الإيمان
| الكتاب | الإيمان |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، 2024م |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم نبذة:
الإيمان
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
الإيمان
الإيمان*
آباؤنا الرسل هم الذين أخذنا الإيمان منهم أو كانوا الأواني المقدسة التي حملت الإيمان
الإيمان يمكن أن نأخذه بأربعة معاني:
المعنى الأول، مثلما قال معلمنا بولس الرسول: "وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب11: 1)، ولذلك ما نراه بأعيننا يسمونه "العيان"، لكن ما لا نراه ونؤمن به - "طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا" (يو20: 29) - هذا نسميه "الإيمان"، فمثلًا الإيمان بوجود الله دون أن نراه، هو إِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. وأيضًا نؤمن بالروح دون أن نراها، ونؤمن بالملائكة وبالسماء دون أن نراهم، ونؤمن أيضًا بالقيامة والحياة الأبدية دون أن نرى الحياة الأبدية، إذًا الإيمان هو: "الثقة بأمور لا تُرى"، لا نراه لكن نؤمن به.
المعنى الثاني للإيمان، هو الإيمان كموهبة من الروح القدس.
ولذلك حينما نقرأ عن "مواهب الروح" - وهي ليست لكل أحد، إنما لأصحاب هذه المواهب - نجد ضمن هذه المواهب، الإيمان، فيقول: "فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ.. وَلكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ. فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ، وَلآخَرَ إِيمَانٌ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ، وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ" (1كو12: 4-9).
فهناك موهبة اسمها "موهبة الإيمان" غير الإيمان العادي الموجود عند كل إنسان، كإيمانه بوجود الله وبالملائكة وبالعالم الآخر وبالحياة الأبدية، غير ذلك هناك إيمان كموهبة من الروح القدس وتوجد في (1كو12)، وفي (رو12).
ففي (رو12: 3) يقول: "كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ"، فهذه موهبة، غير الإيمان العادي، وفي الإيمان الذي ينقل الجبال، وهذا نوع آخر.
وهناك إيمان آخر هو ثمر من ثمار الروح كما ورد: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ" (غلا5: 22)، هذا الإيمان في الحياة الروحية. إيمان الإنسان في حياته الروحية يؤمن أن حياته في يد الله، يؤمن أنه يسلم نفسه لله، ويؤمن أن كل الأشياء تعمل معًا للخير، هذا الإيمان في الحياة الروحية. إذًا يوجد:
+الإيمان بأمور لا ترى؛ أي الإيمان بالله وصفاته... إلخ.
+والإيمان الذي هو موهبة من الروح القدس.
+والإيمان الذي هو من ثمر الروح القدس.
الإيمان بالمسيحية
وهناك إيمان آخر وهو الإيمان بالمسيحية غير إيمان الإنسان العادي بالله.
هو أن الإنسان يؤمن أن المسيح ابن الله. ويؤمن بالفداء بالكفارة، بالدم، بالخلاص، بقيامة المسيح، بصعوده، بتجسده، وهذا يحتاج إلى تدخل من الروح القدس، فيقول: "وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (1كو12: 3).
يمكن أن تدخل في الموهبة "المعجزة" ولكن ليس لكل أحد، فهناك شخص قادر أن يصنع معجزة وهذا جانب، وهناك شخص عنده الإيمان الذي يتقبل به المعجزة وهذا جانب آخر، مثلما كان بطرس لديه الإيمان الذي جعله يمشي على المياه، ولكن حينما ضعف إيمانه للحظة سقط في المياه، فالمسيح قال له: "يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟" (مت14: 31)، فهناك إيمان نتقبل به المعجزة، وهذا غير الإيمان الذي يعمل به الشخص المعجزة، هذه كلها أنواع من الإيمان.
الإيمان بالله
الإيمان بالله أي أن تؤمن بوجوده، وبصفاته، وتؤمن بأنه قادر على كل شيء، وأنه موجود في كل مكان، وأنه يفحص القلوب ويقرأ الأفكار ويعرف خفاياك وظواهرك، وتؤمن أيضًا بقداسة الله التي لا تقبل الخطية، وتؤمن بعدل الله الذي يجازي على كل عمل، وتؤمن بمعونة الله وعطفه ومحبته.
