الإرادة كيف تقوى وكيف تضعف؟

كلمتكم من قبل عن الضمير، ونواحي القوة والضعف التي يتعرض لها. واليوم أحب أن أكلمكم عن الإرادة، ومركزها بالنسبة إلى الإنسان، وكيف تقوى وكيف تضعف؟ …
الإرادة كيف تقوى وكيف تضعف؟1
هناك كثيرون يقولون إنهم يحبون الخير، ولكنهم عاجزون عن عمله، ولسان حالهم قول الرسول ” ولكن أن أفعل الحسنى، لست أجد. فالشر الذي لست أريده، إياه أفعل “. ويعللون ذلك بأن إرادتهم ضعيفة.
وهنا نبحث الموضوع من النقاط الأتية:
1- هل تستطيع أن تقاوم الخطية أم أنت تضعف أمامها؟
2- هل بسهولة تقدر أن تعمل الخير أم بتغصب؟
3- عندما تكون إرادتك ضعيفة هل تبذل جهدك لتقويتها؟
4- هل إرادة ضعيفة أصلا، أم بسبب إهمالك الروحي؟
أن أصل إرادة الإنسان ميالة للخير، كصورة الله. لذلك فإن ضعف الإرادة وعدم قدرتها على الخير، أمر دخيل على الإنسان.
الميل إلى الخير هو الأصل في الإنسان. أما الميل إلى الشر، فأمر دخيل عليه، لابد أن نبحث عن أسبابه…
بإمكان الإنسان – وبخاصة في نعم العهد الجديد – أن يسير في طريق الرب. فما الذي يدفعه إذن إلى الخطية؟
حواء مثلا: عندما خلقها الله، لم تكن فيها خطية ولكنها اخطأت حينما اشتهت. وكيف اشتهت؟ حدث ذلك لما أدخل الشيطان إلى قلبها الشك، والشهوة أن تصير مثل الله…
وبالشهوة ضعفت الإرادة. وحينئذ عجزت عن المقاومة، فأخطأت.
حينما تدخل الشهوة إلى القلب تضعف الإرادة. وكلما ازدادت الشهوة ضغطت على الإرادة بشدة… لذلك فمن عوامل تقوية الإرادة، معالجة الشهوة وطردها من القلب.
ومما يضعف الإرادة ويقوى الشهوة، القرب من مادة الخطية.
قال أحد الآباء: وأنت بعيد عن مادة الخطية، قد تحارب من الداخل فقط. أما وأنت قريب من مادة الخطية، فانه تقوم عليك حربان: أحدهما من الداخل، والأخرى من الخارج.
لذلك على الإنسان الحكيم أن يبعد عن العثرات وعن كل أساب الخطية، لكي لا تضعف إرادته أمام العثرات.
ومن ضمن هذه الأسباب البعد عن المعاشرات الرديئة، التي قال الكتاب إنها ” تفسد الأخلاق الجيدة “…
مما يضعف الإرادة أيضاً عنصر المدة، والاستدامة…
إن حاربتك الخطية، فقاومها للتو، ولم تستبقها، تجد إرادتك قوية، قادرة على طرد الخطية. أما إن تركتها ترعي في قلبك، وتدغدغ حواسك، وتلعب بعواطفك، وتغري نفسك، وتقنع عقلك، فإنها بطول المدة تقوى عليك، وتضعف إرادتك عن مقاومتها. وإن انتصرت يكون ذلك بمجهود كبير وبتدخل النعمة…
فرق كبير بين أن تنزع الخطية وهي عشب في الأرض، أو أن تحاول نزعها بعد أن تتأصل جذورها ويرتفع جذعها عالياً في الهواء. ولهذا حسناً قال المزمور “طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة ” والصخرة كانت المسيح.
إن أتاك فكر خاطئ، وطردته بسرعة، تكون إرادتك قوية.
أما إن أخذت مع الفكر وأعطيت، واستمر الفكر فترة في ذهنك، فحينئذ يكون طرده بصعوبة.
