الافتقاد

الافتقــــــاد[1]
افتقــــاد المـــرضـــى
افتقاد المرضى على نوعين: المرضى الذين في بيوتهم، والمرضى الذين في المستشفيات. وربما هناك نوع ثالث، وهو المرضى الذين يعالجون في الخارج. وهؤلاء لا شك يسرهم جدًا أن يصلهم من الأب الكاهن رسالة للاطمئنان عليهم، أو مكالمة تليفونية، أو كلمة عن طريق أحد المسافرين للسؤال عن صحتهم وعن سير العلاج.
إن افتقاد المريض مفيد جدًا روحيًا ونفسيًا.
فالإنسان عمومًا – في حالة المرض – يكون قريبًا من الله يلتمس رحمته، ويطلب الصلاة للشفاء. ويكون عنده استعداد قلبي للتوبة والحياة مع الله. فزيارته ليست فقط من أجل صحته الجسدية، وإنما أيضًا لفائدته الروحية، بكلمة طيبة تقال له فيها منفعة لحياته.
وزيارة المريض لا تكون فقط لزيارته والاطمئنان عليه، وإنما أيضًا يحسن أن تدهنه بالزيت وتصلي له.
ولا يكون رشمه بالزيت بطريقه روتينية.
أقصد طريقة لا يشعر فيها بفاعلية الرشم. إنما تصحب ذلك صلوات من عمق القلب يمكن أن تقول فيها وبصوت يسمعه. “أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ” (يع5: 13، 15). وأيضًا ما قيل عن السيد المسيح: “وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ” (لو4: 40). ويمكن أيضًا ما ورد في (مت10: 7، 8)، “وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ، اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا”.
ويمكن أن تضيف إلى كل هذا صلوات من عندك.
ثم ترشم الزيت بكل وقار وهدوء، وتدهن المريض بالزيت وتدعو له دعوة طيبة، وتشعره بمحبتك واهتمامك، وبوجه بشوش.
اجعل المريض يشعر بمحبتك له واهتمامك به.
وثق أن زيارتك له في مرضه سيكون لها أثرها على نفسيته. بحيث حينما يقوم من مرضه، سيأتي لشكرك. وقد يرتبط بالكنيسة واجتماعاتها بسبب اهتمامك به أثناء مرضه.
يوجد مرضى فقراء يحتاجون الي مساعدة مادية، يحسن أن تقدمها لهم.
بل قد يوجد أيضًا مرضى متوسطو الحال أو حتى حالتهم متيسرة، ولكن تكاليف المرض قد ارهقتهم جدًا، ويحتاجون إلى مساهمة مالية، ويمكن أن تكون بطريقه هادئة غير محرجة كأن تدفع الكنيسة للمستشفى تكاليف العلاج أو جزءًا منه من غير أن يشعر أحد. أو مع المريض الفقير العادي، يمكن أخذ الروشتة، واحضار الدواء له. وما أسهل أن نقول للمريض في بشاشة “دعنا نأخذ بركة احضار الدواء”، “على الأقل لكي نصلي عليه”…
في بعض الحالات، يمكن مناولة المريض من الأسرار المقدسة.
بعض المرضى يطلبون هذه البركة بأنفسهم، أو يطلبها أقاربهم له. أو يمكن أن يقترح الأب الكاهن أن يزور المريض ويناوله.. علي أن يشعر المريض بأن التناول بركة له، يساعد على شفائه.. ذلك لأن بعض المرضى قد ينزعجون ويظنون أن المريض لا يتناول، إلا إذا قربت وفاته!!
وفي حالة التناول، ينبغي أن تخبر المريض بالموعد، حتى يستعد له روحيًا، على الأقل بالتوبة وتصفية القلب مع الله. كذلك يستعد بالصوم على قدر ما تسمح ظروف علاجه.
ومناولة المريض لها طقس خاص، ليس الآن مجاله.