الإيمان العملي والنظري
هناك فرقٌ بين الإيمان النظري والإيمان العملي...
الإيمان النظري: هو الإيمان العقلي، الذي عندما تسأل صاحبه هل تؤمن بالله؟ يجيب: أومن جدًا. هل تؤمن أنه قادر على كل شيء؟ يقول: طبعًا. ولكن حينما يقع في مشكلة صعبة أو في مرض شديد أو في حالة موت، وتسأله: هل تؤمن؟ تجد إجابته قد اهتزت، فهناك فرق كبير بين الإيمان النظري والإيمان العملي، لذلك اختبر نفسك هل عندك هذا الإيمان العملي أم لا؟
وأيضًا مثل الذي يردد: "إن ربنا موجود في كل مكان، ويرى كل شيء"، ولكن حينما يرتكب الخطية، لا يرى الله أمامه ولا يفكر فيه. لأن الإيمان النظري شيء والإيمان العملي شيء آخر (وسبق أن تحدثت بالتفصيل عن الإيمان العملي في كتاب حياة الإيمان).
الإيمان بوعود الله
يجب أن تؤمن بكلمة الله وقوتها، وتؤمن بوعود الله، فلولا الإيمان كيف كان الناس يعيشون؟ القديس كيرلس الأورشليمي يقول: "لولا الإيمان ما كانت الزراعة"، لأنك أنت تؤمن أن البذرة لو وضعت في الأرض تُنبت جذرًا وتخرج ساقًا وبعد ذلك تطرح ثمرًا، فلولا أنك تؤمن بهذا لم تكن تزرع، لولا أنك تؤمن أن الخشب يطفو على المياه لم تركب السفينة، لولا أنك تؤمن بعلم الطيران لا تستطع أن تركب الطائرة، ولولا أنك تؤمن بفاعلية الدواء ما كنت تناولته، ولولا إيمانك بالطبيب الجراح ما كنت اخضعت جسدك تحت مشرطه، فيوجد أمور في حياتنا العملية نسلك فيها بالإيمان، ولكن في الأمور الروحية أحيانًا يضعف إيماننا.
نماذج من الإيمان
إبراهيم
الله أعطانا أمثلة قوية جدًا للإيمان في نواح متعددة، وبولس الرسول ذكر الكثير منها في (عبرانيين11)، فتحدث عن إيمان إبراهيم الذي ظهر في عدة أمور..
أول جانب في إيمان إبراهيم هو حينما دعاه الله أن يترك أهله وعشيرته ويذهب إلى مكان آخر، "بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ... فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي" (عب11: 8). ربنا يقول له: اترك كل شيء فيترك ويمشي وهو لا يعلم إلى أين يذهب؟! كذلك نرى إيمان إبراهيم، حينما قال له الله: "سأعطيك ابنًا"، وهو قد شاخ وامرأته أصبحت في وضع غير قابل للحمل بالنسبة لطبيعة النساء، لكنه آمن فأُعطى ابنًا.
وأيضًا عندما قال الله لإبراهيم اذبح إسحاق وقدمه محرقة، فآمن أنه حتى لو مات إسحاق أن الله قادر أن يقيمه من الأموات ويعطيه نسلاً (عب11: 19)، كل ذلك يوضح كيف كان إبراهيم راسخًا في الإيمان، ويحيا بالإيمان.
وهناك الإيمان أيضًا في التجارب والضيقات.
مثل إيمان دانيال حينما ألقى في جب الأسود، ومثل إيمان الثلاثة فتية حينما ألقوا في النار، ومثل إيمان الشهداء بأنهم حتى لو ماتوا سينالوا الحياة الأبدية. لولا إيمان الشهداء كل الإيمان بالأبدية وبالعالم الآخر، وأن المؤمن ينطلق ويكون مع المسيح، لم يكن أبدًا يقدم نفسه للموت. فالاستشهاد ليس مجرد شجاعة فقط، لولا الإيمان القوي لم يقدم نفسه للموت، وهو مؤمن أن الله يرعى أولاده وزوجته وعائلته، ومؤمن بما بعد الموت، ومن أجل هذا يقبل الموت.
