الامتلاء من الروح القدس

الامتلاء من الروح القدس[1]
من أهم شروط من يعمل في الرعاية:
الامتلاء من الروح القدس
الخدمة ليست عملًا بشريًا يعتمد على الذراع البشري. إنما هي عمل روحي يعتمد على الروح القدس الذي يعمل في الخادم. ونحن نريد للخدمة أشخاصًا روحيين مملوئين من روح الله، وحينئذ الروح يعلمهم كل شيء.
ونلاحظ أن الرسل القديسين الاثني عشر على الرغم من أنهم:
أ- تعلموا وتدربوا على يد السيد المسيح نفسه أكبر معلم عرفته البشرية والسماء أيضًا بكل ما له من تأثير روحي.
ب- وامتدت فترة تلمذتهم لمدة أكثر من ثلاث سنوات.
ج- وكانوا ملازمين له طول الوقت ومتفرغين للتلمذة.
د- وبقوة آيات وعجائب.
ه- ورأوا أمامهم قدوة ومثالية تقدم التطبيق العملي للتعليم.
و- كما دخلوا في تدريب عملي على الخدمة، صحح فيه الرب لهم أخطاءهم.
إلا أنه على الرغم من كل ذلك قال لهم السيد المسيح: “فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49)، “لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 8). وهكذا ظل الرسل معتكفين بعد قيامة الرب، بعيدين عن جو الخدمة، على الرغم من سوء الحالة وقتذاك، وانتشار الشكوك وضياع الإيمان، وظن الناس أن المسيح لم يقم.
1- عندما حل الروح القدس على التلاميذ بدأوا الخدمة.
وكانت خدمة منتجة ناجحة لأنها بالروح القدس. في عظة واحدة بعد حلول الروح القدس، استطاع بطرس الرسول أن يجذب إلى الإيمان ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41).
2- ولم يقتصر الأمر على حلول الروح القدس يوم الخمسين وإنما في كثير من مناسبات هامة للخدمة.
كنا نسمع عن أحد الرسل أن الكتاب يقول عنه: “حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَقَالَ لَهُمْ” (أع4: 8). أي أنه نال شيئًا خاصًا، قوة خاصة من الروح لأجل تلك الخدمة.
3– ولم يقتصر الأمر على الرسل، بل حتى في اختيار الشمامسة السبعة نقرأ في سفر أعمال الرسل أن الاثني عشر قالوا للشعب: “فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّئينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَاجَةِ” (أع6: 3). “فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ رَجُلاً مَمْلُوّءًا مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” والحكمة.. وستة معه (أع6: 5).
إذًا فالإمتلاء من الروح القدس شرط للشماس أيضًا، وليس فقط للكنيسة ورؤساء الكهنة. لذلك نسمع عن استفانوس أنه وقف يجادل ثلاثة من المجامع، وقيل في ذلك إنهم: “وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ” (أع6: 10).
4- الامتلاء من الروح القدس ليس فقط شرطًا لازمًا للخادم، وإنما هو الوسيلة التي يعمل بها.
الخادم الممتلئ بالروح تكون خدمته روحية. أما غير الممتلئ بالروح، فقد يملأ الدنيا نشاطًا وحركة وخدمة، ولكن لا تكون خدمته روحية. الشخص الروحي في خدمته الروحية يمكن أن يكون نشيطًا وعمّالًا ومملوءًا حركة وتعبًا. ولكن العكس قد لا يكون صحيحًا. فالشخص النشيط قد لا يكون روحيًا. إن الشخص الروحي هدفه خلاص النفس.
5- ونلاحظ أن الروح القدس كان يعمل في الكنيسة الأولى في كل شيء:
هو الذي كان يختار الخدام. لذلك قيل عنهم إنهم: “وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ” (أع13: 2، 3). فحل الروح القدس عليهم، ثم بدأ برنابا وشاول في الخدمة.
ومن أجل هذا قال بولس لرعاة أفسس: “اِحْتَرِزُوا إذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع20: 28). الروح القدس هو الذي يدعو إلى الخدمة، وهو الذي يقيم الشخص خادمًا.
6- بل إن الروح القدس كان هو أيضًا الذي يحرك الخدام.
نسمع في رحلات القديس بولس في آسيا، أنه أراد أن يذهب إلى عدة أماكن فلم يدعه الروح القدس، بل منعه، وأخيرًا أرشده الروح أن يذهب إلى مقدونية برؤية وضحت له هذا الأمر (أع16: 6- 10).
والروح القدس أيضًا كان يتكلم في مجامعهم.
ولذلك في مجمع أورشليم صدّروا قراراتهم بتلك العبارة: “رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع15: 28).
7- من أجل هذا كان الخدام في خدمتهم مجرد شركاء للروح القدس. إن شركة الروح القدس بالنسبة للإنسان تعمل فيه من أجل خلاص نفسه، ومن أجل خلاص أنفس الآخرين. الفرد العادي يشترك مع الروح القدس في العمل لخلاص نفسه. أما الراعي فيشترك مع الروح القدس لخلاص نفوس الآخرين، وخلاص نفسه أيضًا.
8- والامتلاء بالروح القدس أعطى الخدام في الكنيسة إمكانية أخرى وهي مواهب الروح التي كانت تساعدهم على أداء عملهم. فبالروح أُعطيَّ للبعض حكمة، وللبعض معرفة، وللبعض صنع آيات وعجائب (1كو12: 8-10). وهكذا نسمع أن الروح نخس الناس في قلوبهم عندما سمعوا القديس بطرس في (أع2: 37).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الامتلاء من الروح القدس، مجلة الكرازة 2/ 9/ 1994