لهذا فالسرعة لازمة. والبطء يساعد على اضعاف الإرادة
حسناً إن يوسف الصديق هرب بسرعة من وجه الخطية. وكذلك الابن الضال لم يبطئ في تقديم التوبة، وإنما قال ” أقوم الآن وأذهب إلى أبى”: وقام لتوه وذهب.. وإبراهيم أبو الآباء لما اتاه الأمر أن يقدم ابنه الوحيد محرقة، لم يتباطأ ولم يعط للأفكار فرصة لمحاربته، بل بإرادة قوية ” بكر صباحًا جدًا، وأخذ الحطب والسكين “..
كذلك أنت إن تباطأت في دفع عشورك، قد تضعف إرادتك عن دفعها، وتعطي فرصة للشيطان يخترع فيها معوقات…
لما تباطأ (لوط) في الخروج من سادوم، دفعه الملاكان، وأمراه بالإسراع. وزكا، قال له المسيح (أسرع) وأنزل…
إنها دفعة من النعمة، أسرع في الانتفاع بها وأنت ميال للخير، قبل أن يتدخل الشيطان ويضعف إرادتك بأسبابه.
أية علاقة آثمة أو أية مادة رديئة، أو أيه خطية، غالباً كانت الإرادة قوية في أولها، وكانت تقدر على التخلص منها ولكن بمرور الوقت، بدأت تضعف…
في قصة قايين قال له الله ” على الباب خطية رابضة… وأنت تسود عليها… فلما استمرت داخله، أصبحت هي التي تسود عليه.
إن محاربات الخطية تحتاج إلى عمل حاسم للتخلص منها، لأن التراخي والتباطؤ والتكاسل، يعطي فرصة لإضعاف الإرادة. إن شمشون لما طالت المدة في الحاح الخطية عليه، ضعف أخيراً.
إن الإنسان عبارة عن مجموعة من الأجهزة الحساسة. كل شيء يؤثر عليها بالخير أو الشر، ويزيد التأثير بالمدة …
تؤثر عليه الأفكار، والحواس، والمشاعر الداخلية، والأسباب الخارجية، البيئة، المعاشرات، والسماعات… الخ.
كثيراً ما تضعف إرادتنا، لأننا لم نكن حازمين وحاسمين في معالجة الاسباب التي تضعف الارادة…
بسبب تهاوننا وتراخينا، نفقد قوتنا ونقف موقف الضعف. فليتنا نكون متيقظين باستمرار وساهرين على خلاص نفوسنا…
من الأسباب التي تضعف إرادتنا أيضاً، البعد عن وسائط النعمة. لأنه لا طالما نحاط بجو روحي، تكون إرادتنا قوية.
هناك عوامل روحية كالصلاة والتأمل والقراءة الروحية والاجتماعات الروحية، والمداومة على التناول والاعتراف، والتأثر بالصداقات الروحية، كلها تلهب القلب بمحبة الله، وتقوى الإرادة في الالتصاق بالرب، وتعطي مناعة اثناء مقاومة الخطية.
ولكن إذا بعد الإنسان عن الوسائط الروحية، تضعف روحياته، ويقل ميله نحو الخير، وتصير إرادته سهلة الانجذاب نحو الخطية.
وينتهز الشيطان الفرصة فيضربها، وليس حولها سلاح روحي يقوى عزيمتها في مقاومته، إذ تبعد عن الهاتف الداخلي الذي يدعوها إلى الله.
أنظروا إلى لوط، لقد كانت نفسه البارة تتعذب كل يوم في سادوم لأنه فقد واسطتين روحيتين: عشرة ابراهيم القديس، والوجود إلى جوار المذبح…
سادوم لم يكن فيها المذبح ولا ابراهيم، لذلك ضعفت إرادة إمراه لوط وهلكت، وضعفت إرادة ابنتيه ووقعتا في الخطية. ولوط نفسه لم يعد في قوته الاولى.