الإيمان بالله يجعل الإنسان يمشي فوق المياه بدون خوف، مثل بطرس حينما مشى مع المسيح (مت14: 29، 30) لكن الذي يهتز إيمانه لا يستطيع ذلك.
إن أردت أن تسير مع الله يجب أن تؤمن أن الله يهتم بك.
إيمان الآخرين
ربما بإيمانك يكون لك خيرًا، وربما أيضًا بإيمان الغير يحدث لك خيرًا.
المفلوج لم يتحدث عنه الكتاب المقدس أنه مؤمن، بالعكس، كان رجل خاطئ والمسيح في البداية خلّصه من خطيته قبل أن يشفيه، لكن بإيمان الذين حملوه ونقبوا السقف ودلوه حدثت المعجزة، فممكن أن تحدث معجزة لشخص بسبب إيمان غيره.
نفس الوضع بالنسبة لابنة المرأة الكنعانية لم يقل الكتاب المقدس إن ابنة المرأة الكنعانية كانت مؤمنة بل المرأة الكنعانية ذاتها هي التي كانت تؤمن، ومن أجل إيمانها شُفيت ابنتها والمسيح قال لها: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ" (مت15: 28)، ومن أجل إيمانها شُفيت الفتاة، بإيمان الغير...
أيضًا قائد المئة الذي كان غلامه مُشرفًا على الموت، والمسيح كان ذاهبًا ليشفيه، قال له: "يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ" (مت8: 8- 9)، فالمسيح فرح به وقال: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10)، ومن أجل إيمانه شُفي الغلام في نفس اللحظة، فربما تأتي للإنسان بركة بإيمان غيره، وهكذا نحن في الكنيسة نقبل أن الابن يتعمد على إيمان أبويه وتناله البركة أيضًا.
الأطفال الصغار الأبكار في وقت خروف الفصح، نجوا بإيمان والديهم بالدم وفاعليته، الذين عَلَموا الأبواب بالدم فعَبر المُهلك.. وبإيمان الآباء نجا الأطفال من الموت. كذلك الأطفال الذين عبروا البحر وهم لا يؤمنونَ ولا يعرفون حكاية شقّ البحر، وكل أم كانت تحمل ابنها على كتفها نجا بإيمان أمه، فممكن بإيمان واحد يخلص الكثيرين.
الله قال عن أهل سدوم: إن وجد فيها عشرة تخلُص المدينة من أجل العشرة "لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ" (تك18: 23)، لكن للأسف لم يكونوا موجودين! فممكن إيمان واحد يخلص آخرين كثيرين.
بإيمان موسى النبي حدث الخلاص للشعب كله، بينما الشعب كان مترددًا وضعيف وتذمروا على موسى وسخروا منه قائلين: "هَلْ لأَنَّهُ لَيْسَتْ قُبُورٌ فِي مِصْرَ أَخَذْتَنَا لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟" (خر14: 11).
عدوى الإيمان
إيمان شخص واحد ممكن أن ينتقل لآخرين؟!
إن الأمور الروحية والنفسية يمكن أن تنتقل من شخص لآخر، كما ينتقل أحيانًا المرض بعدوى من شخص لآخر. في الأمراض النفسية ممكن المرض النفسي ينتقل من شخص لآخر، مثل شخص عنده كآبة يجعل الباقيين عندهم كآبة، شخص عنده شك ينشر شكوكه، ويصبح الكل لديهم شكوك، شخص بطبعه يخاف من كل شيء تجد من حوله انتقل لهم شعور الخوف.
كذلك الخير والبركة أحيانًا تنتقل من شخص لآخر. فالإيمان ينتقل من شخص لآخر. والبركة تنتقل من شخص لآخر، والسلام القلبي ينتقل من شخص لآخر. تجد إنسان وسط الضيقة مملوء بالسلام بل وينقل سلامه لأي إنسان مضطرب. لذلك حينما تكونوا مؤمنين حقيقيين ممكن الإيمان ينتقل منكم إلى آخرين ويصبحوا هم أيضًا مؤمنين.
قوة الإيمان
إن الإيمان قوة جبارة تستطيع أن تفعل كل شيء، قوة تستطيع أن تقف بها ضد الأعداء مثلما وقف داود الطفل بإيمانه ضد جليات. قوة تقف ضد الشياطين كما قال الرسول: "فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 9)، ويمكن أن تقف بدرع الإيمان أمام الشيطان، والشيطان يخاف من إيمانك.
