التجربة والاختبار

| الكتاب | التجربة والاختبار |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الرابعة، مارس 2024م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 4467/ 2014 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
التجربة والاختبار
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
التجربة والاختبار
التجربة والاختبار[1]
فترة الأربعين يومًا المقدسة، فترة اختبار، كان الشيطان يجرب السيد المسيح فيها لكي يرى من أي طبيعة هو، هل يستسلم له أم يقاوم؟ وطبعًا قاومه وانتصر السيد المسيح عليه.
في فترة الأربعين يومًا المقدسة نذكر الاختبار، ونذكر أن حياتنا كلها فترة اختبار، نُختبر فيها بأنواع وطرق شتّى، تُختبر فيها نقاوتنا وصلواتنا، ويُختَبر فيها صمودنا ومحبتنا لله، وبقدر نجاحنا في هذا الاختبار، بقدر ما نكلل في السماء، ونأخذ جزاءنا في العالم الآخر.
هي فترة اختبار لا أكثر ولا أقل، ولقد اجتاز الكل هذه الفترة.
اجتازها الملائكة، والذين نجحوا من الملائكة تكللوا بحياة البر الدائم والنقاوة الدائمة، والذين سقطوا في فترة الاختبار، صاروا شياطين، وأُطلق عليهم اسم الأرواح الشريرة أو الأرواح النجسة، وصاروا في عالم الفساد إلى أبد الآبدين، إن فترة الاختبار تعرّض لها أيضًا الرسل والأنبياء وجميع القديسين، حتى السيد المسيح نفسه.
الوصية التي أُعطيت لآدم وحواء، ما معنى أن يأكلوا من شجر، وألا يأكلوا من شجرة معينة؟ المسألة ليست مسألة شجرة بقدر ما هي اختبار طاعة ومحبة هذا المخلوق البشري، والإنسان يختبر بالقليل أو بالكثير، وآدم اُختبر فسقط، وحواء اُختبرت وسقطت، والمسألة ليست أن الوصية كانت ثقيلة أو خفيفة، ليس هذا هو المهم، المهم هو اجتياز الاِختبار، الله يختبر الإنسان، هل يطيعه أم لا؟ كما قال معاتبًا: "وُزِنْتَ بِالْمَوَازِينِ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا" (دا 5: 27).
الله يضع لنا اختبارًا لنبرهن على محبتنا له، والاختبار مثل النار التي توضع فيها مواد كثيرة، الذهب والفضة والنحاس تتحمل النار، ولكن الخشب والقش يحترقان، والإنسان هل هو ذهب يتحمل نار الاختبار فيتنقّى، أم هو كالخشب سريع الاحتراق فينتهي إلى رماد.
وفترة الاختبار هذه لا يهم أن تطول أو تقصر...
هناك من يقضون فترة قصيرة، والبعض تطول أيامه على الأرض، إن بعض القديسين ماتوا في سن مبكرة، ولكنهم اختُبروا ونجحوا، لذلك لا يهم طول فترة الاختبار أو قصرها، ولا يهم أنواع الحروب واختلافها، المهم هو الاختبار، وكلنا نتقدم له ليرى الله معدننا كيف هو، وبه يظهر العدل الإلهي، فإن كل إنسان يأخذ فرصته لتظهر طبيعته، هل هي نقية أم ضائعة؟
والله يختبر الناس على مستويات وبأنواع مختلفة، وكما يقول الكتاب: "إِنْ جَرَيْتَ مَعَ الْمُشَاةِ فَأَتْعَبُوكَ، فَكَيْفَ تُبَارِي الْخَيْلَ؟" (إر12: 5)؛ فالإنسان الذي يتعب في اختبار المشاة لا يُدخله الله في اختبار ركاب الخيل، وبمعنى آخر إن الصغار لا يجرَّبون بتجارب الكبار الناضجين.
في سير القديسين، متى يظهر شيطان لقديس؟ إن القديسين لم يصلوا إلى هذا المستوى إلا بعد نجاحهم في تجارب متعددة، كمن يتقدم لنيل الدكتوراة، لا بد له قبل ذلك أن يحصل على الماجستير والليسانس أو البكالوريوس.
الله يختبر الناس بأنواع وطرق شتّى..
من ضمنها التجارب والأمراض والموت، هناك إنسان يثبت في التجربة، وإنسان لا يثبت، يقابل التجربة بالتذمر والضيق، ويشك في الله وفي محبته، وهكذا لا يتحمل التجربة ويضيع، ونجد الإنسان الذي يقابل التجربة بصبر واحتمال ولا يُخطئ، ونجد الإنسان الذي يقابلها بالرضا، وغيره يقابلها بفرح، وآخر من كثرة نجاحه في التجارب يشتهي التجارب!
الناس إذًا مستويات، انظروا إلى أيوب الصديق وكيف جرّبه الله بتجربة المال والأبناء، وصبر في التجربة وقال: "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أي1: 21). وإبراهيم أب الآباء جرّبه الله في ابنه (تك22: 2) اختُبر اختبارًا شديدًا أيضًا وقاسيًا، واجتاز امتحانًا صعبًا. عندما قال له الله: خذ ابنك، وحيدك، الذي تحبه إسحاق، وطلب منه أن يقدمه بنفسه محرقة، بكّر إبراهيم صباحًا وأخذ الحطب والسكين ولم يتذمر أو يشك، لم يجادل الله أو يعاتبه ويناقشه، بل قبِل كل شيء بهدوء وطاعة. هكذا اختُبرت طاعة إبراهيم، فنجح في الامتحان، وقدم لنا مثالًا عجيبًا في طاعة الرب!
إن الأوامر الصعبة نوع من الاختبار...
وربما كان في الأبوة الروحية أوامر من هذا النوع، فهناك من يُختَبرون من ناحية طاعتهم، البعض لا يطيعون إلا إذا اقتنعوا، ولهذا يُكثرون المناقشة. وهناك من يطيعون أب اعترافهم ولا ينفذون مشيئتهم الشخصية، وهذه هي الطاعة الحقيقية التي فيها تنازل وإنكار ذات.
إن الله في الاختبار يوزع التجارب على الناس قدر احتمالهم، لأنه لا يجرب الناس فوق ما يطيقون، إن التجربة والاختبار تُظهران مدى رضاك وقبولك لما يفعله الله، أو مدى تذمرك عليه، فإذا قبلت التجربة برضا مرَّت هادئة، وإذا تذمرت أو تعبت مرَّت عليك ثقيلة.
ومسألة الرضا والتذمر بالنسبة لله مهمة جدًا، فالناس في الحياة الدنيا يريدون أن تسير الأمور حسب هواهم، وإذا لم تسر حسب هذا الهوى يتذمرون.
فإذا وقف الأب والأم ضد هوى الإنسان تذمر، وكذلك إذا وقف الكهنة والأب الروحي تذمّر، وإذا وقف الله أيضًا ضد هوى الإنسان تذمّر، وربما حارب الله نفسه، مثل الوجوديين والملحدين، الذين يجدون الله على غير هواهم فيرفضون الله، إن الإلحاد المعاصر لا يُبنى على أسباب فلسفية بقدر ما يُبنى على أغراض شخصية. إنهم ينكرون الله لأنه لا يجاملهم ولا يسير حسب هواهم.
إن أصعب تجربة تمر على الإنسان، هي أن يجرب في هواه الشخصي، هل ينفذ هواه أم يخضع لهوى غيره؟ هل ينفذ مشيئته أم يخضع لمشيئة الله؟
إن الهوى الخاص نوع من الاختبار الصعب والحرب الضخمة، والسيد المسيح يقول: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مر8: 34).
إن أول شيء فى إنكار الذات، أن تنكر هواك الخاص ومشيئتك الخاصة ورغباتك الخاصة، وتقبل رغبة الله ومشيئته، هو اختبار.
ليتنا نختبر أنفسنا إن لم يختبرنا الله، هل نحن نسلك حسب أهوائنا، أم نحن نحارب أهواءنا ونقاوم رغباتنا؟ إنه تدريب مناسب في فترة الصوم.
ما معنى التربية أيها الإخوة، ما معنى أن يربي الأب أولاده، والمدرس تلاميذه، والله يربي شعبه والمؤمنين، المعنى هو أن يراجع أهواءهم ويهذبها، يوافق على بعضها، ويرفض بعضها الآخر، التربية هي تغيير الطريق إذا كان خاطئًا، والوقوف ضد الفكرة إذا كانت خاطئة، والرغبة إذا كانت خاطئة، هذه هي التربية، فإننا لو تركنا كل إنسان على هواه لكان النتاج جيلًا من المدللين الفاشلين الذين يسلكون حسب هواهم.