على الأقل. يقرأ الكاهن التحليل للمريض. ويقول الاعتراف الذي في خاتمة القداس (ويمكن أن يكون باللغة القبطية، إذا كان مستشفى عام). ثم يناول المريض، ويصرف المناولة..
افتقاد الغائبين
ان كان الكاهن يفتقد كل الشعب بصفة عامة، فان افتقاد الغائبين له أولوية خاصة وأهمية خاصة.
والغائبون تكون لهم أحيانًا حساسية خاصة.
إذ قد يقول الواحد منهم: لقد غبت فترة هذا طولها، ولم يسأل عني أحد من الكنيسة، ولا اهتم بي أحد”!! وقد لا تفتقده أنت، بينما يزوره أحد من الطوائف، فيقارن!! ويكون لهذا رد فعل عنده.
الغائبون الذين تفتقدهم على أنواع:
منهم من غاب عن الكنيسة جملة، أو غاب عن الاجتماعات التي كان يحضرها، أو غاب عن التناول، أو غاب عن الاعتراف، أو عن مناسبات هامة.
المهم أنك تلاحظ أنه غاب.
السيد المسيح له المجد، استطاع أن يلاحظ غياب واحد فقط لم يره وسط مائة في حظيرته (لو15). فالكاهن الذي يهتم برعيته، بكل واحد، يستطيع أن يلاحظ غياب فلان من الناس: إما أثناء التناول، وإما من نوتة الاعترافات، وإما أثناء توزيعه لقمة البركة (الأولوجية). وإما لتغيب هذا الشخص عن مسئوليه له في الكنيسة. وإما لعدم وجوده في مقعد معين كان يتعود الجلوس فيه وإما عن طريق بعض الخدام أو الشمامسة، الذين يخبرون الأب الكاهن بالغائبين لكي يفتقدهم. أو لأنه تعمد الغياب بعد مشادة بينه وبين أحد العاملين في الكنيسة…
إذا لم تفتقد هذا الغائب، قد يفتقده الشيطان!!
والمعروف عن الشيطان إنه نهاز للفرص. أو قد يفتقده أصحاب السوء لقيادته إلى طرق أخرى. وقد تفتقده مشاكل معينة، أو أفكار تتعبه بسبب عدم افتقادك له…
وقد يكون سبب غيابه هو حالة فتور روحي، قد تطول أو تتعمق إن لم ينقذه أحد منها. وقد يكون في حالة مرض، ويحتاج إلى من يزوره ويسأل عنه حسب وصية السيد المسيح (مت25: 36، 43). أو قد يكون في مشكلة ويلزمه من يقف إلى جواره فيها… أو قد يكون غيابه عن الكنيسة بداية لتطور أسوأ.. المهم أن افتقاده هو ضرورة لها اهميتها.
وبعض الآباء الكهنة، لهم في كنيستهم، لجنة للافتقاد.
هذه اللجنة تخبره بمن غاب وظروفه: هل هو مسافر، أم مريض، أم متضايق؟؟ أم عنده مشكلة؟ أم بدأ في الانحراف؟ أو أغرته طائفة أخرى؟ أو تعوقه أسباب عائلية؟ أو أسباب خاصة بالعمل، أو بالوقت؟ أو حدثت له حادثة؟ أو رسب في امتحان وهو في خجل من المجيء إلى الكنيسة، أو متأثر لأن الله لم يساعده (حسب تفكيره)!!
قلنا إن الأب الكاهن يفتقد المرضى والغائبين. ومن أيضًا؟
أصحـــاب المشــاكـل
ولا شك أن هؤلاء معروفون له: إما لأنهم قدموا له شكاوى مكتوبة او شفاهية، أو وصلت له أخبارهم، أو تقدموا إلى لجنة الخدمة الاجتماعية. أو لهم مشاكل عائلية وصلت إلى المجلس الإكليريكي. أو لهم مشاكل مالية. أو حدث لهم كوارث معينة.