الإيمان قوة جبارة، تستطيع بها أن تقول للجبل: انتقل، فينتقل! وأقوى آية في هذا الموضوع هي آية: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23)، وأسهل منها آية "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (لو18: 27)، لأن عند الله كل شيء مستطاع الله وهذا أمر طبيعي، لكن إن كل شيء مستطاع للمؤمن؟! كيف؟
لأن المؤمن لديه قوة جبارة تقدر على كل شيء! بولس الرسول في إيمانه يقول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ (في الإيمان) فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13)، إن ضعفت في يوم من الأيام، إن خارت قواك، إن ضعفت روحك المعنوية، إن اضطربت من داخلك، اعرف أن السبب ضعف إيمانك. لأن المؤمن يقف مثل الأسد لا يهتز أبدًا، الكتاب يقول لك: "اِسْمُ الرَّبِّ بُرْجٌ حَصِينٌ، يَرْكُضُ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ وَيَتَمَنَّعُ" (أم18: 10)، فتستطيع بالإيمان أن تعمل أي شيء ولا يقدر عليك أحد أبدًا.
الآباء السواح بالإيمان عاشوا وسط الوحوش، ووسط الدبيب والحيات والعقارب، وفي أماكن لا خضرة فيها ولا ماء، وكان الرب ييسر لهم كل شيء بالإيمان.
بالإيمان أنبا أنطونيوس عاش في مقبرة مدة من الزمن، ولم يحدث له شيئًا.
بالإيمان مار إفرام السرياني غرس العصا فصارت شجرة.
بالإيمان تحدث بولس الرسول عن هؤلاء الناس فقال: "وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ..." (عب11: 32- 34)، "بالإيمان يعمل كل حاجه".
لذلك الإيمان هو وديعة إلهية في قلب الإنسان يشتهي الفلاسفة جزءًا منها ولا يجدون، الفيلسوف رغم أن عقله كبير ومتسع الفكر وعميق وذكي وواسع الاطلاع والتفكير، لكنه يشتهي جزءًا بسيطًا من إيمانك ولا يجده. يقولون إن في إحدى المرات رأى فيلسوف فلاحًا ساجدًا على الأرض ورافع يده يتضرع لله من كل قلبه، فوقف أمامه مذهولًا، وقال له: "أتمنى لو تؤخذ مني كل فلسفتي وأُعطى جزءًا بسيطًا من إيمان هذا الرجل الراكع الذي يكلم واحد لا يراه".
اطلب الإيمان من الله
الإيمان قوة جبارة اطلب من الله أن يعطيك إيمانًا، وإن لم تستطع اطلب الإيمان بالصلاة، صلَّ كي يعطيك الرب إيمانًا مثل الرجل الذي قال له المسيح: "إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ؟"، قال له: "أُومِنُ يَا سَيِّدُ، فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي" (مر9: 23، 24)، "أومن لكن قوي إيماني الضعيف، وشدده، وأعطني معونة إلهية من عندك"، وما دام الإيمان يُعطَى من الروح القدس، اطلب من روح الله أن يعطيك إيمانًا.. قل له: "أعطني يا رب إيمانًا".
توبة الإيمان
بالإيمان تستطيع أن تتوب، حتى ولو شعرت أنك لا تستطيع التوبة بسبب الخطية التي باتت جزءًا من طباعك وطبيعتك، لكن لو تؤمن أن الله قادر أن يخلصك من الخطية ستحيا في حياة القداسة، فقط آمن بقدرة الله ومعونته، وأنه قادر أن يسير معك في الطريق ويمسك بيدك.
مثلما قال السيد المسيح لبطرس: "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ..." (لو22: 32). بطرس لم يصلّ من أجل إيمانه الشخصي لأن كان لديه بعض الغرور في ذلك الحين لدرجة قال: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!" (مت26: 35) وقال: "إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ!" (يو13: 37)، كان واثقًا في نفسه أكثر مما يجب، وحينما قال المسيح: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ..." (مت 26: 31)، بدلاً من أن يقول: "أعطني يا رب الإيمان ولا تسمح أن أنكرك"!!