إن الله يختبر الناس بهواهم الخاص، وبهذه الحرية التي أعطاها لهم، هذه الحرية التي لم يختبر بها النجوم أو الكواكب أو الطبيعة، لقد وضع الله لها نظامًا تسير عليه، ولا تملك الحرية لكي تغيّره وهي تسير، إن الله لم يرد أن يسير الناس بالقوانين الطبيعية، بل يسيروا بحرية ثم يختبر هواهم، هل هو شر أم خير.
فإذا مال الإنسان للشر فهل يقبل التصحيح أم يرفضه؟ وإذا أراد أن يؤدّبه فهل يقبل التأديب أم يرفضه؟!
إن لم يختبر الله هوانا فلنختبر نحن أهواءنا.
والعجيب في الهوى الخاص أن كل إنسان يرى هواه جميلًا في نظر نفسه، إنه يحب مشيئته الخاصة، ويثق بها وبعقله ورغباته، كما قال الكتاب "تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ" (أم12:14و25:16). لأجل هذا وجد المرشدون الروحيون، والآباء والرعاة والمربّون، لكي يراقبوا أهواء الإنسان ورغباته وانفعالاته، ولكي يقودونه إلى طريق الخير.
مسكين ذلك الإنسان الذي يسلك حسب هواه وحسب مشيئته، ويرفض أن يطيع مشيئة غيره.
وأكثر بؤسًا ذلك الإنسان الذي يقاوم من يرشده ويتضجر على من يهديه إلى الخير، وكما يقول الآباء: "الذين بلا مرشد يسقطون كأوراق الشجر".
إن الإنسان الروحي يجعل مشيئته هي مشيئة الله ويقول لتكن مشيئتي هي مشيئتك، ومشيئتك هي مشيئتي، أود أن أشاء ما تشاء يا رب، وأود أن أحب ما تحبه يا رب، وأن أعمل ما تريدني أن أعمله، لا ما أريد أن أعمله أنا.
إن الله يعطيك الحرية ويختبر سلوكك بهذه الحرية، هل تتخذها سلاحًا ضد الله الذي أعطاك إياها؟
أم تسير بالحرية بطريق يتفق مع مشيئة الله ولو ضغطت على رغباتك ومشيئتك؟
كثيرون نجحوا في اختبار التجارب، ولم ينجحوا في اختبار الخطية...
وقيل عن الخطية: "أَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم26:7). إن الله يختبر الناس، هل يحبونه أم يحبون الخطية وفي هذا الاختبار أُحب أن أقول لكم شيئًا مهمًا، ربما ينجح إنسان في حرب خطايا معينة، وليس معنى هذا أنه إنسان ناجح، فربما يسقط في خطية معينة تكون موضع اختبار، هذا الإنسان مثلًا ينجح في اختبار خطية لا تسرق أو لا تذكر اسم الله باطلًا أو لا تقتل، ولكنه يسقط في خطية لا تزنِ، هذه هي تجربته، فالله لا يأخذ بالعدد إنما بالنوع، وكل إنسان له نقطة ضعف هي موضع اختباره.
ربما كان إنسانًا كريمًا وعفيفًا وصادقًا وطاهرًا، ثم يحارب بخطية واحدة هي حب المديح، ويقول: يا رب أنا انتصرت على خطايا هذا عددها، وهنا يقول له الله: أنا اختبرتك بهذه الخطية، إنك ما زلت ساقطًا، أريدك أن تحارب الشيطان في الميدان الذي أسقطك فيه وتنتصر عليه، كل إنسان له حرب معينة مع وجود حروب عامة.
إن الاختبار الحقيقي في نقطة الضعف بالذات، في نقطة السقوط بالذات، فإذا كانت لك ألوف من الفضائل ونقطة ضعف معينة، فربما ضاع هذا كله نتيجة السقوط في نقطة الضعف، ككوب الماء الذي وقعت عليه نقطة حبر واحدة فعكرت الماء كله! إن الميكروب الواحد يُسقط الجسم كله ويُسبب الضياع.
وهناك اختبار آخر نُختبر به، نختبر بالنعم والعطايا.
وكثيرون يقعون في هذا الاختبار للأسف الشديد، فإذا أنعم الله عليهم بها اتخذوا نعمة الله ليحاربوا بها الله! إن أكثر الذين يحاربون الله هم المنعم عليهم، ما معنى هذا؟
الله يعطي موهبة الذكاء لإنسان فيستغل هذا الذكاء ضد الله، ويفكر في أنواع جديدة من الخطايا، وكثيرون من المجرمين لهم ذكاء عجيب، وكذلك نجد المحتالين والملحدين والهراطقة، يتمتعون بالذكاء العجيب الذي استغلوه في الشر. وعلماء أعطاهم الله الذكاء ليستخدموه في اختراع أدوات التخريب والدمار وضياع الإنسانية، حقًا إنه اختبار بنعمة الذكاء، والإنسان الذي أعطاه الله نعمة الخيال الواسع وسعة الأفق، أنه لو سار في طريق التأمل في كلمات الله لأصبح قديسًا، ولو استغل خياله في الخطايا لأضاع روحه، ومثلهم من أوتوا موهبة الشعر، يستخدمونها في الهجاء والغزل فأضاعوا أنفسهم، ومثلهم من أوتوا موهبة الفن وكانت الموهبة سبب عثرة، كثيرون أعطاهم الله المواهب واختُبروا بها وإذا بهم يستغلونها ضد الله.
إن النعم والمواهب نوع من أنواع الاختبار الذي يقدمه الله للناس، هل سينجحون أم سيفشلون؟
وهناك من يُختبرون بالشيطان وبالناس..
والمهم أن ينجح الإنسان في اختباره، فإذا رأى الله أنه سلك السلوك الحسن في هذه الدنيا، استأمنه على الحياة الأخرى، وإذا وجده أمينًا في هذا العمر القصير استأمنه على العمر الذي لا ينتهي.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 11 مارس 1973م.
الصوم والتجارب
الصوم والتجارب[1]
صوم الأربعين، هو الصوم الذي صامه الرب يسوع؛ إذ يذكر الكتاب المقدس أن السيد المسيح قضى أربعين يومًا، في الجبل صائمًا، يجرّب من إبليس.
وإذا كان الإنسان يستعد في الصوم، لكي يسلك سلوكًا روحيًا، فإن الشيطان أيضًا يستعد لمقاتلة هذا الإنسان، ومحاربته، لكي يُسقطه في المعصية، أعني أن الاستعداد هنا متبادل، استعداد من جانب الإنسان للسلوك في طريق الله، واستعداد من جانب الشيطان، لمحاربة هذا الإنسان!
لذلك فنحن نجد كثيرًا من الصائمين يتعرضون لحروب روحية، في حالة الصوم بالذات، ولهذا، فإن الإنسان أحيانًا يستغرب ويتساءل، كيف يتعرض لهذه الحرب، رغم أنه في حالة الصوم، ولكن السبب هو أن الشيطان يريد أن يجربك في الصوم.
وأنت إذا أردت أن تسلك سلوكًا روحيًا، فاعلم أن الشيطان لا يتركك، لأنه لا يسر بأن يجد إنسانًا يسير في طريق الله، والشيطان دائمًا يحاول أن يعطل كل عمل روحي، ويعطل كل من يسير في طريق الله.
لا تتضايقوا إذًا من التجارب التي توجد في الصوم، لأن التجارب لا بد أن تأتي في الصوم، فذلك دليل على أن صومكم له مفعوله، وأن سلوككم الروحي له أثره، الذي يزعج الشيطان، بل على العكس، يجب أن تتضايقوا عندما لا تحدث التجارب، فهنا يجب أن تسألوا: لماذا يتركنا الشيطان بدون تجارب؟ هل هو يحتقر جهادنا؟ وهل صيامنا وصلاتنا لا تخيف الشياطين ولذلك يتركوننا؟
إن حاربتك الشياطين في الصيام الكبير، فاطمئن، واعرف أن صيامك ناجح، ولذلك لم يتركك الشيطان وحسد روحياتك لنجاحك في صومك، فقام بتحرّك مضاد، ليوقعك في التجربة ويشن عليك الحرب.
