتسبحة، وفي الاجتماعات الدينية، وأنشطة الكنيسة.. مع تدريب الطفل على الصوم كلما ينمو في سنه.
- وإذا ذهب الطفل إلى مدارس الأحد، من واجب الأم أن تسأله عند عودته عن الدروس التي أخذها.. وتراجعها معه، وتجعله يلخص أو يعيد ما أخذه.. فإن هذا يساعده على الالتفات والتركيز، حتى لا يخجل أمام أمه إن كان قد نسيَ ما تلقاه من الدروس.
- أيضًا يشجعه والداه على استلام الألحان وحفظها، والخدمة كشماس في الكنيسة. فإن هذا يحفزه على الاهتمام بالذهاب إلى الكنيسة والاشتراك في المردات، والتناول.
- وإن كبر، تشجعه الأسرة على الانضمام إلى فصول إعداد الخدام، تمهيدًا لخدمته في مدارس الأحد..
من المهم أيضًا العبادة المنزلية المشتركة.
والتسجيلات الصوتية للعظات والألحان يسمعها الأبناء مع آبائهم في المنزل، وفي العربة أثناء المواصلات، مع تعليم الأبناء الألحان، وتقديمهم للآباء الأساقفة لسيامتهم (أبسلتس) أي مرتلين.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث التربيـَــة الأُسَــريّـة (المنزليّــة) مجلة الكرازة 7 مارس 2003