ولما لم يصلي من أجل نفسه، قال له المسيح: "طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ.." (لو22: 32).
التسليم والإيمان
الإيمان يعني أن تؤمن بالله ليس مجرد إيمان عقيدي، بل تؤمن وتثق به، وتتكل عليه وتسلمه حياتك، لأن حياة التسليم هي ابنة لحياة الإيمان، هذا الإيمان لا بد أن يجعل عندك حياة الطاعة أيضًا، لأنه من غير المعقول أن تؤمن بالله ولا تطيعه، أو تكسر وصاياه.
إذًا الإيمان يشمل حياة الطاعة وحياة التسليم، وأيضًا حياة الشجاعة...
الإيمان الذي لا يخاف، أما الذي يخاف فإيمانه ضعيف. أي إنسان يخاف بأي طريقة يكون إيمانه ضعيف بلا شك، فحينما يقول أحد: "أنا خائف من الموضوع الفلاني" يكون إيمانه ضعيف في هذه المشكلة، لأن "لو إيمانك قوي عمرك ما تخاف".
لذلك السيد المسيح درب اثني عشرَ أسدًا من الأسود (الآباء الرسل) ألا يخافوا أبدًا، فكانوا جبابرة، كان كل رسول يلقى في السجن الداخلي، أي داخل الحفر في أماكن بعيدة عن الشمس والهواء مليئة بالرطوبة، ورجليه مربوطة في المقطرة ويظل يسبح حتى منتصف الليل، فهل مثل هذا الشخص يخاف؟!
أو مثل 30 ألف شخص يخرجون من دمنهور حتى الإسكندرية للاستشهاد وهم يرتلون في الطريق، لا يوجد خوف في داخلهم، أما من يخاف فليس لديه إيمان، ولو لديك إيمان في قلبك مثل الحديد بل ربما ينثني الحديد بالنار أما قلب المؤمن لا ينثني أبدًا، أشد من الحديد.
الإيمان ليس كلام، فحينما تؤمن بالله هذا يعني أنك مستعد أن تبذُل من أجله وإلاَّ لا يكون إيمان، بالإيمان تأخذ المواهب التي بعد الإيمان، فيقول الكتاب المقدس: ِ"يَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ" (أف3: 17)، أنت تؤمن فتعد نفسك لعطايا الروح القدس، تؤمن فتحيا في سلام القلب، لأن السلام أيضًا من أبناء الإيمان.
الإيمان المثمر
بالإيمان أيضًا تخلُص، فلا يوجد خلاص بدون إيمان، ولكن الإيمان الذي تخلص به هو ".. الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ" (غلا5: 6).
الإيمان المثمر هو الإيمان المصحوب بالأعمال والثمر، هو إيمان عامل بالمحبة، فيقول: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي" (عب10: 38)، هناك كثيرون يعيشون بالإيمان، حياتهم هي حياة الإيمان، حينما تسأله عن شيء معين يمتلكه، يؤكد أن ليس لديه، لكن يقول: "عندي إيمان إن ربنا يحل الموضوع"، مثل إنسان يكون داخل في مشروع للخدمة ويمكن المشروع أن يتكلف 100 ألف جنيه مثلاً، وحينما تسأله عن توافر قيمة المشروع فيؤكد أن ليس لديه سوى القليل من الجنيهات من المبلغ المطلوب ولكن لديه الإيمان أن ربنا سيتدخل ويرسل قيمة المشروع كاملة.
إيمان مار مرقس
القديس مار مرقس حينما جاء إلى مصر كان لا يملك شيئًا،
وكان ماشيًا على قدميه لا يمتلك سيارة مثلاً تساعده في خدمته، وحذاؤه كان باليًا قديمًا ممزقًا، وذهب لإصلاحه عند رجل إسكافي. إلى أين أنت ذاهب يا مرقس؟ ذاهب لأبشر في مصر، وأؤسس هناك كنيسة، على الرغم من أنه لا يوجد هناك مؤمنين أو كنائس أو مباني، ولا يوجد شعب أو أموال أو واسطة! لا أعرف أحدًا، بل إن أول مَن تعرفت عليه هو رجل إسكافي! ما الذي تملكه إذًا؟!!