احسبوه كل فرح يا إخوتي إن وقعتم أثناء الصيام في تجارب، واعلموا أن الرب يسوع نفسه عندما صام تعرض للتجربة، وظل الشيطان يجربه طوال أربعين يومًا وأربعين ليلة، لم تهدأ خلالها التجربة، ولذلك، فإن الرهبان يقولون: فترة الصيام هي فترة التجارب، وإن وجد إنسان نفسه أنه يتعب في الصيام، فلا يغضب، ولا بد أن يعرف أنها محاربة من الشيطان.
إن التجارب ضرورية، فلا بد أن تختبر روحيات الإنسان.
ولذلك فإن الله يسمح بالتجارب، لاختبار روحياتنا ويسمح بأن يحاربنا، هل هي سائرة في طريق الخير، أم هي تسير في طريق الشر، والله يسمح بأن يحاربنا الشيطان، لكي تُختبر إرادتنا، ولكي تُختبر محبتنا لله، فلا بد أن يوجد "الاختبار" في حياة الإنسان، ولابد أن يختبر الله حياتنا، ومحبتنا له، وإرادتنا.
لا بد من الاختبار، في كل شيء، فالذهب يُختبر بالنار، والتلميذ يُختبر بالامتحان، والرجل يُختبر بالمرأة، والمرأة تُختبر بالرجل، والإنسان الروحي يُختبر بالتجارب، ولا بد له أن يدخل في حروب الشيطان، ويُجاهد وينجح.
لقد وضع الله مبدأ الاختبار منذ البدء، فمنذ آدم سمح الله له أن يختبره الشيطان ويجرّبه، ويجرّب حواء معه، هل هما ثابتان في محبة الله واتباع وصيته من عدمه؟!
لا بد من أن يُختبر الإنسان، فالتجارب والصعوبات، والألم، والشهوات،
والمال، والجسد، والفكر، وغيرها يُختبر بها الإنسان، من أجل معرفة مدى ثباته في الله، وسلوكه في طريقه حسب وصاياه.
إننا في قصة أيوب الصديق نشعر بالاختبار واضحًا، فلقد جاء الشيطان وقال لله إن أيوب يعبدك من أجل الخيرات التي أعطيته إياها، من أجل ماله وبنيه، وراحته وعزّه، إنه لهذا يعبدك، ولا يعبدك هكذا مجانًا، فإذا أخذت منه ذلك وسحبته منه، سوف لا يثبت، وإنما سيرتد، ولا بد من اختباره.
وسمح الله باختبار أيوب، وكان اختبارًا شديدًا قاسيًا، كانت فيه يد الشيطان عنيفة وقوية.
ولكن ظهر أن أيوب معدنه طيّب، وثبت، قال: "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أي21:1)، وبارك اسم الله في وقت الضيقات!! ونجح أيوب في الاختبار، وتغلب على التجربة.
يوسف الصديق أيضًا؛ تعرض للامتحان، ألحّت عليه وحاصرته سيدته، التي لها سلطان عليه، وفي ظروف خطية ميسّرة وسهلة، ومع ذلك فقد صمد، وقَبِل أن يُلقى به في السجن وتُذاع عنه تهمة رديّة، قَبِل ذلك كله على ألا يقع في الخطية، لقد اختُبر يوسف اختبارًا شديدًا قاسيًا، ونجح.
كذلك تعرض بطرس الرسول والتلميذ للاختبار، فعندما افتخر، وقال للسيد: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا" (مت33:26) ولو أدّى الأمر لأموت معك، في هذه الحالة سمح الله له بأن يتعرض للتجربة والاختبار، لكي يظهر أمام نفسه، ولكي يعرف حقيقة ذاته وضعفه، أحيانًا يكون عند الإنسان غرور، فيختبره الله ويسمح بأن يسقط، ليعرف الانسحاق ولا يفتخر باطلًا.
هناك أناس اختُبروا، ووُجدوا في الموازين إلى فوق، مثل ديماس؛ صديق بولس الرسول، الذي قال عنه بولس: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي10:4).
وهناك أيضًا أناس آخرون، مثل الذين قال عنهم يوحنا: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا" (1يو19:2)، وأحيانًا تكون التجارب لاختبار الأصدقاء والأعداء على نحو ما يقوله الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خير |
| عرفت بها عدوّي من صديقي |
إن حياتنا على الأرض كلها اختبار، ونحن لا نُختبر فقط في فترة الأربعين يومًا المقدسة، وإنما نحن نُختبر طول العمر، لكي نظهر نقاوة قلبنا، ومدى ثبات إرادتنا في محبة الله.
إن القديسين في البرية جازوا اختبارات كثيرة، وعلى حسب الاختبارات التي جازوها وتعرضوا لها، اكتسبوا خبرة، لقد جرّبوا الحياة الروحية، وحروب الشياطين وحروب الفكر، وحروب القلب ولذلك أصبحوا مرشدين روحيين، أقوياء، لأنهم مختبرين مجربين.
وفي الرهبنة يهتمون بالاسترشاد بالشيوخ؛ لأن هؤلاء الشيوخ جربوا الحروب الروحية، وحروب الأفكار والشياطين، والمتاعب، وعرفوا حيل الشياطين، ولذلك يقول بولس الرسول عن الشيطان: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو11:2)، فقد أصبح بالتجربة فاهمًا للشيطان عارفًا لأساليبه وحيله!
إن الاختبار يعطينا خبرة وقوة، ولذلك فلا يجب أن نتضايق من الاختبارات لأننا في كل اختبار نخرج بفائدة، فقط لمن يريد أن يستفيد، وكل ضربة من ضربات الشيطان نأخذ منها درسًا، وكذلك من كل سقطة.
ولذلك قال أحد القديسين: "لا أتذكر أن الشياطين أسقطوني في خطية واحدة مرتين"، إن الذي يسقط باستمرار لا يستفيد، والإنسان يستفيد حكمة من التجارب!
في الأربعين المقدسة، ربما نتعرض لتجارب متنوعة، علينا أن نصمد فيها بروح الصلاة، ونأخذ منها خبرة، وبركة، إن السيد المسيح نفسه، قد اختُبر في فترة الأربعين يومًا المقدسة، وجرّبه الشيطان طوال أربعين يومًا وأربعين ليلة، ولكن السيد المسيح انتصر في هذه التجارب جميعها، وعرّف الشيطان، أنه صَلْبَ العود، وليس سهلًا، حتى عندما حاربه بالآيات المقدسة، فإن السيد المسيح كشف له أخطاءه.
والشيطان في اختباره للإنسان، يختار الحرب التي يريدها هو، في الوقت الذي يريده هو، وبالإرادة التي يريدها هو أيضًا، والشيطان ماكر في اختيار الأوقات وأدوات الحرب، وطريقتها، فكونوا أنتم أيضًا حكماء في القتال.
إن داود النبي قال: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ صَخْرَتِي، الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ وَأَصَابِعِي الْحَرْبَ" (مز1:144).
ونحن يا إخوتي طوال حياتنا معرضون للحروب الروحية، ولا تظنوا أن سنًا معينة، تنجو من حرب معينة.
إن الحرب التي نتعرض لها هي حرب في أي شيء، وفي أي وضع، وفي أي مكان، وفي أي يوم، حتى لو كان يومًا مقدسًا، بل أقول لكم إن الإنسان قد يُحارب بعد التناول مباشرة.
إن الشيطان يحارب في أي وقت، وبأية طريقة، ولكن عليكم أن تفهموا أساليب الشيطان، فإذا علمتم أن السيد المسيح قد حاربه الشيطان، فإنكم تتقوّون في الرب، واعلموا أن نعمة الرب تشملكم وتعطيكم قوة، لأنه هو يحارب عنا لننتصر، كما انتصر!
عيشوا في الرب، وتقووا في محبته، وادخلوا في حروب الشيطان ولا تخافوا، لا تخافوا من الشياطين، فهي مخلوقات ضعيفة، وهي تخاف منكم، لأنكم هياكل الله، أنتم هياكل الله، أنتم هياكل الروح القدس، وروح الله ساكن فيكم، وهذا هو الذي يُرهب الشياطين، فادخلوا في الحياة الروحية، وإن أتتكم التجارب اصمدوا لها.
إن التجارب قد تأتي من الشياطين، وقد تأتي من داخل الإنسان، وقد تأتي من الإخوة الكذبة، أو هي قد تأتي من أهل بيتك، وقد قال الكتاب: "أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ" (مت36:10)! كل هذا لا يهم، "تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" (أف10:6)، "فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (مت16:10).
