البدعة كالكبرياء: كل قتلاها أقوياء!! -3

البدعة كالكبرياء: كل قتلاها أقوياء!! -3-1
تحدثنا في العدد الماضي عن كيف وقع في البدعة العلامة الكبير أوريجانوس، وكيف كان امتحانًا عسيرًا للكنيسة، هل تتبع الإيمان أم الإنسان… وكيف نجحت الكنيسة في الامتحان، وظل أوريجانوس محرومًا إلى اليوم على الرغم من عظمته العلمية الضخمة. واليوم نتحدث عن عالم آخر هو:
ترتليانوس
مشكلة ترتليانوس تشابه مشكلة أوريجانوس ويقول “ڤنسان دي لورين” أنَّه كما كان أوريجانوس يحتل المكان الأوَّل بين علماء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية، كان ترتليانوس يحتل المكان الأوَّل بين علماء الكنيسة الذين كتبوا باللاتينية.
مَن مِن العلماء كان في نفس مستواه ودراسته وعلمه؟! لقد تفهَّم كلَّ علوم الفلسفة ببراعةٍ فائقة، وكان له إلمام بكلِّ مدارسها وتواريخها وفلاسفتها.. وكان عجيبًا في قوَّته على الاقناع.
واستطاع أيضًا أن يُفحم كثيرًا من المبتدعين من الغنوسيين والوثنيين واليهود وأتباع ماركيون وهيرموجونيوس وغيرهم.. وقد وضع كثيرًا من الكتب ومن المؤلفات.
وكان ترتليانوس رجلاً ناسكًا جدًا، وزاهدًا في أمور الدنيا، وبخاصة ما اشتهر عنه من العفة ومن الصوم. وقد كتب في ذلك عدة كتب أشهرها كتابه إلى زوجته:
(To my wife) Ad uxorem ثم كتب كتابًا عن البتولية، وكتابه “حث على العفة”.
وبدأ ترتليانوس ينحرف ويتأثر بأفكار المانيين، ويقوده تشدُّده إلى أن يُحرِّم الزواج بعد الترمُّل، وأحيانًا يُحرِّم الزواج كليةً.
ومن فرطِ تشدُّده نادى بعدم المغفرة للخطية بعد المعمودية.
وصار زعيمًا لبدعة الدوناتيين Donatists الذين هاجمهم القديس أغسطينوس فيما بعد. وعلى الرغم من علمه ونسكه وقع في البدعة.
قال عنه القديس چيروم “ترتليانوس الذي ليس هو من الكنيسة”. وتحدث القديس إيلاري أسقف بواتييه بكلِّ أسى، عن أخطاء هذا العالِم وكيف حطَّت من قيمته العلمية.
وسقط ترتليانوس أعظم عالِم كنسي كتب باللاتينية في جيله. وكان سقوطه امتحانًا للكنيسة.. ونجحت الكنيسة في الامتحان، وحرَمت ترتليانوس، وفقد سُمعته كعالِم كنسي، وأصبح معدودًا بين الهراطقة والمبتدعين.. حقًا إنَّ البدعة كالكبرياء، كلُّ قتلاها أقوياء.
أريوس
ما أكثر ما يمكن أن يقال عن أريوس كاهن الإسكندرية، الذي كان من أفصح أهل عصره، ومن أقوى الوعَّاظ في زمانه. وكان كثيرون يلتفّون حوله، ويُعجبون بعظاتِه، وكان له تأثيرٌ عجيب على الناس حتى تبعه الآلاف، بل من عظمته في أيامه تبعه كثيرٌ من الأساقفة في تعليمه. بل كان له تأثير على الإمبراطور نفسه حتى أنَّه دافع عنه وطلب أن يُسمح له بالصلاة بعد حرمه.
أيُّ امتحانٍ للكنيسة كان سقوط أريوس في الهرطقة..
كان ولا شك امتحانًا قاسيًا جدًا من أشد الامتحانات ضراوة، وسقط كثيرون في هذا الامتحان، واستطاع أريوس أن يدوِّخ الكنيسة زمانًا. ولما مات ميتة دخلت فيها يد الله، أصرَّ أتباعه على العناد والمقاومة، واتعبوا القديس أثناسيوس تعبًا شديدًا استمر مدة.
أريوس هذا، على الرغم من صلابته وعناده وقوته، سقط سقوطًا عظيمًا، وحرَمه المجمع المسكوني الأوَّل، وما يزال محرومًا وملعونًا من الكنيسة.
لكن بدعة أريوس لم تضُر الكنيسة بل نفعتها وثبَّتت إيمانها:
قام قديسون كثيرون بالرد عليها، مثل القديس أثناسيوس الرسولي، والقديس إيلاري أسقف بواتييه والقديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات. وكلُّ هؤلاء أثروا الفكر المسيحي بتعمُّقهم في لاهوت المسيح.
إن الكنيسة لم تجامِل البدع والهرطقات ولم تخَف منها، بل واجهتها بكلِّ قوة، بالجدَل وبالتعليم وبالحرمان أخيرًا، وبتثبيت الشعب في الفكر اللاهوتي السليم.
نسطور
كان نسطور أيضًا أحد هؤلاء الأقوياء الذين قتلتهم البدعة. كان رئيسًا لكنيسة القسطنطينية، وكان صاحب عِلم ومعرفة، ورجلاً له مركزه ومكانته. ولم يصل إلى هذا المركز إلا لتفوّقه الكبير.
ومع ذلك سقط نسطور في لاهوتياته عن طبيعة المسيح، ولم تجامله الكنيسة، وحرَمه المجمع المسكوني المنعقِد في أفسس برئاسة البابا الإسكندري القديس كيرلس عمود الدين. إنَّ الكنيسة تقِف حارسة للإيمان المسلَّم لنا من القدِّيسين. وفي أمورِ الإيمان لا تراعي الوجوه، بل تتصرَّف بحزمٍ وقوة.
من له أذنان للسمع فليسمع
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الثاني والعشرون 2-6-1978م