أملك الإيمان، الذي به سأدخل مصر وأؤسس فيها كنيسة تكون من أكبر الكنائس. ففي وقت البابا ألكسندروس التاسع عشر السابق للقديس أثناسيوس الرسولي، - الذي في عهده عُقد مجمع نيقية المسكوني المقدس،- البابا ألكسندروس في مشكلة أريوس عقد مجمع مقدس مكاني بالنسبة للكرسي المرقسي في مصر وليبيا، حضره 100 أسقف في بداية القرن الرابع، كيف أتى كل هؤلاء؟ أتوا من إيمان مار مرقس، الذي دخل بالإيمان حتى أصبحت مصر "الكرازة المرقسية"، هذا هو الإيمان.
صلِّ وقل: "يا رب أعطني إيمان وكفى"، فبالإيمان يمكن لي كل شيء، والإيمان هذا ليس مجرد إيمان نظري، لكنه إيمان عامل، ومثمر، وقوي.
الإيمان درجات
يستطيع الإنسان أن ينمو في الإيمان، فليس من الضروري أن يبدأ بالدرجات العليا، لكن يمكن أن ينمو في الإيمان، مثلما ينمو في كل فضيلة وفي كل موهبة، تكون عنده المحبة وينمو في المحبة، تكون عنده القداسة وينمو في القداسة، تكون عنده الحياة الروحية وينمو فيها، حتى يصل للكمال، كذلك الإيمان الإنسان ممكن أن يبدأ قدر أصغر من حبة الخردل، حتى ينمو في الإيمان، وبالإيمان تجد كل شيء وصل إليه.
يقول يوحنا عن غرض كتابة إنجيله: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو20: 31). بالإيمان تكون لك حياة.
الإيمان الواحد ممكن أن ينمو فيه الشخص بالتدريج.
فمريم ومرثا، لم يكن لديهن الإيمان بأن المسيح قادر على إقامة لعازر، ولذلك السيد المسيح أعطاهن الإيمان خطوة خطوة، ففي بداية الحديث حينما سألته عن تأخره عليهن قالت: "يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!" (يو11: 31)، فكان كل تفكيرها أنه بوجود المسيح ما مات لعازر، لكن لم يخطر ببالها أنه يمكن أن يقوم بعد الموت، ثم قال لها: "سيقوم أخوكِ"، قالت له: "نعم سيقوم في اليوم الأخير"، لم يكن الإيمان أنه سيقوم الآن موجود أبدًا، والمسيح ظل يقوي ويشعل في هذه الفتيلة المدخنة حتى آمنت مرثا، وآمنت مريم، وبإيمان مريم ومرثا قام لعازر، طبعًا لعازر لم يكن عنده الإيمان أنه سيقوم، لكنه قام بإيمان أختيه.
فالإيمان ممكن الإنسان يتدرج فيه شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى قمة الإيمان الذي يريده، والمسيح كان يطلب الإيمان يمكن في معجزات الشفاء كلها. فنرى المرأة نازفة الدم "قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: إِنْ مَسَسْتُ ثَوْبَهُ فَقَطْ شُفِيتُ" (مت9: 21)، قال لها: "إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ" (لو8: 48)، شُفيت بالإيمان. والأعميان حينما صرخا يقول الكتاب: "حِينَئِذٍ لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا قَائِلاً: بِحَسَب إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا" (مت9: 29)، وأنتَ هل عندك هذا الإيمان؟
الصلاة بإيمان
لذلك يجب أن الإيمان يدخل في الصلاة، يقول: "وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ..." (يع1: 6)، لأن الشخص المرتاب لا يظن أنه يقدر أن ينال شيئًا. والمسيح يقول: "كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ" (مر11: 24)، فلا بد أن يكون عندك إيمانك إنك ستنال فيقول: "وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ" (يع5: 15)، ومعلمنا يوحنا يقول: "وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا" (1يو5: 14). وفي (مت21: 22): "كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ"، إذًا حينما تصلي لا بد أن تكون مؤمنًا، حتى لا تضيع الفرصة في عدم الإيمان.
*عظة الإيمان، لقداسة البابا شنوده، بمناسبة عيد الآباء الرسل، بتاريخ 15يوليو 1987م، لم تُنشر في كتاب حياة الإيمان.