بعض الناس يقولون إن الأطفال بسطاء، ولكن الأطفال ليست لديهم تجارب، ولم يتعرضوا للاختبار، وهناك فرق بين إنسان لم يحارب ولم ينتصر، وبين إنسان حارب وقاتل وانتصر، لا تظنوا أن الله يحاسب كل الناس حسابًا واحدًا، وإنما يحاسب كل واحد على قدر حروبه وقوّته الخارجية، ومدى استعداد هذه القوة لمواجهة الحرب، ومقدار المعونة التي تأتيه من الروح القدس.
وهو يعلم الضعفاء والمساكين.
إذا اختُبرتَ فاعرف أن الله دائمًا يختبرك، ولكن الاختبار يكون:
1- حسب قوتك، والكتاب المقدس يقول: "وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ" (1كو13:10). فاعلم أن الله يجربك حسب احتمالك.
2- التجربة معها المنفذ، والمشكلة تحمل في ذاتها مفتاح الحل، فإن الله إذا أراد أن يجرِّب بإغراق السفينة، فإنه يعطي قارب النجاة.
3- وإن كل تجربة، معها إكليل وفائدة، ولذلك فافرحوا للتجارب، وابتهجوا.
إننا نرجو من الله يسوع المسيح، الذي انتصر في التجربة واستطاع أن يقهر الشياطين، أن يعطينا قوة في تجاربنا حتى نصمد، وننتصر.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 20 فبراير 1972م.
التجربة الأولى على الجبل
التجربة الأولى على الجبل[1]
يقول الكتاب المقدس عن السيد المسيح: "ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا. فَأَجَابَ وَقَالَ: مَكْتُوبٌ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت1:4-4).
أُصْعِدَ يسوع إلى البرية، ليجرب من إبليس، ولذلك يقول الكتاب المقدس: "لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ" (عب18:2).
إن الإنسان الذي يُجرَّب، يشفق على الذين يجرَّبون، وأحيانًا توجد أنواع من "الكبرياء الروحية"، بمعنى أن إنسانًا بارًّا، يعرف عن نفسه أنه لم يسقط في خطية معينة، فيهزأ بالذين يسقطون في تلك الخطية، أو يحتقرهم أو يدينهم، أو يتكلم عنهم بالسوء.
مثال ذلك: إنسان لم يجربه شيطان الغضب، فنجده يتضايق جدًا من الذين يغضبون، بينما لو أن الله قد سمح لهذا الإنسان نفسه بالتعرض لهذه التجربة، فربما يتحطم!! هذا الإنسان لو تعرض للتجربة، فإنه سوف يشفق على الآخرين الذين يتعرضون للتجربة ويعطف عليهم، فالذين يُجرَّبون، يشفقون على المُجرَّبين، ويقدرون ظروفهم، ولهذا فنحن نرى أن السيد المسيح لم يوبخ مريم ومرثا عندما وجدهما تبكيان لموت أخيهما لعازر، مع ما في البكاء والحزن من تعارض مع روح الإيمان.
أما أنت، فلا تنتظر حتى تجرَّب في كل خطية لكي تشفق على المجربين، بل ينبغي أن تشفق عليهم من نفسك، وبولس الرسول يقول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب3:13). لقد اختبر السيد المسيح طبيعتنا الجسدية، وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطية، ولكنه يعرف حقيقتنا جيدًا، من عدة نواحي:
† إنه يعرف حقيقتنا، لأنه هو الذي خلقها، ولذلك فهو يعرف حقيقة خليقته.
† ويعرف حقيقتنا باعتباره أقنوم المعرفة.
† ويعرف حقيقتنا، لأنه أخذ طبيعة مثلنا بالخبرة، فقد ذاق هذه الطبيعة بكل صفاتها، فيما عدا الخطية.
وعلى ذلك، فقد أُخذ إلى البرية وجُرّب من إبليس!! بعض الناس يتصورون أن الرهبان الذين يذهبون إلى البرية، إنما هم يهربون من العالم، ولكن الواقع هو عكس ذلك، فالذين يعيشون في البرية يتعرضون لتجارب أصعب من تجارب العالم، في نوعيتها.
أريد أن أقول إن التجارب موجودة، في كل وقت، وفي كل مكان، ولكن، إذا كانت توجد التجربة، فأيضًا توجد المعونة من الله.
إن التجربة هي نصف الحقيقة، ومعونة الله هي النصف الآخر من هذه الحقيقة! وإذا كان أحدكم يتعرض للتجربة، فلا يتضايق، وعليه أن يذكر أن السيد المسيح نفسه قد جُرب أيضًا، ولكن المسيح قد جُرب وقابل التجربة في صمود، وفي قوة، وفي ثقة، لم تهزّه التجربة، ولم تزعزعه، وإنما جازها في انتصار عجيب، لقد جربه الشيطان، ولكنه استطاع أن ينتصر على الشيطان، وهزم الشيطان. والسيد المسيح في هزيمته للشيطان لم يجرح الشيطان بكلمة واحدة، وإنما هزمه في لطف وفي هدوء، وأجابه إجابات حصيفة واعية هزمت الشيطان!
يقول الكتاب المقدس إن السيد المسيح ظل مجربًا طوال أربعين يومًا وأربعين ليلة، وفي آخرها عندما جاع أخيرًا، تقدم إليه المجرب، بمعنى أن المجرب ينتهز الفرصة، وهنا كانت فرصة الجوع الذي أحس به السيد المسيح، ظرفًا مواتيًا للشيطان، سارع لانتهازه، لأنه يعرف أن فترات الجوع متعبة، وعليه أن يستغلها! وهناك جوع روحي، وجوع جسدي.
الجوع الروحي؛ يعيشه إنسان ترك صلاته وقراءاته وتأملاته وعبادته، فيتقدم إليه المجرَّب.
الجوع الجسدي؛ كالذي أحسه السيد المسيح، وعندما يتقدم الشيطان من "شخص جائع" لا تكون عند الشياطين رحمة، إنه خالٍ من الرحمة، وإن كان يتظاهر بها، فهو يصب السم في العسل!
قال الشيطان للمسيح: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت3:4)، وتظاهر بأنه مشفق على جوعه، وكأنه يقدم له نصيحة!
وما أكثر النصائح التي تقدم إلينا من الشيطان، فاحترسوا منها، فالشيطان يحلو له أحيانًا أن ينصب نفسه مرشدًا روحيًا لكثيرين، ويعطي نصائح روحية، تمامًا عندما يحدث على سبيل المثال لإنسان يذهب لصلاته ليلًا وهو متعب ويشعر بنعاس، فيأتيه الشيطان وينصحه بأن الله لا يقبل مثل هذه الصلاة.
وأحيانًا يأتيك الشيطان في صورة صديق عزيز ليقدم لك نصيحة، وقد فعل ذلك مع السيد المسيح نفسه، عندما جاءه لينصحه على لسان بطرس يوم قال للسيد: حاشاك أن تسلم نفسك للصليب، فرد عليه المسيح قائلًا: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!" (مر33:8)، فلقد كان الشيطان هو الذي ينطق على فم بطرس الرسول في ذلك الوقت!
ما أكثر النصائح والإرشادات التي لا تنتهي مما يقدمه الشيطان، إنه يجرب الروحيين بنصائح روحية، ويجرب الفلاسفة بنصائح فلسفية، وهكذا، لأنه يريد أن يكسب على كل حال قومًا، ولا ييأس من أحد، حتى السيد المسيح نفسه، تقدم إليه الشيطان ليجرّبه في شكل نصيحة، عندما قال له: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت3:4) وفي هذه العبارة لاحظوا أن الشيطان يفهم تمامًا معنى "ابن الله"، وما إذا كان المسيح سيطيع الشيطان، فإن التجربة يمكن أن تكشف ذلك كله.
حقيقة أن السيد المسيح ابن الله كان يستطيع أن يحول الحجارة خبزًا...
بل إنه كان يستطيع أن يأتي بالخبز من حيث يشاء. بل إنه كان يستطيع أن يقيم من "الحجارة" أولادًا لإبراهيم! لقد كان المسيح يصنع المعجزات، ولكنه كان يصنعها من أجل الناس، وليس من أجل راحته الشخصية، ولم يستخدم قوته الإلهية من أجل راحته الشخصية، فلقد أعلن المسيح له المجد منذ البداية، مبدأً هامًا سار عليه طوال فترة تجسده، وهو أنه لم يستخدم لاهوته من أجل راحته الشخصية، ولذلك فقد تعب، وجاع، وعطش، وتألم، ولم يستخدم لاهوته للتخلص من أي من ذلك، وإنما استخدم المسيح لاهوته لخير البشرية.