هؤلاء ليس فقط يفتقدهم، إنما بالأكثر يعمل على حل مشاكلهم.
يقف إلى جوارهم في ضيقتهم، ويحمل عنهم كل ما يمكنه حمله. ويقول كما قال السيد له المجد: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28). كما ينبغي أن يصلي من أجلهم أيضًا، لكي يتدخل الله، ويحل لهم مشاكلهم.
ما أعمق الصلوات التي يقولها الكاهن في نصف الليل:
من أجل كل أحد، وبتفاصيل عجيبة متنوعة، يقول فيها:
“خلص يا رب شعبك… خلص الذين في الشدائد والضيقات والأحزان.. عزِ صغيري القلوب.. نجنا يا سيدي من التجارب الردية، والاشراك المنصوبة المرئية وغير المرئية… اذكر يا رب الأيتام والأرامل، والمنقطعين والعاجزين، والذين ليس لهم أحد يذكرهم… والذين في المطابق والسجون، والذين في السبي والنفي، والمأسورين والمربوطين برباط السلاطين والشياطين…”.
إن الكاهن صاحب العين المفتوحة والقلب الواسع، يتعامل بكل حنو، وبإيجابية مع المتضايقين في شعبه.
ويفتقدهم ليس بمجرد الزيارة، إنما بالعمل من أجلهم. وكما قيل في سفر إشعياء: يبشر المساكين، ويعصب منكسري القلوب. ينادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق.. ويعزي كل النائحين (إش61: 1، 2).
وكما يفتقد الكاهن المرضى والغائبين والمتضايقين وأصحاب المشاكل…
كذلك يفتقد شعبه في مناسبات طقسية:
نذكر من بينها مثلًا: صلاة القنديل، وتبريك المنازل الجديدة.
تــبريــك المنـــــازل
اعتاد آباؤنا قبل أن يسكنوا مسكنًا جديدًا أن يطلبوا الأب الكاهن، ليباركه ويصلي لهم فيه، قبل سكناه. ولهذا طقس ثابت في الكنيسة اسمه “تبريك المنازل الجديدة”. إن لم يكن عندكم، سأطبعه إن شاء الله وأرسله لكم…
وفي هذا الطقس يصلي أيضًا على الماء، ويرشه في البيت.
يرشم هذا الماء، باسم الثالوث، ويرشه في البيت، في كل حجراته، وهو يقول: “بيوت صلاة، بيوت طهارة، بيوت بركه، أنعم بها يا رب علينا، وعلى عبيدك الآتين بعدنا إلى الأبد”. كما في أوشيه الاجتماعات… كما يرش أهل البيت بالماء أيضًا…
يرش الماء على الأبواب، وعلى الجدران أيضًا. ويراعي أنه لا يرش هذا الماء على الأرض التي سيدوسونها بأقدامهم، بينما هو ماء قد بورك بالصلاة عليه. ويمكن أيضًا أن يرش الماء على الفراش والمكاتب ويباركها. ولكن لا يرش في دورة المياه.
على أن طقس مباركة البيوت، يمكن أن يتكرر.
وليس فقط للمنازل الجديدة… وإنما لأي منزل، وبخاصة لو كانت المرة الأولى التي يزور فيها الكاهن هذا المنزل، حتى لو كان قديمًا… وهناك آباء كهنة حالما يدخلون بيتًا، يقولون السلام لهذا البيت حسب وصية الرب لتلاميذه (مت10: 12، 13).
على أن طقس مباركة البيوت، لا يقتصر فقط على الصلاة ورش المياه..
إنما تصحبه بلا شك جلسة روحية مع أهل البيت. فهي ليست مجرد زيارة رسمية، يصلي فيها الكاهن وينصرف. فما أصعب أن يخجله البعض – وهو خارج – بقولهم: “هل تأتي يا أبانا وتنصرف، من غير أن تقول لنا كلمة روحية؟!”.