لأهمية الوسائط الروحية في تقوية الإرادة، يقول الكتاب عن الرجل البار إنه” كشجرة مغروسة على مجاري المياه ” اي متصلة بينابيع الغذاء الروحي باستمرار، لذلك تكون قوية ومثمرة على الدوام.
إذن الإرادة يمكن أن تقوى وان تضعف. ان منتحتها اسباب القوة تقوى. وإن عرضتها لعوامل الضعف تضعف
بطرس وهو موجود في جو روحي مع السيد ومع التلاميذ، امتلأ بالقوة التي قال بها ” ولو انكرك الجميع انا لا انكرك ”
“ولو ادى الأمر أن أموت معك “. ولكن بطرس نفسه، وهو في وسط آخر مع جواري وعبيد رئيس الكهنة ضعفت إرادته، فسب ولعن وقال: لا أعرف الرجل!!
وأنت ما هو الوسط الذي يحيط بك؟ وهل يقوى إرادتك أم يضعفها؟ هل عوامل التسلية والترفيه التي تحيط بك تقوى إرادتك نحو الخير؟ وتعطيك مقاومة للخطية؟ ام العكس؟ هل اصدقاؤك ومعارفك واصحابك الذين تقضي معهم وقتك، يشجعونك على الالتصاق بالله.
مسألة أخرى تؤثر على الإرادة وهي عامل التدرج:
إن الخطية قد لا تحاربك دفعة واحدة بوجه مكشوف، بل قد تتدرج معك تدرجاً طويلاً لا تشعر به حتى تقع في الهوة! وربما تكون الخطوة الأولي التي تقودك إلى الخطية، ليست في حد ذاتها خطية واضحة … وبهذا التدرج تسلب إرادتك شيئاً فشيئاً دون ان تحس!
من ضمن الاشياء التي تضعف الارادة وتقويها، الفكر:
إن كانت أفكارك متعلقة بالله باستمرار، وبالعمل الروحي، تجد إرادتك قوية، مستعدة كل حين لعمل الخير. أما إذا انشغل فكرك بالمحاربات الشيطانية، أو حتى بالأمور العالمية والمادية، أو ظل فكرك متغرباً عن الله مدة طويلة، فحينئذ لا تكون إرادتك في نفس القوة التي تساعدها على المقاومة.
من العوامل الأخرى التي لها تأثير على الإرادة: التغصب.
هل أنت باستمرار تدلل نفسك، وتعطيها ما تهواه؟ أم أنت تقف بحزم وتغصب نفسك على العمل الروحي؟ ولا تطاوع رغباتك في كل شيء؟ إن كنت باستمرار تجاهد نفسك، ستقوى إرادتك بلا شك. أما إن قادتك الرغبة وحب الراحة وإطاعة الهوى، فإن إرادتك ستفقد كل سيطرتها …
إن أعطيت نفسك هواها، فأين إذن الالتزام؟ وأين المبادئ والقيم؟ وأين قوة الإرادة.
المسألة تحتاج إلى جدية، وإلى الانتصار على العقبات…
الإنسان الجاد في حياته الروحية لا يتراخى ولا يتراجع، ولا يفشل ولا ييأس، ولا يعترف بعقبات، وإنما يبذل جهده للانتصار على كل عقبة تصادفه…
داود أمام جليات كانت تقف أمامه عقبات تدعو إلى اليأس، لكنه بالإيمان تصدى لها وانتصر…
أهم نقطة أقولها في موضوع الإرادة هي محبة الله:
وأيضاً عمل النعمة في القلب …
إن ملكت محبة الله على القلب، ستملك الإرادة أيضاً، والمحبة تقود الإرادة إلى الخير. وحتى إن ضعفت الإرادة تقودها النعمة، بإلقاء النفس أمام الله طلباً للمعونة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة – العدد الثالث والأربعون 27-10-1978م