إن ذلك المسلك من السيد المسيح له المجد جدير بأن يعطينا فكرة، عن كل صاحب سلطة، هل هو يستخدمها لأجل كرامته الشخصية وراحته الذاتية؟ أم لأجل الآخرين، لأجل الصالح العام؟ كذلك لاحظوا أن السيد المسيح لم يكن يصنع معجزات كثيرة، إلا وقت الضرورة، من أجل حكمة، فلم يكن يستخدم سلطانه كيفما اتفق.
إن الشيطان يفهم "البنوة لله" فهمًا خاطئًا، فهو يظن أنها لون من ألوان العظمة، والكرامة، والسلطة، و"استعراض العضلات"، حتى أنه استصعب على المسيح عملية الصلب، واستكثر أن يجوع المسيح، وهو ابن الله!
إن الشيطان لم يفهم "البنوة لله" كنوع من البذل والحب، والعطاء للآخرين، وهو لم يفهم "البنوة لله" على أنها تعب من أجل الآخرين، ومن هنا فإن رأي الله غير رأي الشيطان.
لقد كان رأي المسيح أنه لم يأتِ لكي يُخدم من الآخرين، وإنما جاء لكي يَخدم هو الآخرين، ويبذل نفسه فداء عن كثيرين.
بينما رأي الشيطان كان أن ابن الله لا بد أن تحيطه المعجزات ومظاهر العظمة والأبّهة والراحة! "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا"، هكذا كانت التجربة الأولى التي تقدم بها الشيطان إلى السيد المسيح، ولكن المسيح لم يأخذ التجربة على ظاهرها اللفظي، وإنما أخذها في حقيقتها، لأنه يفهم فكر الشياطين وحيلهم.
وليتكم جميعًا تعرفون حيل الشياطين، ادرسوا حيل الشياطين وتدربوا عليها! إن الشيطان يتدرب على ضعف البشر، ويجب أن يتدرب البشر على حيل الشياطين!
تدربوا على فهم حيل الشياطين؛ فلقد قال بولس الرسول عن الشيطان: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو11:2)!
إن كثير من القديسين عاشوا في البرية، وجربوا حيل الشياطين، وعرفوها! والشيطان لا ينقصه الذكاء، ولا الحيلة، ولا تنقصه السياسة، ولا اللباقة، أو الحذاقة، ولا تنقصه الفراسة، والكياسة، ذلك هو الشيطان.
أما أنت – ابن الله – ومفروض أن تفهم حيل الشياطين، ولو أنكم قرأتم سير القديسين وفهمتم حيل الشياطين، فسوف تدركون بالخبرة قصد الشيطان، تدربوا على هذا.
فإن حيل الشيطان كانت مكشوفة أمام المسيح، عندما رآه السيد المسيح يستخدم "أنصاف الحقائق"، أن تأكل؛ ذلك نصف الحقيقة، أما نصفها الآخر فهو: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت4:4)، لقد رد السيد المسيح على الشيطان بآية، حتى يلجمه ويفحمه، لأن الشيطان لم يجادل، ولن يجادل حتى لا يكشف نفسه، ولم يرد على المسيح!
جميل جدًا أن تردوا على الشيطان بآيات – مثلما فعل السيد المسيح – ولو عرفتم تدريب الرد على الشيطان بآيات؛ لانتصرتم في تجارب كثيرة وقهرتم الشيطان، إن "مار أوغريس" في كتابه "حروب الأفكار"، أعطانا أمثلة على تدريب الرد على الشيطان بآيات الكتاب المقدس، إن الكتاب المقدس هو كلام الله، وكلام الله ينقذ من حروب كثيرة، ولذلك كان "داود النبي" يفرح بكلام الله، ويقول: "لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي، لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي" (مز92:119).
† نحن نضعف ونسقط عندما ننسى كلام الله؛ "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ" (عب12:3).
† اجعلوا كلام الله واضحًا أمامكم، وردوا على الشيطان بكلام الله.
† خذوا من التجربة على الجبل درسًا في استخدام الآيات من الكتاب المقدس للرد على الشيطان.
† احفظوا الآيات، وليعد كل منكم الآيات المناسبة لضعفاته، ليستخدمها وقت اللزوم.
† قال السيد المسيح، وهو يفحم الشيطان: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ".
ذلك لأن الإنسان جسد وروح، فإذا كان الطعام لازمًا للجسد فكم بالأولى طعام الروح! اسألوا أنفسكم، هل تهتمون في تربية أولادكم بالجسد وحده، أم بالجسد والروح؟ أتنسوا أنكم روحانيون، لأنكم نسمة خرجت من روح الله، فاهتموا إذًا بالروح وطعام الروح، اذكروا قول السيد له المجد: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ" (مت4:4) (تث3:8).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 27 فبراير 1972م.
التجربة الثانية
التجربة الثانية[1]
ثم أُصعد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرب من إبليس.
"ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضًا لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ" (مت1:4–7).
"ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا وَقَالَ لَهُ: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي، حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت8:4-10).
نلاحظ هنا، أن التجربة يمكن أن تأتي في أي مكان، وهي ممكن أن تأتي في الخلوة الروحية والعبادة؛ فقد كان المسيح في خلوة على الجبل صائمًا ويصلي، ومع ذلك فقد جاء المجرب إبليس!
وإذا كان من الممكن أن تأتي التجربة، على جبلٍ عالٍ، يرى منه الإنسان كل ممالك الأرض ومجدها، فهي من الممكن أن تأتي في المدينة المقدسة وعلى جناح الهيكل، إذا جاءت الخطية في مكان تتوافر فيه الإغراءات؛ فذلك شيء طبيعي، أما أن تأتي التجربة في "المدينة المقدسة" وعلى "جناح الهيكل"؛ فتلك مسألة غير سهلة، وتعني أن الشيطان يمكن أن يأتي إلى المدينة المقدسة، وحتى على جناح الهيكل ويجرب.
إن ذلك الأمر يدعونا أن نحترس في كل مكان وفي كل وقت وأوان...
فإن الشيطان لم يجرب المسيح فقط في "المدينة المقدسة"، ولم يكتفِ أن تكون هذه التجربة على جناح الهيكل، وإنما كانت التجربة بالإضافة إلى ذلك بعد فترة مقدسة، استغرقت أربعين يومًا وأربعين ليلة، أمضاها السيد المسيح في خلوة وعبادة وصوم وصلاة!! بعض الناس يظن في مرحلة من المراحل أنه قد أصبح محصّنًا ضد الخطية، فلا يكترث، ولمثل هؤلاء أقول: حتى لو كنت فى المدينة المقدسة، حتى لو كنت صائمًا أو تمضي خلوة تعبدية، في عبادة وصوم وصلاة، فأنت لست بعيدًا عن التجربة، فاحذر، واحترس!
لاحظوا أن آدم قد جُرب وهو في الفردوس في داخل الجنة؛ إذ أمكن للشيطان أن يدخل، ويجرب آدم بداخلها!
ويوسف الصديق، تعرض للتجربة وهو في بيت "امرأة زانية"، ولكنه لم يسقط، ولكن آدم وهو في الجنة سقط!
فالمكان إذًا ليس هو الذي يُخلّص بل "نقاوة القلب من الداخل"، و"شدة التمسُّك بالله"، و"معونة الروح القدس".
لا تظن أنك تهرب من الخطية عن طريق "المكان"، صحيح أن هناك بعض الأماكن أقل حربًا من غيرها، ولكن الصحيح أيضًا أن
الشيطان يجرب الإنسان في أي مكان، مهما هرب. ولعلكم تذكرون قصة الراهب الذي أتعبه شيطان الغضب، فأراد أن يهرب إلى مكان آخر، ولكنه وجد الشيطان يلازمه أينما ذهب.
لذلك أقول لكم: لا يجب أن يترك الإنسان احتراسه أو يتخلى عن حذره في أي مكان وفي أي بيئة لأنه من الممكن أن توجد التجارب في أي مكان، وفي أي وقت، ومن الممكن أن توجد التجارب في كل فترة، حتى لو كانت فترة صوم وخلوة للعبادة، من الممكن أن توجد التجارب في كل موضع، فكن محترسًا وكن حذرًا في كل وقت، وفي كل موضع.
وحرب الإنسان، غالبًا ما تكون من داخل نفسه...
إنها حرب تأتيه من الداخل، وعندما قال الكتاب المقدس إن الشيطان حارب المسيح على جبل وأثناء الوحدة والخلوة والعبادة وفي المدينة المقدسة، فقد أراد أن يظهر لنا قوة المسيح في كل وضع، وفي كل مكان، وفي كل حالة، أراد الكتاب بذلك، أن يُظهر لنا أن المسيح يستطيع أن ينتصر في كل موضع، وفي كل حالة، بل ويستطيع السيد المسيح أن ينتصر فيك أنت أيضًا، إذا ما تعرضت لحرب الشيطان.