صـــلاة القنــــديـل
وهي تختلف عن طقس تبريك المنازل، في أن الأب الكاهن يصليها وهو صائم.
وكذلك أهل البيت الذين يرشمهم الكاهن بزيت القنديل، من المفروض أن يكونوا صائمين أيضًا. ولذلك فإن كثيرًا من الآباء الكهنة يصلون صلاة القنديل في البيوت خلال أيام الصوم الكبير، لضمان صوم أهل البيت.
على كل يمكن عمل القنديل في أي يوم، وباتفاق على الموعد لضمان الصوم، وصلاة القنديل هي (سر مسحة المرضى). لذلك فهي أصلًا من أجل المرضى. ولكن الناس اعتادوا أن يأخذوا بركتها، حتى في غير ظروف المرض. كما يحدث في يوم جمعة ختام الصوم، إذ يقام قنديل عام لكل الشعب. مرضى وغير مرضى، ويرشمون كلهم بالزيت المصلى عليه.
وصلاة القنديل في المنازل، فرصة للافتقاد ورعاية البيت الذي يقام فيه. وليس من المناسب أن يقتصر على مجرد الصلاة والرشم بالزيت.
نتحدث عن مجموعه أخرى يفتقدها الأب الكاهن، وهي:
أســـر المتوفــين
المعروف أن أسرة المتوفي تحتاج إلى عزاء، كما تحتاج أيضًا إلى رعاية…
من هنا كان لا بد أن يفتقدها الكاهن ليعزيها. وأول افتقاد يكون غالبًا في يوم الوفاء. ثم يأتي (صلاة يوم الثالث). والمقصود بها التعزية أيضًا، وطمأنة أهل الميت أن راحلهم سيقوم كما قام السيد المسيح في اليوم الثالث. ولذلك فإن إنجيل طقس (صلاة اليوم الثالث) هو عن الإقامة من الأموات…
على أن تعزية أسرة المتوفي لا تقتصر على الطقس.
ولا يكفيها مجرد الزيارة في اليوم الأول واليوم الثالث. بل تحتاج إلى متابعة الزيارات، حتى يبدو الجو شبه طبيعي. وطبعًا سيكون في البيت كثير من المعزين. وهنا واجب الأب الكاهن أن يقول كلمة أو يدير الحديث بما يفيد الجميع…
وإن كان المتوفي هو رب الأسرة، فيحتاج الأمر إلى رعاية لزوجته الأرملة وأبنائه الأيتام، والاطمئنان على تدبير أمورهم بعد وفاة عائلهم… ويقينًا أن الأسرة يلزمها النصح فيما يترتب على الوفاة من أمور عديدة، كبعض الأمور المالية في الميراث والمعاش ومسئولية البيت، وتدخل بعض أفراد من العائلة الكبيرة.
أســــباب أخـــــرى
على أن للافتقاد أسباب ومناسبات أخرى، منها:
1 – افتقاد الذين يطلبون من الأب الكاهن زيارتهم.
المفروض أنه يلبي طلبهم. وأحب أن اذكر هنا ملاحظتين:
أ – أن تكون الزيارة روحية، وليست مجرد محبة أو عمل اجتماعي.
ب – أنها لا تؤثر على افتقاد الآخرين، لئلا يستأثر البعض بالأب الكاهن ويطلبون باستمرار أن يزورهم، بينما يهمل غيرهم. فتكون مثل هذه الزيارات المتتابعة سبب عثرة.
2 – زيارات في مناسبات معينة.
كعيد ميلاد مثلًا، أو عيد زواج، أو مناسبة نجاح، أو مناسبة سفر أو مجيء من سفر، أو أي موضوع خاص يستدعي الزيارة.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث الافتقـــاد 2 بمجلة الكرازة 14/ 4/ 1995