أجل، يستطيع المسيح أن ينتصر فيك أثناء حرب الشيطان. فقط نادِه وتمسك به، وقل له: "يا رب أنا لا أستطيع أن أهرب من حرب الشيطان، فإنك أنت يا رب قادر أن تعطي القوة والمعونة، للانتصار.
مهما كانت قوة الحرب وشراستها، لم يستجب يسوع للشيطان وهو يقول له: "ألقِ نفسك إلى أسفل، والملائكة ستحملك".
أما نحن، فكثيرًا ما نلقي بأنفسنا إلى "أماكن العثرة"، ونود أن تحملنا الملائكة، وكثيرًا ما نوجد أنفسنا حيث تحارب الخطية، ونقول إن الملائكة تحمينا؛ بل إننا أحيانًا نترك أمور حياتنا بلا نظام ولا تدبير، ونقول إن الله يدبر!
لقد اختار لوط سدوم وسكن فيها، فألقى بذلك نفسه في التهلكة، وأضاع نفسه، ففقد أولاده وزوجته، ولولا شفاعة إبراهيم، لربما كان قد هلك هو أيضًا، وكذلك حواء عندما عاشرت الحية، سقطت في الخطية، وضاعت.
فلا تلقي بنفسك في التهلكة، ولا تُقبل على دخول التجربة، لأنك إن فعلت ذلك، فكأنك ستستجيب إلى ما رفضه السيد المسيح نفسه، عندما قال له الشيطان: اطرح نفسك إلى أسفل، والملائكة سوف تحملك.
لا تقل لنفسك إني أستطيع أن ألقي بنفسي إلى أسفل، والملائكة سوف تحملني، ولذلك فعليك أن تحرص على الابتعاد عن مواطن التهلكة، ومواطن العثرات، وابتعد عن المعاشرات الرديئة، وابتعد عن الكتب والصور والسماعات الرديئة. لا تستهن بشيء، لأنك إن استهنت بالخطر مهما بدا لك أنه ضئيل فإنك بذلك تضحك على نفسك، لا تلقِ بنفسك إلى أسفل، وتطلب من الملائكة أن تحملك لكي لا تهلك!
احترسوا من الخطية، واذكروا أن حواء عندما عاشرت الحية سقطت وضاعت! احترسوا من الخطية، واذكروا أن الحياة مع الله، تعلمنا التدقيق والاحتراس.
وإن وقع أحدكم في تجربة، فليقل ما قاله داود النبي: "دُفِعْتُ لأسقُط لكن الرب عَضَّدَنِي" (مز13:118)، اهرب لحياتك، ولا تدفع نفسك إلى التجربة والتهلكة، واذكر أن الملائكة قالوا لــلوط: "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ" (تك17:19).
صحيح أن الملائكة تستطيع أن تحملك، وتنجيك، وكان يمكن أن يحدث ذلك مع المسيح، لكنه رفض أن يلقي بنفسه.
بينما هو نفسه قد مشى على المياه، المهم أن الإنسان لا يسعى إلى التجربة بنفسه، ولا يلقي بنفسه إلى التهلكة. وسليمان الحكيم يقول: "أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ؟ أَوَ يَمْشِي إِنْسَانٌ عَلَى الْجَمْرِ وَلاَ تَكْتَوِي رِجْلاَهُ؟" (أم27:6–28).
لا تعتد بقوتك، ولا تثق في حصانتك، فإن الخطية "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم26:7).
فاحترس لنفسك، لأن الإنسان الذي لا يحترس لنفسه يكون عرضة للضياع، وأنت لست أقوى من الرسل والأنبياء والجبابرة الذين سقطوا، فكن محترسًا، وحذرًا، واعمل بالمثل القائل: "الباب الذي يأتي منه الريح سدّه واستريح".
"احترس" لنفسك، ولكن ليس معنى ذلك أن نخاف من الخطية، فهناك فرق بين الاحتراس والخوف، إننا نحترس، ولكن لا نخاف، واثقين أن الله يعمل فينا.
احترس من حيل الشيطان، وابتعد عن كل سبب من أسباب الخطية، ابتعد عن الصداقات الرديئة، والمشورات الخاطئة، وكل ما من شأنه أن يوجد العثرات، وأحِط نفسك باستمرار بسياج من عمل الله ومن الروحيات، لا تفتخر، بل خف، ولا تلقي بنفسك من على جناح الهيكل، ولا تطلب باستمرار أن تحملك الملائكة.
واذكر قول السيد المسيح: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ" (مت7:4).
لقد أراد الشيطان في هذه التجربة أن يقدم "إغراءً خاطئًا" من نوع معين، عندما طلب من المسيح أن يطرح نفسه إلى أسفل، فكأنه كان يقول له: أنت ابن الله، ولا بد أن تأخذ حقك من المعجزات، وأن تحملك الملائكة؟!
وعندما قال له المسيح: "لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ"، فكأنه كان يقول له إن الله يعمل المعجزات في حينها، وليس في كل حين.
ولا يجب أن يهمل الإنسان في نفسه ثم يطلب معجزة، لا يجب أن يهمل الإنسان في رزقه، ثم يطلب من الله أن يرزقه.
ولا يجب أن يهمل الطالب في مذاكرته وتحصيله، ثم يطلب من الله أن ينجحه آخر العام.
لا بد أن يكون الإنسان "عاقلًا"، ولا يجرب الرب إلهه!
بعض الناس يتواكلون، ويقولون "خليها بالبركة"، أو"خليها على الله"، فيهملون شئونهم، وكأنهم يطلبون من الله أن يسيّر أحوالهم بالمعجزات، وهؤلاء يجب أن يتذكروا دائمًا قول المسيح: "لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ".
حاول دائمًا أن تكون محترسًا حذرًا، ولا تطلب من الله معجزات في كل حالة، إن بعض الناس يتصورون أن طريق الله هو طريق المعجزات، وهذا خطأ، فلم يقل السيد المسيح لنا أن نعيش بالمعجزات، ولكن المعجزات تحدث في الوقت المناسب الذي يراه الله.
كذلك أراد الشيطان بهذه التجربة شيئًا آخر، كأنه صوّر للمسيح أنه عندما يلقي بنفسه، والملائكة تحمله، فسوف تكون هذه المعجزة شيئًا يخدم قضية الكرازة.
ولكن المسيح عندما رفض فكأنه يرد على الشيطان قائلًا: إني جئت أخلص الناس عن طريق أن أتألم عنهم، وأعلمهم طريق الخلاص، لا أن أخلصهم بمعجزة، "وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت23:4)، لا أريد الفخامة أو الاستعراض، لأن الخلاص لا يأتي بهذه الأمور التي هي من عمل الشيطان.
لقد طلب الرب من الإنسان أن يكون حكيمًا، ومدح وكيل الظلم لحكمته، والحياة الروحية تحتاج إلى حكمة سماوية، ولا يجب أن نطلب أن نعامل بطبيعة غير طبيعتنا. إنما نحن نحتاج أن نسلك بحكمة في الطريق الروحي، يقول السيد المسيح: "فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ" (مت6:10).
إن الشيطان يحاربنا ويتصدى لنا بحكمة، أفلا يجب أن نكون نحن أيضًا حكماء لكي نعرف كيف نقهره ونتغلب عليه إن الطريق الروحي يحتاج لحكمة، وإن لم توجد لديك "حكمة"، الجأ للآباء والمرشدين، والكتب والقديسين، ولا تسلك برعونة في الحياة الروحية، عندما تظن أن المسألة هي أن تلقي بنفسك، والملائكة سوف تحملك؛ فهذه خدعة من الشيطان.
إن الشيطان يريد المناظر والاستعراض والأُبّهة والفخامة، أما أنت فلا تسلك هكذا، ولا تبحث عن المناظر والفخامة والأبّهة، لأن الذين طلبوا هذه، أضلتهم الشياطين ولعبت بهم...!
[1] مقال لقداسة البابا شنوده، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 5 مارس 1972م.
التجربة الثالثة
التجربة الثالثة[1]
"ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي، حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ. ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ" (مت10:4–11).
هذه فيها معانٍ كثيرة، وأول هذه المعاني أن إبليس لا ييأس، فقد هزمه المسيح في التجربة الثانية، ومع ذلك فإنه تقدم إليه ليجربه تجربة ثالثة!
إياك أن تظن أنك عندما تهزم الشيطان مرة أو مرتين، فإنه سيبتعد عنك وينتهي الأمر، إياك أن تظن أيضًا أن هناك تجارب أنت أكبر منها؛ بل اذكر جيدًا أن الشيطان مستعد لأن يجربك ويحاربك بأي خطية، وإذا كان الشيطان قد فكّر في أن يحارب المسيح، ويطلب منه أن يسجد له، ولن يعقل أن يسجد المسيح للشيطان؟
ولكن الشيطان هكذا فعل، فالشيطان هكذا دائمًا يمضي في طريق اللامعقول، وهو لا ييأس، ولا يستحي.
وأنت مهما انتصرت، فالشيطان وراءك، ولا تظن أنه يحارب الضعفاء وحدهم، ولكنه يحارب القديسين، والسواح والرهبان والمتعبدين، والشيطان في حربه وقح، لا يعرف أدب المعاملة، ولا تأخذه مهابة القديسين، ولا يعرف معنى العيب أو الخجل، ولهذا، فقد ذهب إلى المسيح ببجاحة، وبلا خجل، وطلب منه أن يسجد له! ويا أيها الخجل، أين حمرتك؟!
إن الشيطان لا ييأس ولا يخجل، ومن الممكن أن يحارب أي إنسان، في أي وقت، وبأي خطية! يقول الكتاب: وأخذه إلى جبل عال، فإن الشيطان قد تصوّر أنه يستطيع أن ينتصر على المسيح، لو أنه غيّر المكان، ولم يعرف أن قوة المسيح هي من الداخل، وهي فوق كل خطية، وأن المسألة هي مسألة قلب مملوء بمحبة الآب، كأن الشيطان قد قال لنفسه: ربما انهزمتُ أمام المسيح في المرات السابقة، في مكان الخلوة والعبادة والصلاة والصوم، ولعلي عندما أبعده عن هذا المكان أستطيع أن أنتصر عليه ربما انهزمتُ أمام المسيح، وهو على جناح الهيكل، والهيكل مكان له قدسيته، فلربما أنتصر عليه لو أبعدته عنه إلى مكان آخر.
هذه أفكار الشيطان، وهي وجهة نظر لا يمكن تجاهلها، ولكن ليس هذا بالنسبة للمسيح، لأن المسيح لا يستمد قوته من المكان، ولكن قوته من داخله، من قلبه القدوس، الطاهر، المتحد بالآب.
من حيل الشيطان أن يحرم الإنسان من وسائط النعمة لكي ينتصر عليه، يحرمه من الهيكل، ومن جبل الله المقدس، ومن مكان الخلوة والعبادة والتأمل فهكذا فعل مع المسيح، فإن وجدت الشيطان يبعدك عن الأماكن المقدسة، فاذكر أنه يجهز لك تجربة، ولكن الشيطان إذا وجدك من تلقاء نفسك تبتعد عن هذه الأماكن فهذا هو ما يريده، وكثير من الناس عندما يبتعدون عن مصادر النعمة ووسائطها، يسقطون في أيدي الشيطان.
لقد أخذ الشيطان لوط إلى جبل، وأراه أرض سدوم الجميلة المعشبة المملوءة خيرًا، وقال له: أعطيك هذه، فقط إذا ابتعدت عن إبراهيم، واستجاب لوط، وأدخله الشيطان أرض سدوم، وأضاعه.
إن الإغراءات التي يقدمها الشيطان كثيرة، وبراقة، فلقد أخذ المسيح إلى جبلٍ عالٍ وأراه جميع ممالك العالم، والشيطان يفعل هكذا معنا، فأحيانًا يأخذ إنسانًا إلى "جبل الشهرة"، وأحيانًا يأخذ إنسانًا آخر إلى "جبل العظمة"، أو "جبل اللذة"، أو "جبل المعرفة"، أو "جبل الغنى"، ويقول له: أعطيك هذه جميعها، فقط، بمقابل، هو أن تطيعني "إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي".
إن السجود هنا ليس حرفيًا، وإنما هو يعني الانحناء لرغبات الشيطان، والاستجابة لإرادته، وعلى الجبل يستطيع الإنسان أن يكشفه ويرى كل شيء، "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا"، بعدما "أَرَاهُ" ممالك العالم.
لقد أراه، وعرض عليه، فهذه هي إغراءات الشيطان التي يمارسها معنا، بألوان شتى، عندما يأخذ الإنسان منا إلى أي جبل مثل جبل الشهوة، أو جبل اللذة، أو جبل العظمة وحب الذات، فهو يعرض على الإنسان ما يريده هذا الإنسان، وينتقل به إلى أحلام اليقظة، ويسرح به، في بحر واسع من أحلام المنى، ويقول له: أعطيك هذه جميعها!
وصدقوني يا إخوتي أن الشيطان لا يعطي أبدًا، بل هو دائمًا يأخذ، إن له أسلوب الإعطاء، بينما هو في الحقيقة أسلوب "الأخذ".
فهو يقول لك أنه سيعطيك الشهوة واللذة، بينما هو في الحقيقة سيأخذ منك العفة والنقاوة.
وهو يقول لك أعطيك الراحة والنوم، بينما هو في الحقيقة سيأخذ منك الصلاة والصلة بالله. إنه يقول لك أعطيك الدنيا، بينما هو سيأخذ منك ملكوت الله. فليس معقولًا أن يكون الشيطان معطيًا، لأنه لا يعطي، وإنما يضحك على الناس، بينما هو يريد في الحقيقة أن يأخذ.
لقد قال الشيطان لهيرودس، أعطيك رأس يوحنا المعمدان، وعندما فعل كان قد أخذ من هيرودس راحة البال والطمأنينة والسلام!
وعندما قال للسيد المسيح: "لك أعطي ممالك الأرض"، إنما كان يريد أن يأخذ فضيلة الزهد والتجرد، إن الشيطان فيما هو يأخذ فإنما يفعل ذلك تحت ستار أنه يعطي، والشيطان كذاب، ووصفه المسيح بأنه: "كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (يو44:8)، ثم هل يملك الشيطان شيئًا حتى يستطيع أن يعطي؟!
إن الشيطان يا إخوتي مُخادع، ونصّاب، ولا يملك شيئًا، رغم تظاهره بأنه يستطيع أن يعطي كل شيء، إنه أشبه بذلك الذي باع الترام، إن الشيطان لا يعطي أبدًا، ولكنه يوقع الإنسان في الأماني والأغراض والشهوات، ولا يستطيع أن يحقق منها شيئًا، وحتى لو أعطى الشيطان، فإنه لا يعطي غير الضرر والهم، والشقاء، ولا شيء ينفع، وجميع الذين ساروا وراء الشيطان، كالهيبيز والبيتلز، كلهم تعبوا، وأصيبوا بالأمراض العقليّة والنفسية والعصبيّة.
يقول الكتاب المقدس إن الشيطان أخذ المسيح إلى جبلٍ عالٍ: "وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا"، ولا تظنوا أن الشيطان فعل كذلك مع المسيح لمجرد الرؤية والنظر، وإنما كان في الأمر إغراء ومديح لمجد العالم، فالإغراء أسلوب برع فيه الشيطان.
أذكر مرة منذ سنوات، أنني كنت في أحد المؤتمرات في الخارج، ووجدت رجال دين أجانب يشربون خمرًا، ثم دعاني أحدهم لأشاركهم فامتنعت وأنا أبدي دهشة شديدة، فإذا بهذا الشخص يحاول أن يقنعني بمزايا الخمر ويقول لي: أنت أسقف التعليم، ويجب أن تعلم مزايا الخمر، وتعلّم الناس بها، لأنها منعشة، وإلخ! لكنني صممت على الرفض.
فإن هذا الشخص يتوهم أن الخمر تعطي انتعاشًا وحيوية، ولا يعرف أنها تأخذ الصحة، هكذا حيل الشيطان في الإغراء، فهو يصور لك أن الخطية تعطي، ويشعرك أن طريق الخطية مريح وممتع، وأنك لن تخسر شيئًا، بل ستكسب، وهذا كله احتيال على طول الخط.
إننا نرفض أي عطاء يأتي عن طريق الشيطان، حتى لو كان شيئًا صالحًا!
لقد ذهب الشيطان ذات مرة إلى القديس الأنبا أنطونيوس، وأيقظه من النوم لكي يصلّي! هل يصدق أحد أن الشيطان يمكن أن يكون داعية للصلاة؟! ولكنه هكذا فعل مع القديس، فما كان من القديس إلا أن رفض الصلاة، قائلًا له: إنني لا أصلي بنصيحة منك.
اعرفوا أن الشيء الذي يبدو طيبًا وصالحًا من الشيطان، وراءه ضرر ظاهر أو مستتر! ولقد كان الشيطان يحاول أن يرفع درجة قداسة بعض القديسين؛ لكي يوجّه إليهم "ضربة يمينية"، ومن أجل ذلك قال القديسون، إذا رأيت شابًا مرتفعًا إلى الهواء، فاجذبه إلى أسفل.
لقد أراد الشيطان أن يعطي الإنسان الأول المعرفة، ولما أخذها منه الإنسان سقط ووقع في الجهل والضلال، وفقد معرفة الله، وضاع، لا تأخذ شيئًا من الشيطان، ولا تلجأ إلى معونة من غير الله وحده، ولا تأخذ شيئًا من يد الشيطان، ولا من يد أعوانه وجنده ومؤيّديه وتابعيه.
وعندما يقول لك الشيطان: لك أعطي، فقل له: منك لا آخذ، ولا آخذ إلا من يد الله، لا تجعل نفسك مدينًا للشيطان!
إن السيد المسيح عندما اقترب إلى الجلجثة، قال: "لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو30:14)، وقد قال المسيح ذلك لأنه لم يأخذ من الشيطان شيئًا. والشيطان عندما يعطي، فلا بد أن يسترجع، فإذا أعطاك الشيطان كل ما تريد، فإنه، ساعة الموت يأتيك ويقول لك: عيناك أخذت مني مناظر ورؤى، فهُما لي. وأذناك أخذتا مني مسامع، ويداك، وجسدك.
وهكذا تجد أن الشيطان قد سيطر عليك سيطرة كاملة، لا تستطيع أن تجد منه فكاكًا، لأنه كان يعطيك، وكنت أنت تأخذ منه.
لذلك أقول لكم: احذروا من أن يكون أحدكم مدينًا للشيطان بشيء، لا تأخذوا منه شيئًا، ولا جنده وأتباعه، قاطعوه، فإن "داود النبي" يقول في المزمور: "زيت الخاطئ لا يدهن رأسي" (مز141/140: 5).
لقد كانت الكنيسة في عصورها الأولى لا تقبل تقدمات من الخطاة أو الهراطقة.
فكيف تقبل أنت أن تأخذ شيئًا من الشيطان؟ ارفضوا كل عطاء يأتي من الشيطان، وكونوا أقوياء في الرفض، واعلموا أن الشيطان لا يملك أن يعطي، إن ممالك الأرض أمور مادية فانية، لا تعجب قلب الإنسان المؤمن الملتصق بالله، إن هذه كلها تراب ورماد.
لقد تمتع سليمان الملك بكل أبّهة المُلك ومجده، وقال: "فَعَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا، عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا، فَعَظُمْتُ وَازْدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي فِي أُورُشَلِيمَ، وَبَقِيَتْ أَيْضًا حِكْمَتِي مَعِي فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ" (جا4:2-11). إن الشيطان لا يمكن أن يعطيك شيئًا باقيًا خالدًا، إنما هو فقط يعطيك الأمور الفانية التي تندم عليها بعد حين، لو قبلتها.
ضع لنفسك مبدأ ألا تأخذ إلا من يد الله فقط، وممن يرسله الله إليك، واذكر دائمًا عبارة أيوب الصديق: "الرَّبُّ أَعْطَى.." (أي21:1)، من الله وحده تطلب، ومن غير الله لا تطلب، وقل كما قال داود: فيه غَدَت كفايتي ولم يعوزني شيء، "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز1:23).
إن الذي جرب الله لا يحتاج إلى غيره ولا يطلب من غيره، والطلب من غير الله مذلّة، والطلب من الشيطان سقطة، لقد قال المسيح لتلاميذه: "حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ، هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟" (لو35:22)، فلا تخافوا! ارفضوا الأخذ من الشيطان، وانتهروه باحتقار كما فعل المسيح وقال له: "اذهب يا شيطان" (مت10:4)، لا تظن أن الشيطان يعطيك مجانًا، إنه لا يعطي إلا مقابل ثمن، ويأخذ أكثر كثيرًا مما أعطى، فهو حتى لو أعطى المادة والعالم فإنه يأخذ الروح والنفس.
قال الشيطان للمسيح: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي"، هذا هو الثمن، وهو يعني أن الشيطان يريد قلبك ومحبتك، وإخلاصك وتبعيتك، وكل اهتماماتك ومشاغلك، إنه يريد طاعتك...
فاسأل نفسك: هل خررت وسجدت يومًا للشيطان؟ وهل أحنيت له رأسك؟ أو أعطيت له ضميرك؟ وهل انحنيت للشيطان مرة وأطعته، وتبعت رغباته ومشورته، واستسلمت لأفكاره؟!
عجيب أمر الشيطان، ووقاحته! لقد طلب من المسيح أن يخرّ ويسجد له، ذلك هو الثمن، فالشيطان ليس سهلًا، وطلباته ليست قليلة، والإنسان الذي يطيع الشيطان خطوة واحدة، سيجد نفسه مندفعًا إلى نهاية المطاف وراء الشيطان، إن الشيطان في هذه التجربة يظهر مفضوحًا ومكشوفًا على حقيقته.
لقد ظهر في التجربة الأولى بمظهر المشفق العطوف على المسيح
الجائع؛ عندما قال له: قل لهذه الحجارة أن تصير خبزًا!
وكذلك ظهر كأنه لا يريد شيئًا في التجربة الثانية؛ عندما قال له: "ألقِ نفسك، إلى أسفل والملائكة ستحملك"!
أما في هذه التجربة الثالثة؛ فإنه يظهر مفضوحًا إلى آخر مدى، وَقِحًا متبجّحًا، إذ يطلب من المسيح أن يسجد له!
ولهذا انتهره السيد وقال له: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ، فلقد تركه في المرات السابقة، أما يصل به الأمر إلى هذه الدرجة، فلا بد أن ينتهره المسيح ويطرده، ويقول له: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ"، ولم يستطيع الشيطان أن يرد فمضى، مهزومًا ومدحورًا. وفي هذا تظهر قوة المسيح، لقد ترك الشيطان ليجربه كنوع من إثبات نصرة المسيح على الشيطان، وحتى يتكشف ضعف الشيطان إلى آخر مدى "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ" بهذا طرد المسيح الشيطان.
ليتكم تأخذون هذه العبارة شعارًا لكم في حروبكم الروحية، فإن الشيطان يذكرها جيدًا، ويعرف، ممن قيلت له أول مرة وهي تُذكّره بهزيمته وانحداره أمام قوة السيد المسيح، والكتاب المقدس يقول لنا عن الشيطان: "فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط9:5)، فاعرف سيطرتك على الشياطين، واعرف المركز الذي أعطاك إياه الله "لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو19:10)، وكذلك أعطى تلاميذه سلطانًا على الشياطين.
لقد انتهر المسيح الشيطان فتركه الشيطان، "وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ"، وكأن الملائكة تطيع الآية القائلة: "فِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1:1)، والملائكة لا توجد حيث توجد الشياطين، فقد جاءت الملائكة بعدما مضى الشيطان.
لقد كانت الملائكة حول المسيح، ولكنها لم تدخل أثناء التجربة، لأن المسيح هو الذي كان يسيطر على الموقف، انتصر، جاءت الملائكة تخدمه، وذلك دليل على أن المسيح أعظم من الملائكة، واعترافًا بلاهوته.
إنني أتخيل أن الملائكة كانت مع المسيح تحيطه باستمرار وعندما انتصر على الشيطان هللت وفرحت، وجاءت تبارك هذا الذي انتصر على الشيطان، وفي نصرته أعطانا قدرة الانتصار على الشياطين.
إننا نستطيع أن نسمّي "التجربة على الجبل" نصرة المسيح على الشيطان، وهزيمة للشيطان في كل الميادين.
ونحن نشعر بقوة العبارة التي قالها المسيح: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ"، لقد قالها في نهاية سلسلة من التجارب سمح المسيح للشيطان أن يجربها معه، لأنه له المجد أراد أن يهزمه في كل ميدان، ولقد انتصر.
والمسيح إلهنا الذي انتصر على الشيطان، قادر أن يعطينا أيضًا النصرة، بقوة عمله فينا، وقوة إيماننا به، وثباتنا فيه.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 12 مارس 1972م.




